المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
يقع كتاب المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني ضمن نطاق تخصص علوم اللغة ووثيق الصلة بالفروع الأخرى مثل الشعر، والقواعد النحوية، والصرف، والأدب، والبلاغة، والآداب العربية. تأليف إنعام فوال عكاوي
الجذور
- الإِضْمَارُ
الإِضْمَارُ مِنَ الضَّمْرِ ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي تَضْمُرُهُ فِي قَلْبِكَ ، وَأَضْمَرْتَ الشَّيْءَ : أَخْفَيْتَهُ ، وَهُوَ مُضْمَرٌ وَمُضْمِرٌ . قَالَ يَحْيَى العَلَوِيُّ : إِنَّ نَصْرَ الشَّأْنِ وَالقِصَّةِ أَيْضًا يَأْتِي عَلَى سَبِيلِ المُبَالَغَةِ فِي تَضْخِيمِ تِلْكَ القِصَّةِ وَشَأْنِهَا وَإِيرَادِ البَلَاغَةِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ إِضْمَارِهِ أَوَّلًا وَتَفْسِيرِهِ ثَانِيًا ، فَالقَصْدُ المُهِمُّ أَدْعَى إِلَى الشُّوقِ وَالتَّفَكُّرِ ، فَلِهٰذَا حَصَلَتْ فِيهِ البَلَاغَةُ ، وَعَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ ، وَالإِلْهَامُ يَأْتِي فِي المَوَاضِعِ البَلِيغَةِ المُخْتَصَّةِ بِالتَّعْظِيمِ ، وَمِنْهُ الإِضْمَارُ فِي « نِعْمَ » وَ « بِئْسَ » ، فَقَدْ أَضْمَرَ عَلَى سَبِيلِ المُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ وَالمَدْحِ ، وَمِثْلُ هٰذَا القَصِيرِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ المُبْتَدَإِ وَالخَبَرِ وَعَوَامِلِهِمَا ، وَهُوَ العِمَادُ أَوِ الفَصْلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَكُنْتُمْ تُرَابًا فَإِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴾ (١) ، وَقَوْلُهُ كَذٰلِكَ : ﴿ كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ﴾ (٢) ، وَقَوْلُهُ : ﴿ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ﴾ (٣) ، وَ « هُمْ » لِلتَّأْكِيدِ ، لِأَنَّ الكَلَامَ مِنْ ذِكْرِ أَفْعَالٍ ، وَلَوْ قِيلَ : « وَالكَافِرُونَ الظَّالِمُونَ » ، بِإِسْقَاطِ الضَّمِيرِ ، لَكَانَ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الحَالَتَيْنِ فِي التَّأْكِيدِ وَعَدَمِهِ ، وَهِيَ مُفِيدَةٌ لِلِاخْتِصَاصِ ، أَيِ : إِنَّهُمْ لِلْكُفْرِهِمِ اخْتَصُّوا بِزِيَادَةِ الظُّلْمِ الفَاحِشِ .
- الإِضْمَارُ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ
الإِضْمَارُ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ : هُوَ أَنْ يُحْذَفَ مِنْ صَدْرِ الكَلَامِ مَا يُؤْتَى بِهِ فِي آخِرِهِ ، فَيَكُونَ الآخِرُ دَلِيلًا عَلَى الأَوَّلِ . وَقَدْ قَسَّمَ ابْنُ الأَثِيرِ هٰذَا الفَنَّ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : الأَوَّلُ : أَنْ يَأْتِيَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ ، فَتَذْكُرَ الجُمْلَةَ الأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ . ____________________ (١) سُورَةُ القَصَصِ ، آيَةٌ رَقْمُ (٥٨) . (٢) سُورَةُ الزُّمَرِ ، آيَةٌ رَقْمُ (٧٢) . (٣) سُورَةُ الزُّمَرِ ، آيَةٌ رَقْمُ (٧٢) . اللَّهُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١) بِمَعْنَى : أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ كَمَنْ قَسَا قَلْبُهُ ، وَدَلَّ عَلَى المَحْذُوفِ قَوْلُهُ : « فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ » . الثَّانِي : يَرِدُ عَلَى حَدِّ النَّبِيِّ وَالْإِبْيَاتِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ﴾ (٢) بِمَعْنَى : لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ وَمَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِهِ وَقَاتَلَ ، وَيَدُلُّ عَلَى المَحْذُوفِ قَوْلُهُ : ﴿ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ﴾ . الثَّالِثُ : أَنْ يَرِدَ عَلَى غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، فَلَا يَكُونُ انْسِيَاقُهُ ، وَلَا لِفَاءً وَإِيتَاءً ، وَذٰلِكَ كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ : [ الْكَامِلُ ] يُحَسِّبُ الْآثَامَ ثُمَّ يَتْخَافَهَا ... فَكَأَنَّمَا حَسَنَاتُهُ آثَامُ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَكُنْتُ سُئِلْتُ عَنْ مَعْنَاهُ ، وَقِيلَ : كَيْفَ يَنْطِقُ عَجْزُ الْبَيْتِ عَلَى صَدْرِهِ ، وَإِذَا تَجَنَّبَ الْآثَامَ وَخَافَهَا كَيْفَ تَكُونُ حَسَنَاتُهُ آثَامًا ؟ وَمِنَ الْإِضْمَارِ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ : [ الْمَدِيدُ ] سَنَةُ الْعُشَّاقِ وَاحِدَةٌ ... فَإِذَا أَحْبَبْنَا اسْتَوْحَشْنَا فَحَذَفَ لَفْظَ الِاشْتِكَانَةِ مِنَ الْأَوَّلِ وَذَكَرَهُ فِي الثَّانِي ، أَيْ سَنَةُ الْعُشَّاقِ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ الِاشْتِكَانَةُ فَإِذَا أَحْبَبْنَا اسْتَوْحَشْنَا . (١) سُورَةُ الزُّمَرِ ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٢) . (٢) سُورَةُ الْحَدِيدِ ، آيَةٌ رَقْمُ (١٠) .
- الإِطَالَةُ
الإِطَالَةُ : مِنْ طَالَ الشَّيْءُ طُولًا وَطَالَتْهُ أَيْ حَدَثْتُهُ وَجَعَلْتُهُ طَوِيلًا . إِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ لَا يُحِبُّونَ الْإِطَالَةَ ، بَلْ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ لَا يَكَادُ يَتَكَلَّمُ ، قَالَ الْجَاحِظُ فِي عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ : « كَانَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ لَا يَكَادُ يَتَكَلَّمُ فَإِذَا تَكَلَّمَ لَمْ يَكَدْ يُبْطِلُ ، وَكَانَ يَقُولُ : لَا خَيْرَ فِي الْمُتَكَلِّمِ إِذَا كَانَ كَلَامُهُ لِمَنْ شَهِدَهُ دُونَ نَفْسِهِ ، وَإِذَا أَطَالَ الْكَلَامَ عَرَضَتْ لِلْمُتَكَلِّمِ أَسْبَابُ التَّكَلُّفِ ، وَلَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ يُؤْتِيكَ بِهِ التَّكَلُّفُ » . وَقَدْ عَرَّفَ ابْنُ جِنِّي الإِطَالَةَ وَقَالَ : « الإِطَالَةُ وَالإِيجَازُ جَمِيعًا إِنَّمَا هُمَا فِي كُلِّ مُفِيدٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ » . ثُمَّ تَبِعَ الجَاحِظَ وَقَالَ : « فَالإِطَالَةُ لَهَا مُقْتَضَاهَا ، وَلِلإِيجَازِ مُقْتَضَاهُ فِي الكَلَامِ » ، وَقَدْ قِيلَ الإِطَالَةُ فِي نَفْسِهِ ، فَقَالَ : « وَإِذَا ابْتُلِيتَ بِقَضِيَّةٍ لَا بُدَّ لَكَ فِيهَا مِنَ الإِطَالَةِ فَقَدِّمْ أَحْكَامَ البَلَاغَةِ فِي طَلَبِ السَّلَامَةِ مِنَ الخَطَلِ قَبْلَ التَّقَدُّمِ فِي أَحْكَامِ البَلَاغَةِ فِي شَرَفِ التَّجْوِيدِ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُعَدِّلَ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا فَإِنَّ قَلِيلًا كَافِيًا خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ غَيْرِ شَافٍ » . قِيلَ لِابْنِ المُقَفَّعِ فِي مَعْرِضِ الحَدِيثِ عَنِ الإِطَالَةِ : فَإِنَّ مِنَ السَّامِعِ الإِطَالَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ أَنَّهَا تَحْسُنُ فِي ذٰلِكَ المَوْقِفِ ؟ فَقَالَ : « إِذَا أُعْطِيَتْ فِي مِثَالِ حَقِّهِ ، وَقُوِّمَتْ بِالَّذِي يَجِبُ مِنْ سِيَاسَةِ ذٰلِكَ المَقَامِ ، وَأَرْضَيْتَ مَنْ يَعْرِفُ حُقُوقَ الكَلَامِ ، فَلَا تَلْتَفِتْ لِمَا تَلْقَى مِنْ رِضَى الحَاسِدِ وَالعَدُوِّ فَإِنَّهُ لَا يُرْضِيهِمَا شَيْءٌ » .
- الأَطْرَادُ
الأَطْرَادُ مِنْ أَطْرَدَ الشَّيْءَ : إِذَا تَبِعَ بَعْضُهُ بَعْضًا وَجَرَى . وَاطَّرَدَ الأَمْرُ : اسْتَقَامَ . حَدَّدَ ابْنُ رَشِيقٍ الِاطْرَادَ فِي مَنْزِلَتِهِ وَقَالَ : « وَمِنْ حُسْنِ الصِّنَاعَةِ أَنْ تَطَّرِدَ الأَسْمَاءُ فِي غَيْرِ كَلِمَةٍ وَلَا حَرْفٍ فَارِغٍ ، فَإِنَّهَا إِذَا اطَّرَدَتْ دَلَّتْ عَلَى قُوَّةِ طَبْعِ الشَّاعِرِ وَقُوَّةِ كَلِمَتِهِ وَمَبْلَغِهِ فِي الشِّعْرِ ، وَمِثْلُهُ مَا يَقُولُ الأَعْشَى : [ الطَّوِيلُ ] أَقِيسُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ وَأَنْتَ امْرُؤٌ تَرْجُو شَبَابَكَ فَاشْتَدِدِ فَأَيُّ كَلَامٍ جَارٍ اطِّرَادًا وَقِلَّةَ كَلَفَةٍ ، وَبَيَّنَ النَّسَبَ حَتَّى أَخْرَجَهُ عَنْ مَوَاضِعِ اللَّبْسِ وَالشُّبْهَةِ . وَكَذٰلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي الأَصْبَعِ المِصْرِيُّ عَنِ الِاطْرَادِ : « هُوَ أَنْ تَطَّرِدَ لِلشَّاعِرِ أَسْمَاءٌ مُتَتَابِعَةٌ يَزِيدُ المَذْكُورُ بِهَا تَعْرِيفًا ، لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا أَسْمَاءَ آبَائِهِ ، آتِيَةً مَسِيرَةً صَحِيحَةَ التَّسَلْسُلِ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ ظُهُورِ كَلِمَةٍ عَلَى النَّظْمِ وَلَا تَسْقُطُ فِي السَّبْكِ بِحَيْثُ يَكُونُ انْحِدَارُهَا كَاطِّرَادِ المَاءِ لِسُهُولَتِهِ وَانْسِجَامِهِ ، فَمَا جَاءَتْ كَذٰلِكَ دَلَّتْ عَلَى قُوَّةِ مَلَكَةِ الشَّاعِرِ وَقُدْرَتِهِ » ، وَمِثْلُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ (١) . ____________________ (١) سُورَةُ يُوسُفَ ، آيَةٌ رَقْمُ (٣٨) . بَيْنَمَا عَرَّفَ القُرْطَاجِنِيُّ الِاطِّرَادَ قَائِلًا : « وَمَا كَانَ فِي أَقْصَى النَّسَبِ مِنْ ذٰلِكَ وَمَا يَلِيهِ مِنَ الأَوْسَاطِ فَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الِاطِّرَادَ » ، إِلَّا أَنَّ يُحْيَى بْنَ حِصْنٍ الْمُبَارَكِيَّ فَرَّقَ بَيْنَ الِاطِّرَادِ وَالِاسْتِطْرَادِ بِقَوْلِهِ : « إِنَّ الِاسْتِطْرَادَ يَكُونُ كَلَامًا قَدْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلَامًا آخَرَ مُتَعَلِّقًا عَنْهُ ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى الأَوَّلِ ، بِخِلَافِ الِاطِّرَادِ فَإِنَّهُ ذِكْرُ اسْمِ الْمَمْدُوحِ بِحَبْلٍ لِتَزْدَادَ إِبَانَةً وَتَوْضِيحًا عَلَى تَرْتِيبٍ صَحِيحٍ نَسَقٍ مُسْتَقِيمٍ غَيْرِ مُتَكَلَّفٍ فِي النَّظْمِ وَلَا مُشَفٍّ فِي اللَّفْظِ ، حَتَّى يَكُونَ ذِكْرُ الِاسْمِ فِي سُهُولَتِهِ كَاطِّرَادِ الْمَاءِ وَسُهُولَةِ جَرْيِهِ وَسَلَاسَتِهِ » ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ الْبَلَاغِيِّينَ جَعَلَهَا ذِكْرَ الأَسْمَاءِ مُطْلَقًا ؛ إِلَّا أَنَّ الأَوَّلَ أَقْرَبُ دَلَالَةً عَلَى هٰذَا الْفَنِّ ، وَهُوَ تَعْرِيفٌ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَنِ السَّالِفِينَ .
- الإِطْنَابُ
الإِطْنَابُ مِنْ أَطْنَبَ ، وَأَطْنَبَ فِي الكَلَامِ : إِذَا بَالَغَ فِي إِطَالَتِهِ أَوْ أَبْعَدَ . وَالإِطْنَابُ مِنْ أَقْدَمِ الفُنُونِ الَّتِي تَحَدَّثَ عَنْهَا الأَقْدَمُونَ ، وَمِنْهُمُ الجَاحِظُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ وَقَالَ : « هَوَادَةُ الكَلَامِ بِأَكْثَرَ مِمَّا لَا يَجُوزُ الكَلَامُ الْحَاجَةَ » ، وَقَالَ فِي « البَيَانِ » : « إِنَّ سَهْلَ بْنَ هَارُونَ كَانَ شَدِيدَ الإِطْنَابِ فِي وَصْفِ المَوَاهِبِ بِالْبَلَاغَةِ وَالْجَهَارَةِ ، وَبِالْحَلَاوَةِ وَالخِفَّةِ ، وَجَوْدَةِ اللَّفْظَةِ وَالطَّلَاقَةِ » . كَمَا ذَكَرَ الإِطْنَابَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِهِ « الصِّنَاعَتَيْنِ » ، وَقَالَ : « القَوْلُ الْمُقْتَصَدُ أَنَّ الإِيجَازَ وَالإِطْنَابَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِمَا فِي جَمِيعِ الكَلَامِ وَكُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضِعٌ ، فَالْغَلَطُ إِلَى الإِيجَازِ فِي مَوْضِعِ الإِطْنَابِ كَالْغَلَطِ إِلَى الإِطْنَابِ فِي مَوْضِعِ الإِيجَازِ ، وَمَنْ أَزَالَ التَّدْبِيرَ فِي ذٰلِكَ مِنْ جِهَتِهِ وَاسْتَعْمَلَ الإِطْنَابَ فِي مَوْضِعِ الإِيجَازِ وَاسْتَعْمَلَ الإِيجَازَ فِي مَوْضِعِ الإِطْنَابِ أَخْطَأَ » . وَبَيَّنَ ابْنُ جِنِّي قِيمَةَ كُلٍّ مِنَ الإِيجَازِ وَالإِطَالَةِ يَقُولُ : « الإِجَازُ وَالإِطَالَةُ جَمِيعًا إِنَّمَا هُمَا فِي كُلِّ كَلَامٍ مُفِيدٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ » . وَقَدْ دَمَجَهُ السَّكَاكِيُّ فِي مَبَاحِثِ عِلْمِ الْمَعَانِي ، وَقَالَ : « هُمَا أَدَاتَا الكَلَامِ ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْقِلَّةُ أَوِ الْكَثْرَةُ رَاجِعَةً إِلَى الْجُمَلِ أَوْ إِلَى غَيْرِ الْجُمَلِ » . وَسَارَ عَلَى نَهْجِهِ كُلٌّ مِنَ القُرْطُبِيِّ وَابْنِ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيِّ ، إِلَّا أَنَّ الآخَرَ سَمَّاهُ « الإِطَالَةَ » وَقَالَ : « إِنَّ الْمُطِيلَ مِنَ الشُّعَرَاءِ أَثْبَتُ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْمُوجِزِ وَإِنْ أَجَادَ » . وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ : « يَطُولُ الكَلَامُ وَيَكْثُرُ لِفَهْمٍ ، وَيُوجِزُ وَيَخْتَصِرُ لِيُحْفَظَ ، وَاسْتُحِبَّتِ الإِطَالَةُ عِنْدَ الإِعْذَارِ وَالإِنْذَارِ وَالتَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ وَالإِصْلَاحِ بَيْنَ القَبَائِلِ » . وَقَدْ مَيَّزَ ابْنُ الأَثِيرِ الإِطْنَابَ عَنِ التَّطْوِيلِ بِقَوْلِهِ : « وَالَّذِي يُعَدُّ بِهِ أَنْ يُقَالَ : هُوَ زِيَادَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى لِفَائِدَةٍ » . فَهٰذَا حَدُّ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الإِطْنَابِ وَالتَّطْوِيلِ ؛ إِذِ التَّطْوِيلُ هُوَ زِيَادَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى لِغَيْرِ فَائِدَةٍ . وَتَابَعَ الْقَوْلَ : « إِنَّ الإِطْنَابَ يُوجَدُ تَارَةً فِي الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْكَلَامِ ، وَيُوجَدُ تَارَةً فِي الْجُمَلِ الْمُتَعَدِّدَةِ ، وَالَّذِي يُوجَدُ فِي الْجُمَلِ الْمُتَعَدِّدَةِ أَبْلَغُ لِاتِّسَاعِ الْمَجَالِ فِي إِيرَادِهِ ، وَعَلَى هٰذَا فَإِنَّهُ بِجُمْلَتِهِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : القِسْمُ الأَوَّلُ ، الَّذِي يُوجَدُ فِي الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْكَلَامِ ، وَهُوَ يَرِدُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا ؛ أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَمِثْلُ قَوْلِهِمْ : « رَأَيْتُ بِعَيْنِي » عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْعَيْنِ ؛ فَيُؤَكِّدُ الأَمْرَ عَلَى هٰذَا الْوَجْهِ دَلَالَةً عَلَى نُبْلِهِ وَالْحُصُولِ عَلَيْهِ . كَقَوْلِ أَبِي عُبَادَةَ الْبُحْتُرِيِّ : [ الْوَافِرُ ] تَسَاءَلْنِي مِنْ خَلَالِ السَّقْفِ وَانْظُرْ يُبَيِّنْ لَكَ مَا شَرِبْتُ وَمَنْ سَقَانِي تَجِدْ شَمْسَ الضُّحَى تَغْشَى بِنَفْسِي أُبِي مِنَ الرَّيْحَيْنِ خَمْرًا وَالرَّوَاحِي وَلَمَّا كَانَ الْحُضُورُ فِي هٰذَا الْمَجْلِسِ مِمَّا يُعِزُّ وُجُودُهُ ، وَكَانَ السَّاقِي فِيهِ عَلَى هٰذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الْحُسْنِ ، قَالَ : « انْظُرْ بِيْنَكَ » . وَمِثَالُ مَا جَاءَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ (١) . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي الْمُخْتَصُّ بِالْجُمَلِ ، فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ عَلَى ضُرُوبٍ أَرْبَعَةٍ : الأَوَّلُ مِنْهَا : أَنْ يُذْكَرَ الشَّيْءُ يُؤْتَى فِيهِ بِمَعَانٍ مُتَدَاخِلَةٍ ، إِلَّا أَنَّ كُلَّ مَعْنًى يَخُصُّهُ بِخَصِيصَةٍ لَيْسَتْ لِلآخَرِ ؛ كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ : [ الْكَامِلُ ] قَطَعْتُ إِلَيْكَ الزَّائِرِينَ هَيَابَةً وَالثَّانِ مَأْمُولُ السَّحَابِ الْمُسْتَهِلِّ مِنْ مِدْحَةٍ مَشْكُورَةٍ وَصِفَةٍ بِبِرٍّ وَإِحْسَانٍ أَغَرَّ مُحَجَّلِ فَقَوْلُهُ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي مِنْ مِدْحَةٍ وَصِفَةٍ بِبِرٍّ وَإِحْسَانٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ ، تَدَاخَلَتْ مَعَانِيهِ وَتَقَارَبَتْ جَمِيعًا ؛ فَدَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِأَوْصَافٍ مُتَبَايِنَةٍ هِيَ الإِطْنَابُ . وَالثَّانِي : يُسَمَّى التَّوْشِيحَ وَالإِيغَالَ ، وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ الشَّيْءُ عَلَى سَبِيلِ الثَّنْيِ ثُمَّ يُذْكَرَ عَلَى سَبِيلِ الإِثْبَاتِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الآخَرِ ، وَإِلَّا كَانَ . ____________________ (١) سُورَةُ الْحَجِّ ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٦) . تَكَرَّرُوا ، وَالْغَرَضُ بِهِ تَأْكِيدُ ذٰلِكَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ (١) . وَلٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا : لَا يَعْلَمُونَ مَا بَعْدَهَا ، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ، فَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا يُرِيدُونَ أَنْ يَعْلَمُوا ، بَعْدَ مَقُولِهِ : ﴿ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ نَفَى الْعِلْمَ عَنِ النَّاسِ بِمَا خَفِيَ عَنْهُمْ مِنْ تَحْقِيقِ وَعْدِهِ ، ثُمَّ أَثْبَتَ لَهُمُ الْعِلْمَ بِظَاهِرِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، فَكَأَنَّهُمْ عَلِمُوا وَمَا عَلِمُوا ! لِأَنَّ الْعِلْمَ بِظَاهِرِ الْأُمُورِ لَيْسَ بِعِلْمٍ ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ هُوَ مَا كَانَ بِالْبَاطِنِ مِنَ الْأُمُورِ . وَلِهٰذَا ضَرْبٌ مِنَ الْإِطْنَابِ فَائِدَتُهُ كَبِيرَةٌ ، وَهُوَ مِنْ أَوْكَدِ وُجُوهِهِ . وَالثَّالِثُ ، وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ ثَانِيًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ ، ثُمَّ يُضْرَبَ لَهُ مِثَالٌ مِنَ التَّشْبِيهِ ، كَقَوْلِ أَبِي عُبَادَةَ الْبُحْتُرِيِّ : [ الْخَفِيفُ ] ذَاتُ حُسْنٍ لَوِ اسْتَزَادَتْ مِنَ الْحُسْـ نِ إِلَى الْحُسْنِ لَمَا أَصَابَتْ مَزِيدًا فَهِيَ كَالْقَمَرِ بَهْجَةً ، وَالْقَضِيبِ اللَّدْنِ قَدًّا ، وَاللَّمْعِ طَرْفًا وَخَدًّا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَوَّلَ كَافٍ فِي بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي الْحُسْنِ ، لِأَنَّهُ قَالَ : « لَوِ اسْتَزَادَتْ لَمَا أَصَابَتْ مَزِيدًا » ، دَخَلَ تَحْتَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْحِسِّيَّةِ ، إِلَّا أَنَّ التَّشْبِيهَ مَرَّةً أُخْرَى يُفِيدُ السَّامِعَ تَصَوُّرًا وَتَخْيِيلًا لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْأَوَّلِ . وَهٰذَا الضَّرْبُ مِنْ أَحْسَنِ مَا يَجِيءُ فِي الْإِطْنَابِ . وَالرَّابِعُ : أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَعَانِي الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ مِنْ كِتَابٍ ، أَوْ خُطْبَةٍ ، أَوْ قَصِيدَةٍ . وَهٰذَا الضَّرْبُ أَصْعَبُ الضُّرُوبِ الْأَرْبَعَةِ طَرِيقًا ، وَأَصْعَبُهَا بَيَانًا ، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى أَسَالِيبَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَعَانِي ، وَأَرْبَابُ النَّظْمِ وَالشِّعْرِ يَتَفَاوَتُونَ فِيهِ ، وَلَيْسَ الْخَاطِرُ الَّذِي يَقْذِفُ بِالدُّرِّ فِي بَحْرِهِ إِلَّا نَادِرَ الْوُجُودِ ، وَمَجَالُهُ كَمَجَالِ الْإِيجَازِ مِثَالٌ مُجْمَلٌ وَمُفَصَّلٌ . وَلَمْ يَأْتِ الْمُتَأَخِّرُونَ بِجَدِيدٍ ، وَإِنَّمَا نَهَجُوا مَنْهَجَ السَّالِفِينَ ، كَالْقَلْقَشَنْدِيِّ الَّذِي نَهَجَ نَهْجَ ابْنِ الْأَثِيرِ . وَقَدْ أَقَرُّوا بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ هٰذَا النَّوْعَ الْبَلَاغِيَّ لَهُ سَبِيلٌ فِي التَّبْيِينِ ، وَلِهٰذَا فَهُوَ يَسِيرٌ جَنَاحًا إِلَى جَنْبِ الْمُسَاوَاةِ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا غَايَتَهُ الَّتِي لَا يَقْرِبُهَا غَيْرُهُ . وَلِلْإِطْنَابِ عِدَّةُ طُرُقٍ تَكَلَّمَ عَنْهَا الْقُدَمَاءُ وَتَتَبَّعُوهَا فِي قِسْمِ تَقْسِيمَاتِهِمْ لِفُنُونِ الْبَلَاغَةِ . ____________________ (١) سُورَةُ الرُّومِ ، الْآيَاتُ (١-٧) .
- الإِطْنَابُ بِالِاعْتِرَاضِ
عَرَفَ القَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ» الإِطْنَابَ يَقُولُ : «الإِطْنَابُ وَهُوَ أَنْ يُؤْتَى فِي وَسَطِ الكَلَامِ أَوْ بَيْنِ جُمْلَتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ مَعْنًى بِجُمْلَةٍ أَوْ أَكْثَرَ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ لِنُكْتَةٍ كَالتَّنْبِيهِ وَالتَّعْظِيمِ»، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (١) ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ فِي قَوْلِ عَوْفِ بْنِ مُحَلِّمٍ الشَّيْبَانِيِّ : [ السَّرِيعُ ] إِنَّ الشَّبَابَ — … — … وَمِنْهُ التَّنْبِيهُ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ : [ السَّرِيعُ ] وَأَعْلَمُ — فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفَعُهُ — أَنَّ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِّرَا وَتَخْصِيصُ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ بِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ فِي أَمْرٍ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (٢) . ثُمَّ المُطْلَبَةُ فِي الِاسْتِعْطَافِ فِي قَوْلِ الْمُتَشَبِّبِ : [ الْكَامِلُ ] … أَمَّا التَّنْبِيهُ عَلَى أَمْرٍ فِيهِ غَرَابَةٌ ، فَفِي قَوْلِ الشَّاعِرِ : [ الطَّوِيلُ ] فَلَا حَاجَةً — … — … (١) سُورَةُ النَّحْلِ ، آيَةٌ رَقْمُ (٥٧) . (٢) سُورَةُ لُقْمَانَ ، آيَةٌ رَقْمُ (١٤) .
- الإِطْنَابُ بِالإِفْصَاحِ
الإِطْنَابُ بِالإِفْصَاحِ بَعْدَ الإِبْهَامِ لِرُؤْيَةِ الْمَعْنَى فِي صُورَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ ، أَوْ لِتَتَمَكَّنَ فِي النَّفْسِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ ؛ فَإِنَّ الْمَعْنَى إِذَا أُلْقِيَ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ وَالإِبْهَامِ تَشَوَّقَتْ نَفْسُ السَّامِعِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وَالإِيضَاحِ ، فَتَحْتَاجُ إِلَى مَا يَزِيدُ عَلَى ذٰلِكَ ، فَإِذَا أُلْقِيَ كَذٰلِكَ تَمَكَّنَ فِيهَا فَضْلُ تَمَكُّنٍ ، وَكَانَ شُعُورُهَا بِهِ أَتَمَّ ، وَلِتَكْمُلَ اللَّذَّةُ بِالْعِلْمِ ، فَإِنَّ الشَّيْءَ إِذَا حَصَلَ كَمَالُ الْعِلْمِ بِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَتَقَدَّمْ حُصُولُ اللَّذَّةِ بِهِ أَلَمٌ ، وَإِذَا حَصَلَ الشُّعُورُ بِهِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ تَشَوَّقَتِ النَّفْسُ إِلَى الْعِلْمِ بِالْمَجْهُولِ ، فَيَحْصُلُ لَهَا بِسَبَبِ الْمَعْلُومِ لَذَّةٌ وَيَسْتَبْ حِرْمَانِهَا عَنِ البَاقِي أَلَمٌ ، ثُمَّ إِذَا حَصَلَ لَهَا العِلْمُ بِهِ حَصَلَتْ لَهُ لَذَّةٌ أُخْرَى ، وَاللَّذَّةُ عَقِيبَ الأَلَمِ أَقْوَى مِنَ اللَّذَّةِ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْهَا أَلَمٌ ، أَلَا تَرَى إِلَى تَنْظِيمِ الأَمْرِ وَتَرْتِيبِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ (١) ، وَالمَقَامُ مُقْتَضٍ لِلتَّأْكِيدِ بِالإِرْسَالِ المُؤْذِنِ بِتَلَقِّي المَكَارِهِ وَالِاشْتِدَادِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذٰلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ (٢) ، فَفِي إِبْهَامِهِ وَتَفْسِيرِهِ تَعْظِيمٌ لِلأَمْرِ وَتَنْظِيمٌ لَهُ . وَمِنَ الإِفْصَاحِ بَعْدَ الإِبْهَامِ بَابُ «نَعَمْ» وَ «بَلَى» إِذَا لَمْ يُقْصَدِ الإِضْرَابُ لِقِيلَ : بَعْدَ «نَعَمْ» زَيْدٌ ، وَبَعْدَ «بَلَى» عَمْرٌو ، وَوَجْهُ حُسْنِهِ سِوَى الإِيضَاحِ بَعْدَ الإِبْهَامِ أَمْرَانِ آخَرَانِ : الأَوَّلُ : إِبْرَازُ الكَلَامِ فِي مَعْرِضِ الِاعْتِنَاءِ ، نَظَرًا إِلَى إِطْنَابِهِ مِنْ وَجْهٍ ، وَإِلَى اخْتِصَارِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ حَذْفُ المُبْتَدَإِ فِي الجَوَابِ . الثَّانِي : إِيهَامُ الجَمْعِ بَيْنَ المُتَنَافِيَيْنِ .
- الإِطْنَابُ بِالإِبْدَالِ
الإِبْدَالُ لُغَةً : مِنْ فِعْلِ بَدَّلَ يَبْدُلُ ، ذَهَبَ وَغَيَّرَ فِي الشَّيْءِ ، دَخَلَ فِيهِ وَتَغَيَّرَ بِهِ . وَأَوَّلُ مَنْ أَشَارَ إِلَى هٰذَا الفَنِّ قُدَمَةٌ ، مِنْهُمْ : أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنَّى ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، ثُمَّ تَبِعَهُمُ البَعْدُ فَسَمَّوْهُ «الإِبْدَالَ» ، وَهُوَ أَنْ يُؤْتَى لِمَعْنًى بِكَلِمَةٍ ثُمَّ يُؤْتَى لَهُ بِأُخْرَى تَقُومُ مَقَامَهَا مَعَ زِيَادَةِ تَفْصِيلٍ أَوْ تَهْوِيلٍ أَوْ تَحْسِينٍ أَوْ نَحْوِ ذٰلِكَ . قَالَ المُبَرِّدُ : حَدَّثَنِي البَرْدُ الأَزْدِيُّ قَالَ : قُلْتُ لِلأَصْمَعِيِّ : مَنْ أَشْعَرُ النَّاسِ ؟ فَقَالَ : مَنْ يَأْتِي إِلَى المَعْنَى الجَزْلِ فَيُجَمِّلُهُ بِلَفْظٍ كَرِيمٍ ، أَوْ إِلَى الكَبِيرِ فَيَجْعَلُهُ بِلَفْظٍ حَسِيسٍ ، أَوْ يَقْضِي كَلَامَهُ قَبْلَ الغَايَةِ فَإِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا أَفَادَ بِهَا مَعْنًى . قَالَ : قُلْتُ : نَحْوُ مَنْ ؟ قَالَ : نَحْوُ ذِي الرُّمَّةِ حَيْثُ يَقُولُ : [ الطَّوِيلُ ] قِفِ العِيسَ فِي أَطْلَالِ مَيَّةَ فَاسْأَلِ ... رُسُومًا كَأَخْلَاقِ الرَّدَىٰ المُتَسَلْسِلِ فَتَمَّ كَلَامُهُ قَبْلَ «المُتَسَلْسِلِ» ، ثُمَّ قَالَ : «وَالمُتَسَلْسِلِ» فَزَادَ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ : أَطَلَّ النَّسِيـمُ يَجْرِي عَلَيْكَ سُؤَالُهَا ... دُمُوعًا كَتَجْدِيدِ الخَدُودِ المُفَصَّلِ فَتَمَّ كَلَامُهُ ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى الغَايَةِ فَقَالَ الْمُفَصَّلَ ، فَزَادَ شَيْئًا ، وَعُدَّتْ قِدَمًا مِنْ بَابِ ائْتِلَافِ القَافِيَةِ مَعَ سَائِرِ البَيْتِ . وَقِيلَ : الإِبْدَالُ هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا الحَاجَةُ الشِّعْرَ فِي أَنْ يَكُونَ شِعْرًا أَبْهَى فَرِيدٍ بِمَعْنَاهَا فِي تَجْرِيدِ مَا ذُكِرَ فِي البَيْتِ ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ : [ الطَّوِيلُ ] كَأَنَّ عُيُونَ الوُحُوشِ حَوْلَ خَبَايَئِنَا ... وَأَرْجُلَهَا الجَرْحَى الَّذِي لَمْ يُشْفَ فَقَدْ أَتَى الشَّاعِرُ عَلَى التَّشْبِيهِ كَمَالًا قَبْلَ الغَايَةِ ، وَذٰلِكَ أَنَّ عُيُونَ الوَحْشِ شَبِيهَةٌ بِالجُرْحِ ، ثُمَّ لَمَّا جَاءَ بِالغَايَةِ أَعْلَىٰ بِهَا فِي الوَصْفِ وَكَرَّرَ وَهْوَ قَوْلُهُ : « لَمْ يُشْفَ » ، فَإِنَّ عُيُونَ الوَحْشِ غَيْرُ مُشْفَاةٍ ، وَهِيَ الجُرُوحُ الَّتِي لَمْ يُبْرَأْ أَدْخَلَ فِيهِ التَّشْبِيهَ . وَلَا يَخْرُجُ كَلَامُ العَسْكَرِيِّ وِمَنْ نَحَا نَحْوَهُ عَمَّا ذَكَرُوهُ قِدَامَهُ ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ رَشِيقٍ ضَرْبٌ مِنَ المُبَالَغَةِ ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ سَمَّاهُ « تَبْلِيغًا » ، وَقَالَ عَنْهُ : « هُوَ ضَرْبٌ مِنَ المُبَالَغَةِ إِلَّا أَنَّهُ فِي القَوَافِي خَاصَّةً لَا يَعْمَلُهَا وَالْمُحَافِظُ وَأَصْحَابُهُ يُسَمُّونَهُ التَّبْلِيغَ » . أَمَّا الحَازِنِيُّ فَذَكَرَ أَنَّهُ يُسَمَّىٰ « إِبْدَالًا » ، وَقَالَ : « أَرْبَعٌ مَا قِيلَ فِي التَّبْلِيغِ أَنَّ الشَّاعِرَ بِالمَعْنَىٰ فِي البَيْتِ تَمَامًا قَبْلَ انْتِهَائِهِ إِلَى الغَايَةِ ، ثُمَّ يَأْتِي بِهَا لِحَاجَةِ الشِّعْرِ إِلَيْهَا ، فَيَزِيدُ البَيْتَ صَنَاعَةً ، وَالمَعْنَىٰ بُلُوغًا فِي الغَايَةِ المَقْصُودَةِ فِي الجَوْدَةِ » . وَقَدْ سَمَّاهُ آخَرُ « الإِبْدَالَ » . وَعَرَّفَهُ ابْنُ سِنَانٍ بِقَوْلِهِ : « إِنَّ الشَّاعِرَ يُعْرِبُ بِالغَايَةِ فِي الوَصْفِ إِنْ كَانَ وَاصِفًا فِي التَّشْبِيهِ إِنْ كَانَ مُشَبِّهًا » . وَسَارَ أَكْثَرُ البُلَغَاءِ عَلَى مَنْوَالِهِ . وَعِنْدَمَا اسْتَقَلَّتِ البَلَاغَةُ بِعُلُومِهَا اسْتِقْلَالًا ، فَصْلًا تَكَلَّمُوا عَنِ الإِطْنَابِ ، فَجَاءَ القَزْوِينِيُّ وَسَمَّىٰ أَحَدَ أَقْسَامِهِ « الإِطْنَابَ بِالإِبْدَالِ » وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ : « أَمَّا الإِبْدَالُ ، فَقِيلَ هُوَ حُكْمُ الحِسَابِ بِمَا يُنْبِئُ نُكْتَةً بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ يَقْتَضِيهِ ، كَزِيَادَةِ المُبَالَغَةِ فِي قَوْلِ الخَنْسَاءِ : [ السَّرِيعُ ] وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَـلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ وَالخَنْسَاءُ لَمْ تَرْضَ أَنْ تَنْسِبَ صَخْرًا بِالعَلَمِ الَّذِي هُوَ الجَبَلُ المُرْتَفِعُ المَعْرُوفُ بِالهِدَايَةِ حَتَّىٰ جَعَلَتْ فِي رَأْسِهِ نَارًا . وَبَعْدَ أَنْ أَفَادَ الزِّيَادَةَ لِلمُبَالَغَةِ فِي قَوْلِ الخَنْسَاءِ ، قَالَ : « وَتَحْقِيقُ التَّشْبِيهِ » ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَىٰ : [ الطَّوِيلُ ] كَأَنَّ فَتَاتَ العِهْنِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ ... نَزَلْنَ بِهِ حُبُّ الفَنَاءِ لَمْ يُحَطَّمِ فَإِنَّ « حُبَّ الفَنَاءِ » أَحْمَرَ الظَّاهِرِ أَبْيَضَ البَاطِنِ ، فَهُوَ لَا يُشْبِهُ الصُّوفَ الأَحْمَرَ إِلَّا مَا لَمْ يُحَطَّمْ ، فَالتَّشْبِيهُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ « حُبُّ الفَنَاءِ » ، وَزَادَ بِقَوْلِهِ مُشَبَّهًا « لَمْ يُحَطَّمِ » ، وَسَارَ عَلَىٰ بِهَا الحَاجَةُ الشِّعْرَ فِي أَنْ يَكُونَ نَهْجُهُ المَلَكِيُّ، وَالثَّنَازَانِيُّ، وَالتَّسْوِيقِيُّ، وَالإِسْفَرَايِينِيُّ، وَالمَغْرِبِيُّ، كَمَا لَمْ يُخْرِجْ عُلَمَاءُ البَدِيعِ عَلَى مَا أَتَى بِهِ الأَوَائِلُ وَمَا جَاءَ بِهِ القَزْوِينِيُّ وَشُرَّاحُهُ. كَمَا أَنَّ الحَصْرَمِيَّ نَهَجَ طَرِيقَ قُدَمَاءَ فِي تَعْرِيفِهِ وَكَلَامِهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الإِبْدَالِ وَالتَّتْمِيمِ وَالتَّكْمِيلِ، يَقُولُ: «وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ الإِبْدَالَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الكَلِمَةِ الَّتِي فِيهَا الرَّوِيُّ وَمَا يُعَدُّ مَعَهُ، وَهُوَ أَيْضًا مَا يَقَعُ بَعْدَ تَمَامِ الْمَعْنَى كَالتَّكْمِيلِ وَالتَّذْيِيلِ وَالتَّجْمِيلِ، فَإِنَّهُ إِنْ أَتَى بَعْدَ تَمَامِ الْمَعْنَى فَهُوَ فِرَاقُ الإِبْدَالِ وَالتَّبْدِيلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ فِي الحَشْوِ وَالْمَقَاطِعِ، وَالإِبْدَالُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَقَاطِعِ دُونَ الحَشْوِ، وَالإِبْدَالُ وَالتَّذْيِيلُ لَا يُخْرِجَانِ عَنِ الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ، وَالتَّذْيِيلُ يُفَارِقُ الإِبْدَالَ لِكَوْنِهِ يَزِيدُ عَلَى الكَلِمَةِ الَّتِي تُسَمَّى إِبْدَالًا، وَيُسْتَوْعَبُ غَالِبًا عَجُزُ البَيْتِ». وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ: [الطَّوِيلُ] حَمَمْتُ رُبَيْبَتِي كَأَنَّ بِنَاءَهَا ... سَنًا لَهَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ بِضِعَافِهَا فَقَوْلُهُ «سَنًا لَهَبٍ» لَيْسَ فِيهِ قُوَّةٌ، فَلَمَّا قَالَ بَعْدَهُ يَقُولُ: «لَمْ يَتَّصِلْ بِنُخَاسِهَا» كَانَ مَوْضِعًا فِي التَّشْبِيهِ لِإِكْمَالِهِ، فَنَصِلُ فِيهِ الإِبْدَالُ يَقُولُ: «لَمْ يَتَّصِلْ بِنُخَاسِهَا»، وَتَمَّتْ بِهِ الْمُبَالَغَةُ، وَجَاءَ عَلَى صِفَةِ الإِعْجَابِ. وَكَذٰلِكَ ابْنُ أَبِي الإِصْبَعِ فَرَّقَ بَيْنَ التَّتْمِيمِ وَالإِبْدَالِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الإِبْدَالَ لَا يَرِدُ إِلَّا عَلَى مَعْنًى تَامٍّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَمَّا التَّتْمِيمُ فَلَا يَرِدُ إِلَّا عَلَى كَلَامٍ نَاقِصٍ إِمَّا حِسًّا مَعْنًى أَوْ أَدَبٍ. الثَّانِي: اخْتِصَاصُ الإِبْدَالِ بِالْمَقَاطِعِ دُونَ الحَشْوِ مُرَاعَاةً لِاسْتِغْنَائِهِ، لِأَنَّ الْمَوْضِعَ فِي الأَرْضِ هُوَ الَّذِي قَدْ بَلَغَ أَقْصَاهَا أَوْ قَارَبَ بُلُوغَهُ، فَلَمَّا اخْتَصَّ الإِبْدَالُ بِالطَّرَفِ لَمْ يَبِنْ لِلتَّتْمِيمِ إِلَّا الحَشْوُ. الثَّالِثُ: أَنَّ الإِبْدَالَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي التَّبْيِينِ، وَالتَّتْمِيمُ قَدْ يَتَضَمَّنُ وَقَدْ لَا يَتَضَمَّنُ، وَأَكْثَرُ مَا يَتَضَمَّنُ الإِبْدَالُ التَّشْبِيهَ وَالمُبَالَغَةَ، حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُ لَا يَنْتَهِي هٰذَانِ الضَّرْبَانِ لِكَانَا حَقًّا، وَالتَّتْمِيمُ يَتَضَمَّنُ طَوْرًا المُبَالَغَةَ وَيَتَضَمَّنُ حِينًا الإِحَاطَةَ، وَيَرِدُ غَيْرَ مُتَضَمِّنٍ شَيْئًا سِوَى تَمَامِ ذٰلِكَ الْمَعْنَى. وَسَارَ عَلَىٰ مَا تَقَدَّمَ ابْنُ مَعْصُومٍ المَدَنِيُّ ، غَيْرَ أَنَّهُ رَدَّ مَا قَالَهُ الحَمَوِيُّ بِقَوْلِهِ : «وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَلَيْسَ كَذٰلِكَ فَإِنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ : الأَوَّلُ : أَنَّ الإِبْدَالَ يُؤْتَىٰ بِهِ لِإِفَادَتِهِ نُكْتَةً فِي ذٰلِكَ المَعْنَى بِعَيْنِهِ ، وَالتَّكْمِيلُ يُؤْتَىٰ بِهِ لِإِفَادَتِهِ مَعْنًى آخَرَ يُكْمِلُ المَعْنَى الأَوَّلَ . الثَّانِي : أَنَّ الإِبْدَالَ لَا يَكُونُ إِلَّا خَتْمًا لِلكَلَامِ ، وَالتَّكْمِيلَ قَدْ يَكُونُ فِي أَثْنَاءِ الكَلَامِ وَقَدْ يَكُونُ فِي آخِرِهِ» .
- الإِطْنَابُ بِالبَسْطِ
البَسْطُ لُغَةً : مِنْ فِعْلِ بَسَطَ يَبْسُطُ بَسْطًا ، مَدَّهُ ، وَالقَوْمَ وَالمَكَانَ . وَسَمَّوْهُ . عَرَّفَهُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ «مُعْتَرَكُ الأَقْرَانِ» فِي «الإِتْقَانِ» بِقَوْلِهِ : «هُوَ الإِطْنَابُ الَّذِي يَكُونُ بِتَكْثِيرِ الجُمَلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ إِلَىٰ قَوْلِهِ : ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾(١) ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾(٢) إِلَىٰ آخِرِ الآيَةِ ، لِأَنَّ جُمْلَةَ المَعْرُوفِ مَعْلُومَةٌ ، وَحُسْنُ إِظْهَارِ شَرَفِ الإِيمَانِ تَرْغِيبًا فِيهِ» .
- الإِطْنَابُ بِالتَّقْسِيمِ
التَّقْسِيمُ لُغَةً : مِنْ قَسَمَ الشَّيْءَ تَقْسِيمًا ، وَعَلَيْهِ : جَعَلَهُ أَقْسَامًا ، وَكَلَّمَ أَجْزَاءَهُ . عَرَّفَهُ القَزْوِينِيُّ بِقَوْلِهِ : «الإِطْنَابُ بِالتَّقْسِيمِ هُوَ أَنْ يُؤْتَىٰ فِي كَلَامٍ لَا يُؤْمَنُ خَفَاءُ المَقْصُودِ فِيهِ عَلَىٰ السَّامِعِ بِمَا يَدْفَعُ هٰذَا الخَفَاءَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾(٢) ، فَقَوْلُهُ : ﴿لَيْلًا﴾ لَا يَكُونُ إِلَّا لَيْلًا لِلدَّلَالَةِ عَلَىٰ تَقْلِيلِ مُدَّةِ الإِسْرَاءِ وَأَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ ، لِأَنَّ التَّكْرِيرَ فِيهِ قَدْ دَلَّ عَلَى مَعْنَى الضَّمِيمَةِ . وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى : [البَسِيطُ] مَنْ يَلْقَ يَوْمًا عَلَى عِلَّاتِهِ شَرًّا ... يَلْقَ السَّمَاحَةَ فِيهِ وَالنَّدَى خُلُفَا نَقُولُ : «عَلَى عِلَّاتِهِ» : تَقْسِيمٌ جَمِيلٌ . وَلَكِنِ التَّعْرِيفُ عِنْدَ الحَاتِمِيِّ يَذْهَبُ بِهِ إِلَى أَقْصَى الكَمَالِ ، هُوَ : أَنْ يَذْكُرَ الشَّاعِرُ مَعْنًى فَلَا يُبْقِي شَيْئًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَيَتَكَمَّلُ مَعَهُ الِاسْتِيفَاءُ إِلَّا أَتَىٰ بِهِ ، كَقَوْلِهِ : [المُسْرَحُ] أَنِي عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنْ كِبَرِي ... أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ تُؤْكَلُ الكَتِفُ (١) سُورَةُ غَافِرٍ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٧) . (٢) سُورَةُ الإِسْرَاءِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (١) .
- الإِطْنَابُ بِالتَّذْيِيلِ
التَّذْيِيلُ لُغَةً : مِنْ ذَالَ تَذْيِيلًا ذَيْلَ الثَّوْبِ ، طَالَ حَتَّى مَسَّ الأَرْضَ ، وَالجَارِيَةُ : تَذَيَّلَتْ سَاحَةَ ثَوْبِهَا . ذَكَرَ أَبُو هِلَالٍ العَسْكَرِيُّ الإِطْنَابَ بِالتَّذْيِيلِ فَقَالَ : «فَأَمَّا التَّذْيِيلُ فَهُوَ إِعَادَةُ الأَلْفَاظِ المُرَادِفَةِ عَلَى المَعْنَى حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَمْ يَفْهَمْهُ وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ مَنْ فَهِمَهُ ، وَهُوَ ضِدُّ الإِشَارَةِ وَالتَّعْرِيضِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي المُوَاطِنِ الجَامِعَةِ وَالمَوَاقِفِ الخَاطِبَةِ ، لِأَنَّ تِلْكَ المُوَاطِنَ تَجْمَعُ الطِّبَاعَ الغَبِيَّ وَالعَيِيَّ ، وَالقَابِلَةَ المُتَرَدِّدَةَ وَالجَازِمَةَ الجَامِحَةَ ، فَإِذَا تَكَرَّرَتِ الأَلْفَاظُ عَلَى المَعْنَى الوَاحِدِ تُوَكِّدُ عِنْدَ الذِّهْنِ المَعْنَى وَيَصِحُّ اللَّفْظُ لِلْبَلِيدِ» . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ﴾(١) وَ﴿وَكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ﴾(٢) فَهٰذِهِ الجُمْلَةُ مَحَلُّ اسْتِفْهَامٍ إِنْكَارِيٍّ : أَإِذَا مَاتَ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ فَهُمُ الخَالِدُونَ فِي الدُّنْيَا ؟ وَاللهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عِبَادَهُ بِالبُشْرَى وَالحَقِيقَةِ فَقَدِ اسْتَوْفَى المَعْنَى فِي الآيَةِ الأُولَى ، وَفِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ تَذْيِيلٌ لِإِتْمَامِهِ . وَكَقَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ : [الطَّوِيلُ] لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى ... لَكَالطَّوْلِ المُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ فَالشَّطْرُ الأَوَّلُ اسْتَوْفَى المَعْنَى ، وَالشَّطْرُ الثَّانِي تَثْنِيَةٌ وَتَذْيِيلٌ لَهُ ، وَجَعَلَ البَلَاغَةَ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ التَّأْكِيدِ . وَمَعْرِفُهُ ابْنُ سِنَانٍ يَقُولُ : «وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ فَضْلًا عَلَى المَعْنَى وَزَائِدًا عَلَيْهِ» ، وَتَابِعٌ قَوْلَهُ : «وَأَمَّا التَّذْيِيلُ فَهُوَ العِبَارَةُ عَنِ المَعْنَى بِأَلْفَاظٍ تَزِيدُ عَلَيْهِ» . وَقَدْ تَبِعَ اليَزِيدِيُّ تَعْرِيفَ العَسْكَرِيِّ وَنَقَلَ عَنْهُ العِبْدَادِيُّ أَيْضًا ، وَتَحَدَّثَ ابْنُ مَنْقَذٍ فِي كِتَابِهِ «البَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ» عَنِ التَّذْيِيلِ يَقُولُ : «اعْلَمْ أَنَّ التَّذْيِيلَ أَصْلُهُ أَنْ يَأْتِيَ فِي الكَلَامِ جُمْلَةٌ تُحَقِّقُ مَا قَبْلَهَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾(٣) ثُمَّ حَقَّقَ الكَلَامَ بِقَوْلِهِ : ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾(٤) فَقَدِ اسْتَوْفَى - سُبْحَانَهُ - فِي الآيَةِ الأُولَى ...» . (١) سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٣٤) . (٢) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (١٨٥) . (٣) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (١١١) . (٤) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (١١١) . المعنى الوافي ، وَفِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ ذُيِّلَ المَعْنَى تَذْيِيلًا . وَهٰذَا التَّعْرِيفُ مَاثِلٌ تَعْرِيفَ ابْنِ أَبِي الأَصْبَعِ المِصْرِيِّ ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ الإِطْنَابِ ، وَالتَّمْكِينِ ، وَالتَّكْمِيلِ ، وَالتَّذْيِيلِ ، بِقَوْلِهِ : «الإِطْنَابُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الكَلِمَةِ الَّتِي فِيهَا الزِّيَادَةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ، وَهُوَ أَيْضًا مَا يَأْتِي بَعْدَ تَمَامِ المَعْنَى كَالتَّكْمِيلِ وَالتَّذْيِيلِ ، وَأَمَّا التَّمْكِينُ فَيُفَارِقُ هٰذِهِ الأَرْبَعَةَ فِي كَوْنِهِ عِبَارَةً عَنْ اسْتِقْرَارِ الفَائِدَةِ فِي مَكَانِهَا لَكِنَّهَا لَا تُرِيدُ مَعْنًى لَيْسَتْ شَيْئًا ، وَمَعْنَى حُذِفَتِ الفَائِدَةُ نَقْصُ المَعْنَى مَعَ كَوْنِهَا غَيْرَ ثَابِتَةٍ مِنَ البَيْتِ ، وَالتَّكْمِيلُ وَإِنْ أَتَى بَعْدَ تَمَامِ المَعْنَى فَهُوَ يُفَارِقُ الإِيغَالَ ، وَالتَّذْيِيلُ يُفَارِقُ الإِيغَالَ لِكَوْنِهِ يَرِدُ عَلَى الكَلِمَةِ الَّتِي تُسَمَّى إِيغَالًا أَخَذًا فِي البَيْتِ مِنَ الجُزْءِ الَّذِي هُوَ الضَّرْبُ إِلَى أَوَّلِ البَحْرِ» . وَقَدْ سَارَ وَفْقَ هٰذَا التَّقْسِيمِ عُلَمَاءُ البَلَاغَةِ ، كَابْنِ مَالِكٍ ، وَالتَّنُوخِيِّ ، وَابْنِ الأَثِيرِ الحَلَبِيِّ ، وَالعُلَيْمِيِّ ، وَابْنِ نُهَيْمٍ الجَزَرِيِّ ، وَالتُّرْكُمَانِيِّ ، وَالحَمَوِيِّ ، وَالسُّيُوطِيِّ ، وَالمَدَنِيِّ . وَتَحَدَّثَ عَنِ التَّذْيِيلِ القَزْوِينِيُّ وَشُرَّاحُ تَلْخِيصِهِ فِي بَحْثِ الإِطْنَابِ وَسَمَّوْا «الإِطْنَابَ بِالتَّذْيِيلِ» ، وَقَالُوا : هُوَ تَتْمِيمُ الجُمْلَةِ بِجُمْلَةٍ أُخْرَى تَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَاهَا لِلتَّأْكِيدِ ، وَهُوَ ضَرْبَانِ : ضَرْبٌ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ المَثَلِ ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الكَفُورَ﴾(١) عَلَى وَجْهٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا قَبْلَهُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَهُوَ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّا نُجَازِي ذٰلِكَ الجَزَاءَ ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الجَزَاءَ عَامٌّ لِكُلِّ مُكَافَأَةٍ ، يُسْتَعْمَلُ تَارَةً فِي مَعْنَى المُعَامَلَةِ وَأُخْرَى فِي مَعْنَى الإِثَابَةِ ، فَلَمَّا اسْتُعْمِلَ فِي المُعَامَلَةِ جَاءَ فِي قَوْلِهِ : ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ بِمَعْنَى : عَاقَبْنَاهُمْ بِكُفْرِهِمْ ، ثُمَّ قِيلَ : ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الكَفُورَ﴾ ، بِمَعْنَى : وَهَلْ نُعَاقِبُ إِلَّا الكَفُورَ ، فَهٰذَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ المَثَلِ ، وَالضَّرْبُ الآخَرُ يَخْرُجُ مَخْرَجَ المَثَلِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾(٢) فَهُوَ تَأْكِيدٌ مَنْطُوقٌ . أَمَّا تَأْكِيدُ مَفْهُومٍ فَتَكُونُ النَّابِتَةُ الذَّيْلِيَّةُ : [الطَّوِيلُ] وَلَسْتُ بِمُسْتَبْقٍ أَخًا لَا تَلُمُّهُ ... عَلَى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ فَصَدْرُ البَيْتِ دَالٌّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى نَفْيِ الكَامِلِ مِنَ الرِّجَالِ تَحْقِيقُ ذٰلِكَ وَتَقْرِيرُهُ بِعَجُزِهِ . وَقَدْ عَرَّفَهُ جِرْمَانُوس فَرْحَاتٌ فِي بَابِ «الجِنَاسِ المُذَيَّلِ» ، وَلِلتَّذْيِيلِ فِي الكَلَامِ مَوْقِعٌ ... (١) سُورَةُ سَبَإٍ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (١٧) . (٢) سُورَةُ الإِسْرَاءِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٨١) . جَلِيلٍ وَمَكَانٍ شَرِيفٍ خَطِرٍ لِأَنَّ المَعْنَى يَزْدَادُ بِهِ انْشِرَاحًا ، وَالمَقْصِدُ اتِّضَاحًا .
- الإِطْنَابُ بِالتَّكْرِيرِ
التَّكْرِيرُ لُغَةً : مِنْ كَرَّرَ الشَّيْءَ ، أَعَادَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، أَوْ مِرَارًا كَثِيرَةً . الإِطْنَابُ بِالتَّكْرَارِ هُوَ مِنَ الطُّرُقِ الشَّائِعَةِ لِلتَّعْبِيرِ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ ، وَقَدْ تَنَاوَلَهُ مُعْظَمُ النُّقَّادِ وَالخُطَبَاءِ وَعُلَمَاءِ البَلَاغَةِ ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ : «وَالكَلِمَةُ قَدْ تُكَرِّرُهَا العَرَبُ لِمَا عَلَيْهَا مِنَ التَّنْبِيهِ وَالتَّخْصِيصِ» ، إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ سَمَّاهُ «مِجَازَ المُكَرَّرِ» ، وَكَذٰلِكَ ابْنُ الحُبَيْبِ بَهٰذَا الفَنِّ اهْتِمَامًا كَبِيرًا ، وَقَالَ : «مَوْضِعُ القَوْلِ فِي التَّرْدَادِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ يُقْتَصَدُ إِلَيْهِ لِوَصْفِهِ ، وَإِنَّمَا دَفَعَ عَلَى قَدْرِ المُسْتَمِعِينَ ، وَمَنْ يَحْضُرُ مِنَ العَوَامِّ وَالخَوَاصِّ» . وَمِثْلُ ذٰلِكَ لِلَّهِ بِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ : رَدَّ ذِكْرَ قِصَّةِ مُوسَى وَهُودٍ وَدَاوُدَ وَشُعَيْبٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَلُوطٍ وَعِيسَى وَنُوحٍ ، وَكَذٰلِكَ ذِكْرَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَغَيْرِهَا مِنَ الأُمُورِ ، لِأَنَّهُ خِطَابٌ جَامِعٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ، فَالتَّكْرَارُ مَحْمُودٌ إِذَا جَاءَ فِي المَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ وَتَدْعُو الحَاجَةُ إِلَيْهِ . وَلِهٰذَا السَّبَبِ فَرَّقَ الخُطَبَاءُ بَيْنَ المَحْمُودِ وَالمَذْمُومِ فَقَالَ : «أَمَّا مَا عِيبَ مِنَ التَّكْرَارِ ، فَإِنَّ تِكْرَارَ الكَلَامِ عَلَى ضَرْبَيْنِ : الأَوَّلُ : مَذْمُومٌ ، وَهُوَ مَا كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ بِهِ زِيَادَةُ مَعْنًى . وَالثَّانِي : مَا كَانَ يُخَالِفُ هٰذِهِ الصِّفَةَ ، إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَيُحْسَنُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الأُمُورِ المُهِمَّةِ الَّتِي قَدْ تَنْظِمُ الغَايَةَ بِهَا ، وَيُخَافُ تَرْكُهُ وُقُوعَ الغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِيهَا وَالِاشْتِبَاهَةِ بِقَدْرِهَا» . وَمِنْهُ الإِطْنَابُ بِالتَّكْرِيرِ لَكِنَّهُ تَكْرِيرُ تَأْكِيدٍ إِنْذَارٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾(١) «فِي كَلَّا ، ثُمَّ» دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الإِنْذَارَ الثَّانِيَ أَبْلَغُ وَأَشَدُّ . وَكَثْرَةُ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا يُنْبِي التُّهْمَةَ لِتَكْمِيلِ تَلَقِّي الكَلَامِ بِالقَبُولِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هٰذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾(٢) . وَيَرِدُ التَّكْرِيرُ لِعِنَايَةِ المُتَعَلَّقِ كَمَا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الرَّحْمٰنِ : ﴿فَبِأَيِّ ...﴾ . (١) سُورَةُ التَّكَاثُرِ ، الآيَاتُ (٣ ، ٤) . (٢) سُورَةُ غَافِرٍ ، الآيَاتُ (٣٨ ، ٣٩) . آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾(١) لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ نِعْمَةً بَعْدَ نِعْمَةٍ ، وَعَقَّبَ كُلَّ نِعْمَةٍ بِهٰذَا القَوْلِ ، وَالغَرَضُ مِنْ ذِكْرِهِ عَقِيبَ نِعْمَةٍ غَيْرُ الغَرَضِ مِنْ ذِكْرِهِ عَقِيبَ نِعْمَةٍ أُخْرَى ، وَقَدْ يَأْتِي لِلتَّهْوِيلِ وَالتَّحْرِيضِ وَغَيْرِ ذٰلِكَ .
- الإِطْنَابُ بِالتَّكْمِيلِ
التَّكْمِيلُ لُغَةً : مِنْ فِعْلِ كَمُلَ يَكْمُلُ ، وَأَكْمَلَ الشَّيْءَ : جَمَّلَهُ جُمْلَةً ، وَاسْتَكْمَلَ الشَّيْءَ : أَتَمَّهُ . عَرَّفَ الخَلَافِيُّ الإِطْنَابَ بِالتَّكْمِيلِ وَقَالَ : «وَمِنَ البَدِيعِ التَّكْمِيلُ وَالتَّخْمِيمُ ، وَهُوَ أَنْ يُؤْتَى بِالمَعْنَى الَّذِي بِهِ يُجْمَعُ المَعَانِي المُتَفَرِّقَةُ المُتَنَاثِرَةُ المُشْتَتَةُ لِمُحَصَّلِهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبْخِلَ بِبَعْضِهَا وَلَا أَنْ يُبَادِرَ شَيْئًا مِنْهَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾(٢) ثُمَّ قَالَ : ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(٣) . فَقَدْ جَمَعَ المَعْنَى بِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» . خَلِيفَةٌ : [الطَّوِيلُ] رِجَالٌ إِذَا لَمْ يَفْعَلُوا الحَقَّ مِنْهُمُ ... وَيَعْطُوا عَدُوًّا بِالسُّيُوفِ المُقَاطِعِ وَإِنَّمَا تَمَّتْ جَوْدَةُ المَعْنَى بِقَوْلِهِ : «وَيَعْطُوا» . وَيَتَكَلَّمُ التِّبْرِيزِيُّ فِي التَّكْمِيلِ فَقَالَ : «إِنَّهُ لَا يَذْكُرُ الشَّاعِرُ المَعْنَى ، فَلَا يَبْلُغُ مِنَ الأَحْوَالِ الَّتِي تَتِمُّ بِهَا صِحَّتُهُ وَتَكْمُلُ مَعَهُ ، شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ» ، وَأَخَذَهُ عَنْهُ البَغْدَادِيُّ . أَمَّا ابْنُ أَبِي الأَصْبَعِ المِصْرِيُّ فَقَدْ عَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ : «وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ المُتَكَلِّمُ أَوِ الشَّاعِرُ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي المَدْحِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ فُنُونِ الشِّعْرِ وَأَغْرَاضِهِ ، ثُمَّ يَرَى أَنَّ مَدْحَهُ وَالاِقْتِصَارَ عَلَى ذٰلِكَ المَعْنَى فَقَطْ غَيْرُ كَافٍ فَيُكَمِّلُهُ بِمَعْنًى آخَرَ» . وَحَذَا حَذْوَهُ ابْنُ مَالِكٍ ، وَالحَلَبِيُّ ، وَالتِّبْرِيزِيُّ ، وَابْنُ فِيهِ الجُزْرِيَّةِ ، وَالمَحْمُودِيُّ ، وَالمَدَنِيُّ . أَمَّا القَزْوِينِيُّ فَقَدْ عَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ : «الإِطْنَابُ بِالتَّكْمِيلِ أَوِ الاِحْتِرَاسِ ، هُوَ أَنْ يُؤْتَى فِي كَلَامٍ يُوهِمُ خِلَافَ المَقْصُودِ بِمَا يَدْفَعُهُ» ، وَهُوَ ضَرْبَانِ : ضَرْبٌ يُتَوَسَّطُ الكَلَامَ ، كَضَرْبِ يُتَوَسَّطُ الكَلَامَ ، كَتَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ : [الكَامِلِ] فَتًى غَيْرُ مُفْسِدٍ زِيَادَكَ غَيْرُ مُفْسَدِهَا ... صَوْبُ الرَّبِيعِ وَرَيْبَةٌ تَهُمِّي (١) سُورَةُ الرَّحْمٰنِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (١٦) وَغَيْرُهَا . (٢) سُورَةُ لُقْمَانَ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٣٤) . (٣) سُورَةُ لُقْمَانَ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٣٤) . وَضَرْبٌ يَقَعُ فِي آخِرِ الكَلَامِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ﴾(١) ، فَإِنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى وَصْفِهِمْ بِالذِّلَّةِ عَلَى المُؤْمِنِينَ لَأَوْهَمَ أَنَّ ذٰلِكَ لِضَعْفِهِمْ ، فَلَمَّا قِيلَ : ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ أُعْلِمَ أَنَّهَا مِنْهُمْ تَوَاضُعٌ لَهُمْ . وَمِنْهُ قَوْلُ الحَمَاسِيِّ : [ الطَّوِيلُ ] وَمَا مَاتَ مَيْتًا مِثْلُهُ فِي فَرَائِسٍ ... وَلَا خَلَّفَتْ مِثْلًا سِوَى ظِلِّ قَاتِلِهِ فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى وَصْفِ قَوْمِهِ بِشُمُولِ القَتْلِ لَأَوْهَمَ أَنَّ ذٰلِكَ لِضَعْفِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ ، فَأَزَالَ هٰذَا الوَهْمَ بِوَصْفِهِمْ بِالِانْتِصَارِ مِنْ قَاتِلِهِمْ . [ البَسِيطُ ]
- الإِطْنَابُ بِالتَّوْسِيعِ
التَّوْسِيعُ : مِنَ الوُسْعِ ، وَشَرْحِ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ ؛ تَدَخَّلَ فِيهِ ، وَالشَّجَرَةِ : فَرْعُهَا . وَعَرَّفَ ابْنُ أَبِي الأَصَابِعِ التَّوْسِيعَ بِقَوْلِهِ : «هُوَ أَنْ يُؤْتَى فِي عَجُزِ الكَلَامِ بِمُثَنًّى مُفَسَّرٍ بِاسْمَيْنِ مُفْرَدَيْنِ أَحَدُهُمَا مَعْطُوفٌ عَلَى الآخَرِ» . وَقَدْ عَرَّفَ حِرْبَانُوس فَرْجَاتٌ «التَّوْسِيعَ» كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي الأَصَابِعِ إِلَّا أَنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : «هُوَ أَنْ يَأْتِيَ المُتَكَلِّمُ بِبَيْتٍ يَكُونُ فِي حَشْوِ عَجُزِهِ اسْمٌ مُثَنًّى ، ثُمَّ يُفَسِّرَهُ بَعْدَهُ بِاسْمَيْنِ مُفْرَدَيْنِ هُمَا مِنْ ذٰلِكَ المُثَنَّى ، بِحَيْثُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مِنْهُمَا قَافِيَّةَ بَيْتِهِ» . وَمِنْ أَحْسَنِ مَا جَاءَ فِي هٰذَا النَّوْعِ قَوْلُ ابْنِ المُسْتَوْفِي : [ البَسِيطُ ] أَبَيْتُ وَالأَمْلَحَ المَحْبُوبَ مُبْتَسِمًا ... وَغَضَّ الطَّرْفِ مَبْسُومَ الثَّنَايَا بَهِ إِذَا الذِّكْرَى أَغَاضَتْ عَيْنِي أَنْ تَلِمَّ بِهَا ... الدَّمْعُ الَّذِي بِهِ الأَجْفَانُ وَالسَّهَرُ وَكَذٰلِكَ عَرَّفَهُ ابْنُ مَالِكٍ ، وَالثَّعْلَبِيُّ ، وَالفَرَزْدَقِيُّ ، وَالعُلَوِيُّ ، وَعَرَّفَهُ الآخَرُ بقولِهِ : أَنْ يَأْتِيَ المُتَكَلِّمُ بِاسْمٍ مُثَنًّى يُفَسِّرُهُ مَعْطُوفٌ وَمَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ، وَذٰلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ التَّشْبِيهَ أَصْلُهُ المُطَابَقَةُ ، فَيُرْفَعُ الاسْمُ المُثَنَّى بِمَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُ وَيَرْشِدُ إِلَيْهِ عَلَى جِهَةِ العَطْفِ . وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ : [ البَسِيطُ ] إِذَا أَبُو قَاسِمٍ جَادَتْ لَنَا نِعَمٌ ... وَإِنْ أَضَاءَتْ لَنَا الأَنْوَارُ غُرَّتُهُ لَمْ يُحْمَدِ الأَجْوَادَانِ البَحْرُ وَالمَطَرُ ... نَفْسًا أَضَاءَ لَهَا الشَّمْسُ وَالقَمَرُ (١) سُورَةُ المَائِدَةِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٥٤) .
- الإِطْنَابُ بِذِكْرِ الخَاصِّ بَعْدَ العَامِّ
عَرَّفَ القَزْوِينِيُّ الإِطْنَابَ بِذِكْرِ الخَاصِّ بَعْدَ العَامِّ بِقَوْلِهِ : «هُوَ أَنْ يُؤْتَى بِالخَاصِّ بَعْدَ العَامِّ ، إِمَّا لِتَفْضِيلِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، حَتَّى لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ ، تَنْزِيلًا لِلْمَذْكُورِ فِي الوَصْفِ مَنْزِلَةَ المُغَايِرِ فِي الذَّاتِ» . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى﴾(١) ، وَمِنْهُ قَوْلُ البُحْتُرِيِّ : [ الكَامِلِ ] لَسْتُ تَرَى الأَرَاكَ تَشَابَهَتْ ... أَعْطَافُ قُمْصَانٍ بِهَا وَرُدُودُ فِي خِلْقَةٍ حَبْرُ رَوْضٍ سَلِفْنَ بِهَا ... وَثِيبَانُ يُنْبِي رِيَّ بَرْدٍ وَثَوْبُ بُرُودِ وَسُمْرٌ فَنَاشِلَاتٌ عُيُونَ أَفَانِهَا ... وَرْدَانُ وَرْدٌ جَنَّى وَرْدٌ خُدُودُ وَسَارَ عَلَى هٰذَا الأُسْلُوبِ مِنَ التَّعْرِيفِ السُّيوطِيُّ وَشُرَّاحُ التَّلْخِيصِ .
- الإِطْنَابُ بِالزِّيَادَةِ
الإِطْنَابُ بِالزِّيَادَةِ ، يَكُونُ عَلَى أَقْسَامٍ : مِنْهَا : دُخُولُ حَرْفِ تَأْكِيدٍ مِنْ حُرُوفِ التَّوْكِيدِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَإِنَّا لَكُمْ لَنَاصِحُونَ﴾(٢) ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾(٣) . وَمِنْهَا : دُخُولُ الأَحْرُفِ الزَّائِدَةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيبًا﴾(٤) . وَمِنْهَا : التَّأْكِيدُ الصِّنَاعِيُّ ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : التَّوْكِيدُ المَعْنَوِيُّ بِـ «كُلٍّ» وَ«كِلَا» وَ«أَجْمَعِ» ، وَ«كِلْتَا» ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَسَجَدَ المَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾(٥) ، وَفَائِدَتُهُ رَفْعُ تَوَهُّمِ المَجَازِ وَعَدَمِ الشُّمُولِ . ثَانِيهَا : التَّأْكِيدُ اللَّفْظِيُّ ، وَهُوَ تِكْرَارُ اللَّفْظِ الأَوَّلِ إِمَّا بِمُرَادِفِهِ ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾(٦) ، وَإِمَّا بِاللَّفْظِ نَفْسِهِ ، فَيَكُونُ فِي الاسْمِ وَالفِعْلِ وَالحَرْفِ وَالجُمْلَةِ . فَالاسْمُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : قَوَارِيرَ قَوَارِيرَ﴾(١) ، وَالْفِعْلُ ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾(٢) ، وَاسْمُ الْفِعْلِ ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾(٣) ، وَالْحَرْفُ ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾(٤) ، وَالْجُمْلَةُ ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾(٥) ، وَقَدْ تَقْتَرِنُ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ بِـ «ثُمَّ» ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾(٦) ، وَمِنْهُ تَأْكِيدُ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾(٧) ، وَمِنْهُ تَأْكِيدُ الْمُنْفَصِلِ بِمِثْلِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾(٨) . ثَالِثُهَا : تَأْكِيدُ الْفِعْلِ ، وَهُوَ عَرْضٌ مِنْ تِكْرَارِ الْفِعْلِ مَرَّتَيْنِ ، وَفَائِدَتُهُ رَفْعُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ فِي الْفِعْلِ ، وَالْأَصْلُ فِي هٰذَا النَّوْعِ أَنْ يُؤْتَى بِالْوَصْفِ الْمُرَادِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾(٩) . رَابِعُهَا : الْحَالُ الْمُؤَكَّدَةُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾(١٠) . وَفِي هٰذِهِ الْأَقْسَامِ كُلِّهَا جَاءَ الْإِطْنَابُ بِالزِّيَادَةِ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ ، فَإِذَا انْتَهَى الْغَرَضُ لَمْ يُعَدَّ الْإِطْنَابُ مُفِيدًا . (١) سُورَةُ الْإِنْسَانِ ، الْآيَةُ (١٥) . (٢) سُورَةُ الطَّارِقِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (١٧) . (٣) سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٣٦) . (٤) سُورَةُ النَّبَإِ ، الْآيَتَانِ (٤-٥) . (٥) سُورَةُ الشَّرْحِ ، الْآيَتَانِ (٥-٦) . (٦) سُورَةُ النَّبَإِ ، الْآيَتَانِ (٤-٥) . (٧) سُورَةُ الْبَقَرَةِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٣٥) . (٨) سُورَةُ يُوسُفَ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٢٣) . (٩) سُورَةُ الْأَحْزَابِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٤١) . (١٠) سُورَةُ مَرْيَمَ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٣٣) .
- اِعْتِدَالُ الْوَزْنِ
اِعْتِدَالُ الْوَزْنِ ذَكَرَهُ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ وَلَمْ يَعْرِفْهُ ، وَقَالَ : إِنَّهُ يَكُونُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : «اِصْبِرْ عَلَى حَرِّ اللِّقَاءِ ، وَمُضَضِ الزَّمَانِ ، وَشِدَّةِ السِّمَاعِ ، وَدَوَامِ الْمِرَاسِ» ، وَلِقَوْلِهِ : «عَلَى حَرِّ الْحَرْبِ ، وَمُضَضِ النَّزَالِ ، وَشِدَّةِ الْعَطْفِ ، وَمُدَاوَمَةِ الْمِرَاسِ» ؛ لِأَنَّ اللِّقَاءَ ، وَالنَّزَالَ ، وَالتَّنَازُلَ وَالْمِصَاعِ وَالْمِرَاسِ يُوزَنُ وَاحِدٌ فِي الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالإِيرَادِ، وَهٰذَا أَدَلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّوَازُنِ أَوِ الإِشْبَاعِ فِي النَّثْرِ؛ لأَنَّهُ يُضْفِي عَلَيْهِ جَمَالًا إِذَا جَاءَ غَيْرَ مُتَكَلَّفٍ، أَوْ كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْصِدُ الأَدِيبُ إِلَيْهِ. الاِعْتِرَاضُ
- الاِعْتِرَاضُ
الاِعْتِرَاضُ مِنِ اغْتَرَضَ، وَاعْتَرَضَ الشَّيْءَ دُونَ الشَّيْءِ أَيْ حَالَ دُونَهُ. ذَكَرَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ بَعْضَ الأَقَاحِ سَمَّاهُ «الاِلْتِفَاتَ»، وَاحْتَرَضُوا سَمَّوْهُ بِاسْمِ «الاِسْتِدْرَاكِ». وَعَرَّفَهُ ابْنُ رَشِيقٍ بِاسْمِ «الاِلْتِفَاتِ»، وَقَالَ: «وَمِمَّا لَهُ أَنْ يَكُونَ الشَّاعِرُ آخِذًا فِي مَعْنًى لَمْ يُفْرِغْ لَهُ غَيْرُهُ، فَيَعْدِلَ مِنَ الأَوَّلِ إِلَى الثَّانِي فَيَأْتِيَ بِهِ ثُمَّ يَعُودَ إِلَى الأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخِلَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا بَدَأَ بِهِ الأَوَّلُ، كَقَوْلِ كَثِيرٍ عَزَّةَ: [ الوافِرِ ] لَسْتُ أَنَّ النَّاحِينَ وَأَنْتِ مِنْهُمْ ... رَأَوْكَ تَسْلَمُوا مِنْكِ الْبِطَالَا فَقَوْلُهُ: «وَأَنْتِ مِنْهُمْ» اِعْتِرَاضٌ كَلَامٌ فِي كَلَامٍ. وَجَعَلَهُ ابْنُ الْمُعْتَزِّ بَابًا عَلَى حِدَتِهِ بَعْدَ بَابِ «الاِلْتِفَاتِ»، وَمُعْظَمُ النَّاسِ يُجْمِعُ بَيْنَهُمَا. وَذَكَرَ الْجَاحِظُ الاِلْتِفَاتَ، وَقَالَ: «وَقَدْ سَمَّوْا هٰذَا «الاِعْتِرَاضَ» وَالاِعْتِرَاضُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ». وَقَالَ صَاحِبُ «الْفَصَاحَةِ»: «الاِلْتِفَاتُ نَفْسُهُ «الاِعْتِرَاضُ»، وَالاِعْتِرَاضُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ». وَقَالَ صَاحِبُ «الْخَصَائِصِ»: «الاِعْتِرَاضُ كَثِيرٌ قَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ، وَفِصَاحِ الشِّعْرِ، وَمُنْتَثَرِ الْكَلَامِ، وَهُوَ جَارٍ عِنْدَ الْعَرَبِ مَجْرَى التَّأْكِيدِ، فَنُلْحِقُ الْمُعْتَرِضَ فِي لَفْظِهِ بِالْمُؤَكِّدِ فِي مَعْنَاهُ، لأَنَّهَا لَا يُبْنَى عَلَيْهَا، وَلَا يُسْتَنْكَرُ عَدَمُهَا، إِذْ تَعْرِضُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَأَعْمَالِهِ، وَالِابْتِدَاءِ وَخَبَرِهِ، وَغَيْرِ ذٰلِكَ، مِمَّا لَا يَجُوزُ الْفَصْلُ فِيهِ بَيْنَهُمَا إِلَّا شَاذًّا أَوْ نَادِرًا». أَخْرَجَ هٰذَا الْفَنَّ فِي كُتُبِ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ، وَعَرَّفَهُ الْعَسْكَرِيُّ كَتَعْرِيفِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ وَنَقَلَ مِثْلَهُ. وَأَصَرَّ ابْنُ مُنْذِرٍ أَنْ لَا تَكُونَ الْجُمْلَةُ الْمُعْتَرِضَةُ زَائِدَةً، بَلْ تَكُونَ فِيهَا فَائِدَةٌ. وَقَدْ قَسَّمَهُ الرَّازِيُّ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: الأَوَّلُ: مَلُومٌ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [ الهَزَجِ ] وَمَا يَخْشَى صَدَاعَ الرَّأْسِ مِثْلُ الصَّارِمِ العَضْبِ الثَّانِي: مُسْتَحْسَنٌ، كَقَوْلِ امْرِىءِ الْقَيْسِ: [ الطَّوِيلِ ] أَلَا هَلْ أَسَامَا وَالنَّوَادِرُ جَمَّةٌ ... يَسُوءُ أَمْرًا القَوْمَ بْنَ تَمْلِكِ بَشْرًا الثَّالِثُ: لَطِيفٌ، وَهُوَ الَّذِي يُكْسِرُ الْمَعْنَى جَمَالًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(١)، وَأَخَذَهُ السَّكَاكِيُّ فِي الْمُحَسِّنَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَقَالَ عَنْهُ: «وَيُسَمَّى الحَشْوَ، وَهُوَ تَزْيِيدٌ فِي الْكَلَامِ مَا لَيْسَ مِنْهُ»، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ: [ مجزوء الكامل ] فَتَسْقِي دِيَارَكَ غَيْرَ مُسْتَحْصِدٍ ـــ صَرْبُ السَّرِيعِ وَدَيْمَةٌ تَهْمِي فَفِي دِيَارِكَ غَيْرُ مُسْتَحْصِدٍ حَشْوٌ لَا فَائِدَةَ لَهُ. كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الأَثِيرِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُسَمِّيهِ «حَشْوًا»، ثُمَّ قَالَ: «وَحَدُّهُ كُلُّ كَلَامٍ أُدْخِلَ فِيهِ لَفْظٌ لَا يَفِيدُ مَعْنًى يُعْتَدُّ بِهِ، بَلْ يَكُونُ ذِكْرُهُ كَتَرْكِهِ»، وَكَذَلِكَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَالِكٍ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ يُنْضَحُ فِي الأَوَّلِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَالِكٍ ذَكَرَ أَنَّهُ يَكُونُ أَحْيَانًا قَرِينَةً قَائِمَةً أَقْرَبَ إِلَى الرُّجُوعِ مِنَ الِاعْتِرَاضِ، فَإِنَّ الْجُمْلَةَ الِاعْتِرَاضِيَّةَ غَيْرُ الأَدَاةِ الَّتِي مَقَامُهَا قَرِينَةٌ أَقْرَبُ إِلَى الرُّجُوعِ مِنَ الِاعْتِرَاضِ، فَإِنَّ الْجُمْلَةَ الِاعْتِرَاضِيَّةَ غَيْرُ الأَدَاةِ الَّتِي مَقَامُهَا قَرِينَةُ الأَغْرَاضِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ: هُوَ مِنْ نُعُوتِ الْمَعَانِي الِالْتِفَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّاعِرُ أَخَذَ فِي مَعْنًى فَنَكَتَةٍ يَعْتَرِضُهُ أَمْرٌ شَافٍ فِيهِ أَوْطَلَ، بَلْ إِذَا رَادَ بَرَدَ عَلَيْهِ أَوْصَلًا بِمَسْأَلَةٍ هُوَ سَبَبُهُ فَيَعُودُ رَاجِعًا إِلَى مَا تَقَدَّمَهُ. وَذَكَرَهُ ابْنُ شَيْثٍ الْقُرَشِيُّ فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يَذْكُرَ قَضِيَّةً، ثُمَّ يَجِيءَ بِجِنَاسٍ مِنْهَا»، وَسَمَّاهُ النَّتُّوخِيُّ «اِعْتِرَاضًا»، وَعَرَّفَهُ الحَلَبِيُّ بِقَوْلِهِ: «وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ الحَاتِمِيُّ، وَابْنُ الْمُعْتَرِضِ، اِعْتِرَاضَ كَلَامٍ فِي كَلَامٍ لَمْ يُتِمَّ مَعْنَاهُ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُتِمُّهُ». إِلَّا أَنَّ ابْنَ الأَثِيرِ الحَلَبِيَّ قَالَ: إِنَّ بَعْضَهُمْ يُسَمِّيهِ سِمَاطًا أَيْضًا، وَهٰذَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي كُتُبِ الْبَلَاغَةِ، إِذْ إِنَّ فُضَلَاءَهُمْ سَمَّوْهُ «الِاعْتِرَاضَ»، كَمَا سَمَّاهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَالقَزْوِينِيُّ، وَالْقُرْطُبِيُّ، وَالْعَلَائِيُّ، وَابْنُ قَيْمِ الْجَوْزِيَّةِ، وَالسُّكَّرِيُّ، وَالسُّهَيْلِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَتَحَدَّثَ الحَمَوِيُّ عَنْهُ فِي سِمَاطِ الْجُمَلِ، وَالسُّكَّرِيُّ، وَالسُّهَيْلِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، بِاسْمِ «سِمَاطِ الْجُمَلِ»، وَإِنَّمَا الحَاتِمِيُّ سَمَّاهُ «سِمَاطَ الحَدِيثِ»، لٰكِنَّ يَجِبُ أَنْ نُمَيِّزَ بَيْنَ سِمَاطِ الِاعْتِرَاضِ وَبَيْنَ سِمَاطِ الْجُمَلِ الَّذِي هُوَ فَصْلُ الْقَوْلِ فِيهِ سِمَاطُ الِاعْتِرَاضِ. وَقَالَ: «هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جُمْلَةٍ تَتَفَرَّضُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ لِتَفِيدَ زِيَادَةً فِي مَعْنَى غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ»، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحَشْوِ بِقَوْلِهِ: «وَمِنْهُم مَنْ سَمَّى الحَشْوَ زَرْنِيقًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ يُفِيدُ زِيَادَةً فِي غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ وَالنَّاظِمِ، وَالحَشْوَ إِنَّمَا يَأْتِي لِإِقَامَةِ الْوَزْنِ لَا غَيْرَ، وَفِي الِاعْتِرَاضِ مِنَ الْمَحَاسِنِ الْمُكَمِّلَةِ لِلْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ مَا يَمْتَازُ بِهِ عَنْ أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ». وَذَكَرَ ابْنُ مَعْصُومٍ عِدَّةَ مُصْطَلَحَاتٍ كَالأَسْمَاءِ وَالتَّقْسِيمِ، لَكِنَّهُ عَقَدَ لَهُ فَصْلًا بِاسْمِ الِاعْتِرَاضِ كَمَا فَعَلَ الحَمَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ: «إِنَّهُ مَتَى خَلَا عَنْ نُكْتَةٍ سُمِّيَ حَشْوًا، فَلَا يَبْعُدُ. حَيْثُ مِنَ الْبَدِيعِ بَلْ هُوَ مِنَ الْمُسْتَحْسَنِ، وَأَوْرَدَ أَنَّ النُّكْتَ فِيهِ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا التَّنْبِيهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾، وَمِنْهَا الدُّعَاءُ كَقَوْلِ أَبِي الْعَمَيْثَلِ عَوْفِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيِّ: [ السَّرِيعِ ] إِنَّ الشَّبَابَيْنِ وَلَيْلَتَيْهَا ... أَحْوَجْنَ سَمْعِيَ إِلَى تُرْجُمَانِ وَمِنْهَا التَّنْبِيهُ كَقَوْلِ الآخَرِ: [ السَّرِيعِ ] وَأَعْلَمُ نَفْسِيَ مُعْتَبَةً بِأَنَّهُ ... أَنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِّرَا وَمِنْهُ تَخْصِيصُ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ بِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ فِي أَمْرٍ عَلَى مَا بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾. وَمِنْهَا الْمُطَابَقَةُ وَالِاسْتِمْطَافُ كَمَا فِي قَوْلِ الْمُتَنَبِّي: [ الْكَامِلِ ] وَتَخْشَعُ كُلَّمَا رَأَيْتَ لَهْبَهُ ... فِي جَنْبِهِ تَرَكْتَ فِيهِ جِرَاحَا وَبَيَانُ السَّبَبِ لِأَمْرٍ فِيهِ غَرَابَةٌ، كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: [ الطَّوِيلِ ] فَلَا حَسْرَةً لَوْ أَنَّ لِلنَّاسِ رَاحَةً ... وَلَا وَصْلَةً يَصْفُو لَنَا فَنُسَامِحَهْ وَمِنْهَا الْمَدْحُ كَمَا فِي قَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْخَزَّازِ: [ الْوَافِرِ ] فَإِنَّ طَرُوبًا لَتَغْفِرُ إِنَّ لِي ... كَرِيمًا، وَأَنْتِ مُصْفَاةٌ طَرُوبُ وَمِمَّا جَاءَ بَيْنَ كَلَامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مَعْنًى، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ جُمْلَةٍ أَيْضًا، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ﴾ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ أُمِّ مَرْيَمَ، وَإِنَّمَا هُوَ اِعْتِرَاضٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ تَعْظِيمُ الْمَوْضُوعِ وَتَجْلِيَتُهُ بِقَدْرِ مَا وَهَبَ لَهَا مِنْهُ، وَالنُّكْتَةُ ذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ وَشُرَّاحُهُ.
- الإِعْجَازُ
نَزَلَ القُرْآنُ الكَرِيمُ كِتَابًا حَيًّا بِبَلَاغَتِهِ تَحَدَّى العَرَبَ بَلِ الإِنْسَ وَالجِنَّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا. وَكَانَ العَرَبُ يَسْمَعُونَهُ فَيَغْشَوْنَ لِرَوْعِهِ وَجَلَالِهِ سَاجِدِينَ، وَيَتَأَثَّرُونَ بِهِ تَأَثُّرًا شَدِيدًا، وَقَدْ دَفَعَ العُقَلَاءُ فِيهِمْ بَعْدُ إِلَى أَنْ يَبْحَثُوا عَنْ ذٰلِكَ، وَيُوَضِّحُوا مَسَائِلَ إِعْجَازِ القُرْآنِ وَسِرَّ ذٰلِكَ الإِعْجَازِ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ مِنَ اللَّهِ حِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا القُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾(١). وَكَانَ المُتَكَلِّمُونَ أَوَّلَ مَنْ تَحَدَّثُوا عَنْ إِعْجَازِهِ وَبَلَاغَتِهِ، فَتَنَاوَلَتِ المُعْتَزِلَةُ تَأْلِيفَ القُرْآنِ وَنَظْمَهُ فَقَالَتْ: تَأْلِيفُ القُرْآنِ وَنَظْمُهُ مُعْجِزٌ، وَمِنْهُ وَجْهٌ مِمَّا أَخْبَرَ عَنِ الغُيُوبِ؛ فَأَمَّا التَّأْلِيفُ وَالنَّظْمُ فَقَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقْدِرَ عَلَيْهِ العِبَادُ لَوْلَا أَنْ اللَّهَ مَنَعَهُمْ مِنهُ وَعَجَزَ أَخْلَاقَهُمْ عَنْهُ، وَقَالَ هِشَامٌ وَعُبَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ: لَا نَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنَ الأَعْرَاضِ يَدُلُّ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا نَقُولُ إِنَّ عَرَضًا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَجْعَلِ القُرْآنَ دَلِيلًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَزَعَمَا أَنَّ القُرْآنَ أَعْرَاضٌ. وَقَالَ القَاضِي: إِنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ بِبَلَاغَتِهِ، وَهُوَ أَعْلَى طِبَاقِ الكَلَامِ، وَالبَلَاغَةُ عِنْدَهُ اتِّصَالُ المَعْنَى إِلَى القَلْبِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ مِنَ اللَّفْظِ، وَأَعْلَى طَبِقَةٍ فِي الحُسْنِ بَلَاغَةُ القُرْآنِ، وَأَعْلَى طَبَقَاتِ البَلَاغَةِ مُعْجِزٌ لِلْعَرَبِ كَإِعْجَازِ الشِّعْرِ المُفْحِمِ، فَهٰذَا مُعْجِزٌ مُخْتَصٌّ، كَمَا أَنَّ ذٰلِكَ مُعْجِزٌ لِلْكَافَّةِ. وَقَدَّرَ الخَطَّابِيُّ أَنَّ بَلَاغَةَ القُرْآنِ تَعُودُ إِلَى جَمَالِ أَلْفَاظِهِ، وَحُسْنِ نَظْمِهِ، وَسُمُوِّ مَعَانِيهِ، وَتَأْثِيرِهِ فِي النُّفُوسِ، فَقَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ القُرْآنَ إِنَّمَا صَارَ مُعْجِزًا لِأَنَّهُ جَاءَ بِأَفْصَحِ الأَلْفَاظِ فِي أَحْسَنِ نَظْمِ التَّأْلِيفِ مُضَمَّنًا أَصَحَّ المَعَانِي، وَنَبَّهَ إِلَى تَأْثِيرِ القُرْآنِ فِي النُّفُوسِ فَقَالَ: قُلْتُ فِي إِعْجَازِ القُرْآنِ وَجْهًا آخَرَ ذَهَبَ عَنْهُ النَّاسُ، فَلَا يَكَادُ يَعْرِفُهُ إِلَّا الأَفْذَاذُ مِنْ أَحَادِهِمْ، وَذٰلِكَ صَنِيعُهُ فِي القُلُوبِ وَتَأْثِيرُهُ فِي النُّفُوسِ. وَوَافَقَ هٰذَا الرَّأْيَ البَاقِلَّانِيُّ إِلَى أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ مُعْجِزٌ، لِأَنَّهُ نَظْمٌ خَارِجٌ عَنْ جَمِيعِ وُجُوهِ النَّظْمِ. (١) سُورَةُ الإِسْرَاءِ، آيَةُ رَقْمُ (٨٨). النَّظْمِ المُعْجِزِ فِي كَلَامِ العَرَبِ، وَلِهٰذَا اعْتَقَدَ أَنَّ البَدِيعَ لَيْسَ مِنَ الأَسْبَابِ الَّتِي يُعَدُّ بِهَا الإِعْجَازُ، قَالَ: «لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ إِعْجَازِ القُرْآنِ مِنَ البَدِيعِ؛ إِذْ دَعَوْهُ فِي الشِّعْرِ وَرَصَّعُوهُ فِيهِ، وَذٰلِكَ أَنَّ هٰذَا الفَنَّ لَيْسَ فِيهِ مَا يُحْرِقُ العَادَةَ عَنِ العُرْفِ، بَلْ هُوَ حِسَانُ اسْتِرَاكِهِ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّدْرِيبِ»، وَالتَّصَرُّفُ لَهُ كَتَصَرُّفِ الشِّعْرِ وَوَصْفِ الخُطَبِ وَصِنَاعَةِ الرِّسَالَةِ وَالجَدَلِ فِي البَلَاغَةِ. وَعَلَى هٰذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ أَسْلُوبًا وَنَظْمًا وَأَلْفَاظًا وَقُوَّةً تَقَعُ فِي القُلُوبِ، لَا بِمَا يَحْوِيهِ مِنْ وُجُوهِ البَلَاغَةِ وَفُنُونِهَا. وَرَجَعَ الخَطَّابِيُّ إِلَى أَنَّ النَّظَامَ هُوَ إِعْجَازُ القُرْآنِ، وَأَكَّدَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الإِعْجَازِ صَرْفُ العَرَبِ عَنْ مُعَارَضَةِ القُرْآنِ لَيْسَتْ مِنَ الأَسْبَابِ الَّتِي سَلِمَ العُلَمَاءُ الَّذِينَ بِهَا يُمْكِنُهُمْ فِي المُعَارَضَةِ فِي وَقْتِ دُرُوجِهِمْ، فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِي الصَّحِيحَ أَنَّ وَجْهَ الإِعْجَازِ فِي القُرْآنِ صَرْفُ العَرَبِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ، وَأَنَّ فَصَاحَتَهُ قَدْ كَانَتْ فِي مَقْدُورِهِمْ لَوْلَا الصَّرْفُ». وَهٰذَا هُوَ المَذْهَبُ الَّذِي يَقُولُ عَلَيْهِ أَهْلُ هٰذِهِ الصَّنَاعَةِ وَأَرْبَابُ هٰذَا العِلْمِ»، ثُمَّ تَابَعَ قَوْلَهُ: «إِنَّ القَائِلَ بِالصَّرْفِ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقِ الفَصَاحَةِ لِيَعْرِفَ مَا هِيَ، لِيَقْطَعَ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي مَقْدُورِهِمْ وَمِنْ جِنْسِ فَصَاحَتِهِمْ»، وَذَهَبَ إِلَى أَنَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ القُرْآنِ وَنَصِيعِ الكَلَامِ المُخْتَارِ فِي هٰذِهِ القَضِيَّةِ، وَمَتَى رَجَعَ الإِنْسَانُ إِلَى نَفْسِهِ وَكَانَ مَعَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِتَأْلِيفِ المُخْتَارِ، وَجَدَ فِي كَلَامِ العَرَبِ مَا يُضَاهِي القُرْآنَ فِي تَأْلِيفِهِ. نَسْتَخْلِصُ أَنَّ الخَطَّابِيَّ رَأْيَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ بِنَصَاحَتِهِ الَّتِي وَقَعَ التَّنَازُعُ فِيهَا صَرْفًا خَرَجَ عَنْ مُقْتَضَى البَشَرِ. الثَّانِي: أَنَّ الأَمْرَ إِذَا عَادَ إِلَى نَفْسِهِ وَكَانَ ضَرْبًا بِالتَّأْلِيفِ، خَرَجَ مِنْ نَتَائِجِ مَا يُضَاهِي القُرْآنَ فِي تَأْلِيفِهِ. وَرَأَى الجُرْجَانِيُّ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ مُعْجِزٌ بِنَظْمِهِ، أَيْ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَى تَلَاؤُمِ المَعَانِي فِي الجُمَلِ تَلَاؤُمًا يُؤَدِّي إِلَى إِعْجَازِهِ، فَقَالَ: «... لِأَنَّ الأَلْفَاظَ لَا تَتَفَاضَلُ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَلْفَاظٌ مُجَرَّدَةٌ، وَلَا مِنْ حَيْثُ هِيَ كَلِمٌ مُفْرَدَةٌ، وَإِنَّمَا تَثِيبُ لَهَا الفَضِيلَةُ وَخِلَافُهَا فِي مُلَاءَمَةِ مَعْنًى اللَّفْظَةِ لِمَعْنًى أُخْرَى تَلِيهَا وَمَا أُثِيرَ ذٰلِكَ مِمَّا لَا يُلِي لَهُ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ». وَيُلَاحَظُ أَنَّ عَبْدَ القَاهِرِ الجُرْجَانِيَّ يَرْجِعُ الإِعْجَازَ إِلَى النَّظْمِ وَالتَّأْلِيفِ، وَأَنَّ حُصُولَ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ مَرَدَّهُ إِلَى العَذْرُوقِ وَالإِحْسَاسِ الرُّوحَانِيِّ وَكَثْرَةِ التَّعَمُّقِ فِي ثَقَافَةِ العَرَبِ وَتَذَوُّقِهِمْ. وَرَأْيُ الرَّافِعِيِّ أَنَّ إِعْجَازَ القُرْآنِ مُعْجِزٌ فِي مَسْأَلَتَيْنِ: الأُولَى: مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الأَحَادِيثِ عَنْ عِلْمِ الغَيْبِ. الثَّانِيَةُ: وَهٰذَا فِي رَأْيِهِ الشَّخْصِيِّ، وَهُوَ الإِعْجَازُ، وَدَرَجَتُهُ أَمُّ الخُطُوَاتِ المَوْجِهَةِ عَلَى المُفَسِّرِ، وَهُوَ بِهٰذَا العَمَلِ المُتَمَيِّزِ جَارِي الحَرْجَانِيِّ فِي تَأْلِيفِهِ، وَلَأَجْلِ بَيَانِ ذٰلِكَ قَالَ نِظَامُ البَلَاغَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِنَّ المُفَسِّرَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبْرِزَ فِي مَعَانِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ بَارِعًا فِي عِلْمَيْنِ مُخْتَصَّيْنِ، يَا هُمَا عِلْمُ البَيَانِ وَعِلْمُ المَعَانِي، إِلَّا أَنْ يَلْزَمَ التَّقْلِيدَ رَأْيًا مُتَبَايِنًا فِي إِعْجَازِ القُرْآنِ وَبَلَاغَتِهِ مَعْدُودًا إِلَى الفَصَاحَةِ الَّتِي تَخْضَعُ سِكَّتُهُ وَبَدِيعَتُهُ. وَقَدْ أَضَافَ الإِسْكَافِيُّ عَلَى مَا أَوْضَحْنَاهُ مِنَ الآرَاءِ الأَرْبَعَةِ السَّابِقَةِ فَقَالَ: فَهٰذِهِ أَقْوَالٌ أَرْبَعَةٌ يَجْمَعُهَا مَا يَعْجِزُ أَصْحَابُ الذَّوْقِ أَنْ يَعْرِفُوا الإِعْجَازَ هُوَ أَمْرٌ مِنْ جِنْسِ الخِلَافَةِ وَالفَضَائِلِ، وَلَا طَرِيقَ لَكَ إِلَى هٰذَا الإِحْسَاسِ إِلَّا أَطْوَلُ خِدْمَةِ هٰذَيْنِ العِلْمَيْنِ: المَعَانِي وَالبَيَانِ، بَعْدَ فَصْلٍ يُؤْتِيهِ مِنْ هِبَةٍ يُهَبُهَا بِحِكْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَهِيَ النَّفْسُ المُسْتَعِدَّةُ لِذٰلِكَ، فَكُلُّ مُصِرٍّ لَمْ تُخْلَقْ لَهُ، وَلَا اسْتِيعَابَ فِي إِنْكَارِ هٰذَا الوَجْهِ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَقْتَضِيهِ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ، فَلَهُمْ سِحْرُ التَّأْوِيلِ فِي إِنْكَارِهِ ثُمَّ تَصْمِيمُ النَّفْسِ عَلَى أَنْ تَذْكُرَهُ، فَلَهُ الذِّكْرُ عَلَى جَمِيلٍ مَا أَوْلَى، وَلَهُ الحَمْدُ فِي الأُخْرَى الأُولَى». وَخَلَصَ إِلَى أَنَّ مَسْأَلَةَ القُرْآنِ وَإِعْجَازِهِ تَدْرِكُ وَلَا تُوصَفُ، كَاسْتِفَاقَةِ الوَجْدِ تَدْرِكُ وَلَا يُمْكِنُ وَصْفُهَا، فَقَالَ: «وَإِدْرَاكُ الإِعْجَازِ عِنْدِي هُوَ الذَّوْقُ مِنَ الأَوَّلِ، وَطَرِيقُ اكْتِسَابِ الذَّوْقِ خِدْمَةُ هٰذَيْنِ العِلْمَيْنِ: العِلْمِ، العِلْمِ المَعَانِي وَالبَيَانِ، نَعَمْ البَلَاغَةُ وُجُوهٌ مُتَشَاكِلَةٌ وَمَا يَسِيرُ إِضَافَةُ النَّعْمِ عَلَيْهَا لِيَجْعَلَ عَلَيْكَ، أَمَّا نَفْسُ وَجْهِ الإِعْجَازِ فَلَا». هٰذَا الرَّأْيُ عِمَادُ الذَّوْقِ وَالإِدْرَاكِ الرُّوحَانِيِّ أَكْثَرَ مِنَ التَّعْلِيلَاتِ الَّتِي أَوْرَدَهَا كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ، هٰذَا مَا دَفَعَ العُلَمَاءَ إِلَى العَوْدِ عَلَى طُرُقِ التَّعْبِيرِ وَمَا يَحْوِي مِنْ فُنُونِ الكَلَامِ. وَلِهٰذَا السَّبَبِ صَارَتْ كُتُبُ إِعْجَازِ القُرْآنِ كِتَابًا بَلَاغِيًّا، وَهٰذَا مَا يُنِيرُ القُرْآنَ الكَرِيمَ، وَالَّذِي كَانَ عَلَامَةً دَالَّةً عَلَى النُّبُوَّةِ وَتَصْدِيقًا لِصَاحِبِ الشَّرِيعَةِ إِذِ اخْتَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانًا لِمُعْجِزَتِهِ، وَعِلْمًا دَالًّا عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ وَبُرْهَانًا صَادِقًا عَلَى صِحَّةِ رِسَالَتِهِ، لَكِنْ لَا يَخْفَى تَعَلُّقُهُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ تَعَلُّقًا خَاصًّا وَاتِّصَالًا ظَاهِرًا، فَإِنَّ الأَخْلَاقَ بِالحَقِيقَةِ أَنْ إِذَا تَكَلَّفْنَا عَلَى بَلَاغَةِ غَايَةِ الإِعْجَازِ يَتَضَمَّنُ لآفَتَيْنِ البَلَاغَةِ فَلَا أَحَقُّ فِي إِيضَاحِ ذٰلِكَ، فَنُظْهِرُ وَجْهَ إِعْجَازٍ وَبَيَانٍ وَجْهِ الإِعْجَازِ وَإِبْرَازِ المَطَاعِنِ الَّتِي لِلْمُخَاصِمِينَ وَالجَوَابِ عَنْهَا. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ العُلَوِيُّ مُعَرِّفًا الإِعْجَازَ: «أَعْلَمُ أَنَّ الكَلَامَ فِي المَرْتَبَةِ الَّتِي لِأَجْلِهِ كَانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا دَقِيقًا، وَمِنْ ثَمَّ كَثُرَتْ فِيهِ الأَقَاوِيلُ وَاضْطَرَبَتْ فِيهِ المَذَاهِبُ وَتَفَرَّقُوا عَلَى أَنْحَاءٍ كَثِيرَةٍ، فَنَذْكُرُ ضَبْطَ المَذَاهِبِ، ثُمَّ نُرَتِّبُهُ بِذِكْرِ مَا يَحْتَمِلُهُ مِنَ الفَسَادِ، ثُمَّ نَذْكُرُ عَلَى أَثَرِهِ اخْتِيَارَ مِنهَا؛ فَهٰذِهِ مَبَاحِثُ ثَلَاثَةٌ نَفْصِلُ الكَلَامَ عَنْهَا العَلَوِيِّ. أَوَّلًا: ضَبْطُ المَذَاهِبِ فِي وَجْهِ الإِعْجَازِ، وَمِنْهَا الصَّرْفَةُ، وَالأُسْلُوبُ، وَخُلُوُّهُ مِنَ المُنَاقَضَةِ. ثَانِيًا: قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدَّرَجَةَ فِي إِعْجَازِهِ هُوَ البَلَاغَةُ. ثَالِثًا: قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الوَجْهَ فِي الإِعْجَازِ إِنَّمَا هُوَ اشْتِمَالُهُ عَلَى الحَقَائِقِ وَتَضَمُّنُهُ لِلْأَسْرَارِ وَالدَّقَائِقِ الَّتِي لَا تَزَالُ غُضَّةً طَرِيَّةً عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ.
- الأَعْدَادُ
الأَعْدَادُ تَحَدَّثَ عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَسَمَّاهُ التَّعْدِيدَ وَقَالَ: هُوَ إِيقَاعُ الأَعْدَادِ مِنَ الأَسْمَاءِ المُفْرَدَةِ فِي النَّظْمِ وَالنَّظْمُ عَلَى سِيَاقٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ رُوِيَ فِيهِ أَزْدِوَاجٌ أَوْ تَحْسِينٌ أَوْ مُطَابَقَةٌ أَوْ مُقَابَلَةٌ أَوْ نَحْوُهَا فَذٰلِكَ فِي غَايَةِ الحُسْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي: [ البسيط ] الخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالقِرْطَاسُ وَالقَلَمُ وَعَرَّفَهُ ابْنُ الأَثِيرِ بِقَوْلِهِ: هُوَ إِيرَادُ الأَلْفَاظِ المُفْرَدَةِ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ﴾ (١)، وَسَمَّاهُ الجَاحِظُ وَسَمَّاهُ الثَّعَالِبِيُّ أَيْضًا «سِيَاقَ الأَعْدَادِ»، وَتَكُونُ هٰذِهِ الصِّنَاعَةُ بِأَنْ يَسُوقَ الكَاتِبُ أَوِ الشَّاعِرُ فِي نَظْمِهِ أَوْ نَثْرِهِ عَدَدًا مِنَ الأَسْمَاءِ المُفْرَدَةِ عَلَى تَنْسِيقٍ وَاحِدٍ حَيْثُ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هٰذِهِ الأَسْمَاءِ لَهُ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَيَكُونُ اسْمًا كَذٰلِكَ لِنَوْعٍ آخَرَ، وَهٰذِهِ الصِّنَاعَةُ أَكْثَرُ وُرُودًا وَأَعْلَى أَمْرًا إِذَا اقْتَرَنَتْ بِأَزْدِوَاجِ اللَّفْظِ أَوِ الجِنْسِ أَوِ الاقْتِصَادِ أَوْ أَيِّ صِنَاعَةٍ أُخْرَى مِنْ صَنَاعَاتِ البَلَاغَةِ. وَسَمَّاهُ ابْنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ «سِيَاقَ الأَعْدَادِ»، وَنَقَلَ تَعْرِيفَ الزَّمَخْشَرِيِّ وَمَثَّلَهُ بِآيَاتٍ أُخْرَى مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَامُ﴾. (١) سُورَةُ الحَشْرِ، آيَةُ رَقْمُ (٢٤). المُؤْمِنِينَ المُتَّهَمِينَ البَرِيئِينَ البُرَآءَ المُنْكِرِينَ (١). وَمِثْلُهُ قَوْلُ الزَّرْكَشِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ أَضَافَ قَوْلَهُ: «وَأَكْثَرُ مَا يُؤْخَذُ فِي الضَّمَائِرِ، وَمُقْتَضَاهَا أَنْ يُعْطَفَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِاتِّحَادِ مَحَلِّهَا، وَيَجْرِي مَجْرَى الوَصْفِ فِي الصِّدْقِ عَلَى مَا صَدَقَ». وَلَقَدْ سَمَّى المُحَدِّثُونَ «الأَعْدَادَ» وَعَرَّفَهُ الحَمَوِيُّ يَقُولُ: «هٰذَا النَّوْعُ أَعْنِي التَّعْدِيدَ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَسَمَّاهُ قَوْمٌ الأَعْدَادَ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِبْدَاعِ أَسْمَاءٍ مُفْرَدَةٍ عَلَى سِيَاقٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ رُوِيَ فِي ذٰلِكَ أَزْدِوَاجٌ أَوْ مُطَابَقَةٌ أَوْ تَجْنِيسٌ أَوْ مُقَابَلَةٌ فَذٰلِكَ الغَايَةُ فِي حُسْنِ النَّسِيقِ، مِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٢)، وَمِنَ الأَمْثِلَةِ الشِّعْرِيَّةِ قَوْلُ ابْنِ حُجَّةَ الحَمَوِيِّ: [ البسيط ] تَنْبِيهُ تَفْهِيمٍ يَهْدِي لِسَامِعِهِ عِلْمًا وَتَوْقِيرًا وَتَشْرِيفًا عِنْدَ ذِكْرِهِمُ وَيُعْتَقَدُ مِنْ هٰذَا الكَلَامِ أَنَّ التَّعْدِيدَ أَوِ الأَعْدَادَ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ الزَّمَخْشَرِيِّ، غَيْرَ أَنَّ الثَّعَالِبِيَّ وَالبَطَلْيُوسِيَّ قَدْ قَالَا قَبْلَهُ، عَلِمًا أَنَّهُ مَعَ الأَخِيرَيْنِ لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وَقَدْ سَمَّوْهُ تَعْدِيدًا، أَوْ سِيَاقَ الأَعْدَادِ وَسِيَاقَ العَدَدِ. وَقَدْ سَمَّاهُ جِرْمَانُوس فَرْحَاتُ بِاسْمِ «سِيَاقِ الأَعْدَادِ» وَعَرَّفَهُ يَقُولُ: هُوَ تَنْبِيثُ الأَعْدَادِ مِنَ الأَسْمَاءِ المُفْرَدَةِ فِي الكَلَامِ عَلَى سَبِيلٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ رُوِيَ فِي ذٰلِكَ أَزْدِوَاجٌ أَوْ تَجْنِيسٌ أَوْ مُطَابَقَةٌ، أَوْ غَيْرُ ذٰلِكَ مِنَ الصِّنَاعَةِ كَانَ غَايَةً فِي الحُسْنِ وَاللُّطْفِ، كَقَوْلِ ابْنِ مُنِيرٍ الطَّرَابُلْسِيِّ: [ البسيط ] أَرْبَى عَلَى يَحْسُنِي مِنْ مَحَاسِنِهِ تَأَلَّفَتْ بَيْنَ مَسْمُوعٍ وَمَرْئِيِّ إِنَّا فَارِسٍ فِي بَنِي الشَّامِ، مَعَ الـ طُرُوفِ العِرَاقِيِّ وَاللُّطْفِ الحِجَازِيِّ