من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الإِطْنَابُ
المعنى
الإِطْنَابُ مِنْ أَطْنَبَ ، وَأَطْنَبَ فِي الكَلَامِ : إِذَا بَالَغَ فِي إِطَالَتِهِ أَوْ أَبْعَدَ . وَالإِطْنَابُ مِنْ أَقْدَمِ الفُنُونِ الَّتِي تَحَدَّثَ عَنْهَا الأَقْدَمُونَ ، وَمِنْهُمُ الجَاحِظُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ وَقَالَ : « هَوَادَةُ الكَلَامِ بِأَكْثَرَ مِمَّا لَا يَجُوزُ الكَلَامُ الْحَاجَةَ » ، وَقَالَ فِي « البَيَانِ » : « إِنَّ سَهْلَ بْنَ هَارُونَ كَانَ شَدِيدَ الإِطْنَابِ فِي وَصْفِ المَوَاهِبِ بِالْبَلَاغَةِ وَالْجَهَارَةِ ، وَبِالْحَلَاوَةِ وَالخِفَّةِ ، وَجَوْدَةِ اللَّفْظَةِ وَالطَّلَاقَةِ » .
كَمَا ذَكَرَ الإِطْنَابَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِهِ « الصِّنَاعَتَيْنِ » ، وَقَالَ : « القَوْلُ الْمُقْتَصَدُ أَنَّ الإِيجَازَ وَالإِطْنَابَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِمَا فِي جَمِيعِ الكَلَامِ وَكُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضِعٌ ، فَالْغَلَطُ إِلَى الإِيجَازِ فِي مَوْضِعِ الإِطْنَابِ كَالْغَلَطِ إِلَى الإِطْنَابِ فِي مَوْضِعِ الإِيجَازِ ، وَمَنْ أَزَالَ التَّدْبِيرَ فِي ذٰلِكَ مِنْ جِهَتِهِ وَاسْتَعْمَلَ الإِطْنَابَ فِي مَوْضِعِ الإِيجَازِ وَاسْتَعْمَلَ الإِيجَازَ فِي مَوْضِعِ الإِطْنَابِ أَخْطَأَ » . وَبَيَّنَ ابْنُ جِنِّي قِيمَةَ كُلٍّ مِنَ الإِيجَازِ وَالإِطَالَةِ يَقُولُ : « الإِجَازُ وَالإِطَالَةُ جَمِيعًا إِنَّمَا هُمَا فِي كُلِّ كَلَامٍ مُفِيدٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ » .
وَقَدْ دَمَجَهُ السَّكَاكِيُّ فِي مَبَاحِثِ عِلْمِ الْمَعَانِي ، وَقَالَ : « هُمَا أَدَاتَا الكَلَامِ ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْقِلَّةُ أَوِ الْكَثْرَةُ رَاجِعَةً إِلَى الْجُمَلِ أَوْ إِلَى غَيْرِ الْجُمَلِ » . وَسَارَ عَلَى نَهْجِهِ كُلٌّ مِنَ القُرْطُبِيِّ وَابْنِ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيِّ ، إِلَّا أَنَّ الآخَرَ سَمَّاهُ « الإِطَالَةَ » وَقَالَ : « إِنَّ الْمُطِيلَ مِنَ الشُّعَرَاءِ أَثْبَتُ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْمُوجِزِ وَإِنْ أَجَادَ » .
وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ : « يَطُولُ الكَلَامُ وَيَكْثُرُ لِفَهْمٍ ، وَيُوجِزُ وَيَخْتَصِرُ لِيُحْفَظَ ، وَاسْتُحِبَّتِ الإِطَالَةُ عِنْدَ الإِعْذَارِ وَالإِنْذَارِ وَالتَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ وَالإِصْلَاحِ بَيْنَ القَبَائِلِ » . وَقَدْ مَيَّزَ ابْنُ الأَثِيرِ الإِطْنَابَ عَنِ التَّطْوِيلِ بِقَوْلِهِ : « وَالَّذِي يُعَدُّ بِهِ أَنْ يُقَالَ : هُوَ زِيَادَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى لِفَائِدَةٍ » . فَهٰذَا حَدُّ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الإِطْنَابِ وَالتَّطْوِيلِ ؛ إِذِ التَّطْوِيلُ هُوَ زِيَادَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى لِغَيْرِ فَائِدَةٍ . وَتَابَعَ الْقَوْلَ : « إِنَّ الإِطْنَابَ يُوجَدُ تَارَةً فِي الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْكَلَامِ ، وَيُوجَدُ تَارَةً فِي الْجُمَلِ الْمُتَعَدِّدَةِ ، وَالَّذِي يُوجَدُ فِي الْجُمَلِ الْمُتَعَدِّدَةِ أَبْلَغُ لِاتِّسَاعِ الْمَجَالِ فِي إِيرَادِهِ ، وَعَلَى هٰذَا فَإِنَّهُ بِجُمْلَتِهِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ :
القِسْمُ الأَوَّلُ ، الَّذِي يُوجَدُ فِي الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْكَلَامِ ، وَهُوَ يَرِدُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا ؛ أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَمِثْلُ قَوْلِهِمْ : « رَأَيْتُ بِعَيْنِي » عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْعَيْنِ ؛ فَيُؤَكِّدُ الأَمْرَ عَلَى هٰذَا الْوَجْهِ دَلَالَةً عَلَى نُبْلِهِ وَالْحُصُولِ عَلَيْهِ . كَقَوْلِ أَبِي عُبَادَةَ الْبُحْتُرِيِّ : [ الْوَافِرُ ]
تَسَاءَلْنِي مِنْ خَلَالِ السَّقْفِ وَانْظُرْ يُبَيِّنْ لَكَ مَا شَرِبْتُ وَمَنْ سَقَانِي
تَجِدْ شَمْسَ الضُّحَى تَغْشَى بِنَفْسِي أُبِي مِنَ الرَّيْحَيْنِ خَمْرًا وَالرَّوَاحِي
وَلَمَّا كَانَ الْحُضُورُ فِي هٰذَا الْمَجْلِسِ مِمَّا يُعِزُّ وُجُودُهُ ، وَكَانَ السَّاقِي فِيهِ عَلَى هٰذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الْحُسْنِ ، قَالَ : « انْظُرْ بِيْنَكَ » .
وَمِثَالُ مَا جَاءَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ (١) .
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي الْمُخْتَصُّ بِالْجُمَلِ ، فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ عَلَى ضُرُوبٍ أَرْبَعَةٍ : الأَوَّلُ مِنْهَا : أَنْ يُذْكَرَ الشَّيْءُ يُؤْتَى فِيهِ بِمَعَانٍ مُتَدَاخِلَةٍ ، إِلَّا أَنَّ كُلَّ مَعْنًى يَخُصُّهُ بِخَصِيصَةٍ لَيْسَتْ لِلآخَرِ ؛ كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ : [ الْكَامِلُ ]
قَطَعْتُ إِلَيْكَ الزَّائِرِينَ هَيَابَةً وَالثَّانِ مَأْمُولُ السَّحَابِ الْمُسْتَهِلِّ
مِنْ مِدْحَةٍ مَشْكُورَةٍ وَصِفَةٍ بِبِرٍّ وَإِحْسَانٍ أَغَرَّ مُحَجَّلِ
فَقَوْلُهُ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي مِنْ مِدْحَةٍ وَصِفَةٍ بِبِرٍّ وَإِحْسَانٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ ، تَدَاخَلَتْ مَعَانِيهِ وَتَقَارَبَتْ جَمِيعًا ؛ فَدَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِأَوْصَافٍ مُتَبَايِنَةٍ هِيَ الإِطْنَابُ .
وَالثَّانِي : يُسَمَّى التَّوْشِيحَ وَالإِيغَالَ ، وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ الشَّيْءُ عَلَى سَبِيلِ الثَّنْيِ ثُمَّ يُذْكَرَ عَلَى سَبِيلِ الإِثْبَاتِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الآخَرِ ، وَإِلَّا كَانَ .
____________________
(١) سُورَةُ الْحَجِّ ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٦) . تَكَرَّرُوا ، وَالْغَرَضُ بِهِ تَأْكِيدُ ذٰلِكَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ (١) .
وَلٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا : لَا يَعْلَمُونَ مَا بَعْدَهَا ، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ، فَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا يُرِيدُونَ أَنْ يَعْلَمُوا ، بَعْدَ مَقُولِهِ : ﴿ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ نَفَى الْعِلْمَ عَنِ النَّاسِ بِمَا خَفِيَ عَنْهُمْ مِنْ تَحْقِيقِ وَعْدِهِ ، ثُمَّ أَثْبَتَ لَهُمُ الْعِلْمَ بِظَاهِرِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، فَكَأَنَّهُمْ عَلِمُوا وَمَا عَلِمُوا ! لِأَنَّ الْعِلْمَ بِظَاهِرِ الْأُمُورِ لَيْسَ بِعِلْمٍ ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ هُوَ مَا كَانَ بِالْبَاطِنِ مِنَ الْأُمُورِ .
وَلِهٰذَا ضَرْبٌ مِنَ الْإِطْنَابِ فَائِدَتُهُ كَبِيرَةٌ ، وَهُوَ مِنْ أَوْكَدِ وُجُوهِهِ .
وَالثَّالِثُ ، وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ ثَانِيًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ ، ثُمَّ يُضْرَبَ لَهُ مِثَالٌ مِنَ التَّشْبِيهِ ، كَقَوْلِ أَبِي عُبَادَةَ الْبُحْتُرِيِّ : [ الْخَفِيفُ ]
ذَاتُ حُسْنٍ لَوِ اسْتَزَادَتْ مِنَ الْحُسْـ نِ إِلَى الْحُسْنِ لَمَا أَصَابَتْ مَزِيدًا
فَهِيَ كَالْقَمَرِ بَهْجَةً ، وَالْقَضِيبِ اللَّدْنِ قَدًّا ، وَاللَّمْعِ طَرْفًا وَخَدًّا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَوَّلَ كَافٍ فِي بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي الْحُسْنِ ، لِأَنَّهُ قَالَ : « لَوِ اسْتَزَادَتْ لَمَا أَصَابَتْ مَزِيدًا » ، دَخَلَ تَحْتَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْحِسِّيَّةِ ، إِلَّا أَنَّ التَّشْبِيهَ مَرَّةً أُخْرَى يُفِيدُ السَّامِعَ تَصَوُّرًا وَتَخْيِيلًا لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْأَوَّلِ .
وَهٰذَا الضَّرْبُ مِنْ أَحْسَنِ مَا يَجِيءُ فِي الْإِطْنَابِ .
وَالرَّابِعُ : أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَعَانِي الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ مِنْ كِتَابٍ ، أَوْ خُطْبَةٍ ، أَوْ قَصِيدَةٍ . وَهٰذَا الضَّرْبُ أَصْعَبُ الضُّرُوبِ الْأَرْبَعَةِ طَرِيقًا ، وَأَصْعَبُهَا بَيَانًا ، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى أَسَالِيبَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَعَانِي ، وَأَرْبَابُ النَّظْمِ وَالشِّعْرِ يَتَفَاوَتُونَ فِيهِ ، وَلَيْسَ الْخَاطِرُ الَّذِي يَقْذِفُ بِالدُّرِّ فِي بَحْرِهِ إِلَّا نَادِرَ الْوُجُودِ ، وَمَجَالُهُ كَمَجَالِ الْإِيجَازِ مِثَالٌ مُجْمَلٌ وَمُفَصَّلٌ .
وَلَمْ يَأْتِ الْمُتَأَخِّرُونَ بِجَدِيدٍ ، وَإِنَّمَا نَهَجُوا مَنْهَجَ السَّالِفِينَ ، كَالْقَلْقَشَنْدِيِّ الَّذِي نَهَجَ نَهْجَ ابْنِ الْأَثِيرِ . وَقَدْ أَقَرُّوا بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ هٰذَا النَّوْعَ الْبَلَاغِيَّ لَهُ سَبِيلٌ فِي التَّبْيِينِ ، وَلِهٰذَا فَهُوَ يَسِيرٌ جَنَاحًا إِلَى جَنْبِ الْمُسَاوَاةِ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا غَايَتَهُ الَّتِي لَا يَقْرِبُهَا غَيْرُهُ .
وَلِلْإِطْنَابِ عِدَّةُ طُرُقٍ تَكَلَّمَ عَنْهَا الْقُدَمَاءُ وَتَتَبَّعُوهَا فِي قِسْمِ تَقْسِيمَاتِهِمْ لِفُنُونِ الْبَلَاغَةِ .
____________________
(١) سُورَةُ الرُّومِ ، الْآيَاتُ (١-٧) .
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.