من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الإِطْنَابُ بِالتَّذْيِيلِ
المعنى
التَّذْيِيلُ لُغَةً : مِنْ ذَالَ تَذْيِيلًا ذَيْلَ الثَّوْبِ ، طَالَ حَتَّى مَسَّ الأَرْضَ ، وَالجَارِيَةُ : تَذَيَّلَتْ سَاحَةَ ثَوْبِهَا . ذَكَرَ أَبُو هِلَالٍ العَسْكَرِيُّ الإِطْنَابَ بِالتَّذْيِيلِ فَقَالَ : «فَأَمَّا التَّذْيِيلُ فَهُوَ إِعَادَةُ الأَلْفَاظِ المُرَادِفَةِ عَلَى المَعْنَى حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَمْ يَفْهَمْهُ وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ مَنْ فَهِمَهُ ، وَهُوَ ضِدُّ الإِشَارَةِ وَالتَّعْرِيضِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي المُوَاطِنِ الجَامِعَةِ وَالمَوَاقِفِ الخَاطِبَةِ ، لِأَنَّ تِلْكَ المُوَاطِنَ تَجْمَعُ الطِّبَاعَ الغَبِيَّ وَالعَيِيَّ ، وَالقَابِلَةَ المُتَرَدِّدَةَ وَالجَازِمَةَ الجَامِحَةَ ، فَإِذَا تَكَرَّرَتِ الأَلْفَاظُ عَلَى المَعْنَى الوَاحِدِ تُوَكِّدُ عِنْدَ الذِّهْنِ المَعْنَى وَيَصِحُّ اللَّفْظُ لِلْبَلِيدِ» . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ﴾(١) وَ﴿وَكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ﴾(٢) فَهٰذِهِ الجُمْلَةُ مَحَلُّ اسْتِفْهَامٍ إِنْكَارِيٍّ : أَإِذَا مَاتَ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ فَهُمُ الخَالِدُونَ فِي الدُّنْيَا ؟ وَاللهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عِبَادَهُ بِالبُشْرَى وَالحَقِيقَةِ فَقَدِ اسْتَوْفَى المَعْنَى فِي الآيَةِ الأُولَى ، وَفِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ تَذْيِيلٌ لِإِتْمَامِهِ .
وَكَقَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ : [الطَّوِيلُ]
لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى ... لَكَالطَّوْلِ المُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ
فَالشَّطْرُ الأَوَّلُ اسْتَوْفَى المَعْنَى ، وَالشَّطْرُ الثَّانِي تَثْنِيَةٌ وَتَذْيِيلٌ لَهُ ، وَجَعَلَ البَلَاغَةَ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ التَّأْكِيدِ . وَمَعْرِفُهُ ابْنُ سِنَانٍ يَقُولُ : «وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ فَضْلًا عَلَى المَعْنَى وَزَائِدًا عَلَيْهِ» ، وَتَابِعٌ قَوْلَهُ : «وَأَمَّا التَّذْيِيلُ فَهُوَ العِبَارَةُ عَنِ المَعْنَى بِأَلْفَاظٍ تَزِيدُ عَلَيْهِ» .
وَقَدْ تَبِعَ اليَزِيدِيُّ تَعْرِيفَ العَسْكَرِيِّ وَنَقَلَ عَنْهُ العِبْدَادِيُّ أَيْضًا ، وَتَحَدَّثَ ابْنُ مَنْقَذٍ فِي كِتَابِهِ «البَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ» عَنِ التَّذْيِيلِ يَقُولُ : «اعْلَمْ أَنَّ التَّذْيِيلَ أَصْلُهُ أَنْ يَأْتِيَ فِي الكَلَامِ جُمْلَةٌ تُحَقِّقُ مَا قَبْلَهَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾(٣) ثُمَّ حَقَّقَ الكَلَامَ بِقَوْلِهِ : ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾(٤) فَقَدِ اسْتَوْفَى - سُبْحَانَهُ - فِي الآيَةِ الأُولَى ...» .
(١) سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٣٤) .
(٢) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (١٨٥) .
(٣) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (١١١) .
(٤) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (١١١) . المعنى الوافي ، وَفِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ ذُيِّلَ المَعْنَى تَذْيِيلًا . وَهٰذَا التَّعْرِيفُ مَاثِلٌ تَعْرِيفَ ابْنِ أَبِي الأَصْبَعِ المِصْرِيِّ ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ الإِطْنَابِ ، وَالتَّمْكِينِ ، وَالتَّكْمِيلِ ، وَالتَّذْيِيلِ ، بِقَوْلِهِ : «الإِطْنَابُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الكَلِمَةِ الَّتِي فِيهَا الزِّيَادَةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ، وَهُوَ أَيْضًا مَا يَأْتِي بَعْدَ تَمَامِ المَعْنَى كَالتَّكْمِيلِ وَالتَّذْيِيلِ ، وَأَمَّا التَّمْكِينُ فَيُفَارِقُ هٰذِهِ الأَرْبَعَةَ فِي كَوْنِهِ عِبَارَةً عَنْ اسْتِقْرَارِ الفَائِدَةِ فِي مَكَانِهَا لَكِنَّهَا لَا تُرِيدُ مَعْنًى لَيْسَتْ شَيْئًا ، وَمَعْنَى حُذِفَتِ الفَائِدَةُ نَقْصُ المَعْنَى مَعَ كَوْنِهَا غَيْرَ ثَابِتَةٍ مِنَ البَيْتِ ، وَالتَّكْمِيلُ وَإِنْ أَتَى بَعْدَ تَمَامِ المَعْنَى فَهُوَ يُفَارِقُ الإِيغَالَ ، وَالتَّذْيِيلُ يُفَارِقُ الإِيغَالَ لِكَوْنِهِ يَرِدُ عَلَى الكَلِمَةِ الَّتِي تُسَمَّى إِيغَالًا أَخَذًا فِي البَيْتِ مِنَ الجُزْءِ الَّذِي هُوَ الضَّرْبُ إِلَى أَوَّلِ البَحْرِ» .
وَقَدْ سَارَ وَفْقَ هٰذَا التَّقْسِيمِ عُلَمَاءُ البَلَاغَةِ ، كَابْنِ مَالِكٍ ، وَالتَّنُوخِيِّ ، وَابْنِ الأَثِيرِ الحَلَبِيِّ ، وَالعُلَيْمِيِّ ، وَابْنِ نُهَيْمٍ الجَزَرِيِّ ، وَالتُّرْكُمَانِيِّ ، وَالحَمَوِيِّ ، وَالسُّيُوطِيِّ ، وَالمَدَنِيِّ .
وَتَحَدَّثَ عَنِ التَّذْيِيلِ القَزْوِينِيُّ وَشُرَّاحُ تَلْخِيصِهِ فِي بَحْثِ الإِطْنَابِ وَسَمَّوْا «الإِطْنَابَ بِالتَّذْيِيلِ» ، وَقَالُوا : هُوَ تَتْمِيمُ الجُمْلَةِ بِجُمْلَةٍ أُخْرَى تَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَاهَا لِلتَّأْكِيدِ ، وَهُوَ ضَرْبَانِ : ضَرْبٌ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ المَثَلِ ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الكَفُورَ﴾(١) عَلَى وَجْهٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا قَبْلَهُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَهُوَ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّا نُجَازِي ذٰلِكَ الجَزَاءَ ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الجَزَاءَ عَامٌّ لِكُلِّ مُكَافَأَةٍ ، يُسْتَعْمَلُ تَارَةً فِي مَعْنَى المُعَامَلَةِ وَأُخْرَى فِي مَعْنَى الإِثَابَةِ ، فَلَمَّا اسْتُعْمِلَ فِي المُعَامَلَةِ جَاءَ فِي قَوْلِهِ : ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ بِمَعْنَى : عَاقَبْنَاهُمْ بِكُفْرِهِمْ ، ثُمَّ قِيلَ : ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الكَفُورَ﴾ ، بِمَعْنَى : وَهَلْ نُعَاقِبُ إِلَّا الكَفُورَ ، فَهٰذَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ المَثَلِ ، وَالضَّرْبُ الآخَرُ يَخْرُجُ مَخْرَجَ المَثَلِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾(٢) فَهُوَ تَأْكِيدٌ مَنْطُوقٌ .
أَمَّا تَأْكِيدُ مَفْهُومٍ فَتَكُونُ النَّابِتَةُ الذَّيْلِيَّةُ : [الطَّوِيلُ]
وَلَسْتُ بِمُسْتَبْقٍ أَخًا لَا تَلُمُّهُ ... عَلَى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ
فَصَدْرُ البَيْتِ دَالٌّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى نَفْيِ الكَامِلِ مِنَ الرِّجَالِ تَحْقِيقُ ذٰلِكَ وَتَقْرِيرُهُ بِعَجُزِهِ .
وَقَدْ عَرَّفَهُ جِرْمَانُوس فَرْحَاتٌ فِي بَابِ «الجِنَاسِ المُذَيَّلِ» ، وَلِلتَّذْيِيلِ فِي الكَلَامِ مَوْقِعٌ ...
(١) سُورَةُ سَبَإٍ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (١٧) .
(٢) سُورَةُ الإِسْرَاءِ ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٨١) . جَلِيلٍ وَمَكَانٍ شَرِيفٍ خَطِرٍ لِأَنَّ المَعْنَى يَزْدَادُ بِهِ انْشِرَاحًا ، وَالمَقْصِدُ اتِّضَاحًا .
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.