من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الإِطْنَابُ بِالإِبْدَالِ
المعنى
الإِبْدَالُ لُغَةً : مِنْ فِعْلِ بَدَّلَ يَبْدُلُ ، ذَهَبَ وَغَيَّرَ فِي الشَّيْءِ ، دَخَلَ فِيهِ وَتَغَيَّرَ بِهِ . وَأَوَّلُ مَنْ أَشَارَ إِلَى هٰذَا الفَنِّ قُدَمَةٌ ، مِنْهُمْ : أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنَّى ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، ثُمَّ تَبِعَهُمُ البَعْدُ فَسَمَّوْهُ «الإِبْدَالَ» ، وَهُوَ أَنْ يُؤْتَى لِمَعْنًى بِكَلِمَةٍ ثُمَّ يُؤْتَى لَهُ بِأُخْرَى تَقُومُ مَقَامَهَا مَعَ زِيَادَةِ تَفْصِيلٍ أَوْ تَهْوِيلٍ أَوْ تَحْسِينٍ أَوْ نَحْوِ ذٰلِكَ .
قَالَ المُبَرِّدُ : حَدَّثَنِي البَرْدُ الأَزْدِيُّ قَالَ : قُلْتُ لِلأَصْمَعِيِّ : مَنْ أَشْعَرُ النَّاسِ ؟ فَقَالَ : مَنْ يَأْتِي إِلَى المَعْنَى الجَزْلِ فَيُجَمِّلُهُ بِلَفْظٍ كَرِيمٍ ، أَوْ إِلَى الكَبِيرِ فَيَجْعَلُهُ بِلَفْظٍ حَسِيسٍ ، أَوْ يَقْضِي كَلَامَهُ قَبْلَ الغَايَةِ فَإِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا أَفَادَ بِهَا مَعْنًى . قَالَ : قُلْتُ : نَحْوُ مَنْ ؟ قَالَ : نَحْوُ ذِي الرُّمَّةِ حَيْثُ يَقُولُ : [ الطَّوِيلُ ]
قِفِ العِيسَ فِي أَطْلَالِ مَيَّةَ فَاسْأَلِ ... رُسُومًا كَأَخْلَاقِ الرَّدَىٰ المُتَسَلْسِلِ
فَتَمَّ كَلَامُهُ قَبْلَ «المُتَسَلْسِلِ» ، ثُمَّ قَالَ : «وَالمُتَسَلْسِلِ» فَزَادَ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ :
أَطَلَّ النَّسِيـمُ يَجْرِي عَلَيْكَ سُؤَالُهَا ... دُمُوعًا كَتَجْدِيدِ الخَدُودِ المُفَصَّلِ
فَتَمَّ كَلَامُهُ ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى الغَايَةِ فَقَالَ الْمُفَصَّلَ ، فَزَادَ شَيْئًا ، وَعُدَّتْ قِدَمًا مِنْ بَابِ ائْتِلَافِ القَافِيَةِ مَعَ سَائِرِ البَيْتِ . وَقِيلَ : الإِبْدَالُ هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا الحَاجَةُ الشِّعْرَ فِي أَنْ يَكُونَ شِعْرًا أَبْهَى فَرِيدٍ بِمَعْنَاهَا فِي تَجْرِيدِ مَا ذُكِرَ فِي البَيْتِ ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ : [ الطَّوِيلُ ]
كَأَنَّ عُيُونَ الوُحُوشِ حَوْلَ خَبَايَئِنَا ... وَأَرْجُلَهَا الجَرْحَى الَّذِي لَمْ يُشْفَ
فَقَدْ أَتَى الشَّاعِرُ عَلَى التَّشْبِيهِ كَمَالًا قَبْلَ الغَايَةِ ، وَذٰلِكَ أَنَّ عُيُونَ الوَحْشِ شَبِيهَةٌ
بِالجُرْحِ ، ثُمَّ لَمَّا جَاءَ بِالغَايَةِ أَعْلَىٰ بِهَا فِي الوَصْفِ وَكَرَّرَ وَهْوَ قَوْلُهُ : « لَمْ يُشْفَ » ، فَإِنَّ عُيُونَ
الوَحْشِ غَيْرُ مُشْفَاةٍ ، وَهِيَ الجُرُوحُ الَّتِي لَمْ يُبْرَأْ أَدْخَلَ فِيهِ التَّشْبِيهَ . وَلَا يَخْرُجُ كَلَامُ
العَسْكَرِيِّ وِمَنْ نَحَا نَحْوَهُ عَمَّا ذَكَرُوهُ قِدَامَهُ ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ رَشِيقٍ ضَرْبٌ مِنَ المُبَالَغَةِ ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ
سَمَّاهُ « تَبْلِيغًا » ، وَقَالَ عَنْهُ : « هُوَ ضَرْبٌ مِنَ المُبَالَغَةِ إِلَّا أَنَّهُ فِي القَوَافِي خَاصَّةً لَا يَعْمَلُهَا
وَالْمُحَافِظُ وَأَصْحَابُهُ يُسَمُّونَهُ التَّبْلِيغَ » .
أَمَّا الحَازِنِيُّ فَذَكَرَ أَنَّهُ يُسَمَّىٰ « إِبْدَالًا » ، وَقَالَ : « أَرْبَعٌ مَا قِيلَ فِي التَّبْلِيغِ أَنَّ الشَّاعِرَ
بِالمَعْنَىٰ فِي البَيْتِ تَمَامًا قَبْلَ انْتِهَائِهِ إِلَى الغَايَةِ ، ثُمَّ يَأْتِي بِهَا لِحَاجَةِ الشِّعْرِ إِلَيْهَا ، فَيَزِيدُ البَيْتَ
صَنَاعَةً ، وَالمَعْنَىٰ بُلُوغًا فِي الغَايَةِ المَقْصُودَةِ فِي الجَوْدَةِ » . وَقَدْ سَمَّاهُ آخَرُ « الإِبْدَالَ » .
وَعَرَّفَهُ ابْنُ سِنَانٍ بِقَوْلِهِ : « إِنَّ الشَّاعِرَ يُعْرِبُ بِالغَايَةِ فِي الوَصْفِ إِنْ كَانَ وَاصِفًا فِي
التَّشْبِيهِ إِنْ كَانَ مُشَبِّهًا » . وَسَارَ أَكْثَرُ البُلَغَاءِ عَلَى مَنْوَالِهِ .
وَعِنْدَمَا اسْتَقَلَّتِ البَلَاغَةُ بِعُلُومِهَا اسْتِقْلَالًا ، فَصْلًا تَكَلَّمُوا عَنِ الإِطْنَابِ ، فَجَاءَ القَزْوِينِيُّ وَسَمَّىٰ
أَحَدَ أَقْسَامِهِ « الإِطْنَابَ بِالإِبْدَالِ » وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ : « أَمَّا الإِبْدَالُ ، فَقِيلَ هُوَ حُكْمُ الحِسَابِ بِمَا يُنْبِئُ
نُكْتَةً بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ يَقْتَضِيهِ ، كَزِيَادَةِ المُبَالَغَةِ فِي قَوْلِ الخَنْسَاءِ : [ السَّرِيعُ ]
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَـلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
وَالخَنْسَاءُ لَمْ تَرْضَ أَنْ تَنْسِبَ صَخْرًا بِالعَلَمِ الَّذِي هُوَ الجَبَلُ المُرْتَفِعُ المَعْرُوفُ بِالهِدَايَةِ
حَتَّىٰ جَعَلَتْ فِي رَأْسِهِ نَارًا .
وَبَعْدَ أَنْ أَفَادَ الزِّيَادَةَ لِلمُبَالَغَةِ فِي قَوْلِ الخَنْسَاءِ ، قَالَ : « وَتَحْقِيقُ التَّشْبِيهِ » ، وَمِنْهُ قَوْلُ
زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَىٰ : [ الطَّوِيلُ ]
كَأَنَّ فَتَاتَ العِهْنِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ ... نَزَلْنَ بِهِ حُبُّ الفَنَاءِ لَمْ يُحَطَّمِ
فَإِنَّ « حُبَّ الفَنَاءِ » أَحْمَرَ الظَّاهِرِ أَبْيَضَ البَاطِنِ ، فَهُوَ لَا يُشْبِهُ الصُّوفَ الأَحْمَرَ إِلَّا
مَا لَمْ يُحَطَّمْ ، فَالتَّشْبِيهُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ « حُبُّ الفَنَاءِ » ، وَزَادَ بِقَوْلِهِ مُشَبَّهًا « لَمْ يُحَطَّمِ » ، وَسَارَ عَلَىٰ بِهَا الحَاجَةُ الشِّعْرَ فِي أَنْ يَكُونَ نَهْجُهُ المَلَكِيُّ، وَالثَّنَازَانِيُّ، وَالتَّسْوِيقِيُّ، وَالإِسْفَرَايِينِيُّ، وَالمَغْرِبِيُّ، كَمَا لَمْ يُخْرِجْ عُلَمَاءُ البَدِيعِ عَلَى مَا أَتَى بِهِ الأَوَائِلُ وَمَا جَاءَ بِهِ القَزْوِينِيُّ وَشُرَّاحُهُ.
كَمَا أَنَّ الحَصْرَمِيَّ نَهَجَ طَرِيقَ قُدَمَاءَ فِي تَعْرِيفِهِ وَكَلَامِهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الإِبْدَالِ وَالتَّتْمِيمِ وَالتَّكْمِيلِ، يَقُولُ: «وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ الإِبْدَالَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الكَلِمَةِ الَّتِي فِيهَا الرَّوِيُّ وَمَا يُعَدُّ مَعَهُ، وَهُوَ أَيْضًا مَا يَقَعُ بَعْدَ تَمَامِ الْمَعْنَى كَالتَّكْمِيلِ وَالتَّذْيِيلِ وَالتَّجْمِيلِ، فَإِنَّهُ إِنْ أَتَى بَعْدَ تَمَامِ الْمَعْنَى فَهُوَ فِرَاقُ الإِبْدَالِ وَالتَّبْدِيلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ فِي الحَشْوِ وَالْمَقَاطِعِ، وَالإِبْدَالُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَقَاطِعِ دُونَ الحَشْوِ، وَالإِبْدَالُ وَالتَّذْيِيلُ لَا يُخْرِجَانِ عَنِ الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ، وَالتَّذْيِيلُ يُفَارِقُ الإِبْدَالَ لِكَوْنِهِ يَزِيدُ عَلَى الكَلِمَةِ الَّتِي تُسَمَّى إِبْدَالًا، وَيُسْتَوْعَبُ غَالِبًا عَجُزُ البَيْتِ».
وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ: [الطَّوِيلُ]
حَمَمْتُ رُبَيْبَتِي كَأَنَّ بِنَاءَهَا ... سَنًا لَهَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ بِضِعَافِهَا
فَقَوْلُهُ «سَنًا لَهَبٍ» لَيْسَ فِيهِ قُوَّةٌ، فَلَمَّا قَالَ بَعْدَهُ يَقُولُ: «لَمْ يَتَّصِلْ بِنُخَاسِهَا» كَانَ مَوْضِعًا فِي التَّشْبِيهِ لِإِكْمَالِهِ، فَنَصِلُ فِيهِ الإِبْدَالُ يَقُولُ: «لَمْ يَتَّصِلْ بِنُخَاسِهَا»، وَتَمَّتْ بِهِ الْمُبَالَغَةُ، وَجَاءَ عَلَى صِفَةِ الإِعْجَابِ.
وَكَذٰلِكَ ابْنُ أَبِي الإِصْبَعِ فَرَّقَ بَيْنَ التَّتْمِيمِ وَالإِبْدَالِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الإِبْدَالَ لَا يَرِدُ إِلَّا عَلَى مَعْنًى تَامٍّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَمَّا التَّتْمِيمُ فَلَا يَرِدُ إِلَّا عَلَى كَلَامٍ نَاقِصٍ إِمَّا حِسًّا مَعْنًى أَوْ أَدَبٍ.
الثَّانِي: اخْتِصَاصُ الإِبْدَالِ بِالْمَقَاطِعِ دُونَ الحَشْوِ مُرَاعَاةً لِاسْتِغْنَائِهِ، لِأَنَّ الْمَوْضِعَ فِي الأَرْضِ هُوَ الَّذِي قَدْ بَلَغَ أَقْصَاهَا أَوْ قَارَبَ بُلُوغَهُ، فَلَمَّا اخْتَصَّ الإِبْدَالُ بِالطَّرَفِ لَمْ يَبِنْ لِلتَّتْمِيمِ إِلَّا الحَشْوُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الإِبْدَالَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي التَّبْيِينِ، وَالتَّتْمِيمُ قَدْ يَتَضَمَّنُ وَقَدْ لَا يَتَضَمَّنُ، وَأَكْثَرُ مَا يَتَضَمَّنُ الإِبْدَالُ التَّشْبِيهَ وَالمُبَالَغَةَ، حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُ لَا يَنْتَهِي هٰذَانِ الضَّرْبَانِ لِكَانَا حَقًّا، وَالتَّتْمِيمُ يَتَضَمَّنُ طَوْرًا المُبَالَغَةَ وَيَتَضَمَّنُ حِينًا الإِحَاطَةَ، وَيَرِدُ غَيْرَ مُتَضَمِّنٍ شَيْئًا سِوَى تَمَامِ ذٰلِكَ الْمَعْنَى. وَسَارَ عَلَىٰ مَا تَقَدَّمَ ابْنُ مَعْصُومٍ المَدَنِيُّ ، غَيْرَ أَنَّهُ رَدَّ مَا قَالَهُ الحَمَوِيُّ بِقَوْلِهِ : «وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَلَيْسَ كَذٰلِكَ فَإِنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ :
الأَوَّلُ : أَنَّ الإِبْدَالَ يُؤْتَىٰ بِهِ لِإِفَادَتِهِ نُكْتَةً فِي ذٰلِكَ المَعْنَى بِعَيْنِهِ ، وَالتَّكْمِيلُ يُؤْتَىٰ بِهِ لِإِفَادَتِهِ مَعْنًى آخَرَ يُكْمِلُ المَعْنَى الأَوَّلَ .
الثَّانِي : أَنَّ الإِبْدَالَ لَا يَكُونُ إِلَّا خَتْمًا لِلكَلَامِ ، وَالتَّكْمِيلَ قَدْ يَكُونُ فِي أَثْنَاءِ الكَلَامِ وَقَدْ يَكُونُ فِي آخِرِهِ» .
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.