من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الإِدْمَاجُ
المعنى
الإِدْمَاجُ لُغَةً: يُقَالُ: أَدْمَجَ الحُلِيَّ، أَيْ أَدْخَلَ بَعْضَهُ فِي بَعْضٍ، وَدَمَجَ الشَّيْءَ إِذَا دَخَلَ فِي الشَّيْءِ وَانْدَمَجَ فِيهِ.
وَالْإِدْمَاجُ فِي الاصْطِلَاحِ: إِدْخَالُ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ، وَعَرَّفَهُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ بِقَوْلِهِ: «هُوَ أَنْ يُضَمَّنَ الْكَلَامُ مَعْنَيَيْنِ: مَعْنًى مُصَرَّحًا بِهِ، وَمَعْنًى كَالْمُشَارِ إِلَيْهِ»، وَسَمَّاهُ «الْمُضَاعَفَةَ»، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾(١).
فَالْمَعْنَى الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الْكَلَامِ: أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَهْدِيَ مَنْ عَمِيَ عَنِ الآيَاتِ وَصَمَّ عَنِ التَّكْلِيمِ بِالْبَيِّنَاتِ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ صَرَفَ قَلْبَهُ عَنْهَا فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِسَمَاعِهَا وَرُؤْيَتِهَا.
وَالْمَعْنَى الْمُشَارُ إِلَيْهِ: أَنَّهُ فَضَّلَ السَّمْعَ عَلَى الْبَصَرِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَعَ الصُّمِّ فِقْدَانَ الْعَقْلِ، وَمَعَ الْعُمْيِ فِقْدَانَ النَّظَرِ فَقَطْ.
(١) سُورَةُ يُونُسَ، الآيَتَانِ (٤٢، ٤٣). وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ : [ الْبَسِيطُ ]
قُمَّ إِذَا اسْتُنْبِهَ الْأَضْيَافُ كَأَنَّهُمُ * قَالُوا لِأُمِّهِمُ بَرِّي عَلَى النَّارِ
فَأَخْبَرَ عَنْ إِطْفَاءِ النَّارِ إِعْلَانًا بِهِ عَلَى جَهْلِهِمْ، وَأَشَارَ إِلَى مَهَانَتِهِمْ وَمَهَانَةِ أَهْلِهِمْ عِنْدَهُمْ.
وَقَدْ عَقَدَ الْبَلَاغِيُّونَ بَابًا بِاسْمِ «الْإِدْمَاجِ»، وَعَدَّهُ ابْنُ رَشِيقٍ مِنَ الِاسْتِطْرَادِ، وَقَالَ : وَمِنَ الِاسْتِطْرَادِ نَوْعٌ يُسَمَّى الْإِدْمَاجَ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ طَاهِرٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ حِينَ وُزِّرَ لِلْمُعْتَضِدِ فَأَضْحَى رِقَّةُ حَالِهِ مَعَ دُعَائِهِ لَهُمْ : [ الطَّوِيلُ ]
أَبَى الدَّهْرُ إِلَّا أَنْ يُسَاعِفَنَا فِي نُفُوسِنَا * وَاسْتَعْبَدَتْنَا فَمَنْ نُحِبُّ وَنُكْرِمُ
فَقُلْتُ لَهُ : نِعْمَتْكَ فِيهِمْ أَيُّهَا * وَدَعْ أَمِيرَكَ، إِنَّ الْمُهِمَّ الْمُقَدَّمَ
وَعَقَدَ لَهُ ابْنُ مُنْقِذٍ بَابًا مُسْتَقِلًّا سَمَّاهُ بَابَ «التَّعْلِيلِ وَالْإِدْمَاجِ»، وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ : «إِنَّ صِيغَةَ ذٰلِكَ هُوَ أَنْ يُعَلِّقَ صَاحِبًا يَمْدَحُ، وَهُوَ يَجْرِي بِمَعْنًى يَجْرِي بِمَعْنًى»، وَمِثْلُهُ يَقُولُ الْمُتَنَبِّي فِيمَا أَلْفَى بِهِ كُتُبَ الرُّسُلِ فِيمَا أَتَوْا بِهِ * كَأَنَّهُمْ فِيهَا وَفِيمَا جَاؤُوا بِهِ سُفَرَاءُ
وَأَضَافَ : «أَنْ يُدْخِلَ الْكَاتِبُ فِي بَلَاغَتِهِ أَنْ يَقْصِدَ شَيْئًا وَيُلَفِّتَ مَعَهُ غَيْرَهُ». بَيْنَمَا ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ فَرَّقَ بَيْنَ هٰذَيْنِ الْفَنَّيْنِ، فَقَالَ : «وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيلِ وَالْإِدْمَاجِ أَنَّ التَّعْلِيلَ يُصَرِّحُ فِيهِ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْمَقْصُودَيْنِ عَلَى سَوَاءِ أَحَدِهِمَا وَالْآخَرِ، وَالْإِدْمَاجَ يُضَمَّنُ فِيهِ مَعْنًى غَيْرَ مَقْصُودٍ قَدْ أُدْمِجَ فِيهِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ»، وَعَرَّفَ الْإِدْمَاجَ بِقَوْلِهِ : «هُوَ أَنْ يُدْمِجَ الْمُتَكَلِّمُ غَرَضًا لَهُ فِي ضِمْنِ مَعْنًى قَدْ سَاقَ جُمْلَةَ الْكَلَامِ لِأَجْلِهِ، لِيُوهِمَ السَّامِعَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ، وَإِنَّمَا عَرَضَ فِي كَلَامِهِ لِمُنَاسَبَةِ مَعْنَى الْكَلَامِ الَّذِي قَصَدَ إِلَيْهِ»، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾(١)، فَإِنَّ هٰذِهِ الْجُمْلَةَ أُدْمِجَ فِيهَا الْمُبَالَغَةُ فِي الْحَمْدِ ضِمْنَ الْمُطَابَقَةِ، إِذْ أَفْرَدَ نَفْسَهُ - سُبْحَانَهُ - بِالْحَمْدِ، حَيْثُ لَا يُحْمَدُ سِوَاهُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ أَحَدِهِمْ : [ الطَّوِيلُ ]
رَأَى النَّاسَ فَوْقَ الْمَجْدِ مِجْدَكُمُ * فَنَقْدَ سَأَلْتُكُمْ فَوْقَ مَا كَانَ يُسْأَلُ
وَمَا فَاتَكُمْ بَعْدُ فَإِنَّ كُلَّ آخِرٍ * أَوَّلُ
(١) سُورَةُ الْقَصَصِ، آيَةٌ رَقْمُ (٧٠). وَبِمَا لِي حَقٌّ وَاجِبٌ نَصَرُ أَبِي * يَلْقَى الَّذِي قَدْ كُنْتُ أَمَّلْتُ فِيكُمْ
إِلَيْكُمْ بِكُمْ فِي حَاجَتِي أَتَوَسَّلُ * وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَبْلُغْ بِكُمْ مَا أُؤَمِّلُ
وَقَدْ قَسَّمَهُ ابْنُ مَالِكٍ قِسْمَيْنِ:
الْأَوَّلُ: يَتَضَمَّنُ التَّصْرِيحَ بِمَعْنًى مِنْ فَنٍّ كِنَايَةٍ عَنْ مَعْنًى مِنْ فَنٍّ آخَرَ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ نَبَاتَةَ السَّعْدِيِّ: [ الطَّوِيلُ ]
وَلَا بُدَّ لِي مِنْ جَهْلَةٍ فِي وِصَالِهِ * فَمَنْ لِي بِخِلٍّ أَوْدَعَ السِّرَّ عِنْدَهُ
فَأَدْمَجَ الْفَخْرَ فِي النَّزَلِ.
الثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمُ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الْبَدِيعِ فَيَجِيءَ فِي ضِمْنِهِ نَوْعٌ آخَرُ، كَقَوْلِ بَعْضِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ: [ الأَوَافِرُ ]
أَرَضِيتَ أَنْ تُصَاحِبَنِي نَغِيضًا * مُجَاهَدَةً وَتَجْلِسَ بِي قَعِيدًا
جَمَلْتُ وَحَقَّكَ الْقَسَمَ الْجَبِيلَا
الْبَيْتُ الثَّانِي الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّهُ أَدْمَجَ فِيهِ الْهَزْلَ فِي الْعِتَابِ مِنَ الْفُنُونِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْقَسَمِ مِنَ الْبَدِيعِ.
وَنَهَجَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى هٰذَا التَّحْدِيدِ وَالتَّقْسِيمِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْإِدْمَاجَ أَعَمُّ مِنَ الِاسْتِتْبَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ كَلَامًا لِمَعْنًى آخَرَ، كَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ: [ الْوَافِرُ ]
أَتُحْصِي فِيهِ أَجْفَانِي كَأَنِّي * أَعُدُّ بِهَا عَلَى الدَّهْرِ الذُّنُوبَا
فَقَدْ ضَمَّنَ «وَصْفَ اللَّيْلِ بِالطُّولِ، الشَّكَايَةَ مِنَ الدَّهْرِ».
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.