المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
يقع كتاب المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني ضمن نطاق تخصص علوم اللغة ووثيق الصلة بالفروع الأخرى مثل الشعر، والقواعد النحوية، والصرف، والأدب، والبلاغة، والآداب العربية. تأليف إنعام فوال عكاوي
الجذور
- الِاجْتِلَابُ
الِاجْتِلَابُ مِنِ اجْتَلَبَ أَي سَاقَ وَاسْتَجْلَبَ، وَاجْتِلَابُ الشِّعْرِ سَوْقُهُ وَاسْتِدْعَاؤُهُ مِنَ الْغَيْرِ. وَأَتْبَعَ الْحَاتِمِيُّ وَالصَّنَّاعِيُّ الِاجْتِلَابَ بِالِاسْتِمْلَاحِ، وَقَالَ الثَّانِي عَنِ الْأَخْذِ وَالِاسْتِمْلَاحِ : فَمِنْهَا الْمَحْمُودُ وَمِنْهَا الْمَذْمُومُ، فَأَمَّا حَسَبَ رَأْيِهِ أَنْ يَأْخُذَ اللَّفْظَ جَمِيعًا، وَالْمَعْنَى كُلَّهُ، وَالْبَيْتَ، وَالسَّبِيكَ التَّامَّ وَالسَّبِيكَ الْمُسْتَحْسَنَ، وَذٰلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ اجْتِلَابًا وَاسْتِمْلَاحًا فَلَا يُدَّعَى أَنَّهُ لَهُ، بَلْ يَسْتَحِبُّ بِهِ وَيَكُونُ مَقْرُونًا بِهِ، كَمَا فَعَلَ الشَّاعِرُ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ فِي بَيْتِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ ذِي الطُّرُقِ وَهُمَا : [ الْوَافِرُ ] صَدَدْتِ الْكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْرٍو وَكَانَ الْكَأْسُ مَجْرَاهَا الْيَمِينَا وَمَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ أُمَّ عَمْرٍو بِصَاحِبِكِ الَّذِي لَا تُصْبِحِينَا وَقَدِ اسْتَلْحَقَهُ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ بِكَلَامِهِ : أَلَا هِيَ يَصْبِحْنَ فَاصْبِحِينَا، وَقَالَ ابْنُ رِشْقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ : «وَرُوِيَا اجْتِلَابَ الْبَيْتَيْنِ عَلَى الشَّطْرِ الأَوَّلِ الَّذِي قَدَّمَهُ، فَلَا يَكُونُ فِي ذٰلِكَ بَأْسٌ»، كَذَا قَالَ عَمْرُو ذُو الطُّرُقِ : صَدَدْتِ ... فَاسْتَلْحَقَهُمَا عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ وَلَمْ يُبَدِّلْ عَمْرُو ذُو الْبَدَاءِ وَغَيْرُهُ شَيْئًا. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي وَضْعِ الِاجْتِلَابِ مَوْضِعَ «السَّرِقَةِ» وَ«الِانْتِحَالِ» أَوْ غَيْرِهِمَا، مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ : «مِنَ السَّرِقَاتِ مَا يَأْتِي عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ لَيْسَ اجْتِلَابًا لِضَرُورَةِ قَافِيَةٍ»، أَمَّا الْمَجْمُوحِيُّ فَقَالَ : «مِنَ السَّرِقَاتِ مَا يَأْتِي عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ لَيْسَ اجْتِلَابًا كَفِعْلِ أَبِي الْمُسَيِّبِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْفَقِيهِ» : [ الْبَسِيطُ ] تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قُعْدَانَ مِنْ نَسَبٍ شَيْبًا يُصَيِّحُ فِيهَا كُلُّ مَنْ نَشَأَا وَقَدْ نَهَجَ الْجَحْمِيُّ فِي الِاجْتِلَابِ مِنْهَاجَ جَرِيرٍ أَنَّهُ انْتِحَالٌ، وَلَمْ أَعْلَمْ غَيْرَهُمَا قَالَ مِثْلَ ذٰلِكَ الْقَوْلِ. فَالِاجْتِلَابُ، وَالِاسْتِمْلَاحُ لَيْسَا شَيْئًا، وَإِلَى ذٰلِكَ ذَهَبَ الْحَاتِمِيُّ، وَقَالَ : «وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا يَرَاهُمَا شَيْئًا».
- أَجْرَاءُ الِاسْتِعَارَةِ
أَجْرَاءُ الِاسْتِعَارَةِ. رَاجِعِ الِاسْتِعَارَةَ.
- الِاحَاجِي
يُقَالُ كَلِمَةٌ مُحْجِيَةٌ، أَيْ مُخَالَفَةُ الْمَعْهُودِ لِلَّفْظِ، وَهِيَ الْأُحْجِيَةُ : لُعْبَةٌ وَأُغْلُوطَةٌ، وَأَشَارَ ابْنُ الْأَثِيرِ إِلَى الْأُحَاجِي فَقَالَ : «الْأُحَاجِي هِيَ الْأَغَالِيطُ مِنَ الْكَلَامِ، وَتُسَمَّى الْأَكَاذِيبَ، وَقَدْ يُسَمَّى الْمُعَمّٰى» كَمَا هُوَ عِنْدَ جِرْمَانُوس فَرْحَانَ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَمَّا اللَّفْظُ وَالْأُحْجِيَةُ فَإِنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ مَعْنًى يُسْتَخْرَجُ بِالْحَدَسِ وَالْحِذْقِ، لَا بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ عُرْفِهِ، كَقَوْلِ ابْنِ مَيْثَرٍ الطَّرَابُلُسِيِّ فِي الْمَضْرِسِ : [ الْبَسِيطُ ] وَصَاحِبٍ لَا أَمْلِ الصَّدِيقِ صُحْبَةً يُشْقِي لِنَفْسِي وَيُسِيءُ سَمَّ مُجْتَرِبِ مَا إِنْ رَأَيْتُ لَهُ شَخْصًا فِي مَوْقِفٍ إِلَّا انْصَرَفْتُ وَقَدْ وَلَّتْ فِرْقَةُ الْأَدَبِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَضْرِسَ لَا مِنْ طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَلَا مِنْ طَرِيقِ الْمَجَازِ، وَلَا مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُحْزَرُ وَيُدْرَكُ بِالْفِكْرِ. فَإِذَا ثَبَتَ هٰذَا، فَاعْلَمْ أَنَّ هٰذَا الْبَابَ الَّذِي هُوَ اللُّغْزُ وَالْأَحَاجِي يَتَفَرَّعُ أَنْوَاعًا : فَمِنْهُ الْمُضْحِكَةُ، وَمِنْهُ الْمَعْكُوسُ، وَمِنْهُ مَا يُنْقَلُ إِلَى اللُّغَاتِ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : «اِسْمِي إِذَا صُحِّفَ بِالْفَارِسِيَّةِ آخَرُ»، وَهٰذَا اسْمُهُ «ذِكْرٌ»، وَالتَّصْحِيفُ جَعْلُ النُّونِ يَاءً، فَهِيَ إِذًا بِالْفَارِسِيَّةِ «ذِكْرِي»، وَهٰذَا غَيْرُ مَفْهُومٍ إِلَّا لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ. وَقَدْ عَرَّفَهُ جِرْمَانُوس فَرْحَانُ بِقَوْلِهِ : «هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِكَلَامٍ مُرَكَّبٍ يَكُونُ لَهُ مِثَالٌ لَفْظٌ بَسِيطٌ مُسْتَقِلٌّ، بِمَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ مِنَ الْمُرَكَّبِ». وَشَاهِدُهُ مَا قَالَهُ الْحَرِيرِيُّ فِي مَقَامَاتِهِ : [ مَجْزُوءُ الْكَامِلِ ] يَا مَنْ يُبَشِّرُ عَنْ سُدًى خَطِرٍ صِعَابٍ وَتَشَعْثِ مَا مِثْلُ قَوْلِكَ لِابْنِي أَضْحَى بِحَاجَتِكَ اكْتَفِ قَوْلُهُ «اكْتَفِ» لَهُ بِمِثَالِهِ «مُهْمَهٌ»، وَهُوَ الْفَقْرُ الْمُسْتَحْكِمُ، ثُمَّ يُحَلُّ إِلَى «مَهْ» وَ«مَهِ»، وَهُمَا بِمَعْنَى «اكْتَفِ». وَقَدْ وُضِعَ هٰذَا الْفَنُّ وَاسْتُقْبِلَ لِأَنَّهُ مِمَّا يَسْتَخْرِجُ الْفَطَانَةَ، وَيَبْعُدُ الْخَاطِرَ، لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعَانٍ دَقِيقَةٍ يَحْتَاجُ فِي اسْتِخْرَاجِهَا إِلَى تَوَلُّدِ الذِّهْنِ، وَالسُّلُوكِ فِي مَعَارِيجِ حُجُورٍ مِنَ الْفِكْرِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْعَرَبُ فِي أَعْصَارِهِمْ قَلِيلًا، ثُمَّ جَاءَ الْمُتَأَخِّرُونَ فَأَكْثَرُوا مِنْهُ، وَرُبَّمَا يَكُونُ مِنْهُ مَا هُوَ حَسَنٌ وَعَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِنَ الْبَلَاغَةِ، وَذٰلِكَ عِنْدِي بَيْنَ بَيْنَ، فَلَا أَعُدُّهُ مِنَ الْأَحَاجِي، وَلَا أَعُدُّهُ مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ. وَمِنَ الأَحَاجِي قَوْلُ بَعْضِهِمْ : [ التَّكَامُلُ ] سَبْعٌ رَوَاجِلُ مَا يَنْفَصِلْنَ مِنَ الْهَزَلِ شِبْهُ نِسَاءٍ سَبْعَةٍ زُهْرٍ مِنَ الدُّرَرِ مُتَوَاصِلَاتٌ لَا الذُّنُوبُ بِهَا بَاقٍ تُعَاقِبُهَا عَلَى الدَّهْرِ هَذَانِ الْبَيْتَانِ يَضْمَنَانِ وَصْفَ أَيَّامِ الزَّمَانِ وَلَيَالِهِ، وَهِيَ الأُسْبُوعُ، فَإِنَّ الزَّمَانَ عِبَارَةٌ عَنْهُ. وَعَلَى هٰذَا الأُسْلُوبِ يُرْوَى قَوْلُ الْمُتَنَبِّي فِي وَصْفِ السُّفُنِ : [ الْكَامِلُ ] وَحَشَاةٌ عَادِيَةٌ يَنْبَسِمُ قِرَامُهَا عَقْمُ الطُّرُقِ حَوَالَيْهَا الأَلْوَانُ تَأْتِي بِمَا تَشْتَهِي النُّفُوسُ كَأَنَّهَا تَحْتَ الْجِبَالِ مَرَابِضُ الْغِزْلَانِ وَقَدْ وُرِدَ مِنَ الأَحَاجِي شَيْءٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَنْثُورِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا وُرِدَ فِي أَشْعَارِهَا، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ شَيْءٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْتَسِطُ بِالْخَفِيِّ وَالْحَزْرِ كَمَا تُنَشِّطُ الأَلْغَازُ.
- الإِحَالَةُ
الإِحَالَةُ : مَصْدَرُ أُحِيلَ عَلَيْهِ كَذَا. وَهِيَ قِسْمَانِ : خَفِيَّةٌ وَجَلِيَّةٌ. فَالإِحَالَةُ الْجَلِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ (١) إِحَالَةٌ عَلَى قَوْلِهِ : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (٢) لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢). أَمَّا الإِحَالَةُ الْخَفِيَّةُ فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَآتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا﴾ (٣) الإِحَالَةُ فِي الأُولَى ظَاهِرَةٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَفِيَّةٌ، لِمَا قِيلَ : إِنَّهَا إِحَالَةٌ عَلَى قَوْلِهِ : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٤)، لِنَصِّهِ تَفْصِيلَ مُحَمَّدٍ ﷺ.
- الِاحْتِيَاكُ
الِاحْتِيَاكُ مِنَ الْحَيْكِ : الشَّكُّ وَالإِحْكَامُ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْكَمْتَهُ وَأَحْسَنْتَ عَمَلَهُ فَقَدِ احْتَكْتَهُ. فَهٰذِهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ الْخَلْقِ مُسْتَأْنِفَةً بِنَفْسِهَا عَنِ الزِّيَادَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ لَيْسَتْ بِأَصْعَبَ فِي الْعُقُولِ مِنَ الِابْتِدَاءِ. هٰذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْكَلَامِيُّ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ هٰذَا الْفَنَّ ابْنُ رِشْقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي بَابِ النُّكَتِ، وَنَقَلَ كَلَامَ وَتَعْرِيفَ ابْنِ الْمُعْتَزِّ وَأَبِيهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ، وَقَدْ نَقَلْتُ هٰذَا الْبَابَ نَقْلًا مِنْ كِتَابِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ، كَقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ : [ الْمُنْسَرِحُ ] سَقَتْنِي مِنْ شُرْبَةِ الْبَرْدِ حَتَّى صِرْتُ عِنْدِي كَأَنَّكَ النَّارُ كَأَنَّكَ الثَّلْجُ بَارِدٌ حَارٌّ لَا يُعْجِبُ التَّسَامُرُ مِنِّي هٰذَا الشِّعْرُ مَذْهَبٌ كَلَامِيٌّ فَلْسَفِيٌّ، أَمَّا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ : [ الْبَسِيطُ ] الرِّفْقُ مِنْكَ وَصَفْحُ الْعُذْرِ عِنْدَكَ لِي فِيمَا فَعَلْتَ فَلَمْ تَعْدِلْ وَلَمْ تُلِمِ وَقَامَ شَاهِدُ عَدْلٍ عِنْدَكَ افْتَقَدَا مَقَامَ شَاهِدِ عَدْلٍ غَيْرِ مُتَّهَمِ إِلَّا أَنَّ «الْمَذْهَبَ الْكَلَامِيَّ» أَخَذَ صُورَتَهُ الْوَاضِحَةَ عِنْدَ الْمِتْرِبِيِّ يَقُولُ مُعَلِّقًا عَلَى أَبْيَاتِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ : [ الطَّوِيلُ ] مَرُّوا وَإِخْوَانٌ إِذَا مَا لَقِيتُهُمْ كَفَوْنِي وَسَادُوا مَا لَقِيتُ مِنَ التَّعَبِ كَفَوْا أَنِ اسْتَطْلَبُوا فِي الْقَوْمِ حَاجَتَهُمْ فَلَمْ تَرْحَمِ الْيَوْمَ فِيهِمْ مِثْلَ مَا اصْطَفَى أَيْ لَا يَعْلَمُنِي فِي مَحْضَرِ آلِ حِمًى، وَقَدْ أَسَاءُوا إِلَيَّ كَمَا أَسَاءُوا إِلَى قَوْمٍ فَشَكَرُوا لَكَ، وَلَمْ تَرَ ذٰلِكَ دُنْيَا. وَهٰذِهِ طَرِيقَةُ الْجِدَالِ، وَإِنَّمَا أَثْنَى لَهُ بِجُودَةِ الْقَرِيحَةِ وَفَضْلِ التَّمْيِيزِ. وَقَالَ الْمِصْرِيُّ : «الْمَذْهَبُ الْكَلَامِيُّ» عِبَارَةٌ عَنْ احْتِجَاجِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِحُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ تَقْطَعُ الْمُعَانِدَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِثْبَاتِ أُصُولِ الدِّينِ بِالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي نُسِبَ «مُتَكَلِّمٌ» إِلَى الْجَاحِظِ، وَزَعَمَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَهُوَ مَحْشُوٌّ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (١)، وَالْأَهْوَنُ أَدْخَلُ فِي الْإِمْكَانِ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْبِدَاءُ»، وَقَالَ مِثْلَهُ ابْنُ حُجَّةَ الْحَمَوِيُّ، وَعَرَّفَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِقَوْلِهِ : «الْمَذْهَبُ الْكَلَامِيُّ أَنْ تُوَرِدَ مَعَ الْحُكْمِ ...». __________________ (١) سُورَةُ الرُّومِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٧). ٣٦ رَدًّا لِذِكْرِهِ حُجَّةً عَلَى طَرِيقِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَيْ صَحِيحَةً مُسَلَّمَةَ الِاسْتِلْزَامِ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى مَنْطِقِيٍّ وَجَدَلِيٍّ. فَالْمَنْطِقِيُّ : مَا كَانَتْ حُجِّيَّتُهُ بُرْهَانًا يَبْقَى التَّأْلِيفُ قَطْعَ الِاسْتِلْزَامِ، وَ «الْمَذْهَبُ الْكَلَامِيُّ» مَا كَانَتْ حُجَّتُهُ أَمَارَةً تَظُنُّ، لَا تُفِيدُ إِلَّا الرُّجْحَانَ. وَعَلَى هٰذَا الْمَنْهَجِ سَارَ الْقُرْزِينِيُّ وَشُرَّاحُ تَلْخِيصِهِ، وَذَكَرَ الْحَمَلِيُّ «الْمَذْهَبَ الْكَلَامِيَّ» بِقَوْلِهِ : «وَحَقِيقَةُ هٰذَا النَّوْعِ احْتِجَاجُ الْمُتَكَلِّمِ، وَإِبْطَالُ مَا أَوْرَدَهُ الْخَصْمُ». كَمَا سَارَ عَلَى مَنْهَجِ الْمِصْرِيِّ كُلٌّ مِنَ السَّكَّاكِيِّ وَجِرْمَانُوس فَرْحَات، إِلَّا أَنَّ الْأَخِيرَ لَمْ يَذْكُرِ التَّقْسِيمَ الْمَنْطِقِيَّ، وَلَا الْقِسْمَ الْجَدَلِيَّ. فَ «الْمَذْهَبُ الْكَلَامِيُّ» مِنْ أَسَالِيبِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَكَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ أَوْضَحَ الْحَمُوصِيُّ هٰذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَرَفَضَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُعْتَزِّ فَقَالَ : «وَقِيلَ إِنَّ ابْنَ الْمُعْتَزِّ قَالَ : لَا أَعْلَمُ ذٰلِكَ فِي الْقُرْآنِ، أَعْنِي الْمَذْهَبَ الْكَلَامِيَّ، وَلَيْسَ عَدَمُ عِلْمِهِ مَانِعًا مِمَّنْ عَلِمَ غَيْرَهُ».
- الِاحْتِذَاءُ
الِاحْتِذَاءُ مِنْ أَحْذَى أَحْذَاءً بِالشَّيْءِ : عَلِمَ بِهِ، وَخَبِرَهُ، وَقَدَّرَهُ. إِنَّ حَقِيقَةَ هٰذَا الِاحْتِذَاءِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُتَكَلِّمُ أُسْلُوبًا لِمَنْ سَبَقَهُ فَيُجَارِيهِ بِأُسْلُوبٍ أُخَرَ عَلَى نَسَقِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى، كَمَا احْتَذَى الْحَرِيرِيُّ أَسَالِيبَ مَنْ تَقَدَّمَهُ فِي مَقَامَاتِهِ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُ الْبُحْتُرِيِّ : [ الْكَامِلُ ] يَبْقَى إِلَى الْمَالِ الْبَخِيلِ لَا تَهَبْ بَرًّا، وَإِنْ تَسْتَفِزَّلْ يُدِلَّ لَا تَنْدِي ثُمَّ احْتَذَاهُ فَقَالَ : [ الْكَامِلُ ] يَبْقَى إِنْ تُبْدِي جَمِيلًا لَا تَمُنَّ وَلَيْتَ نَسَمًا صَلَّى زَهْدًا لَا تُنْسِلْ وَعَرَّفَهُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ يَقُولُ : «هُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ عَلَى صِنَاعَةِ الْبَيْتِ الْآخَرِ». وَمِثْلُ ذٰلِكَ يَقُولُ سَحِيمٌ : [ الطَّوِيلُ ] فَمَا يَبْقَى بَنَاتُ اللَّيْلِ مِحْوًا وَتَرْفَعُ عَنْهَا جَوَارِي الْمُتْخَمَاتِ وَمِثْلٌ لَهُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ يَقُولُ أَبُو نُوَاسٍ : [ مُجْتَثُّ الْبَسِيطِ ] لَا يَنْزِلُ الدَّهْرُ حَيْثُ حَلَّتْ حَلَّتْ فَدَفَقَ شَرَابُهَا نَهَارًا فَاحْتَذَى الشُّجَرِيُّ : [ مُجْتَثُّ الْبَسِيطِ ] غَابَ رِجَالُهَا أَوْ أَيُّ لَيْلٍ يَجْمَعُ عَلَيْنَا وَأَنْتِ نَزِلٌ
- الِاجْتِرَاسُ
الِاجْتِرَاسُ مِنِ احْتَرَسَ مِنْهُ، أَيْ تَحَرَّزَ، وَتَحَرَّسْتَ مِنْ فُلَانٍ وَاحْتَرَسْتَ مِنْهُ : تَحَفَّظْتَ مِنْهُ. وَعَدَّهُ ابْنُ رَشِيقٍ مِنْ تَتَبُّعِ الْمَعْنَى وَمُبَالَغَةٍ فِي اللَّفْظِ شَدِيدَةٍ، وَقَالَ : وَهُوَ الَّذِي نَهَى الشُّعَرَاءَ هٰذَا الْفَنَّ وَنَفَّرُوا فِيهِ وَذَمُّوهُ، فَجَاوَزُوا بِالِاجْتِرَاسِ غَيْرَهُ، فَقَالَ طَرَفَةُ : [ الْكَامِلُ ] تُسْقَى دِمَاؤُهُمْ غَيْرَ مُفْسِدِهَا صَوْبُ الرَّبِيعِ وَدِيمَةٌ تَهْمِي وَسَمَّى الِاجْتِرَاسَ فِي كِتَابِهِ « الْعَمْدَةِ » « التَّجْسِيمَ »، وَقَالَ : وَهُوَ الْإِغْرَامُ أَيْضًا، وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ ضَرْبًا مِنَ الِاجْتِرَاسِ وَاخْتِصَاصًا، ثُمَّ عَرَّفَهُ يَقُولُ : « وَمَعْنَى التَّجْسِيمِ أَنْ يُحَاوِلَ الشَّاعِرُ مَعْنًى فَلَا يَبْلُغَ شَيْئًا مِنْهُ، فَيَحْسَبَ أَنَّهُ إِيَّاهُ أَوْرَدَهُ، وَإِنَّمَا بَالَغَ فِيهِ، وَإِيَّاهُ احْتِيَالًا وَاجْتِرَاسًا مِنَ التَّقْصِيرِ ». وَأَشَارَ ابْنُ سِنَانٍ إِلَى هٰذَا الْفَنِّ بِاسْمِ « التَّحَرُّزِ »، وَقَالَ : « وَأَمَّا التَّحَرُّزُ فِيمَا يُوجِبُ الطَّعْنَ، فَإِنَّهُ لَوِ اسْتُدْرِكَ عَلَيْهِ لَكَانَ فِيهِ طَعْنٌ، فَإِنِّي إِذَا تَحَرَّزْتُ مِنْ ذٰلِكَ الْمَطْعَنِ، كَقَوْلِ طَرَفَةَ فِي الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ : « تُسْقَى دِمَاؤُهُمْ غَيْرَ مُفْسِدِهَا »، فَلَوْ لَمْ يَقُلْ « غَيْرَ مُفْسِدِهَا » لَكَانَ يَصِفُ الْمَطَرَ بِأَنَّهُ يُرِيدُ تَوَلِّي الْمَطَرِ عَلَيْهَا، وَفِي ذٰلِكَ فَسَادٌ لِلدِّيَارِ وَمَحْوٌ لِرُسُومِهَا ». وَنَهِجَ أَكْثَرُ الْبُلَغَاءِ تَسْمِيَتَهُ « الِاجْتِرَاسَ ». فَمِنْهُمْ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ، الَّذِي عَرَّفَهُ يَقُولُ : « هُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الشَّاعِرِ طَعْنٌ فَيَحْتَرِزَ مِنْهُ »، وَقَالَ الْمِصْرِيُّ : « وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِمَعْنًى يُتَوَهَّمُ عَلَيْهِ دَخَلٌ فَيُفَصِّلَ لَهُ، فَيَبْقَى بِمَا يَتَخَلَّصُ مِنْ ذٰلِكَ »، وَمِثْلُهُ ذَكَرَهُ غَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ يَقُولُ : « الِاجْتِرَاسُ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْمَدْحِ أَوْ غَيْرِهِ بِكَلَامٍ قِرَاءَتُهُ مَدْخُولًا يُعِيبُهُ مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ مَنْطُوقِهِ أَوْ مَفْهُومِهِ، فَيَرُدَّهُ بِكَلَامٍ آخَرَ لِتَصْرِيفِهِ عَنِ احْتِمَالِ الْخَطَإِ ». وَتَحَدَّثَ عَنْهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فَقَالَ : « وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ ظَاهِرُهُ لَفْظُ الدُّعَاءِ بِالشَّرِّ وَالدَّفْعِ، وَذٰلِكَ مَا فِي ضِمْنِهِ مِمَّا يُوهِمُ الشَّرَّ، فَيُذْكَرَ فِيهِ كَلِمَةٌ تُزِيلُ ذٰلِكَ الْوَهْمَ وَتَدْفَعُ ذٰلِكَ الْوَهَنَ ». وَمِثْلُ هٰذِهِ تَعْرِيفَاتُ أَبِي حَيَّانَ وَالزَّرْكَشِيِّ وَالْحُصْرِيِّ وَابْنِ أَبِي الْإِصْبَعِ، وَسَمَّاهُ مُلَخِّصُو « الْمِفْتَاحِ » « شَرْحًا »، وَالأَطْيَابُ بِالتَّكْمِيلِ، أَوْ « الِاجْتِرَاسَ »، وَعَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ فَقَالَ : « هُوَ أَنْ يُؤْتَى فِي كَلَامٍ بِوَجْهٍ خِلَافُ الْمَقْصُودِ مَا يَدْفَعُهُ ». وَمِنْهُ قَوْلُ عِزِّ الدِّينِ الْمَوْصِلِيِّ : [ الْبَسِيطُ ] حتّى له يتمنّى في المفاصل ظلٌّ بالاجتراث تمشي البرء في السقمِ وَقَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ : [ الْبَسِيطُ ] فَإِنْ أَفَلْتُ غَيْرَ مَطْرُودٍ بِحُجَّتِي لَمْ أَحْتَرِسْ بَعْدُ مِنْ كَيْدِ مُخْتَصِمِ فَقَوْلُهُ « غَيْرُ مَطْرُودٍ بِحُجَّتِي » هُوَ الِاجْتِرَاسُ الَّذِي بَلَغَ بِهِ مَقَامَ الْمَدْحِ، وَقَوْلُهُ : « لَمْ أَحْتَرِسْ » هُوَ الَّذِي زَادَ مَحَاسِنَهَا بَهْجَةً وَكَمَالًا، إِلَّا أَنَّ ابْنَ عِزِّ الدِّينِ لَمْ يَتَحَقَّقْ اجْتِرَاسُهُ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ هٰذَا الْبَيْتَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ فِي وَصْفِ الْخَمْرَةِ : [ الْبَسِيطُ ] تَخَفَّتْ فِي مَقَاصِدِهِمْ كَتَخَفِّي الْبُرْءِ فِي السَّقَمِ وَمِنْهُ قَوْلُ جِرَانِيسِ فُرْحَاتَ فِي هٰذَا الْفَنِّ : [ الْبَسِيطُ ] أَطْلَقْتُ مِنْ قَمَرٍ بَدَا مُسْتَتِرًا عَنْ نَقْصِ مَرْتَبَةٍ وَتَحْسِبُهُ ضِيَاءَ تَنْشُرُ لَهُ الْأَفْكَارُ وَهْيَ طَوَالِعُ وَيَحْضُرُ لِلْأَذْهَانِ مِنْ ذَكَاءٍ
- الأَحْجِيَةُ
الأَحْجِيَةُ مُفْرَدُ الأَحَاجِي، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ، وَالأَحْجِيَةُ اللُّغْزُ الْمُعَمَّى، وَهٰذَا قَرِيبٌ مِنَ التَّوْرِيَةِ.
- الِاخْتِتَامُ
الِاخْتِتَامُ مِنِ اخْتَتَمَ، وَهُوَ نَقِيضُ الِافْتِتَاحِ، وَهِيَ فِي الْبَلَاغَةِ أَنْ يُخْتَمَ الْبَلِيغُ كَلَامَهُ فِي أَيِّ مَفْصِلٍ كَانَ بِأَحْسَنِ الْخَوَاتِمِ. وَقَدْ سَمَّاهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ « الِاخْتِتَامَ »، بَيْنَمَا سَمَّاهُ غَيْرُهُ « حُسْنَ الِاخْتِتَامِ » أَوِ الْخَاتِمَةَ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذٰلِكَ خَوَاتِيمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَتَمَ كُلَّ سُورَةٍ بِأَحْسَنِ خِتَامٍ، وَأَتَمِّهِ، وَأَعْجَبِهِ إِتْمَامًا، حَتَّى تَطَابَقَ مَضَامِينُ مُقَدِّمَاتِهَا، وَيُؤْتِي مَعْنَاهَا مِنْ أَدْعِيَةٍ أَوْ وَعِيدٍ أَوْ مَوْعِظَةٍ أَوْ تَحْمِيدٍ، وَغَيْرِ ذٰلِكَ مِنَ الْخَوَاتِيمِ الرَّائِعَةِ. وَمِنْ ذٰلِكَ مَا قَالَهُ أَبُو تَمَّامٍ يَذْكُرُ فَتْحَ عَمُّورِيَّةَ، وَيُهَنِّئُ الْمُعْتَصِمَ بِهَا : [ الْبَسِيطُ ] إِنْ كَانَ بَيْنَ صُرُوفِ الدَّهْرِ مِنْ رَحِمٍ مَوْصُولَةٍ أَوْ ذِمَامٍ غَيْرِ مُنْقَطِعِ فَقَدْ بَلَغْنَا السَّمَاءَ الْيَوْمَ مُدْرِكَةً بِفَتْحِكَ الْبَابَ مِنْ عَمُّورِيَّةَ الْفَزِعِ وَمَا قَالَهُ الْمُتَنَبِّي : [ الْبَسِيطُ ] قَدْ شَرَّفَ اللَّهُ أَرْضًا أَنْتَ سَاكِنُهَا وَشَرَّفَ النَّاسَ إِذْ سَوَّاكَ إِنْسَانًا
- الِاخْتِرَاعُ
الِاخْتِرَاعُ مِنِ اخْتَرَعَ الشَّيْءَ، أَيْ أَحْدَثَهُ وَابْتَدَعَهُ. وَالِاخْتِرَاعُ – كَمَا عَرَّفَهُ ابْنُ رِشِيقٍ – « خَلْقُ الْمَعَانِي الَّتِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا، وَالِابْتِدَاعُ بِهَا فِيمَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْعَادَةِ، حَتَّى يُسَمَّى ذٰلِكَ الْمَعْنَى بَدِيعًا، وَإِنْ كَثُرَ وَاشْتُهِرَ، ثُمَّ يُفْرَقُ بَيْنَ الِاخْتِرَاعِ وَالِابْتِدَاعِ فَيُجْعَلُ الِاخْتِرَاعُ لِلْمَعْنَى، وَالِابْتِدَاعُ لِلَّفْظِ ». وَاعْتَبَرَ الْقُرْطَاجَنِيُّ الِاخْتِرَاعَ الْغَايَةَ فِي الِاسْتِحْسَانِ، وَقَالَ : « ثَمَرَاتُ الشُّعَرَاءِ فِيمَا يَلْمَحُونَ بِهِ مِنَ الْمَعَانِي إِذَا أُتْقِنَتْ أَرْبَعٌ : اخْتِرَاعٌ، وَاسْتِحْقَاقٌ، وَسَرِقَةٌ، وَشِرْكَةٌ؛ فَالِاخْتِرَاعُ هُوَ الْغَايَةُ فِي الِاسْتِحْسَانِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ تَالٍ لَهُ، وَالشِّرْكَةُ مَا يُسَاوِي فِيهِ الْآخِرُ الْأَوَّلَ، فَلَا عَيْبَ فِيهِ، وَمِنْهَا مَا يَنْحَطُّ فِيهِ الْآخِرُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَهٰذَا مَعِيبٌ، وَالسَّرِقَةُ كُلُّهَا مَعِيبَةٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَشَدَّ قُبْحًا مِنْ بَعْضٍ ». وَأَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ قَائِلًا : « الِاخْتِرَاعُ هُوَ أَنْ يَذْكُرَ الْمُؤَلِّفُ أَوِ الْمُتَكَلِّمُ مَعْنًى لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْخُرُوجِ، يُقَالُ : خَرَجَ الشَّيْءُ إِذَا بَرَزَ وَظَهَرَ، فَكَأَنَّهُ أَخْرَجَ الْمَعْنَى مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ ». وَمِثَالُهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا ﴾، فَإِنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ عَجْزِهِمْ عَنِ الِاخْتِرَاعِ وَالْإِيجَادِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ. ﴿ وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾.(١) وَمِثَالُهُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ قَوْلُهُ ﷺ : « حُمِّيَ الْوَطِيسُ »، فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهٰذَا، حِينَ حَمِيَ الْمُسْلِمُونَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، حِينَ حَمَلَ خَالِدٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَالْوَطِيسُ هُوَ التَّنُّورُ، لِتَشْبِيهِ حَمِيَّةَ وَرَوْدِهِ عَنْ شِدَّةِ الْحَرْبِ وَاتِّقَادِ نَارِهَا. وَقَدْ تَكَلَّمَ الْبُلَغَاءُ عَلَى هٰذَا الْفَنِّ فِي بَابِ « سَلَامَةِ الِاخْتِرَاعِ »، وَلَمْ يَبْحَثْ فِي هٰذَا الْبَحْثِ غَيْرُ ابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ تَحْقِيقًا لِلْمَصَادِرِ الْمَعْرُوفَةِ.
- الِاخْتِزَالُ
الِاخْتِزَالُ هُوَ الْحَطُّ، وَرَدُّ الْكَثِيرِ إِلَى الْقَلِيلِ، وَاخْتِزَالُ الشَّيْءِ : كَسْرُهُ وَاخْتِصَارُهُ. الِاخْتِزَالُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَذْفِ، وَهُوَ أَقْسَامٌ؛ لِأَنَّ الْمَحْذُوفَ إِمَّا كَلِمَةٌ : اسْمٌ، أَوْ فِعْلٌ، أَوْ حَرْفٌ، أَوْ أَكْثَرُ، وَهٰذَا مَا قَالَهُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ. وَمِنْ حَذْفِ الِاسْمِ : حَذْفُ الْمُضَافِ، وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا؛ وَمِنْهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾(٢)، أَيْ حَجٌّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى أَيْضًا : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾(٣)، أَيْ نِكَاحُ أُمَّهَاتِكُمْ. وَحَذْفُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾(٤)، أَيْ يَا رَبِّ. وَحَذْفُ الْمَبْدَإِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ نَارًا حَامِيَةً ﴾(٥)، أَيْ هِيَ نَارٌ حَامِيَةٌ. وَحَذْفُ الْمَوْصُوفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ﴾(٦)، أَيْ حُورٌ قَاصِرَاتٌ. وَحَذْفُ الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَيَأْخُذْ كُلَّ سَفِينَةٍ ﴾(٧)، أَيْ صَالِحَةً. وَحَذْفُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ﴾(٨)، أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ. وَحَذْفُ الْمَعْطُوفِ مَعَ الْعَاطِفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ﴾(١) أَيْ : وَمَنْ أَنْفَقَ بَعْدَهُ. وَحَذْفُ الْمُبْدَلِ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ : ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ ﴾(٢) أَيْ : لِمَا تَصِفُهُ، وَالْكَذِبُ بَدَلٌ مِنَ الْهَاءِ. وَحَذْفُ الْفَاعِلِ مَعْنًى، كَقَوْلِهِ : ﴿ لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ﴾(٣) أَيْ دُعَائِهِ بِالْخَيْرِ. وَحَذْفُ الْمَفْعُولِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ ﴾(٤) أَيْ : إِلٰهًا. وَحَذْفُ الْحَالِ، كَقَوْلِهِ : ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴾(٥) أَيْ قَائِلِينَ. وَحَذْفُ النِّدَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِرَاءَةِ الْبَعْضِ : ﴿ أَلَّا يَا اسْجُدُوا ﴾(٦) أَيْ : يَا هَؤُلَاءِ اسْجُدُوا، وَهٰذَا هُوَ إِيجَازُ الْحَذْفِ عِنْدَ الْبُلَاغِيِّينَ. أَمَّا السُّيُوطِيُّ فَقَدْ أَقَامَ لَهُ مُرَادِفًا وَسَمَّاهُ « الِاخْتِزَالَ »، وَفَصَّلَ الْقَوْلَ فِيهِ تَفْصِيلًا، وَجَاءَ بِأَمْثِلَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَحْدَهُ. وَهٰذَا الْفَنُّ عِنْدَ السَّجِسْتَانِيِّ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْمُبَالَغَةِ، وَهُوَ : قَوْلٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَجْزَاءٍ فِيهِ مُسْتَقْبَلَةٌ يَتَجَاذَبُهَا عَلَى مَضْمُونٍ تَنْقُصُ عَنْهُ، يُطْرَحُ جُزْءٌ مِنْهَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُصَرَّحَ بِهِ، وَهُوَ نَوْعَانِ : « الِاصْطِلَاحُ » وَ « الْحَذْفُ ». وَالْحَذْفُ يَكُونُ فِي الْمَائِدِ، وَيَقَعُ فِي أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ : الْأَوَّلُ : الصِّلَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ أَهٰذَا الَّذِي يَبْعَثُ اللَّهُ رَسُولًا ﴾(٧). ____________________ (١) سُورَةُ الْحَدِيدِ، آيَةٌ رَقْم (١٠). (٢) سُورَةُ النَّحْلِ، آيَةٌ رَقْم (١١٦). (٣) سُورَةُ فُصِّلَتْ، آيَةٌ رَقْم (٤٩). (٤) سُورَةُ الْأَعْرَافِ، آيَةٌ رَقْم (١٥٢). (٥) سُورَةُ الرَّعْدِ، آيَةٌ رَقْم (٢٣-٢٤). (٦) سُورَةُ النَّمْلِ، آيَةٌ رَقْم (٢٥) فِي الْمُصْحَفِ « أَلَّا تَسْجُدُوا »، وَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. مَجْمَعُ الْبَيَانَاتِ. (٧) سُورَةُ الْفُرْقَانِ، آيَةٌ رَقْم (٤١). الثَّانِي، النِّعْمَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ﴾(١)، أَيْ فِيهِ. الثَّالِثُ، الْخَيْرُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ﴾(٢)، أَيْ وَعْدَهُ. الرَّابِعُ، الْحَالُ، وَحَذْفُ مَخْصُوصِ « نِعْمَ »، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ﴾(٣)، أَيْ نِعْمَ الْعَبْدُ (٣) أَيْ أَيُّوبُ. وَمِنْهُ حَذْفُ الْمَوْصُولِ، كَقَوْلِهِ : ﴿ آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾، أَيْ وَالَّذِي أُنْزِلَ؛ لِأَنَّ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا لَيْسَ هُوَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَىٰ مَنْ قَبْلَنَا، وَلِهٰذَا أُبْدِلَ « مَا » فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾(٤). وَأَشَارَ إِلَى الْحَذْفِ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ، بِقَوْلِهِ : « هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يُحْذَفَ الْمَحْكُومُ بِهِ مِنْ كَلَامِهِ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ، أَوْ جَمِيعَ الْحُرُوفِ الْمُهْمَلَةِ، بِشَرْطِ عَدَمِ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَسُّفِ، وَهٰذَا هُوَ الْغَايَةُ ». وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي بَدِيعِيَّتِهِ، حَيْثُ حُذِفَ مِنْهُ الْأَحْرُفُ الَّتِي تُنْقَطُ مِنْ تَحْتِ، وَهُوَ الَّذِي نَظَمَهُ قَائِلًا فِي مَطْلَعِ الْبَدِيعَةِ : [ الْبَسِيطُ ] تَمْكِينُ سَمْعٍ بِنُصْحٍ خَالَطَ الْفِكَرَا * كَأَنَّ مُدَّكِرًا فِيهَا أَثَارَ ذِكْرَا وَقَدْ أَمِنْتُ وَزَالَ الْخَوْفُ مُنْصَرِفًا * نَحْوَ الْعَدُوِّ وَلَمْ أُحْصِنْ وَلَمْ أَحْذَرِ وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَلَبِيِّ الَّذِي بَنَى بَدِيعِيَّتَهُ فِي بَابِ الْحَذْفِ عَلَى الْمَطْلَلِ : [ الْبَسِيطُ ] آلَ الرَّسُولِ مَحَلُّ الْعِلْمِ مَا حَكَمُوا * لَيْلَىٰ إِلَّا وَعَقْلُوا أَعْدَلَ الْقِسَمِ وَقَوْلُ عِزِّ الدِّينِ الْمَوْصِلِيِّ : [ الْبَسِيطُ ] أَدُومُ إِسْقَاطَ ذَنْبِي بِالصَّلَاةِ عَلَىٰ * مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ صَحْبِهِ الْعُلَمَاءِ. (١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٨). (٢) سُورَةُ النِّسَاءِ، آيَةٌ رَقْمُ (٩٥). (٣) سُورَةُ ص، آيَةٌ رَقْمُ (٤٤). (٤) سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٦). (٥) سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ، آيَةٌ رَقْمُ (٦٢).
- الِاخْتِصَارُ
الِاخْتِصَارُ هُوَ الْإِيجَازُ وَاللَّمْحَةُ الدَّالَّةُ، وَهُوَ مِنْ أَبْرَزِ أَسَالِيبِ الْعَرَبِ، وَقَدْ فَطِنَ الْبُلَغَاءُ وَالْعُلَمَاءُ أَسْلُوبَ التَّعْبِيرِ تَمَامَ التَّمَامِ لِلْمَوْضُوعِ، فَعُرِفَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ الِاخْتِصَارَ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنِ الْإِسْهَابِ وَالْإِطْنَابِ وَالِاخْتِصَارِ وَالِاقْتِصَارِ، قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هٰذِهِ الْأَقْسَامِ لَهُ مَوْضِعٌ يَأْتِي فِيهِ فَيُحْمَدُ، فَإِنْ أَتَى فِي غَيْرِهِ، لَمْ يُحْمَدْ، فَإِنْ كَانَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالِاصْطِلَاحِ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ وَالِاعْتِذَارِ وَالْإِنْذَارِ إِلَى الْأَعْدَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَمَا أَشْبَهَ ذٰلِكَ، فَيُسْتَحَبُّ فِيهِ الطُّولُ وَالشَّرْحُ، وَأَمَّا غَيْرُ ذٰلِكَ فَيُسْتَحَبُّ فِيهِ الِاخْتِصَارُ وَالِاقْتِصَارُ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ فِي مَدْحِ خَطِيبٍ : [ المتقارب ] إِذَا هُوَ أَطْنَبَ فِي خُطْبَةٍ قَضَى لِلْمُطِيلِ عَلَى الْمُقَصِّرِ وَإِنْ هُوَ أَوْجَزَ فِي خُطْبَةٍ قَضَى لِلْمُقَصِّرِ عَلَى الْمُكْثِرِ وَمَدَحَتِ الْعَرَبُ الطُّولَ وَالتَّقْصِيرَ، فَقَالَ الشَّاعِرُ : [ البسيط ] يَسْرُونَ بِالسَّحَرِ الطُّولَاءَ زَائِرَةً وَرْحِي السَّلَامِظَ خَيْفَةَ الرُّقَدِ وَأَشَارَ السُّيُوطِيُّ إِلَى الِاخْتِصَارِ بِقَوْلِهِ : « الْإِيجَازُ وَالِاخْتِصَارُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ »، كَمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمِفْتَاحِ وَصَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ : « الِاخْتِصَارُ خَاصٌّ بِحَذْفِ الْجُمَلِ فَقَطْ، بِخِلَافِ الْإِيجَازِ ». وَقَالَ الْخَلِيلُ : « لَا يُخْتَصَرُ الْكِتَابُ لِيُحْفَظَ، وَلٰكِنْ يُبْسَطُ لِيُفْهَمَ ». وَمِنْ هٰذَا النَّوْعِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ : [ الطَّوِيل ] صُمُوتٌ إِذَا مَا الصَّمْتُ زَيْنٌ أَهْلَهُ وَنُطْقٌ أَكْبَرُ النُّكْرِ السُّفَهَاءُ وَالْإِيجَازُ، فِي الْحَقِيقَةِ، قَدْ يَكُونُ بِحَذْفِ الْكَلِمَةِ أَوِ الْجُمْلَةِ أَوِ الْجُمَلِ، وَهُوَ مَا سَمَّوْهُ « إِيجَازَ الْحَذْفِ ».
- الِاخْتِصَاصُ
الِاخْتِصَاصُ مِنِ اخْتَصَّ فُلَانٌ بِالْأَمْرِ وَتَخَصَّصَ بِهِ، إِذَا انْفَرَدَ. الِاخْتِصَاصُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ هُوَ التَّخْصِيصُ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ عِبَارَاتُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : « هُوَ إِخْرَاجُ صُورَةٍ مِنْ حُكْمٍ كَانَ يَنْطَبِقُهَا الْخِطَابُ لَوْلَا الِاخْتِصَاصُ ». وَالِاخْتِصَاصُ شَبِيهٌ بِالتَّبْيِينِ مِنْ حَيْثُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي اللَّبْسِ، وَمِنْ حَيْثُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ بِبَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ. وَقَدْ فَرَّقَ ابْنُ قَمِيلٍ الْجَزُولِيَّةُ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ؛ مِنْهَا قَالَ : « وَالتَّخْصِيصُ يُسَمِّيهِ أَرْبَابُ عِلْمِ الْبَيَانِ الِاخْتِصَاصَ عِنْدَهُمْ، وَلَا يُحْسِنُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِصَاصُ الشَّيْءِ بِمَعْنًى ظَاهِرٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ (1) اخْتَصَّهَا دُونَ سَائِرِ النَّاسِ لِأَنَّهَا عِبْرَةٌ، وَقِيلَ : إِنَّ النُّجُومَ تَقْطَعُ السَّمَاءَ طُولًا، وَهِيَ تَقْطَعُهَا عَرْضًا ... ». وَمِثَالُ التَّخْصِيصِ قَوْلُ الْخَنْسَاءِ فِي أَخِيهَا صَخْرٍ : [ الْوَافِر ] يُذَكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرًا وَأَذْكُرُهُ لِكُلِّ غُرُوبِ شَمْسِ خَصَّتِ الْخَنْسَاءُ « طُلُوعَ الشَّمْسِ » وَغُرُوبَهَا لِأَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ يَذْكُرُهَا بِمَقْتَلِهِ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَغُرُوبَهَا يَذْكُرُهَا بِمَثْوَاهُ بِقَرَارِهِ، فَاخْتَصَّتْ لِهَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ لِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ. وَعِبَارَاتُ التَّخْصِيصِ ثَلَاثٌ : الْأُولَى : « إِنَّمَا جَاءَنِي عَمْرٌو »، فَفِيهِ تَخْصِيصُ الْمُخَاطَبِ مَحْصُورًا بِإِثْبَاتِ الْمَجِيءِ لَهُ وَنَفْيِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ. الثَّانِيَةُ : « جَاءَنِي سَمِيرٌ لَا زَيْدٌ »، أَفَادَ هٰذَا إِثْبَاتَ الْمَجِيءِ لِسَمِيرٍ عَلَى زَيْدٍ، أَيْ إِثْبَاتُهُ لِسَمِيرٍ وَلَا زِيَادَةَ لَهُ. الثَّالِثَةُ : « مَا جَاءَنِي إِلَّا عَمْرٌو »، أَفَادَ هٰذَا نَفْيَ التَّشْرِيكِ، وَلِهٰذَا لَا يَصِحُّ الْقَوْلُ : « مَا جَاءَ إِلَّا زَيْدٌ قَائِمٌ »، أَفَادَ هٰنَا نَفْيَ التَّشْرِيكِ، وَلِهٰذَا لَا يَصِحُّ الْقَوْلُ : « مَا جَاءَ إِلَّا زَيْدٌ قَائِمٌ لَا قَاعِدٌ »؛ لِأَنَّكَ بِقَوْلِكَ : « إِلَّا قَائِمٌ » نَفَيْتَ عَنْهُ كُلَّ صِفَةٍ تُنَافِي الْقِيَامَ. وَيَصِحُّ الْقَوْلُ : « إِنَّمَا رِيَاضٌ قَائِمٌ لَا قَاعِدٌ »، فَإِنَّ « إِنَّمَا » صِيغَةٌ إِنَّمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّخْصِيصِ. وَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ : ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ﴾ (2) لَيْسَ الْمَعْنَى : إِنِّي لَمْ أَزِدْ عَلَى مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا، وَلٰكِنِ الْمَعْنَى : إِنِّي لَمْ أَدَعْ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يُخَالِفُهُ. (1) سُورَةُ الْقَلَمِ، آيَةٌ رَقْم (49). (2) سُورَةُ الْمَائِدَةِ، آيَةٌ رَقْم (117). وَحُكْمٌ غَيْرُهَا إِذَا وَقَعَ مَوْقِعَ « إِلَّا » حُكْمُ « إِلَّا »، وَأَمَّا « إِنَّمَا » فَالِاخْتِصَاصُ فِيهَا يَقَعُ مَعَ الْمُثْبَتِ، فَإِذَا قُلْتَ : « إِنَّمَا ضَرَبَ عَمْرًا زَيْدٌ » فَالِاخْتِصَاصُ فِي الضَّارِبِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾(١) فَالِاخْتِصَاصُ لِلْعُلَمَاءِ. وَقَدْ يُجْمَعُ مَعَهُ حَرْفُ النَّفْيِ، إِمَّا مُتَأَخِّرًا كَقَوْلِهِمْ : « إِنَّمَا جَاءَنِي عِصَامٌ لَا سِمْرٌ »، وَإِمَّا مُتَقَدِّمًا كَقَوْلِهِمْ : « مَا جَاءَنِي هَانِئٌ وَإِنَّمَا جَاءَنِي بَشَّارٌ »، فَهٰذَا لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ « إِنَّمَا » كَانَ الْكَلَامُ مَعَ مَنْ ظَنَّ إِبْهَامًا جَفَاءً، وَإِنْ دَخَلَهَا كَانَ الْكَلَامُ مَعَ مَنْ خَطَأَ فِي الْجَفَاءِ.
- الِاخْتِلَاسُ
الِاخْتِلَاسُ : الْأَخْذُ فِي نَهْبَةٍ وَمُخَالَسَةٍ، وَخَلَسَ الشَّيْءَ، وَاخْتَلَسَهُ، اسْتَلَبَهُ. ذَكَرَ الْقَاضِي الْجُرْجَانِيُّ أَنْوَاعَ السَّرِقَاتِ، فَقَالَ : « وَلَسْتُ أَعْدُّ مِنْ جُمَانَةِ الْكَلَامِ وَقَصَدِ السِّرْقَةِ حَتَّى يُبَيِّنَ بَيْنَ إِضَافَتِهِ وَأَقْسَامِهِ وَيُحِيطَ عِلْمًا بِحَقِيقَةِ مَنْزِلِهِ، فَتَفْصِلَ بَيْنَ السَّرِقِ وَالْغَصْبِ وَبَيْنَ الْإِغَارَةِ وَالِاخْتِلَاسِ »، دُونَ أَنْ يَذْكُرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِغَارَةِ وَالِاخْتِلَاسِ. وَأَشَارَ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ إِلَى الِاخْتِلَاسِ دُونَ أَنْ يُجِبَدَهُ، مُسْتَشْهَدًا بِذِكْرِ الشَّوَاهِدِ الشِّعْرِيَّةِ، وَمِنْهَا قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ : [ الْكَامِل ] مَلَكٌ تَصَوَّرَ فِي الْمَغِيبِ مَثَالُهُ فَكَأَنَّمَا لَمْ يُخْلَقِ الْبَشَرُ مَكَانُ اخْتَلَسَهُ مِنْ قَوْلِ كَثِيرٍ : [ الطَّوِيل ] أَرِيدُ لِأَنْسَى ذِكْرَهَا نَفَخَاتِهَا تُشَكِّلُ لِي نَبْلِي بِكُلِّ سَبِيلِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ : [ الْوَافِر ] كَأَنَّكِ كُنْتِ مُحْتَكِمًا عَلَيْهِمْ تُخَيِّرُ فِي الْأَسْرَةِ مَا تَشَاءُ اخْتَلَسَهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ : [ الْمَدِيد ] خَلَائِقُ وَالْحُسْنُ تَأْخُذُهُ تَنْتَقِي مِنْهُ وَتَنْتَخِبُ فَأَكْسَبَتْ مِنْهُ طَرَائِفَهُ ثُمَّ آذَنَتْ فَضْلَ مَا تَهَبُ غَيْرَ أَنَّهُ حَدَّدَ الْإِغَارَةَ بِقَوْلِهِ : « الْإِغَارَةُ أَنْ يَصْنَعَ الشَّاعِرُ بَيْتًا وَيَحْتَرِزَ مَعْنًى مَلِيحًا ». (١) سُورَةُ فَاطِرٍ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٨). أُولُوا الْأَلْبَابِ (١) وَقَوْلُهُ أَيْضًا : ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ (٢). وَمِنْهَا الْمَكْسُ، لَا يَحْسُنُ إِلَّا فِي الْإِفْرَادِ، لِلَّطَافَةِ «اللَّطِيفِ» الَّتِي تَفْقِدُ جَمَالَهَا جَمْعًا، فَيُقَالُ : طَرِيفٌ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ فِيمَا رَأَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي هَذَا الْفَنِّ؛ إِذْ قَالَ : وَأَمَّا فِعْلٌ وَأَفْعَلُ فَإِنَّا نَقُولُ : أَفْعَلَ الْمَكَانَ، فَإِذَا كَثُرَ عُشْبُهُ قُلْنَا : أَعْشَبَ، فَلَفْظَةُ «أَفْعَلَ» و «افْعَوْعَلَ» لِلتَّكْثِيرِ، عَلَى أَيِّ اسْتِعْمَالٍ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ وُجِدَتْهَا جَمِيلَةً طَيِّبَةً عَلَى تِكْرَارِ حُرُوفِهَا كَمَا فِي : اشْتَوْشَ الْمَكَانُ، وَاغْرَوْرَقَتِ الْعَيْنُ، وَاحْلَوْلَى الْعِلْمُ، وَأَشْبَاهِهَا. وَأَمَّا «فَعَّلَ» فَنَحْوُ هَمَزَّةَ وَلَمْزَةَ وَنَمَّامَةٍ وَنَغَمَةٍ؛ وَلَكِنْ لِطَبْعِ اللُّغَةِ وَأَسَاسِ أَمْثَالَ ذٰلِكَ، فَنَقُولُ إِنَّ هٰذِهِ الْأَلْفَاظَ إِنَّمَا تَكُونُ حَسَنَةً، وَهٰذَا أَخْذٌ لِلِاسْتِقْرَاءِ، وَفِي اللُّغَةِ مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاؤُهَا، فَانْظُرْ إِلَى مَا يَفْعَلُهُ اخْتِلَافُ الصِّيَغِ بِالْأَلْفَاظِ، وَعَلَيْكَ أَنْ تَتَفَقَّهَ أَمْثَالَ هٰذِهِ الْمَوَاضِعِ لِتَعْلَمَ كَيْفَ تَضَعُ بَدَلَك مِنْ اسْتِعْمَالِهَا، كَثِيرًا مِمَّا يَفْعَلُ الشُّعَرَاءُ وَالْخُطَبَاءُ فِي مَنَابِهَا. وَحُسْنُ تَفْقِيهِ الْكَلَامِ مِنْ كَاتِبٍ وَشَاعِرٍ إِذَا مَرَّتْ بِهِ أَلْفَاظٌ عُرِضَتْ عَلَى ذَوْقِهِ الصَّحِيحِ، فَمَا يَجِدُ الْحُسْنَ مِنْهَا مُوَفَّقًا وَحْدَهُ، وَمَا يَجِدُ الْحُسْنَ مِنْهَا مَجْمُوعًا جَمْعَهُ، وَكَذٰلِكَ يَجْرِي الْحُكْمُ فِيمَا سِوَى ذٰلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ التَّمْيِيزَ أَوْلَى فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَلَكِنَّ الذَّوْقَ وَالثَّقَافَةَ وَالْمُمَارَسَةَ هِيَ الَّتِي تَضَعُ الْحَقِيقَةَ أَمَامَ الْمُدَقِّقِينَ.
- اخْتِلَافُ صِيَغِ الْكَلَامِ
إِنَّ الْأَدِيبَ الْبَلِيغَ يَعْمِدُ إِلَى صِيَغٍ مُتَنَوِّعَةٍ مِنْ فُنُونِ الْكَلَامِ لِئَلَّا يُكْثِرَ الْمَلَلُ وَيَنْفِرَ مِنْهُ السَّامِعُ. وَانْطِلَاقًا مِنْ هٰذَا الْفَنِّ قَالَ الثَّعْلَبِيُّ : «وَإِذَا تَكَرَّرَ وَاخْتَلَفَ الْمَعْنَى، وَكَانَ فِي الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَى مَعْنًى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَكَرِّرَيْنِ، فَهُوَ التَّجْنِيسُ، وَهُوَ مِمَّا يُسْتَحْسَنُ وَلَا يُسْتَحَبُّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ مَا يُبَيِّنُ لِلْمُسْتَمِعَيْنِ الْمُرَادَ، وَالْبَحْثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَلْفَظِهِ، فَذٰلِكَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ، وَلَا يَلِيقُ لِكَوْنِهِ مُغْفَلًا لِلِّسَانِ. فَاجْتِنَابُ هٰذَا النَّوْعِ مِنْ قَوَاعِدِ عِلْمِ الْبَيَانِ، وَاجْتِنَابُ الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ الْبَدِيعِ الَّذِي هُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الْأَلْفَاظِ. مِثَالُ ذٰلِكَ مِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَيَّارٍ لِلْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ : [ الْكَامِل ] شَفَيْتَ أَسًى وَمَا أَسَأْتَ وَمَا أَسَأْ * نْتَ أَجْرَمَتْ كَفُّكَ بِغْرَدَادَ طُولًا وَمِثَالٌ ثَانٍ وَهُمَا نَوْعَانِ فِي الْكَلَامِ يَقُولُ الشَّاعِرُ : [ الطَّوِيل ] لِتُعْذِرِي لَفْظَ حَبِيبٍ كُلُّ قَصِيرَةٍ * أُمِّي وَإِنْ لَمْ تَفِرْ ذٰلِكَ اللَّفْظَ مَصَادِرُ عَفِيفٌ قَصِيرَاتُ الْحِجَالِ وَلَمْ أُرِدْ * فُضُوحَ الْخُطَى شَرَّ النِّسَاءِ الْبَوَارِرُ فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَيْتِ الْأَوَّلِ لَكَانَ مَعْنًى مُحْتَمَلًا لِلْقَصَرِ. وَمِنَ الشِّعْرِ الْقَبِيحِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ فِي الْمَدِيحِ : [ السَّرِيع ] عَزِيزَةٌ بِنَفْسِهِ صَبَاحٌ * سَمْحٌ بِأَعْرَاضِهِمْ شُجَاعُ فَقَوْلُهُ : « بِأَعْرَاضِهِمْ » يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءِ بِلَفْظَةِ « سَمْحٍ »، فَيَكُونُ مَدْحًا مُتَعَلِّقًا بِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِلَفْظَةِ « شُجَاعٍ »، فَيَكُونَ مَدْحًا، فَهُوَ مُلْتَبِسٌ بَيْنَ الْمَدْحِ وَالْهِجَاءِ، وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ مَا يُبَيِّنُ أَحَدَهُمَا.
- الأَخْذُ
الأَخْذُ مِنْ فِعْلِ أَخَذَ أَخْذًا الشَّيْءَ : تَنَاوَلَهُ وَأَمْسَكَهُ وَسَارَ بِسِيرَتِهِ. أَشَارَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ فِي « الطِّرَازِ » إِلَى الأَخْذِ دُونَ أَنْ يُعَرِّفَهُ، وَلٰكِنَّهُ مَثَّلَ لَهُ يَقُولُ جَرِيرٌ : [ الطَّوِيل ] غَرَائِبُ آلَافٍ إِذَا حَانَ وِرْدُهَا * أَخَذْنَ طَرِيقًا لِلْقَصَائِدِ مُعَلَّمَا فَفَائِدَةُ أَنَّ تَمَامًا وَزَادَ عَلَيْهِ زِيَادَةً بَدِيعِيَّةً فَأَعْجَبَ كُلَّ الإِعْجَابِ : غَرَائِبُ لاَفٍ فِي نَفَائِسِهَا أَنْفُسُهَا مِنَ الْمَجِيدِ فَهِيَ الآَنَ غَيْرُ غَرَائِبَ. فَحَاصِلُ كَلَامِ جَرِيرٍ أَنَّ قَصَائِدَهُ لاَ بَدَائِعَ فِيهَا غَيْرُهُ، فَإِنَّهُنَّ مُفْرَدَاتٌ عَنْ أَمْثَالِهِنَّ، وَحَاصِلُ كَلَامِ أَبِي تَمَّامٍ أَنَّ لَهُنَّ أَمْثَالًا صَادِفْنَ مَدَافِعَهُنَّ فَأُنْسِنَ إِلَيْهَا، فَكِلَاهُمَا قَدْ أَوْرَدَ الْغَرَائِبَ فِي شِعْرِهِ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا تَمَّامٍ زَادَ عَلَيْهِ بِأَنْ قَرَنَهَا بِذِكْرِ الْمَمْدُوحِ فَلَهُنَّ كَانَتْ لَذَّتُهَا حَسَنَةً. وَكَقَوْلِ الْحُكَمِيِّ أَيْضًا : [ الْكَامِل ] وَلَقَدْ قَتَلْتُكَ بَالْهَوَاءِ فَلَمْ أَمُتْ * إِنَّ الْكِلاَبَ طَوِيلَةُ الأَعْذَارِ مَا زَالَ يَسْتَجْدِي لِشَرَفٍ جَاهِدًا * كَالْكَلْبِ يَبْتَغِي كَامِلَ الْأَقْمَارِ أَخَذَهُ ابْنُ ظَاهِرٍ فَقَالَ : [ الْمُسَرَّحُ ] وَقَدْ نَقَتْكَ بِالْبُهْجَاءِ وَكَيْفَكَ * كَلْبٌ مُسَيَّفُ ذَنَبِهِ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ قُبْحَيْنِ : قُبْحِ السَّرِقَةِ أَوِ الأَخْذِ، وَضَعْفِ الْعِبَارَةِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ ذَكَرَ نَقْصَ الذَّنَبِ، وَهُوَ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى طُولِ الْعُمُرِ.
- إِخْرَاجُ الْكَلَامِ مُخْرَجَ الشَّكِّ
إِخْرَاجُ الشَّيْءِ : إِبْرَازُهُ وَإِظْهَارُهُ. جَعَلَ الزَّرْكَشِيُّ لِإِخْرَاجِ الْكَلَامِ مُخْرَجَ الشَّكِّ بَابًا خَاصًّا، وَقَالَ : «إِخْرَاجُ الْكَلَامِ مُخْرَجَ الشَّكِّ فِي اللَّفْظِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، لِضَرْبٍ مِنَ الْمُسَامَحَةِ وَحُسْنِ الأَدَبِ». كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾(١) وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى الْهُدَى وَأَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالِ، لَكِنْ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مُخْرَجَ الشَّكِّ تَلَطُّفًا وَمُسَامَحَةً، وَلَا شَكَّ عِنْدَهُ وَلَا ارْتِيَابَ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾(٢)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى أَيْضًا : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾(٣)، أُورِدَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ وَالتَّوْبِيخِ، هَلْ يَجُوزُ مِثْلُكُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ بَعْدَ مَا بُيِّنَ لَكُمْ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالزَّوَاجِرِ. وَإِنَّمَا أُورِدَ الْكَلَامُ فِي الآيَةِ عَلَى طَرِيقِ سَوْقِ غَيْرِ الْمَعْلُومِ سِيَاقَ غَيْرِهِ، لِيَرْتَفِعَ عَنْهُمُ التَّثَاقُلُ فِي الِانْتِفَاعِ، فَيَدُلَّكَ بِذٰلِكَ إِلَى مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا عَنْهُ مِنْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَصَمَّهُمُ اللهُ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ، فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ ذٰلِكَ عَلَى طَرِيقِ اللُّطْفِ وَوَجْهِ الإِبْغَاءِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَقَعَ بِهِمُ الْعِقَابُ، وَتَأْلِيمًا لِقُلُوبِهِمْ، وَلِذٰلِكَ الْتُفِتَ عَنِ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ تَفَادِيًا عَنْ مُوَاجَهَتِهِمْ بِذٰلِكَ. (١) سُورَةُ سَبَإٍ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٤). (٢) سُورَةُ الزُّخْرُفِ، آيَةٌ رَقْمُ (٨١). (٣) سُورَةُ مُحَمَّدٍ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٢). وَقَدْ يُخْرَجُ الْوَاجِبُ فِي صُورَةِ الْمُمْكِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَعَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾(١). وَيُخْرَجُ الْإِطْلَاقُ فِي صُورَةِ التَّقْيِيدِ كَقَوْلِهِ : ﴿حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾(٢). (١) سُورَةُ الْإِسْرَاءِ، آيَةٌ رَقْمُ (٧٩). (٢) سُورَةُ الْأَعْرَافِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٠).
- الإِخْلَالُ
الْإِخْلَالُ مِنْ أَخَلَّ بِالشَّيْءِ، أَيِ : أَجْحَفَ، وَأَخَلَّ بِالْمَكَانِ : غَابَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ. وَالْإِخْلَالُ مِنْ عُيُوبِ اخْتِلَافِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَقَدْ عَرَّفَهُ قُدَامَةُ بِقَوْلِهِ : «هُوَ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ اللَّفْظِ مَا يَتِمُّ بِهِ الْمَعْنَى»، وَمِنْ عُيُوبِ ائْتِلَافِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى أَيْضًا : أَنْ يَزِيدَ فِي اللَّفْظِ مَا يُفْسِدُ بِهِ الْمَعْنَى. وَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُ الْحَارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ : [ مَجْزُوءُ الرَّجَزِ ] وَالْعَيْشُ خَيْرٌ فِي ظِلَالِ السُّيُوفِ لِـمَنْ * يُمْسِي عَبَاسًا كَدَّ فِيهِ كَدِيدَا وَالْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِهِ : «وَالْعَيْشُ خَيْرٌ فِي ظِلَالِ السُّيُوفِ مِنَ الْعَيْشِ يَكْدَ فِي ظِلَالِ الْعَزَلِ» تَرَكَ شَيْئًا كَثِيرًا. وَمِثَالُ الْعَيْبِ الثَّانِي قَوْلُ بَعْضِهِمْ : [ الطَّوِيلُ ] قَمَّا طَلْعَةٌ مِنْ صَفْوَةِ الْغَيْثِ عَبْقَةٌ * تَسْمَعُ مِنْ أَبْيَضِ الرُّقَاءِ تَرْنِمُهَا يَطِيبُ مِنَ النَّفْسِ لَوْ أَنَّكَ دَفَنْتَهَا * إِذَا لَيْلَةٌ أَضْحَتْ وَغَارَتْ نُجُومُهَا وَقَدْ سَمَّى الْبَغْدَادِيُّ هٰذَا النَّوْعَ : «الْإِخْلَالَ بِالْإِفَادَةِ».
- أَدَاةُ التَّشْبِيهِ
الأَدَاةُ جَمْعُ أَدَوَاتٍ : الآلَةُ، يُقَالُ أَدَاةُ التَّعْبِيرِ فِي اللُّغَةِ، وَأَدَاةُ التَّشْبِيهِ فِي الْبَلَاغَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُشَارَكَةِ. وَقَدِ اعْتَبَرَ الْقُدَمَاءُ أَدَاةَ التَّشْبِيهِ أَسَاسًا فِي إِظْهَارِ صُوَرِ التَّشْبِيهِ، فَقَالَ سِيبَوَيْهِ عَنِ الْكَافِ ... أَيْنَهَا تُحْجَبُ عَنِ التَّشْبِيهِ ، وَمِثْلَهُ قَالَ الْمُرْتَضَى ، أَمَّا السُّكَّاكِيُّ فَسَمَّاهَا «كَلِمَةَ التَّشْبِيهِ»، غَيْرَ أَنَّ الْقَزْوِينِيَّ وَشُرَّاحَهُ خَلَّصُوهَا بِاسْمِهَا «أَدَاةَ التَّشْبِيهِ». وَعَلَى هٰذَا الْمَنْهَجِ سَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ. وَأَدَاةُ التَّشْبِيهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الأَوَّلُ: أَسْمَاءٌ، وَمِنْهَا: مِثْلٌ، وَشِبْهٌ، وَنَظِيرٌ، وَمِثَالٌ. الثَّانِي: أَفْعَالٌ، وَمِنْهَا: حَسِبَ، وَظَنَّ، وَجَعَلَ، وَشَبَّهَ، وَتَشَابَهَ، وَتَضَارَعَ. الثَّالِثُ: حَرْفَانِ، وَهُمَا: كَافُ التَّشْبِيهِ، وَكَأَنَّ. وَقَدْ تُحْذَفُ الأَدَاةُ فَيُسَمَّى التَّشْبِيهُ مُؤَكَّدًا، كَقَوْلِ الْمُتَنَبِّي: [الْوَافِر] بَنَتْ قَمَرًا وَسَالَتْ غُصْنَ بَيَانٍ * وَأَضْحَتْ غَزَالًا أَرْوَعَ غَزَالَا وَإِذَا ذُكِرَتْ أَدَاةُ التَّشْبِيهِ سُمِّيَ التَّشْبِيهُ مُرْسَلًا، كَقَوْلِ الْمُتَنَبِّي: [الْكَامِل] كَالشَّمْسِ مِنْ حَيْثُ السَّنَاءُ رَئِيفَةً * يُهْدِي إِلَى عَيْنَيْكَ نُورًا سَاطِعًا كَالشِّعْرِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَضَوْؤُهَا * يَسْعَى الْبِلادَ مَشَارِقًا وَمَغَارِبَا كَالسَّيْفِ يَخْطِفُ لِلْقَرِيبِ جَوَارِحًا * جُودًا وَيَتْرُكُ لِلْبَعِيدِ سَحَائِبًا وَالأَوَّلُ عِنْدَ الْبُلَاغِيِّينَ أَبْلَغُ لِأَنَّ الأَدَاةَ مَحْذُوفَةٌ.
- الإِدْمَاجُ
الإِدْمَاجُ لُغَةً: يُقَالُ: أَدْمَجَ الحُلِيَّ، أَيْ أَدْخَلَ بَعْضَهُ فِي بَعْضٍ، وَدَمَجَ الشَّيْءَ إِذَا دَخَلَ فِي الشَّيْءِ وَانْدَمَجَ فِيهِ. وَالْإِدْمَاجُ فِي الاصْطِلَاحِ: إِدْخَالُ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ، وَعَرَّفَهُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ بِقَوْلِهِ: «هُوَ أَنْ يُضَمَّنَ الْكَلَامُ مَعْنَيَيْنِ: مَعْنًى مُصَرَّحًا بِهِ، وَمَعْنًى كَالْمُشَارِ إِلَيْهِ»، وَسَمَّاهُ «الْمُضَاعَفَةَ»، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾(١). فَالْمَعْنَى الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الْكَلَامِ: أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَهْدِيَ مَنْ عَمِيَ عَنِ الآيَاتِ وَصَمَّ عَنِ التَّكْلِيمِ بِالْبَيِّنَاتِ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ صَرَفَ قَلْبَهُ عَنْهَا فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِسَمَاعِهَا وَرُؤْيَتِهَا. وَالْمَعْنَى الْمُشَارُ إِلَيْهِ: أَنَّهُ فَضَّلَ السَّمْعَ عَلَى الْبَصَرِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَعَ الصُّمِّ فِقْدَانَ الْعَقْلِ، وَمَعَ الْعُمْيِ فِقْدَانَ النَّظَرِ فَقَطْ. (١) سُورَةُ يُونُسَ، الآيَتَانِ (٤٢، ٤٣). وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ : [ الْبَسِيطُ ] قُمَّ إِذَا اسْتُنْبِهَ الْأَضْيَافُ كَأَنَّهُمُ * قَالُوا لِأُمِّهِمُ بَرِّي عَلَى النَّارِ فَأَخْبَرَ عَنْ إِطْفَاءِ النَّارِ إِعْلَانًا بِهِ عَلَى جَهْلِهِمْ، وَأَشَارَ إِلَى مَهَانَتِهِمْ وَمَهَانَةِ أَهْلِهِمْ عِنْدَهُمْ. وَقَدْ عَقَدَ الْبَلَاغِيُّونَ بَابًا بِاسْمِ «الْإِدْمَاجِ»، وَعَدَّهُ ابْنُ رَشِيقٍ مِنَ الِاسْتِطْرَادِ، وَقَالَ : وَمِنَ الِاسْتِطْرَادِ نَوْعٌ يُسَمَّى الْإِدْمَاجَ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ طَاهِرٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ حِينَ وُزِّرَ لِلْمُعْتَضِدِ فَأَضْحَى رِقَّةُ حَالِهِ مَعَ دُعَائِهِ لَهُمْ : [ الطَّوِيلُ ] أَبَى الدَّهْرُ إِلَّا أَنْ يُسَاعِفَنَا فِي نُفُوسِنَا * وَاسْتَعْبَدَتْنَا فَمَنْ نُحِبُّ وَنُكْرِمُ فَقُلْتُ لَهُ : نِعْمَتْكَ فِيهِمْ أَيُّهَا * وَدَعْ أَمِيرَكَ، إِنَّ الْمُهِمَّ الْمُقَدَّمَ وَعَقَدَ لَهُ ابْنُ مُنْقِذٍ بَابًا مُسْتَقِلًّا سَمَّاهُ بَابَ «التَّعْلِيلِ وَالْإِدْمَاجِ»، وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ : «إِنَّ صِيغَةَ ذٰلِكَ هُوَ أَنْ يُعَلِّقَ صَاحِبًا يَمْدَحُ، وَهُوَ يَجْرِي بِمَعْنًى يَجْرِي بِمَعْنًى»، وَمِثْلُهُ يَقُولُ الْمُتَنَبِّي فِيمَا أَلْفَى بِهِ كُتُبَ الرُّسُلِ فِيمَا أَتَوْا بِهِ * كَأَنَّهُمْ فِيهَا وَفِيمَا جَاؤُوا بِهِ سُفَرَاءُ وَأَضَافَ : «أَنْ يُدْخِلَ الْكَاتِبُ فِي بَلَاغَتِهِ أَنْ يَقْصِدَ شَيْئًا وَيُلَفِّتَ مَعَهُ غَيْرَهُ». بَيْنَمَا ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ فَرَّقَ بَيْنَ هٰذَيْنِ الْفَنَّيْنِ، فَقَالَ : «وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيلِ وَالْإِدْمَاجِ أَنَّ التَّعْلِيلَ يُصَرِّحُ فِيهِ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْمَقْصُودَيْنِ عَلَى سَوَاءِ أَحَدِهِمَا وَالْآخَرِ، وَالْإِدْمَاجَ يُضَمَّنُ فِيهِ مَعْنًى غَيْرَ مَقْصُودٍ قَدْ أُدْمِجَ فِيهِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ»، وَعَرَّفَ الْإِدْمَاجَ بِقَوْلِهِ : «هُوَ أَنْ يُدْمِجَ الْمُتَكَلِّمُ غَرَضًا لَهُ فِي ضِمْنِ مَعْنًى قَدْ سَاقَ جُمْلَةَ الْكَلَامِ لِأَجْلِهِ، لِيُوهِمَ السَّامِعَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ، وَإِنَّمَا عَرَضَ فِي كَلَامِهِ لِمُنَاسَبَةِ مَعْنَى الْكَلَامِ الَّذِي قَصَدَ إِلَيْهِ»، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾(١)، فَإِنَّ هٰذِهِ الْجُمْلَةَ أُدْمِجَ فِيهَا الْمُبَالَغَةُ فِي الْحَمْدِ ضِمْنَ الْمُطَابَقَةِ، إِذْ أَفْرَدَ نَفْسَهُ - سُبْحَانَهُ - بِالْحَمْدِ، حَيْثُ لَا يُحْمَدُ سِوَاهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ أَحَدِهِمْ : [ الطَّوِيلُ ] رَأَى النَّاسَ فَوْقَ الْمَجْدِ مِجْدَكُمُ * فَنَقْدَ سَأَلْتُكُمْ فَوْقَ مَا كَانَ يُسْأَلُ وَمَا فَاتَكُمْ بَعْدُ فَإِنَّ كُلَّ آخِرٍ * أَوَّلُ (١) سُورَةُ الْقَصَصِ، آيَةٌ رَقْمُ (٧٠). وَبِمَا لِي حَقٌّ وَاجِبٌ نَصَرُ أَبِي * يَلْقَى الَّذِي قَدْ كُنْتُ أَمَّلْتُ فِيكُمْ إِلَيْكُمْ بِكُمْ فِي حَاجَتِي أَتَوَسَّلُ * وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَبْلُغْ بِكُمْ مَا أُؤَمِّلُ وَقَدْ قَسَّمَهُ ابْنُ مَالِكٍ قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ: يَتَضَمَّنُ التَّصْرِيحَ بِمَعْنًى مِنْ فَنٍّ كِنَايَةٍ عَنْ مَعْنًى مِنْ فَنٍّ آخَرَ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ نَبَاتَةَ السَّعْدِيِّ: [ الطَّوِيلُ ] وَلَا بُدَّ لِي مِنْ جَهْلَةٍ فِي وِصَالِهِ * فَمَنْ لِي بِخِلٍّ أَوْدَعَ السِّرَّ عِنْدَهُ فَأَدْمَجَ الْفَخْرَ فِي النَّزَلِ. الثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمُ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الْبَدِيعِ فَيَجِيءَ فِي ضِمْنِهِ نَوْعٌ آخَرُ، كَقَوْلِ بَعْضِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ: [ الأَوَافِرُ ] أَرَضِيتَ أَنْ تُصَاحِبَنِي نَغِيضًا * مُجَاهَدَةً وَتَجْلِسَ بِي قَعِيدًا جَمَلْتُ وَحَقَّكَ الْقَسَمَ الْجَبِيلَا الْبَيْتُ الثَّانِي الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّهُ أَدْمَجَ فِيهِ الْهَزْلَ فِي الْعِتَابِ مِنَ الْفُنُونِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْقَسَمِ مِنَ الْبَدِيعِ. وَنَهَجَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى هٰذَا التَّحْدِيدِ وَالتَّقْسِيمِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْإِدْمَاجَ أَعَمُّ مِنَ الِاسْتِتْبَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ كَلَامًا لِمَعْنًى آخَرَ، كَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ: [ الْوَافِرُ ] أَتُحْصِي فِيهِ أَجْفَانِي كَأَنِّي * أَعُدُّ بِهَا عَلَى الدَّهْرِ الذُّنُوبَا فَقَدْ ضَمَّنَ «وَصْفَ اللَّيْلِ بِالطُّولِ، الشَّكَايَةَ مِنَ الدَّهْرِ».