المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
يقع كتاب المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني ضمن نطاق تخصص علوم اللغة ووثيق الصلة بالفروع الأخرى مثل الشعر، والقواعد النحوية، والصرف، والأدب، والبلاغة، والآداب العربية. تأليف إنعام فوال عكاوي
الجذور
- الإِذَالَةُ
رَاجِعِ التَّذْيِيلِ.
- الِانْفِضَاحُ
الِانْفِضَاحُ قِيلَ إِنَّهَا لَكْنَةٌ رُومِيَّةٌ أَوْ حَبَشِيَّةٌ أَوْ فَارِسِيَّةٌ، وَكَانَ عَبْدُ بَنِي الْمُحَصَّصِ يَنْفَضِحُ لَكْنَةً حَبَشِيَّةً، وَقَالَ يَوْمًا: «مَا سَتَرْتَ»، يُرِيدُ: «مَا شَعَرْتَ»، حَيْثُ قَلَبَ الشِّينَ سِينًا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ يَنْفَضِحُ لَكْنَةً فَارِسِيَّةً فَقَالَ يَوْمًا: «أَمْرٌ أَفْرُورِي مِنْ هٰذَا الْيَوْمِ»، يُرِيدُ: «اُخْرُجِي»، حَيْثُ قَلَبَ الْحَاءَ هَاءً، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ: [ الطَّوِيلُ ] فَتىً زَادَهُ السُّلْطَانُ فِي السَّبْحِ رَغْبَةً إِذَا غَبَرَ السُّلْطَانُ كُلَّ خَلِيلِ يُرِيدُ «السُّلْطَانَ»، وَذٰلِكَ أَنْ بَيْنَ السَّبْحِ، وَاللِّقَاءِ نَسَبًا، فَلِذٰلِكَ قُلِبَتْ قَافُهَا بَاءً لِأَنَّ الْبَاءَ مِنْ مَخْرَجِ الطَّاءِ، فَقَالَ: «السُّلْطَانُ».
- الِارْتِفَادُ
الِارْتِفَادُ الْكِسْبُ، يُقَالُ: ارْتَفَدَ الْمَالَ اكْتَسَبَهُ. أَشَارَ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ إِلَى الِارْتِفَادِ فِي بَابِ «الْحَشْوِ وَفُضُولِ الْكَلَامِ». وَقَالَ ابْنُ رَشِيقٍ مُعَلِّقًا عَلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ: [ الطَّوِيلُ ] وَنَزْوٍ يُقَلِّبُ فِي حَوَادِثِ الدَّهْرِ نَفْسَهُ لَعَلَّنَا عَلَى التَّحْقِيقِ نَحْنُ نُذَادُهُ فَقَوْلُهُ «عَلَى التَّحْقِيقِ» حَشْوٌ مَلِيحٌ فِيهِ زِيَادَةٌ فَائِدَةً، وَسَمَّاهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ارْتِفَادًا، وَمِثْلُ لَهُ يَقُولُ قَيْسُ بْنُ الْمُعَتِّمِ: [ الْمَجْزُوءُ ] وَقَضَى اللَّهُ حَقًّا جَزَى صُورَهَا الْخِنَا لِئَلَّا أَنْ لَا يَكْسِبَ سُحْتًا وَالِارْتِفَادُ هُوَ قَوْلُ الشَّاعِرِ «صُورَهَا الْخِنَا» لِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ تَقَدَّمَ.
- الِارْتِقَاءُ
الِارْتِقَاءُ: هُوَ الِانْتِقَالُ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى فِي الْوَجْهِ الْمُرَادِ، يُقَالُ: لَا يَرْتَقِي إِلَى مَنْزِلَةِ الْوَزِيرِ وَلَا السُّلْطَانِ.
- الْإِرْدَافُ
الْإِرْدَافُ مِنْ أَرْدَفْتُ، يُقَالُ: أَرْدَفْتُهُ، أَيْ حَمَلْتُهُ خَلْفِي عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، فَهُوَ رَدِيفِي، وَرِدْفِي. بَحَثَ الْمُتَقَدِّمُونَ كَابْنِ قُتَيْبَةَ وَابْنِ الْمُعْتَزِّ عَنْ هٰذَا الْفَرْعِ «الْإِرْدَافِ» فِي بَابِ «الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ»، وَمَثَّلُوا لَهُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعُمَرَ وَالْمُقْبِلُ وَمَعَهُ كِيسٌ لَهُ: «أَحْمِلُهُ؟» فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا أَنَا فَيَكْفِينِي فِعْلَانِ. إِلَّا أَنَّ قِدَامَةَ فَرَّعَهُ مِنْ بَابِ اشْتِبَاهِ اللَّفْظِ مَعَ الْمَعْنَى. وَسَمَّاهُ هٰذِهِ التَّسْمِيَةَ، وَقَالَ عَنْهُ: «هُوَ أَنْ يُرِيدَ الشَّاعِرُ دَلَالَةً عَلَى مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي فَلَا يَأْتِيَ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى ذٰلِكَ الْمَعْنَى، بَلْ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى هُوَ رَدِيفُهُ وَتَابِعٌ لَهُ، فَإِذَا دَلَّ عَلَى التَّابِعِ أَبَانَ عَنِ الْمَتْبُوعِ». وَلٰكِنِ الْبَلَاغِيُّونَ نَهَجُوا مَنْهَجَ قُدَامَةَ، فَعَرَّفَهُ الْعَسْكَرِيُّ بِقَوْلِهِ: «الْإِرْدَافُ وَالتَّابِعُ أَنْ يُرِيدَ الْمُتَكَلِّمُ الدَّلَالَةَ عَلَى مَعْنًى، فَيَتْرُكَ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَيْهِ الْخَاصَّ بِهِ، وَيَأْتِيَ بِلَفْظٍ هُوَ رِدْفُهُ وَتَابِعٌ لَهُ، فَيَجْعَلَهُ عِبَارَةً عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ»، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾(١)، وَقُصُورُ الطَّرْفِ فِي الْأَصْلِ مَوْضُوعُهُ الْمُبَالَغَةُ عَلَى جِهَةِ التَّنَازُعِ وَالْإِرَادَةِ، وَذٰلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا عَظُمَتْ عِفَّتُهَا قَصَرَتْ طَرْفَهَا عَلَى زَوْجِهَا، فَكَانَ قُصُورُ الطَّرْفِ دَالًّا لِلْعِفَافِ وَدَفْعًا لِلْعِفَافِ وَالْمُتَلَفِّتِ رِدْفًا تَابِعًا لِقُصُورِ الطَّرْفِ. أَمَّا ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ فَقَدْ سَمَّاهُ «التَّشْبِيهَ» وَقَالَ: «وَمِنْ أَنْوَاعِ الْإِشَارَةِ التَّشْبِيهُ، وَقَوْمٌ يُسَمُّونَهُ الِاتِّبَاعَ، وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ الشَّاعِرُ ذِكْرَ الشَّيْءِ فَيَجْتَهِدَ فَيَذْكُرَ مَا يُنْبِئُ فِي الصِّفَةِ وَيُنِيبُ عَنْهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ». وَمِنْ أَوَّلِ الشُّعَرَاءِ تَمْثِيلًا لِذٰلِكَ امْرُؤُ الْقَيْسِ يَصِفُ امْرَأَةً: [ الطَّوِيلُ ] وَتُضْحِي ثِيَابُ الْمِسْكِ فَوْقَ فِرَاشِهَا نُؤُومُ الضُّحَى لَمْ تَنْطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ فَقَوْلُهُ: «تُضْحِي ثِيَابُ الْمِسْكِ» تَتْبِيعٌ، وَقَوْلُهُ: «نُؤُومُ الضُّحَى» تَتْبِيعٌ آخَرُ، وَقَوْلُهُ: «لَمْ تَنْطِقْ عَنْ تَفَضُّلٍ» تَتْبِيعٌ ثَالِثٌ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَصِفَهَا بِالْعِفَّةِ وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ فِي الْخِدْمَةِ، فَأَتَى مَعْرِفَةً مَكِينًا مَدْوَّنًا نَجَحَ بِمَا يُنْبِئُ عَمَّا يَنْبِعُ الصِّفَةَ وَيَدُلُّ عَلَيْهَا فَكَانَ أَفْضَلَ دَلَالَةً. غَيْرَ أَنَّ ابْنَ سِنَانَ سَمَّاهُ «الْإِرْدَافَ وَالتَّبْعَ» وَقَالَ: «وَمِنْ نَوْعِ الْإِبَانَةِ وَالْفَصَاحَةِ أَنْ تُرَادَ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَعْنَى، فَلَا يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ الْخَاصُّ الْمَوْضُوعُ لَهُ فِي اللُّغَةِ، بَلْ يُؤْتَى بِلَفْظٍ يُبَيِّنُ ذٰلِكَ الْمَعْنَى ضَرُورَةً، فَيَكُونَ فِي ذِكْرِ التَّابِعِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمَتْبُوعِ، وَهٰذَا يُسَمَّى الْإِرْدَافَ وَالتَّبْعَ؛ لِأَنَّهُ يُؤْتَى فِيهِ بِلَفْظٍ هُوَ رِدْفُ اللَّفْظِ الْمَخْصُوصِ لِذٰلِكَ الْمَعْنَى وَتَابِعُهُ». وَكَذٰلِكَ الْبِيرُوتِيُّ سَمَّاهُ «الْإِرْدَافَ» وَقَالَ: «هُوَ أَنْ يُرِيدَ الشَّاعِرُ دَلَالَةً عَلَى مَعْنًى فَلَا يَأْتِيَ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ بَلْ بِلَفْظٍ هُوَ تَابِعٌ لَهُ»، وَأَخَذَ عَنْهُ الْبَغْدَادِيُّ هٰذَا التَّعْرِيفَ كَمَا أَخَذَهُ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرَ، وَمِثَالُهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ: [ الطَّوِيلُ ] أَسِيلَةُ مَجْرَى الدَّمْعِ أَمَّا رَشَاشُهَا فَجَارٍ وَأَمَّا الْجَفْنُ مِنْهَا فَمَا يَجْرِي (١) سُورَةُ الرَّحْمٰنِ، آيَةٌ رَقْمُ (٥٦). وَاعْتَبَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ الْقِسْمَ الثَّانِيَ مِنَ الْكِنَايَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ هٰذِهِ تَسْمِيَةٌ قَدَّمَاهُ، ثُمَّ قَالَ: «هُوَ أَنْ تُرَادَ الْإِشَارَةُ إِلَى مَعْنًى، فَيُتْرَكَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ وَيُؤْتَى بِمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ مُرَافِقٌ لَهُ»، وَفَرَّعَهُ إِلَى خَمْسَةِ فُرُوعٍ: الْأَوَّلُ: فِعْلُ الْمُجَازَفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾(١)، فَإِنَّ الْمُرَادَ لَمَّا جَاءَهُ، يَعْنِي أَنَّهُ ضَعِيفُ الْعَقْلِ، وَقَدْ عَدَلَ عَنْ هٰذِهِ الْعِبَارَةِ الصَّرِيحَةِ بِقَوْلِهِ: «لَمَّا جَاءَهُ»، وَذٰلِكَ آكَدُ وَأَبْلَغُ فِي هٰذَا الْبَابِ. الثَّانِي: بَابُ مَا مَثَّلَ بِهِ كُفْرُ الْإِنْسَانِ إِذَا نَسَبَ الْقَوْلَ إِلَى غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: «مَا سَرَقَ أَبَدًا»، أَيْ: أَنَا لَا أَسْرِقُ، فَمِثْلُ ذٰلِكَ مِنْ مِثْلِهِ وَهُوَ يُرِيدُ نَفْيَهُ عَنْ نَفْسِهِ قَصْدًا لِلْمُبَالَغَةِ، فَسَلَكَ بِهِ طَرِيقَ الْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَفَاهُ عَمَّنْ يُشَابِهُهُ أَوْ يُسَاوِيهِ فَقَدْ نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ لَا مَحَالَةَ. الثَّالِثُ: هُوَ مَا يَأْتِي فِي جَوَابِ الشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ فَهٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾(٢)، حِينَ يَقُولُ: «فَهٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ»، مِنْ جِزْلَانِ قَوْلِهِمْ، وَكَذِبِهِمْ فِيمَا ادَّعَوْهُ، وَذٰلِكَ أَرْدَفَ لَهُ. الرَّابِعُ: الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾(٣)، وَالْمَعْنَى: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الضَّرِيعَ لَيْسَ بِطَعَامِ الْبَهَائِمِ فَضْلًا عَنِ الْإِنْسَانِ، وَمِثَالُ ذٰلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: [ الْكَامِلُ ] وَتَقَرَّبُوا بِالْمَكْرُمَاتِ فَلَمْ يَكُنْ لِسِوَاهُمْ مِنْهَا سِوَى الْحِرْمَانِ وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْمَكْرُمَاتِ عَنْ سِوَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُمُ الْحِرْمَانُ مِنَ الْمَكْرُمَاتِ فَمَا بَقِيَ لَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ الْبَتَّةَ. الْخَامِسُ: لَيْسَ مِمَّا تَقَدَّمَ شَيْءٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾(٤)، وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنْ هٰذَا الْكَلَامِ أَنَّكَ أَخْطَأْتَ، وَقَوْلُهُ: «لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ» بَيَانٌ لِمَا كُنْتَ عَنْهُ. (١) سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ، آيَةٌ رَقْمُ (٦٨). (٢) سُورَةُ الرُّومِ، آيَةٌ رَقْمُ (٥٦). (٣) سُورَةُ الْغَاشِيَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٦). (٤) سُورَةُ التَّوْبَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٣). بِالْعَفْوِ، أَيْ مَا لَكَ آذَنْتَ لَهُمْ وَهَلِ اسْتَثْبَتَّ؟ فَذِكْرُ الْعَفْوِ دَلِيلٌ عَلَى الْأَدَبِ وَرَافِقُهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ كُبَيْرٍ: [ الطَّوِيلُ ] وَدِدْتُ وَمَا تَشْتَهِي الْوِدَادَةُ أَنَّنِي ... بِمَا فِي ضَمِيرِ الصَّاحِبِيَّةِ عَالِمُ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا أَسْرِيهِ وَأَعْلَمُهُ ... وَإِنْ كَانَ شَرًّا لَمْ تُلِمْنِي اللَّوَائِمُ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ قَوْلِهِ «لَمْ تُلِمْنِي» أَنِّي أَهْجُرُهَا فَأَضْرِبُ عَنْ ذٰلِكَ جَانِبًا، وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّفْظَ الْمُخْتَصَّ بِهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَمُرَادِفٌ لَهُ. أَمَّا الْمِصْرِيُّ فَقَدْ نَقَلَ تَعْرِيفَ قُدَامَةَ بْنِ جَعْفَرَ وَبَعْضَ أَمْثِلَتِهِ. وَفَرَّقَ الْمِصْرِيُّ بَيْنَ الْإِرْدَافِ وَالْكِتَابَةِ، وَقَالَ: الْكِتَابَةُ هِيَ الْإِرْدَافُ، يُعْنَى عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْبَدِيعِ كَابْنِ الْمُعْتَزِّ وَالْحَاتِمِيِّ وَالْوَطْوَاطِ فَقَالُوا: إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، وَالْإِرْدَافُ هُوَ أَنْ يُرِيدَ الْمُتَكَلِّمُ مَعْنًى فَلَا يَذْكُرَهُ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ بِاللُّغَةِ، وَلَكِنْ يَجْزِئُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَعْنًى هُوَ رِدْفُهُ وَتَابِعُهُ فِي الْوُجُودِ. وَمِثْلُهُ الْمِدْرِبِي يُقُولُ لِبَنِي الْأَصْبَهَانِ: [ الْكَامِلُ ] وَمُخَرِّقٍ عَنْهُ الشَّخْصَ تَخَلَّلَتْ ... وَسَطَ الْبُيُوتِ مِنَ الْحَيَاءِ سَقِيمَا كَأَنَّ الْإِفْرَاطَ فِي الْجُودِ يُحْرِقُ الْقَمِيصَ لِجَنْبِ الْفَتَى لِعِنْدَ ازْدِحَامِهِمْ عَلَيْهِ لِأَخْذِ الْعَطَايَا، وَأَمَّا مَا يَسْتُرُهُ الْكَرَمُ فَالْحَيَاءُ الشَّدِيدُ، الَّذِي كَانَ مِنْ إِبَائِهِ عَنْ هٰذَا الْمَوْصُوفِ وَازْدَادُهُ عَنْهُ صَعْبًا. وَكَذٰلِكَ فَرَّقَ السُّرُوطِيُّ بَيْنَ «الْكِنَايَةِ وَالْإِرْدَافِ» بِقَوْلِهِ: يَقُولُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكِنَايَةِ وَالْإِرْدَافِ أَنَّ الْكِنَايَةَ انْتِقَالٌ مِنْ لَازِمٍ إِلَى مَلْزُومٍ، وَالْإِرْدَافُ مِنْ مَذْكُورٍ إِلَى مَتْرُوكٍ، كَقَوْلِ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: [ الطَّوِيلُ ] يَبْسِمْ مُهَوَّى الشَّرْطِ إِمَّا يَسْتَفِيلُ ... أَرْبُهَا وَإِمَّا عَيْبُ شَمْسٍ وَهَاشِمُ أَرَادَ أَنْ يَصِفَ طُولَ الْجِيدِ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ بِلَفْظِهِ الْخَاصِّ، بَلْ أَتَى بِمَعْنًى هُوَ تَابِعٌ لِطُولِ الْجِيدِ وَهُوَ بَعْدَ مَهْوَى الْقَرْطِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَكَمِ الْخُضَرِيِّ: [ الْكَامِلُ ] قَدْ كَانَ يَعْجِبُنِي بِفَضْلِ سِرَاعَتِي ... حَتَّى سَبَقْنِي تَسْتَحِي وَسُتْحَانِي أَرَادَ الْحُكْمُ وَصْفَ الْكِبَرِ وَالسِّنِّ، فَلَمْ يَأْتِ بِاللَّفْظِ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنَّهُ أَتَى بِمَا يُلازِمُهُ، وَهُوَ الشَّيْخُوخَةُ وَالتَّشْيُّخُ.
- إِرْسَالُ الْمَثَلِ
الإِرْسَالُ من رَسَلَ رِسَالَةً . كانَ سَهْلُ السِّرِّ يُقالُ : أَفْصَحُ الْكَلَامِ عَلَى أَرْسَلِهِ . عَرَّفَهُ الحَمَّوِيُّ بقوله : إِرْسَالُ الْمَثَلِ نَوْعٌ لَطِيفٌ مِنَ الْبَدِيعِ في الْبَدِيعِ وَلَمْ يَنْظِمْهُ في بَدِيعِهِ غَيْرُ الشَّيْخِ صَفِيِّ الدِّينِ . وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ الشَّاعِرُ في بَعْضِ بَيْتٍ بِمَا يَجْرِي مَجْرَى الْمَثَلِ مِنْ حِكْمَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُحْسَنُ التَّمْثِيلُ بِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾ (١) . وَكَقَوْلِ الشَّيْخِ صَفِيِّ الدِّينِ في بَدِيعِيَّتِهِ : [ البسيط ] رَحِمْتُكُمْ نَصَحَاءَ في الشَّدَائِدِ لي لِضَعْفِ رَأْيِي وَاسْتَضَمْتُ ذَا وَرَمِ فَقَوْلُهُ : « اسْتَضَمْتُ ذَا وَرَمٍ » مِنَ الأَمْثَالِ السَّائِرَةِ . وَكَقَوْلِ ابْنِ حِجَّةَ الحَمَّوِيِّ في بَدِيعِيَّتِهِ : [ البسيط ] وَكَمْ تَشَكَّكْتُ إِذْ أَخَذُوا شُعُورَهُمُ وَقُلْتُ يَا سَائِلِي خَلُّوا الرَّفْضَ في الظُّلَمِ فَالتَّشْبِيهُ في الظُّلَمِ مِنَ الأَمْثَالِ السَّائِرَةِ ، وَلٰكِنْ قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ لَهُمْ بَعْدَ إِزَاحَةِ الْمَشْهُورِ « خَلُّوا الرَّفْضَ في الظُّلَمِ » لَا يَخْفَى عَلَى الْحَاذِقِينَ مِنْ أَهْلِ الأَدَبِ . وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُتَنَبِّي في قَصِيدَةٍ ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرُوا أَنَّهُ ادَّعَى فِيهَا النُّبُوَّةَ : [ الطويل ] وَمَنْ تَكُنِ الْحَرَا عَلَى الْحَرَا أَنِيسُهُ يُرَى عَدُوًّا لَهُ مَا مَنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ وَمِنْهُ قَوْلُ بَشَّارِ بْنِ بُرْدٍ : [ البسيط ] مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحَاجَتِهِ وَفَازَ بِاللَّذَّاتِ الْفَاتِكُ اللَّهِجُ وَقَوْلُهُ : « مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحَاجَتِهِ » مِنَ الأَمْثَالِ السَّائِرَةِ . وَسَمَّاهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَات « ضَرْبَ الْمَثَلِ » ، وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ : « هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الشَّاعِرُ في بَعْضِ الْبَيْتِ بِمَا يَجْرِي مَجْرَى الْمَثَلِ السَّائِرِ ، أَوْ جُمْلَةٍ أَوْ شِبْهِ جُمْلَةٍ ، أَوْ نَحْوِ ذٰلِكَ مِمَّا يُحْسَنُ التَّمْثِيلُ بِهِ » . وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ في هٰذَا الْفَنِّ ، قَوْلُ الْمُتَنَبِّي : [ الطويل ] إِذَا اقْتَصَّ الأَقْوَامُ مَا بَيْنَ أَهْلِهِمُ مُصَابٌ فُؤَادِي عِنْدَ فُرْقَاهُمْ فُؤَادِي (١) سُورَةُ النَّمْلِ ، آيَةٌ رَقْمُ (٨٨) . فَقَوْلُهُ : « مَصَابِيحُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَاقِدُ » ، مِنَ الْأَمْثَالِ الشَّائِعَةِ بَيْنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ .
- إِرْسَالُ الْمِثْلَيْنِ
إِرْسَالُ الْمِثْلَيْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ الثَّعَالِبِيُّ وَلَمْ يَعْرِفْهُ ، وَلٰكِنْ عَرَّفَهُ الرَّضَاوِيُّ بِقَوْلِهِ : وَتَكُونُ هٰذِهِ الصِّفَةُ بِأَنْ يَذْكُرَ الشَّاعِرُ مَثَلَيْنِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِ لَبِيدٍ : [ الطويل ] أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ فَقَوْلُهُ فِي صَدْرِ الْبَيْتِ مَثَلٌ أَوَّلُ ، وَفِي عَجُزِهِ مَثَلٌ ثَانٍ ، فَاجْتَمَعَ الْمَثَلَانِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ . وَبِالنِّسْبَةِ لِهٰذَا الْجَمْعِ قَالَ الرَّازِيُّ : « هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ » . وَمِنْ شَوَاهِدِ هٰذَا الْفَنِّ ، قَوْلُ أَبِي فِرَاسٍ الْحَمْدَانِيِّ : [ الطويل ] وَمَنْ لَمْ يُسْبِقِ اللَّهُ فَهْوَ مُضْطَرِحٌ وَمَنْ لَمْ يُجِزْهُ اللَّهُ فَهْوُ ذَلِيلُ وَمِنْ قَوْلِ الْمُتَنَبِّي فِي إِرْسَالِ الْمِثْلَيْنِ : [ الطويل ] أَغَرُّ مَكَانٍ فِي النَّدَى سَرْجُ سَابِحٍ وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الأَنَامِ كِتَابُ وَقَدْ نَقَلَ الْحَلَبِيُّ وَالْبِيرُوتِيُّ تَعْرِيفَ الرَّازِيِّ . وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُتَنَبِّي : [ الطويل ] وَكُلُّ امْرِئٍ يُولِي الْجَمِيلَ مُحَبَّبٌ وَكُلُّ مَكَانٍ يُنْبِتُ الْعِزَّ طَيِّبُ فَقَوْلُهُ : « كُلُّ امْرِئٍ يُولِي الْجَمِيلَ مُحَبَّبٌ » مِنَ الأَمْثَالِ السَّائِرَةِ ، وَقَوْلُهُ : « كُلُّ مَكَانٍ يُنْبِتُ الْعِزَّ طَيِّبٌ » مَثَلٌ آخَرُ ، فَاجْتَمَعَ مَثَلَانِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مِنَ الشِّعْرِ .
- الإِرْصَادُ
الإِرْصَادُ : الِانْتِظَارُ وَالإِعْدَادُ ، وَقِيلَ : أَرْصَدْتُهُ إِذَا قَعَدْتَ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ أَتَرَقَّبُهُ . وَالإِرْصَادُ : هُوَ أَنْ يُجْعَلَ قَبْلَ الْعَجُزِ مِنَ الْفَقْرَةِ أَوِ الْبَيْتِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَجُزِ إِذَا عُرِفَ الرَّوِيُّ ، وَيُسَمَّى « التَّشْيِيمَ » ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الثَّوْبِ الْمُسَمَّى « الْمُشَيَّمَ » ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ لَوْنُهُ يَقْتَضِي أَنْ يَبْدُوَ لَوْنٌ مَخْصُوصٌ بِهِ لِمُجَاوَرَةِ اللَّوْنِ الَّذِي قِبَلَهُ . وَسَمَّاهُ الْقَزْوِينِيُّ وَشُرَّاحُ تَلْخِيصِهِ إِرْصَادًا ، وَقَالَ : إِنَّهُ يُسَمَّى « تَشْيِيمًا » أَيْضًا ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ ... قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ وَمَا كَانَ اللّٰهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ (١) ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : « وَمَا كَانَ اللّٰهُ لِيَظْلِمَهُمْ » دَلَّ عَلَى نِهَايَةِ الْفَقْرَةِ ، « وَلٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » . وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبٍ : [ الْوَافِرُ ] إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ وَسَمَّاهُ كَذٰلِكَ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ بِقَوْلِهِ : « التَّشْيِيمُ هُوَ أَنْ يَسْتَدِلَّ السَّامِعُ عَلَى قَافِيَةِ الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الرَّوِيِّ ، وَالدَّلَالَةُ هٰذِهِ تَدُلُّ نَظَرًا عَلَى عَجُزِ الْبَيْتِ ، وَنَظْرًا عَلَى مَا دُونَ الْعَجُزِ ، وَالنَّظِيرَةُ أَنْ يُقَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَتَأَخَّرُ مِنْهُ لِفَظًا مَعْنًى بِاللَّفْظِ » . وَمِنْ شَوَاهِدِهِ قَوْلُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَمْرِو فِي الدَّلَالَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ : [ الْمُقْتَرِبُ ] فَأَقْسِمُ يَا مَوْلَى لَكَ لَنِحْيَاكَ إِذَا اشْتَهَى مِنْكَ دَاءٌ عُضَالًا تَبَيَّنَ الْحَقُّ فِي قَوْلِهِ : « فَأَقْسِمُ يَا عَمْرُو لَنِحْيَاكَ » يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ تَمَامُهُ : إِذَا بَقِيَ مِنْكَ دَاءٌ عُضَالًا أَوْ بَقِيَ غَضَبِيَ أَوْ اسْتِشْفَاعًا قَوْلًا ، إِلَى غَيْرِ ذٰلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي وَصْفَهُ عَلَى هٰذَا السَّنَنِ ، وَهٰذَا شَيْءٌ لَا يَخْفَى . وَمِنْ شَوَاهِدِ الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ : [ الْوَافِرُ ] وَنَسْحَقُ نَحْنُ أَخْمَاصًا ضِرَابًا وَأَوْفَاهُمْ إِذَا عَفَرُوا جُبَيْنًا فَإِنَّهُ فَخَرَ فِي حَالَتَيِ الْحَرْبِ وَالسِّلْمِ بِرِعَايَةِ الذَّمَامِ وَالْوَفَاءِ ، فَالشَّاعِرُ رَصَدَ عَجُزَ الْبَيْتِ فِي بِنَائِهِ ، وَمَعْنَاهُ ضِيَاءٌ أَحَدُّ لَمْحَةٍ وَارْتِبَاطًا . وَسَمَّاهُ قُدَامَةُ « التَّوْشِيحَ » ، وَقَالَ : « هُوَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْبَيْتِ شَاهِدًا بِقَافِيَتِهِ ، وَمَعْنَاهَا مُتَعَلِّقًا بِهَا ، حَتَّى إِنَّ الَّذِي يَعْرِفُ قَافِيَةَ الْقَصِيدَةِ الَّتِي الْبَيْتُ مِنْهَا إِذَا سَمِعَ أَوَّلَ الْبَيْتِ عَرَفَ آخِرَهُ ، وَبَانَتْ لَهُ قَافِيَتُهُ » . وَكَذٰلِكَ سَمَّاهُ « تَوْشِيحًا » الْمِصْرِيُّ ، وَابْنُ مَالِكٍ ، وَابْنُ الْأَمِيرِ الْحَلَبِيُّ ، وَالتَّوْشِيحُ عِنْدَ ابْنِ مَنْقَذٍ : هُوَ أَنْ تُرِيدَ الشَّيْءَ ، فَتُعَبِّرَ عَنْهُ عِبَارَةً حَسَنَةً وَإِنْ كَانَتْ أَطْوَلَ مِنْهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْبُحْتُرِيِّ : [ الْبَسِيطُ ] أَتَى الزَّمَانُ نَبِيُّهُ فِي شَبِيبَتِهِ فَسَرَّهُمْ وَأَبْنَاءً عَلَى حَرَمٍ (١) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، آيَةٌ رَقْمُ (٧٠) . وَهٰذَا التَّعْرِيفُ لَا يَفِي بِتَعْرِيفِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْقَزْوِينِيِّ الَّذِي قَالَ : « الإِرْصَادُ وَيُسَمَّى التَّشْيِيمَ أَيْضًا ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ قَبْلَ الْعَجُزِ مِنْ فَقْرَةٍ أَوْ بَيْتٍ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَجُزِ إِذَا عُرِفَ الرَّوِيُّ » . وَنَحَا هٰذَا النَّحْوَ كَذٰلِكَ شُرَّاحُ تَلْخِيصِهِ ، كَالسَّكَاكِيِّ وَالتِّفْتَازَانِيِّ وَالإِسْفَرَايِينِيِّ وَالْعِضْدِيِّ. وَأَشَارَ ابْنُ رَشِيقٍ إِلَى تَسْمِيَةِ الْقُدَمَاءِ بِالتَّوْشِيحِ ، إِلَّا أَنَّهُ سَمَّاهُ « تَسْمِيَةً » كَمَا سَمَّاهُ عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ الْحَاتِمِيُّ . قَالَ الْحَاتِمِيُّ : قَالَتْ لِعَلِيِّ بْنِ هَارُونَ الْمُنَجِّمِ : مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ بِصِنَاعَةِ الشِّعْرِ مِنْكَ فِي « التَّسْمِيَةِ » ، فَقَالَ : وَهٰذَا الَّذِي لَقِيتِ احْتِرَازَنَا نَحْنُ . وَمَا كَتَبْتُهُ ؟! يَا جَابِنِي بِجَوَابٍ لَمْ يُبْرِزْهُ فِي عِبَارَةٍ يَحْكُمُ بِهَا غَيْرُهُ : أَنَّ صِفَةَ الشِّعْرِ السَّمْحِ أَنْ يَسْبِقَ السَّمْحُ إِلَى قَوَافِي الشِّعْرِ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَيْهَا رَاوِيهِ ، مُنْذُ الصَّدْرِ الأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى السَّطْرِ الأَخِيرِ مِمَّا قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَهُ . وَسَمَّاهُ ابْنُ وَكِيعٍ « الْمُطَعَّمَ » ، وَذَكَرَ ابْنُ سَنَانٍ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُسَمِّيهِ « تَسْمِيَةً » وَ « تَشْيِيمًا » ، وَبَعْضَهُمْ يُسَمِّيهِ « تَسْهِيمًا » . وَرَأَى ابْنُ الأَثِيرِ أَنَّ تَسْمِيَتَهُ « الإِرْصَادَ » أَوْلَى ، وَذٰلِكَ حَيْثُ نَاسَبَ الاِسْمُ مُسَمَّاهُ وَلَاقَ بِهِ ، أَمَّا « التَّوْشِيحُ » فَنَوْعٌ آخَرُ مِنْ عِلْمِ الْبَيَانِ . وَفَرَّقَ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَّوِيُّ بَيْنَ « التَّوْشِيحِ » وَ « السَّهْمِ » فَقَالَ : « اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْبَدِيعِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَى أَوَّلِ الْكَلَامِ إِلَّا عَلَى لَفْظِ آخِرِهِ ، وَلِهٰذَا سُمِّيَ « التَّوْشِيحَ » ، فَإِنَّهُ يُنَزَّلُ فِيهِ الْمَعْنَى مَنْزِلَةَ الْوِشَاحِ ، وَيُنَزَّلُ أَوَّلُ الْكَلَامِ وَآخِرُهُ مَنْزِلَةَ مَحَلِّ الْوِشَاحِ مِنَ الْعَاتِقِ وَالْكَشْحِ ، وَاللَّفْظُ بَيْنَهُمَا مَنْزِلَ الْوِشَاحِ . وَعُرِفَ « السَّهْمُ » بِأَنَّهُ : هُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَأْخُرُهُ ، تَارَةً بِالْمَعْنَى وَتَارَةً بِاللَّفْظِ » . وَمِنْهُ قَوْلُ الْبُحْتُرِيِّ : [ الطَّوِيل ] فَلَسْتَ السَّمِيَّ قَدْ حَلَلْتَ بِمُحَلَّلٍ رَسْمُ النَّدَى فَقَدْ حُرِمْتَ بِحَرَامِ فَقَوْلُهُ « لَسْتَ الَّذِي قَدْ حَلَلْتَ بِمُحَلَّلٍ » يُدْرِكُ السَّامِعُ أَنَّ تَمَامَهُ « قَدْ حُرِمْتَ بِحَرَامٍ » ، وَلَيْسَ الَّذِي قَدْ حَلَلْتَ بِمُحَلَّلٍ يُدْرِكُ السَّامِعُ أَنَّ تَمَامَهُ « قَدْ حُرِمْتَ بِحَرَامٍ » . وَالإِرْصَادُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ حِينَمَا قَالَ : « وَلَكِنْ فِي صَدْرِ كَلَامِكَ دَلِيلٌ عَلَى حَاجَتِكَ ، كَمَا أَنَّ خَبَرَ أَبْيَاتِ الشِّعْرِ الْبَيْتِ الَّذِي إِذَا سَمِعْتَ صَدْرَهُ عَرَفْتَ قَافِيَتَهُ » . وَعَلَى الْحَافِظِ أَنْ يَعِيَهُ بِقَوْلِهِ : « وَكَانَ يَقُولُ : فَرْقٌ بَيْنَ صَدْرِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ ، وَبَيْنَ صَدْرِ خُطْبَةِ الْجِهَادِ ، وَبَيْنَ صَدْرِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ ، وَبَيْنَ خُطْبَةِ الصُّلْحِ ، وَخُطْبَةِ التَّوَاهُبِ ، حَتَّى يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْ ذٰلِكَ صَدْرٌ يَدُلُّ عَلَى خُطْبَتِهِ » . عَجْزِهِ ، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي كَلَامٍ لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاكَ وَلَا يُشِيرُ إِلَى مَغْزَاكَ وَإِلَى التَّمَامِ الَّذِي إِلَيْهِ قَصَدْتَ وَالْغَرَضِ الَّذِي إِلَيْهِ نَزَعْتَ . وَحَقِيقَةُ هٰذَا الْفَنِّ مِنْ مَحْمُودِ الصِّنَاعَةِ ، لِأَنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ مَا دَلَّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ .
- الأَزْوَاجُ
الأَزْوَاجُ مِنْ أَزْوَجَ ، وَازْدَوَجَ الْكَلَامُ وَتَزَاوَجَ : أُشْبِهَ بَعْضُهُ بَعْضًا . ذَكَرَ الأَزْوَاجَ الْمَاحِظُ وَسَمَّاهُ مِنْ مُزْدَوَجِ الْكَلَامِ ، وَلَمْ يُعَرِّفْهُ ، وَلٰكِنِ الأَمْثِلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَسَاوِي الْفِقْرَتَيْنِ فِي الطُّولِ مَعَ السَّجْعِ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُعَاوِيَةَ : « اَللّٰهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ ، وَقِهِ الْعَذَابَ » . بَيْنَمَا عَقَدَ لَهُ الْعَسْكَرِيُّ بَابًا فِي « الصَّنْعِ وَالِازْدِوَاجِ » وَقَالَ : « لَا يَحْسُنُ مَشْهُورُ الْكَلَامِ وَلَا يَجِلُّ شَأْنُهُ حَتَّى يَكُونَ مُزْدَوَجًا ، وَلَا تَكَادُ تَجِدُ لَبِيبًا كَلَامُهُ يَخْلُو مِنَ الِازْدِوَاجِ ، وَلَوِ اسْتَثْنَيْتُ كَلَامَ ابْنِ الْمُقَفَّعِ لَكَانَ الْقُرْآنُ أَوْلَى بِأَنْ يُنَظَّمَ خَارِجًا مِنْ كَلَامِ الْخَلْقِ » . وَقَدْ كَثُرَ الِازْدِوَاجُ فِيهِ حَتَّى حَصَلَ فِي أَوْسَاطِ الآيَاتِ فَضْلًا عَنْ أَوَاخِرِهَا فِي الْفَوَاصِلِ ، مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : « الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ » (١) . وَأَمَّا مَا وَقَعَ بَيْنَ الْفَوَاصِلِ فَهُوَ كَثِيرٌ ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : « فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ » (٢) . ثُمَّ تَابَعَ قَوْلَهُ : « وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي هٰذَا الْبَابِ وَلَا يُتَعَدَّى هُوَ الِازْدِوَاجُ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ فَاصِلَتَيْنِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ لَا يَتَجَاوَزُ ذٰلِكَ كَمَا أَحْسَنَ ، فَإِنْ جَاوَزَ ذٰلِكَ نُسِبَ إِلَى التَّكَلُّفِ . وَإِنْ أَمْكَنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الأَجْزَاءُ مُتَوَازِنَةً كَانَ أَجْمَلَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ الأَخِيرُ أَطْوَلَ ... عَلَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَزْوَاجِ الْفُصَحَاءِ مَا كَانَ الْجُزْءُ الأَخِيرُ مِنْهُ أَقْصَرَ ، حَتَّى جَاءَ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ كَثِيرٌ ، كَقَوْلِهِ لِلأَنْصَارِ يُفَضِّلُهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ : « إِنَّكُمْ لَتُكْثِرُونَ عِنْدَ الْفَزَعِ وَتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ » ... وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْفَوَاصِلُ عَلَى نَغْمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَكُونَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ فَيَقَعَ التَّعَادُلُ وَالْمِيزَانُ ... » . وَتَحَدَّثَ عَنْ عُيُوبِ الِازْدِوَاجِ ، وَمِنْهَا : « التَّسْجِيعُ ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ فَاصِلَةُ الْجُزْءِ الأَوَّلِ بَعِيدَةَ الْمُشَاكَلَةِ لِفَاصِلَةِ الْجُزْءِ الثَّانِي » . وَمِنْ عُيُوبِهِ أَيْضًا ... (١) سُورَةُ الأَنْعَامِ ، آيَةٌ رَقْمُ (١) . (٢) سُورَةُ الشَّرْحِ ، الآيَتَانِ (٧ ، ٨) . التَّطْوِيلِ ، وَهُوَ أَنْ تَجِيءَ بِالْجُزْءِ الأَوَّلِ طَوِيلًا فَتَحْتَاجَ إِلَى إِطَالَةِ الثَّانِي ضَرُورَةً ، مِثْلَ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ : [ الطَّوِيلِ ] وَأَوْثَقَ مِنْ سَابِغَةٍ وَعِمَادِهِ دِرْعٌ فِيهَا أَسِنَّةٌ مُغْضَبُ وَقَوْلِهِ أَيْضًا : [ الْمُقْتَرِبِ ] فَتُضْرِبُ الْهَامَ قَطِيعَ النَّقَا مِ بِلَحْنٍ مِنْ ذِي غُرُوبٍ خَضِرْ وَتَكَلَّمَ الْخَفَّاجِيُّ عَنِ السَّجْعِ وَالِازْدِوَاجِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ ، وَلَكِنَّهُ قَسَّمَ الْفَوَاصِلَ إِلَى قِسْمَيْنِ : ضَرْبٍ يَكُونُ سَجْعًا وَهُوَ مَا تَمَاثَلَتْ حُرُوفُهُ فِي الْمَقَاطِعِ ، وَضَرْبٍ لَا يَكُونُ سَجْعًا ، وَهُوَ مَا تَقَابَلَتْ حُرُوفُهُ فِي الْمَقَاطِعِ وَلَمْ تَتَمَاثَلْ ، فَلَا يَخْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ ، أَيْ الْمُتَمَاثِلِ وَالْمُتَقَارِبِ ، مِنْ أَنْ يَكُونَ آتِيًا طَوْعًا سَهْلًا وَأَبْيَنَ لِلْمَعَانِي ، وَبِالضِّدِّ مِنْ ذٰلِكَ حَتَّى يَكُونَ مُتَكَلَّفًا يَتْبَعُ الْمَعْنِيَ ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الأَوَّلِ فَهُوَ الْمَحْمُودُ الدَّالُّ عَلَى الْفَصَاحَةِ وَحُسْنِ الْبَيَانِ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الثَّانِي فَهُوَ مَذْمُومٌ مَرْفُوضٌ ، وَيَبْدُو أَنَّهُ يَمِيلُ بِالِازْدِوَاجِ الْمُتَقَارِبِ إِلَى الَّذِي لَا تَتَمَاثَلُ حُرُوفُهُ فِي الْمَقَاطِعِ . وَعَرَّفَهُ الْمِصْرِيُّ بِقَوْلِهِ : « هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الشَّاعِرُ فِي بَيْتٍ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ بِجُمَلٍ ، كُلُّ جُمْلَةٍ فِيهَا كَلِمَتَانِ مُزْدَوِجَتَانِ ، كُلُّ كَلِمَةٍ إِمَّا مُفْرَدَةٌ أَوْ جُمْلَةٌ » . وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ هٰذَا النَّوْعُ فِي أَسْمَاءِ مُثَنَّاةٍ مُضَافَةٍ . وَذَهَبَ ابْنُ مَالِكٍ وَمَنْ تَبِعَهُ إِلَى أَنَّ الْمُزَاوَجَةَ : هُوَ الأَلْفَاظُ الْمُتَمَاثِلَةُ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى وَالِاشْتِقَاقِ فَحَسْبُ ، وَسَمَّوْهُ الْمُجَاوَرَةَ . وَأَنْشَدُوا : [ الْبَسِيطِ ] وَمُعْظَمُ الشِّعْرِ يَرُومُ النَّصْرَ مُطَّلِمًا أَنْتِ تُرَجِّيهِ وَالْمَحْرُومُ مَحْرُومُ وَقَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ : [ مَجْزُوءُ الْمُتَقَارِبِ ] وَكَفَى شَرِيكِي غَنَاءً رَضِيعِي لِبَانِ خَلِيلِي صَفَاءُ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ النَّمُوذَجَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ اسْمَيْنِ ، مِنْ مُطَابَقَةٍ أَوْ مُجَانَسَةٍ أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ ، بِحَيْثُ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْبَيْتِ جُمَلٌ مِنَ الْمَعَانِي ، كَقَوْلِ ابْنِ الزَّيَّاتِ : [ الطَّوِيلِ ] مَلِيكَانِ عَنِ السِّلْمِ وَالْحَرْبِ مِنْهُمَا غِنًى وَعَنَاءٌ مَرَمٌّ وَتَسْهِيلُ وَعَرَّفَهُ ابْنُ مَنْقَذٍ بِقَوْلِهِ : « هُوَ أَنْ تُزَاوِجَ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ وَالْجُمَلِ بِكَلَامٍ عَذْبٍ وَأَلْفَاظٍ عَذْبَةٍ » . حَلْوَةٍ . وَعَجِبَ نَقْلُ ابْنِ ثَمِّ الْجَوْزِيَّةِ هٰذَا التَّعْرِيفَ ، بَيْنَمَا أَشَارَ الرُّمَّانِيُّ إِلَى قِسْمٍ مِنَ التَّجْنِيسِ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ نَوْعَانِ : مُوَازَنَةٌ وَمُنَاسَبَةٌ . فَالْمُزَاوَجَةُ تَقَعُ فِي الْجَزَاءِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ (١) أَيْ جَازُوهُ بِمَا يَسْتَحِقُّ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَامَلَةِ ، إِلَّا أَنَّهُ اسْتُعْمِلَ لِلتَّفَاوِي لَفْظُ الِاعْتِدَاءِ لِتَأْكِيدِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ فِي الْمِقْدَارِ ، فَجَاءَ عَلَى مُزَاوَجَةِ الْكَلَامِ لِحُسْنِ الْبَيَانِ . أَمَّا الْمُنَاسَبَةُ فَنَنْظُرُ فِي فُنُونِ الْمَعَانِي الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللّٰهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ (٢) ، فَنُعَبِّرُ بِالِانْصِرَافِ عَنِ الذِّكْرِ ، وَصَرْفِ الْقَلْبِ عَنِ الذِّكْرِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الذَّهَابُ عَنِ الشَّيْءِ ، أَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا عَنِ الذِّكْرِ ، وَأَمَّا قُلُوبُهُمْ فَصُرِفَتْ عَنِ الْخَيْرِ . وَعَرَّفَهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ بِقَوْلِهِ : « وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ زَاوَجَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا قَارَبَ بَيْنَهُمَا ، وَسُمِّيَتِ الْمُزَاوَجَةُ » . وَقَالَ السَّكَاكِيُّ : « هُوَ أَنْ يُزَاوِجَ الْمُتَكَلِّمُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ » ، وَهٰذَا مَا نَقَلَهُ جُرْجَانُوس حَرْجَات فِي كِتَابِهِ ، أَيْ بُلُوغِ الأَرَبِ فِي عِلْمِ الأَدَبِ ، مِنَ الْبَدِيعَاتِ ، قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ : [ الْبَسِيطُ ] إِذَا تَزَاوَجَ ذَنْبِي وَانْفَرَدْتُ لَهُ بِالسَّمَاحِ فَرَدَّتْهُ لِيَ السَّمَاحُ مِنَ النِّعَمِ وَقَوْلُ ابْنِ جَابِرٍ الأَعْمَى الأَنْدَلُسِيِّ : [ الْبَسِيطُ ] إِذَا تَبَسَّمَ فِي حَرْبٍ صَبَاحُهُمُ يَبْكِي الأَسُودُ وَيُغْرِي اللَّيْثَ بِالْبُكُمِ وَقَالَ الرُّمَّانِيُّ : الْمُزَاوَجَةُ هِيَ أَنْ تُزَاوِجَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ أَبِي عُبَادَةَ الْبُحْتُرِيِّ : [ الطَّوِيلُ ] إِذَا مَا تَنَاءَى النَّاسُ وَلَّى بِيَ الْهَوَى أَصَاحِبُ إِلَى الرَّوَاحِلِ فَالْهَوَى الْمَهْرُ هٰذَا مَا ذَكَرَهُ الرُّمَّانِيُّ ، وَيَبْدُو أَنَّ الِازْدِوَاجَ أَعَمُّ مِنَ الْمُزَاوَجَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْتَبِطُ بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ الرُّمَّانِيُّ ، وَالسَّكَاكِيُّ ، وَالْحَمَوِيُّ ، وَفُرْحَانُ . (١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ ، آيَةٌ رَقْمُ (١٩٤) . (٢) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، آيَةٌ رَقْمُ (١٢٧) .
- الأَسَالِيبُ الْبَلَاغِيَّةُ
الأَسَالِيبُ الْبَلَاغِيَّةُ هِيَ مُخْتَلِفُ الطَّرَائِقِ التَّقْنِيَّةِ الَّتِي يَعْتَمِدُهَا الْكَاتِبُ وُصُولًا إِلَى التَّعْبِيرِ الْجَمَالِيِّ عَنْ أَفْكَارِهِ وَأَحَاسِيسِهِ . وَهِيَ فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ الْعَرَبِيَّةِ تَنْدَرِجُ فِي إِطَارِ عِلْمِ الْمَعَانِي وَعِلْمِ الْبَيَانِ وَعِلْمِ الْبَدِيعِ . فَعِلْمُ الْمَعَانِي يُمْكِنُ الْكَاتِبَ مِنْ مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ الَّتِي بِهَا يَطْلُبُ مُقْتَضَى الْحَالِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ . وَعِلْمُ الْبَيَانِ يُمْكِنُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ مُخْتَلِفِ الصُّوَرِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِهَا الْمَعْنَى الْوَاحِدَ ، وَاخْتِيَارِ أَكْثَرِهَا دَلَالَةً وَأَوْفَرِهَا جَمَالًا بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحَالِ وَقُدْرَةِ الْأَدِيبِ عَلَى الْإِبْدَاعِ . وَعِلْمُ الْبَدِيعِ يُمْكِنُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ التَّزْيِينَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ الَّتِي يَزْدَادُ بِهَا الْكَلَامُ رَوْنَقًا شَكْلِيًّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِ مُقْتَضَيَاتِهِ السَّابِقَةِ وَاللُّغَوِيَّةِ .
- الِاسْتِئْنَافُ
الِاسْتِئْنَافُ مِنْ «اسْتَأْنَفَ» ، وَاسْتَأْنَفَ الشَّيْءَ : أَخَذَ فِيهِ وَابْتَدَأَهُ . وَالِاسْتِئْنَافُ عُرْفَةٌ نَحْوِيَّةٌ ، يَعْنُونَ بِهِ الِابْتِدَاءَ بَعْدَ تَمَامِ كَلَامٍ ، يُفْهَمُ مِنْهُ جَوَابُ اسْتِفْهَامٍ مُقَدَّرٍ ؛ كَأَنْ يَكُونَ إِعَادَةَ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ ، كَقَوْلِكَ : «اِحْتَرِمْ زَيْدًا ، زَيْدٌ زَائِدٌ فِي أَهْلِ الِاحْتِرَامِ» ، أَوْ «اَحْرِمْ سَمِيرًا أَوِ احْتَرِمْهُ» . وَقَدْ يَكُونُ الِاسْتِئْنَافُ فِي إِعَادَةِ اسْمٍ وَلَا صِفَةٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى»(١) ، بَلْ فِعْلِهِمْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذَا فَاسْـَٔلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ(٢) . فَقَوْلُهُ : «فَاسْـَٔلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ» عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ جَوَابَهُ كَانَ يَحْكُمُ بِهِمْ وَلَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَأَنَّ مَنْ لَا يَنْطِقُ كَيْفَ يَفْعَلْ هٰذَا بَلْ كَيْفَ يَكُونُ . (١) سُورَةُ طه ، الآيَةُ رَقْمُ (٥٥) . (٢) سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ، آيَةٌ رَقْمُ (٦٣) . وَتَحَدَّثَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ فِي مَبْحَثِ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ عَنِ الِاسْتِئْنَافِ وَذَكَرَ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً لَهُ ، وَمِنْ ذٰلِكَ قَوْلُ الزَّبِيدِيِّ : [ السَّرِيعُ ] مَلَّكْتَ حُبِّي وَلَكِنَّنِي خَطِي ... أَلْقَتْهُ مِنْ زُهَيْرٍ عَنْ غَرَارِبِي وَقُلْتُ أَنَا فِي الْهَوَى كَذَبٌ ... إِنِّي الْهَوَى مِنَ الْكُذَّابِ فَقَوْلُهُ : «إِنِّي الْهَوَى مِنَ الْكُذَّابِ» اسْتِئْنَافٌ ، لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ كَأَنَّهُ يُجِيبُ سَائِلًا قَالَ لَهُ : فَمَا تَقُولُ فِيمَا اتُّهِمْتَ بِهِ مِنْ أَنَّكَ كَاذِبٌ؟ فَقَالَ : أَقُولُ : إِنِّي الْهَوَى مِنَ الْكُذَّابِ . وَهٰذَا النَّوْعُ مِنَ الْكَلَامِ كَثِيرٌ ، وَهُوَ مِنْ لَطِيفِ الْبَيَانِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ هٰذَا مِنَ الْحَذْفِ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمْ يَحْذِفْ مِنْ كَلَامِهِ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا السُّؤَالُ لَمْ يَقَعْ ، فَكَانَ هٰذَا جَوَابَهُ لَوْ وَقَعَ . وَقَسَّمَ الْمُتَأَخِّرُونَ الِاسْتِئْنَافَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَوَّلًا : لِأَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْجُمْلَةُ الْأُولَى إِمَّا عَنْ سَبَبِ الْحُكْمِ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : [ الْخَفِيفُ ] قَالَ لِي كَيْفَ أَنْتَ ؟ قُلْتُ عَلِيلٌ ... سَهَرٌ دَائِمٌ وَحُزْنٌ طَوِيلُ أَيْ : مَا بَالُكَ عَلِيلًا ؟ أَوْ مَا سَبَبُ عِلَّتِكَ ؟ ثَانِيًا : وَإِمَّا عَنْ سَبَبٍ خَاصٍّ لَهُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : «وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ»(١) كَأَنَّهُ قِيلَ : لِمَ نَسَبْتَ النَّفْسَ أَمَّارَةً بِالسُّوءِ ؟ فَقَالَ : «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» . ثَالِثًا : وَإِمَّا عَنْ غَيْرِهَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : «قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ»(٢) كَأَنَّهُ قِيلَ : فَمَاذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؟ فَقِيلَ : قَالَ سَلَامٌ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : [ الْكَامِلُ ] زَعَمَ الْعَوَاذِلُ أَنَّنِي فِي غَمْرَةٍ ... صَدَقُوا وَلَكِنْ غَمْرَتِي لَا تَنْجَلِي وَقَدْ يُحْذَفُ صَدْرُ الِاسْتِئْنَافِ لِقِيَامِ قَرِينَةٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : «يُسْبِغُ لَكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً» بِحَالِهِ ، وَحَالِكُمْ(٣) ، فَمَنْ قَرَأَ «يُسْبِغُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ فِي حَذْفِ الِاسْتِئْنَافِ : [ الْوَافِرُ ] زَعَمْتُمْ أَنَّ إِخْوَتَكُمْ فِرَاشٌ ... لَكُمْ أَلْفٌ وَلَيْسَ لَكُمْ أُلُوفُ (١) سُورَةُ يُوسُفَ ، آيَةٌ رَقْمُ (٥٣) . (٢) سُورَةُ هُودٍ ، آيَةٌ رَقْمُ (٦٩) . (٣) سُورَةُ النُّورِ ، الْآيَةُ رَقْمُ (٢١) . حَذْفُ الْجَوَابِ الَّذِي هُوَ كَذٰبٌ فِي زَعْمِكُمْ، وَأَقَامَ مَقَامَهُ « لَهُمْ أَلْفٌ وَلَيْسَ لَكُمْ أَلْفٌ » لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ. وَقَدْ يُحْذَفُ صَدْرُ الِاسْتِئْنَافِ وَلَا يُقَامُ مَقَامَهُ شَيْءٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: « ﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ ﴾(١) » أَيْ أَيُّوبُ. (١) سُورَةُ ص، آيَةٌ رَقْمُ (٣٠).
- الِاسْتِبْدَالُ
الِاسْتِبْدَالُ فِي اللُّغَةِ: عَمَلِيَّةٌ تَقْتَضِي اسْتِبْدَالَ مَقْطَعٍ لَفْظِيٍّ بِمَقْطَعٍ لَفْظِيٍّ آخَرَ ضِمْنَ رِسَالَةٍ، يُبْحَثُ أَنْ تَبْقَى الْأَخِيرَةُ تَحْمِلُ دَلَالَةً لَفْظِيَّةً وَنَحْوِيَّةً، وَبِحَيْثُ أَنْ تَغْيِيرَ الدَّلَالَاتِ يَقُودُ إِلَى تَغْيِيرِ الدَّلَالَاتِ. مِثَالٌ: يُتَمُّ الِاسْتِبْدَالُ بَيْنَ « د » وَ « ز » وَ « ج » فِي « دَارٍ » وَ « جَارٍ ». وَفِي الْبَلَاغَةِ: إِحْلَالُ صِفَةٍ أَوِ اسْمٍ وَظِيفَةِ أَوْ لَقَبٍ مَكَانَ اسْمِ الْعِلْمِ، أَوْ هُوَ اسْتِعْمَالُ اسْمِ عَلَمٍ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ فِكْرَةٍ عَامَّةٍ، نَحْوَ اسْتِعْمَالِ كَلِمَةِ « الْفَارُوقِ » بَدَلَ « عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ »، وَنَحْوِ إِطْلَاقِ عِبَارَةِ « عِتْرَةِ زَمَانِهِ » عَلَى مَنْ اشْتُهِرَ بِالْقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ.
- الِاسْتِتْبَاعُ
الِاسْتِتْبَاعُ: هُوَ الْمَحْبُوبُ، بِوَجْهٍ يَجِبُ يَسْتَمِعُ وَجْهًا آخَرَ، وَاسْتَتْبَعَهُ: طَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَهُ. سَمَّى أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ « الِاسْتِتْبَاعَ » « الْمُضَافَعَةَ »، وَقَالَ: « هُوَ أَنْ يَتَضَمَّنَ الْكَلَامُ مَعْنَيَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مُصَرَّحٍ بِأَحَدِهِمَا وَيَلْمَحُ الْآخَرَ إِلَيْهِ »، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ: يَخْرُجُ مِنْ جِسْمِكَ السَّمُّ كَمَا أُخْرِجَ دَمُ الْفَضْلِ مِنْ عِرْقِكَ يَسْحُّ سَخَاءَكَ حَتَّى يُرَى خِلَعٌ فِيهَا أَصَحُّ خِلْقَتِكَ [مَجْزُوءُ الْمُنْسَرِحِ] فَدَلَّ عَلَى الصِّحَّةِ، وَأَخْبَرَ بِصِحَّةِ خَلْقِهِ، فَهُمَا مَعْنَيَانِ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ، وَمِنْهُ نَثْرًا مَا كَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ وَهْبٍ: « ...، وَكِتَابِي إِلَيْكَ، وَشَطْرُ قَلْبِي عِنْدَكَ، وَالشَّطْرُ الْآخَرُ غُلُوبِي مِنْ تَذَكُّرِكَ وَالثَّنَاءِ عَلَيْكَ، أَعْطَاكَ اللَّهُ بَرَكَةَ وَجْهَكَ ... »، فِيهِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ دَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ جَعَلَ وَجْهَهُ ذَا بَرَكَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلِذٰلِكَ عُدِلَ إِلَيْهَا فِي الدُّعَاءِ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ بَرَكَاتِ الْمَطَرِ وَغَيْرِهِ. (١) سُورَةٌ ص، آيَةٌ رَقْمُ (٣٠). غَيْرَ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ مُنْقِذٍ سَمَّاهُ «التَّعْلِيقَ»، وَقَالَ: هُوَ أَنْ يُصَيِّرَ ذٰلِكَ أَنْ تَعْلِقَ مَدْحًا بِمَدْحٍ، وَهَجْوًا بِهَجْوٍ، وَمَدْحًا بِهِجَاءٍ، بِمَعْنًى، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُتَنَبِّي: [الخَفِيفِ] حَسَنٌ فِي عُيُونِ أَعْدَائِهِ أَدْ ... أَتْبَعَ الْفَتْحَ الْحُسْنَ وَكَلَامَهَا مِدَاحٌ، وَوَصَفَهُ بِالْكَرَمِ لِأَنَّ الْإِبِلَ إِذَا رَأَتْ ضَبَّةً عَلِمَتْ أَنَّهَا تُنْحَرُ لَهُ. وَيَعُدُّ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ ابْنَ مُنْقِذٍ فِي مَنْهَجِهِ، فَيَقُولُ: «هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِمَدْحٍ فِي غَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِ الشِّعْرِ، ثُمَّ يَسْتَتْبِعَ بِهِ مَدْحًا آخَرَ مِنْ ذٰلِكَ الْغَرَضِ، يَقْتَضِي زِيَادَةَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي ذٰلِكَ الْفَنِّ، كَمَنْ يُرِيدُ مَدْحًا لِإِنْسَانٍ بِالْكَرَمِ فَيَمْدَحُهُ بِالْكَرَمِ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى الشَّجَاعَةِ، يَحْتَفِي لِأَرَادَ أَنْ يَخْلُصَ ذِكْرَ الشَّجَاعَةِ مِنَ الْكَرَمِ لِمَا قَدَرَ». وَكَذٰلِكَ سَمَّاهُ «التَّعْلِيقَ» ابْنُ مَالِكٍ وَالْمُلَوِّيُّ، بَيْنَمَا سَمَّاهُ الأُزْرِيُّ وَالْحَلَبِيُّ وَالنُّوَيْرِيُّ وَابْنُ تَمِّ الجُوزِيَّةِ «المُرْتَجَةَ»، وَهٰذِهِ نِسْبَةُ الأَغَالِبَةِ. كَقَوْلِ الْمُتَنَبِّي: [الطَّوِيلِ] تَهَيَّبَ مِنَ الأَعْمَارِ مَا لَوْ حَزَنْتَهُ لَهَيَّبَتِ الدُّنْيَا بِأَنَّكَ خَالِدُ وَقَدْ سَمَّاهُ ابْنُ جِنِّي «المَدِيحَ المُرْتَجَى»، حَتَّى إِنَّهُ (الْمُتَنَبِّي) لَوْ لَمْ يَمْدَحْ يَسْرِي هٰذَا البَيْتُ، لَكَانَ قَدْ بَقِيَ وَحْدَهُ مَا لَا يُخْلِقُ الزَّمَانُ، وَأَخَذَ البُسْطَاطُ هٰذِهِ التَّسْمِيَةَ (المَدِيحَ المُرْتَجَى)، وَقَالَ: «المَدِيحُ المُرْتَجَى» وَقَصَدَ بِالْفَارِسِيَّةِ مَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَمَّا السَّكَّاِكِيُّ فَسَمَّاهُ الِاسْتِسْتِعَاطَ، وَقَالَ: «هُوَ الْمَدْحُ يَشِيءٌ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَتْبِعُ مَدْحًا آخَرَ». وَنَبِعَ فِي هٰذَا الْفَنِّ الْقُرَظِيُّ، وَالسُّكَّيُّ، وَالثَّنْفَانِيُّ، وَالْحُمَّوِيُّ، وَالْبُسْطِيُّ، وَالِاسْتِرَابَادِيُّ، وَالْمَغْرِبِيُّ، وَالْمَهْرُوِيُّ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي الْإِصْبَعِ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّكْمِيلِ، يَقُولُ: «وَالْفَرْقُ بَيْنَ هٰذَا النَّوْعِ وَبَيْنَ التَّكْمِيلِ أَنَّ التَّكْمِيلَ يُكَمِّلُ مَا وُصِفَ بِهِ أَوَّلًا، وَالِاسْتِتْبَاعَ لَا يَلْزَمُ فِيهِ ذٰلِكَ». وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا جَاءَ مِنَ الِاسْتِتْبَاعِ فِي الذَّمِّ قَوْلُ ابْنِ هَانِي الأَنْدَلُسِيِّ: [الخَفِيفِ] إِنَّ لَفْظًا تَعْقُلُهُ لَسُبَّةٌ إِنَّ فِي مَنْظَرِ الحَضْرِ الخَلِيفَ وَصَفَهُ بِاللُّؤْمِ وَقُبْحِ اللَّهْجَةِ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَتِمُّ وَصْفُهُ بِجَفَاءِ الْخِلْقَةِ وَالْبَذَاذَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيِّ: [ الطَّوِيلُ ] وَرِثْتُمُ الْحَيَاءَ السَّابِغَاتِ لِتَلْبَسُوا فَسَارُوا وَعَادُوا خَاسِئِينَ عَلَى وَجْهِ وَسَمَّاهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ التَّعْلِيقَ أَيْضًا، فَقَالَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَمْلِ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا؛ ثُمَّ هُوَ وَارِدٌ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ: [ الطَّوِيلُ ] فَإِنِّي أَنَا لَمْ يُبْعِدْكَ عَنِّي صَبَابَةٌ عَدُوُّكَ، فَافْعَلْ أَنْتَ غَيْرَ حَمِيدِ فَتَعَلَّقَ عَدَمُ حَمْدِهِ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ حَمِدَ عَدُوَّهُ عَلَى وَجْهِ الْكَرَمِ مِنْهُ، لَكِنْ حَمْدُ عَدُوِّهِ مَوْجُودٌ لِأَجْلِ مَدَائِحِهِ وَتَرَدُّدِهَا عَلَى لِسَانِهِ، فَلَا جَرَمَ إِنْ كَانَ حَمْدُهُ مَوْجُودًا. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعَانِي بِمَقْصَدِهِ ثُمَّ يُطَرِّقَهُ لِمَا يُرِيدُ ذِكْرَهُ بَعْدَهُ مِنْ مَعْنًى آخَرَ، كَقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ يَهْجُو رِجَالًا: [ مَجْزُوءُ الْوَافِرِ ] لَهُمْ فِي نَيْلِهِمْ نَسَبٌ وَفِي وَسَطِ الْمَلَا نَسَبُ لَفَتْ زَرْوَ أَعْجَزِهِمْ وَلَوْ زَيْنَتْهَا غَضَبُ فَعَلَّقَ مَجْرُومَهُمْ بِالسَّخَفِ، وَالْحَمَاقَةِ قَصْدُهُ بِهَجْرِ أَيْمٍ حَيْثُ لَمْ يَرْضَوْا الِانْتِسَابَ إِلَيْهِ لِدَنَاءَتِهِ، وَعَلَّمَ عَلَيْهِ هَجْرَ أُمُّهُمْ لِكَوْنِهَا زَانِيَةً لَا تَسْتُرُ مِنْ إِبْدَاءِ الْفَاحِشَةِ. وَسَمَّاهُ الْحَمَوِيُّ « الِاسْتِيعَابَ »، وَقَالَ: « هُوَ أَنْ يَذْكُرَ النَّاظِمُ أَوِ النَّاثِرُ مَعْنًى مَلِيحًا أَوْ أَدْمًا أَوْ غَرَضًا مِنْ أَغْرَاضِ الشِّعْرِ، فَيَسْتَتْبِعَ مَعْنًى آخَرَ مِنْ جِنْسِهِ يَقْتَضِي زِيَادَةً فِي وَصْفِ ذٰلِكَ الْفَنِّ ». وَمِنْ شَوَاهِدِهِ قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ فِي بَدِيعِيَّتِهِ: [ الْبَسِيطُ ] يَحْضُرْنَ مُسْتَشْرِفِينَ الْفَقْرَ إِنْ ظَفِرُوا وَيَحْفَظُونَ دِينَهُمْ إِنْ عُدِمُوا دِرْهَمًا وَهٰذَا التَّعْرِيفُ يُمَاثِلُ تَعْرِيفَ جِرْمَانُوس فَرْحَاتَ إِذْ قَالَ: « هُوَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاظِمُ فِي شِعْرِهِ ... ». ٧٠ الزِّيادَةُ الَّتي تَصْحَبُها وَالتَّوْكِيدُ الَّذي تُوضِّحُه في اسْتِثْنائِك ... وَمِثْلُهُ يَقولُ أَبُو تَمَّامٍ : [الْوَافِر] تَنَصَّلَ رَبُّهَا مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ إِلَيْكِ يَسْرِي النُّصْحُ في السَّوْدَادِ فاسْتَثْنَى النُّصْحَةَ في الْوَفَاءِ وَالْإِخْلَاصِ ، بَعْدَما قَطَعَ رَبُّهَا ما كانَ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ ، فَفِيهِ كَمُلَ هٰذا النَّوْعُ الاسْتِثْنائِيُّ حُسْناً وَجَمالاً . وَالضَّرْبُ الآخَرُ : اسْتِقْصاءُ الْمَعْنَى وَالتَّجَرُّدُ مِنْ دُخُولِ النُّقْصانِ ، مِثْلَ قَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ : [الْكَامِل] فَسَقَى زِرَاعَكَ غَيْرُ مُفْسِدِهَا صَوْبَ الرَّبِيعِ وَرِيعَةً تَهْمِي فاسْتَثْنَى مِنْهُ غَيْرَ مُفْسِدِهَا الَّذِي يُفْسِدُ مَعَهَا كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَ أَنْ سَقَتِ الْأَمْطَارُ فَأَحْيَاهَا وَهٰذَا مُنْتَهَى الْكَمَالِ في الاسْتِثْناءِ ، وَسَارَ عَلَى هٰذَا النَّهْجِ التِّبْرِيزِيُّ وَالْبُلْغَدَارِيُّ ، وَسَمَّاهُ « الاسْتِثْناءَ أَيْضاً الْمُنْقَطِعَ الْعُلْوِيَّ » . وَوَصَفَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الاسْتِثْناءَ إلى صِنْفَيْنِ فَقالَ : الاسْتِثْناءُ اسْتِثْنَاءانِ : لَفْظِيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ . فَاللَّفْظِيُّ : إِخْراجُ الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ ، وَقَدْ فَرَّعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذٰلِكَ فَفَصَّلُوا في كُتُبِهِمْ وَمُصَنَّفَاتِهِمْ ، غَيْرَ أَنَّهُ يُفِيدُ بَعْدَ إِخْراجِ الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ مَعْنًى زائِداً ، إِضافَةً إِلى مَعْنَى الاسْتِثْناءِ وَيَسْتَحِقُّ بِهِ أَنْ يُعَدَّ في أَبْوَابِ الْبَدِيعِ ، وَمَعْنًى لَمْ يَكُنْ في الاسْتِثْناءِ وَالاسْتِدْرَاكِ مَعْنًى مِنَ الْمَحاسِنِ غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ لا يَبْلُغُ مِنَ الْبَدِيعِ ، كَقَوْلِهِ تَعالى : « فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ إِلَّا إِبْلِيسَ » (١) فَإِنَّ في هٰذَا الْكَلَامِ مَعْنًى زائِداً على مِقْدارِ الاسْتِثْناءِ ، وَذٰلِكَ لِعِظَمِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي أَتَى بِهَا إِبْلِيسُ مِنْ كَوْنِهِ خارِقَ إِجْماعِ الْمَلائِكَةِ يُخْرِجُهُ بِخُرُوجِهِ مِمَّا دَخَلُوا فِيهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ . فَهٰذِهِ الْمَعاني في الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ زائِدَةٌ على الاسْتِثْناءِ اللَّفْظِيِّ . وَمِنْ أَمْثِلَةِ الاسْتِثْناءِ اللَّفْظِيِّ في الشِّعْرِ قَوْلُ التَّبَرِيِّ : [ الطَّوِيل ] فَلَوْ كُنْتَ بِالْخَلْقاءِ أَوْ أَطْرُوحَهَا لَخَلَّتْكَ إِلَّا أَنَّ نَصَّدَ تُراثِي هٰذَا الاسْتِثْناءُ في غايَةِ الْحُسْنِ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْمُبالَغَةَ في زِيادَةِ مَدْحِ الْمَمْدُوحِ ، وَذٰلِكَ (١) سُورَةُ الْحِجْرِ ، آيَةٌ رَقْمُ (٣٠) . لِقَوْلِ الشَّمَّرِيِّ لَوْ كُنْتِ فِي حِجْرِ الْحِلْمِ لَخَنَقْتُكِ حَنَقًا مِنْ رِفْقِي وَلَيْسَ لَكِ مَانِعٌ يَمْنَعُكِ عَنِّي . فَازْدَادَتْ هَذِهِ فِي غَايَةِ اللُّطْفِ وَهِيَ قُوَّةٌ إِلَّا أَنْ تَصِفَ فَائِتًا فِي الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِ مَمْنُوعٍ ، وَهَذَا غَايَةُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ . وَعَلَى هَذَا الْمَنْهَجِ سَارَ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ فِي الْبَدِيعِيَّاتِ : [ الْبَسِيطُ ] عَفَتِ الْقُفُورُ فَلَمْ أَسْتَمْتِعْ بِهَا أَثَرًا إِلَّا مَصَاطِفَ أَغْصَانٍ يُسَلِّمُ سَلَمُ فَإِنَّ زِيَادَةَ مَعْنَى الْبَيْتِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَانْسِجَامَ أَفْنَانِهِ وَسُهُولَتَهُ لَا تَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْأَدَبِ . أَمَّا تَرْجِيحُ تَوْرِيَةِ « الِاسْتِثْنَاءِ » بِذِكْرِ الْمُقَدَّرِ وَالْمُعَاطِفِ ، فَإِنَّهُ مِنَ التَّنَسُّمَاتِ الَّتِي حَرَّكَتْ الْقُدُورَ وَالْمَعَاطِفَ ، وَالتَّكْمِيلُ قَوْلُهُ سَلِمَ ، إِذْ هُوَ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ . وَفِي هَذَا الْفَنِّ قَرَّنَ السُّرُوطِيُّ الِاسْتِدْرَاكَ بِالِاسْتِثْنَاءِ ، وَقَالَ : إِنَّ شَرْطَهُمَا جَمِيعًا أَنْ يُقَصِّرَا مَعَنًى مِنَ الْمَحَاسِنِ زَائِدًا عَلَى مَا يُبْدَلُ فِيهِ بِالْمَعْنَى الْمَفْرُوضِ . وَذَكَرَ الْمَدَنِيُّ هَذَا الشَّرْطَ فَقَالَ : « فَلَيْسَ كُلُّ اسْتِدْرَاكٍ يُعَدُّ مِنَ الْمُحَسِّنَاتِ الْبَدِيعِيَّةِ ، بَلْ يَشْتَرِطُ فِيهِ اشْتِمَالُهُ عَلَى مَعْنًى يَزِيدُ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمَحْضِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ أَنْ يُنْظَمَ فِي سِلْكِ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ » كَقَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ ضَبِيعٍ الْفَزَارِيِّ : [ الطَّوِيلُ ] ثَنَيْتُ وَمَا يَبْقَى ضَحِيِّي وَمَطْلِعِي وَكُلُّ أَمْرٍ إِلَّا أَحَادِيثُ قَانِي فَلَيْسَ هَذَا الْبَيْتُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي شَيْءٍ ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاحْتِرَاسِ وَالِاحْتِيَاطِ ، فَلَوْ أَدْخَلَ كُلَّ مَا وَقَعَ فِيهِ اسْتِثْنَاءٌ لِخَرَجَ عَنِ الْقَصْدِ وَغَرَضِهِ ، وَلِكُلٍّ نَوْعٌ مَوْضِعٌ » ، وَهَذَا مَا أَيَّدَهُ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ . وَكَذَلِكَ عَرَّفَ الْمُطَرَّانُ جِرْمَانُوس فَرْحَاتُ الِاسْتِثْنَاءَ بِقَوْلِهِ : « هُوَ إِخْرَاجُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ فِي حُكْمٍ شَامِلٍ بِأَدَاتِهِ وَأَخَوَاتِهَا ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُرَادَ مَعْنَى الْمُسْتَثْنَى عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ » ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ : [ الْبَسِيطُ ] وَمَا عَلَيْنَا إِذَا مَا كُنْتِ جَارَتَنَا أَنْ لَا يُجَاوِرَنَا إِلَّاكِ جَارُ وَعَدَّ الزَّرْكُشِيُّ بَابًا لِلِاسْتِثْنَاءِ ، وَقَالَ : « وَقَرُبَ مِنْهُ تَأْكِيدُ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ » ، بِأَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ صِفَةِ ذَمٍّ مَنْفِيَّةٍ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةُ مَدْحٍ يُتَقَدَّرُ دُخُولُهَا فِيهَا . وَيُبْنِي أَكْثَرُ الْبُلَغَاءِ نَظَرَهُمْ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ زَاوِيَتَيْنِ: الْأُولَى: أَنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ. الثَّانِيَةِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ ﴿ إِلَّا ﴾ فِي صَدْرِ بَيْتِ الشِّعْرِ فَقَطْ، أَمَّا الثَّانِيَةُ الَّتِي فِي عَجُزِهِ، فَهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ ﴿ إِنْ ﴾ الشَّرْطِيَّةِ، وَ ﴿ لَا ﴾ النَّافِيَةِ.
- اِسْتِثْنَاءُ الْحَصْرِ
اِسْتِثْنَاءُ الْحَصْرِ: هُوَ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ ابْنِ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيِّ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ بِنَفْسِهِ الِاسْمَ قَائِلًا: وَمِنَ الِاسْتِثْنَاءِ نَوْعٌ وَقَعَ فِي تَسْمِيَةِ اسْتِثْنَاءِ الْحَصْرِ، وَهُوَ غَيْرُ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي يُخْرِجُ الْقَلِيلَ مِنَ الْكَثِيرِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ: [ الطَّوِيلُ ] إِلَيْكَ وَإِلَّا مَا تُحَدِّثُ الرُّكَّابُ وَمَنْفَسُكِ وَإِلَّا فَالْمُحَدِّثُ كَاذِبُ وَالْمَعْنَى الْمَفْهُومُ مِنْ سِيَاقِ الْبَيْتِ أَنَّ الرُّكَّابَ لَا تُحَدِّثُ إِلَّا بِالْمَمْدُوحِ، وَلَا يَصْدُقُ الْمُحَدِّثُ إِلَّا عَنْهُ. وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْحَصْرُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَعْنَوِيِّ، وَلَا تَفْسِيرُهُ إِلَّا عَلَيْهِ. وَلَا يُلْفَتُ فِيهِمْ أَلْفُ مَعْنًى إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾(١) لَوْلَا أَنَّهُ خَبِيرٌ عَلِيمٌ، وَلَوْلَا أَنَّهُ خَبِيرٌ عَلِيمٌ مَا أَخْبَرَ عَنْ خَلْقِهِ، وَلَوْلَا أَنْ يُخْبِرَ الصِّدْقُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخَبَرُ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾(٢) لَا يُمْنَعُ أَنْ يُقَالَ: لَوْلَا مُرَاعَاةُ الصِّدْقِ لَمَا صَحَّ هَذَا التَّرْكِيبُ، لِأنَّ حَصْرَ السُّجُودِ فِيهِمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَبْلَغُ. وَلِأَنَّ الصَّنِيعَ الَّذِي قَرَّرَهُ الْمُعْتَرِضُ لَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ؛ لِأَنَّهَا مَزَالِقُ أَهْلِ الْعِيِّ وَالْفَهْمِ. فَإِنْ قُلْتَ: كُلُّ الِاسْتِثْنَاءِ مَوْضُوعٌ لِلْحَصْرِ فَلَا اخْتِصَاصَ لِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ دُونَ الْأَوَّلِ، وَمَا تَقَرَّرَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ؛ قُلْنَا: بَلْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ إِذَا اقْتَرَنَ مَعَهُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ، وَأُتِيَ بِالْكَلَامِ عَلَى صُورَتِهِ، فَلَهُ اخْتِصَاصٌ يُمَيِّزُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ عَنِ الْأَوَّلِ، هُوَ أَنَّهُ فِيهِ مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مَا يُفِيدُ حَصْرًا أَشَدَّ مِنْ حَصْرِ جِنْسِ الِاسْتِثْنَاءِ كُلِّهِ، فَإِنَّهُ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي جَاءَ عَلَيْهَا يَجِيءُ عَامِلُهَا يُفِيدُ حَصْرًا أَشَدَّ مِنْ حَصْرِ جِنْسِ الِاسْتِثْنَاءِ كُلِّهِ. وَسَمَّاهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ: « حَصْرَ الْجُزْءِ، وَإِحَاطَةَ الْكُلِّيِّ »، وَقَالَ: « هَذَا النَّوْعُ اخْتَرَعَهُ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ إِلَى نَوْعٍ فَيَجْعَلَهُ بِالتَّعْظِيمِ لَهُ جِنْسًا بَعْدَ حَصْرِ أَقْسَامِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ فِيهِ ». وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ مِنْ بَلَاغَتِهِ: [ الْبَسِيطُ ] الْحَقُّ يَحْصُرُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ بِهِ فَالْجَزْءُ يَلْحَقُ بِالْكُلِّيِّ لِلْعِظَمِ. (١) سُورَةُ الْمُلْكِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٤). (٢) سُورَةُ الْحِجْرِ، آيَةٌ رَقْمُ (٣٠). ثَانِيَهُ؛ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَالِحٌ أَنْ يَكُونَ هُنَا كُلًّا لِمَا لِمِقْدَارِهِ وَعِظَمِهِ، فَقَوْلُهُ عَنِ الْأَشْيَاءِ: « فَالْجِزْيَةُ بِالْحَقِّ بِالذِّلَّةِ لِلْعِظَمِ » لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ. وَكَذَلِكَ سَمَّاهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ وَتَمَثَّلَ بِمِثْلِهِ.
- الاِسْتِثْنَاءُ الْمَعْنَوِيُّ
الاِسْتِثْنَاءُ الْمَعْنَوِيُّ هُوَ الَّذِي تَحَدَّثَ عَنْهُ الْمِصْرِيُّ فِي بَابِ الِاسْتِعَارَةِ، وَقَالَ إِنَّهُ نَوْعٌ وَقَعَ لَهُ، فَسَمَّاهُ بِهٰذَا الِاسْمِ. وَفَضَّلَ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ أَنْ يَسْمِيَ هٰذَا النَّوْعَ: « الاِسْتِثْنَاءَ الْمَعْنَوِيَّ »، إِذْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلَّا حَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ، بَلْ « إِلَّا » فِيهِ اسْمٌ مَرْكَبَةٌ مِنْ « إِنْ » الشَّرْطِيَّةِ، وَ « لَا » الثَّانِيَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ: [ السَّرِيعُ ] لَيْسَ لَهُ عَيْبٌ سِوَى أَنَّهُ لَا تَقَعُ الْعَيْنُ عَلَى شِبْهِهِ فَجَعَلَ انْفِرَادَهُ فِي الدُّنْيَا بِالْحُسْنِ دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَرِينٌ يُنَافِسُهُ عِيًّا، فَهُوَ يَزِيدُ تَوْكِيدَهُ حُسْنًا. وَقَالَ حَاتِمُ الطَّائِيُّ: [ الطَّوِيلُ ] وَمَا تَشْتَكِي جَارَتِي غَيْرَ أَنَّنِي إِذَا غَابَ عَنْهَا بَعْلُهَا لَمْ أَزُرْهَا إِلَيْهَا وَلَمْ أَقْصِرْ عَلَى اسْتِزَارِهَا لِمَا كَانَ فِي تَرْكِ الزِّيَارَةِ إِشْكَالٌ بَيْنَ مُرَادِهِ.
- الاِسْتِحَالَةُ وَالتَّنَاقُضُ
الاِسْتِحَالَةُ مِنْ اسْتِحَالٍ، وَقَدْ قِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ عَنِ الِاسْتِوَاءِ إِلَى الْمَوْجِ قَدْ حَالَ وَاسْتَحَالَ. الاِسْتِحَالَةُ وَالتَّنَاقُضُ مِنْ عُيُوبِ الْمَعَانِي، وَقَدْ تَحَدَّثَ عَنْهُمَا قُدَامَةُ فَقَالَ: « وَهُمَا أَنْ يُذْكَرَ فِي الشِّعْرِ شَيْءٌ فَنُجْمِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْمُقَابِلِ لَهُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ». وَسَمَّاهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ « الْمُضَادَّةَ »، وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: « هُوَ تَعْلِيقُ الشَّرْطِ عَلَى تَضَمُّنِ مُمْكِنٍ وَمُسْتَحِيلٍ، وَمُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُسْتَحِيلُ دُونَ الْمُمْكِنِ، لِيُؤْثِرَ التَّعْلِيقَ عَدَمَ وُقُوعِ الْمُمْكِنِ ». الْمَشْرُوطِ، فَكَأَنَّ الْحُكْمَ نَاقِصٌ نَفْسِهِ فِي الظَّاهِرِ، إِذْ شَرْطُ وُقُوعِ أَمْرٍ لِوُقُوعِ نَقِيضِهِ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الْحَمَّوِيِّ، وَشَاهَدَهُ مِنَ الْبَدِيعِيَّاتِ قَوْلُ الْمَوْصِلِيِّ: [ الْبَسِيطُ ] أَيُّ نِفَاقٍ عَهْدُ الشَّارِحِينَ إِذَا مَا شَابَ غَرْبِي وَشِبْتُ شَهْوَةَ الْهَرَمِ فَقَطْعَ تَنَاقُضِ عَهْدِهِمْ بِسَبَبِ عَزْمِهِ، وَشَيْبِ شَهْوَةِ الْهَرَمِ، وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: [ الْوَافِرُ ] وَأَنْتَ سَوْفَ تَحْكُمُ أَوْ تُبَايِعِي إِذَا مَا شِبْتِ أَوْ شَابَ الْغُرَابُ فَإِنْ تَعْلِيقُ حُكْمِ الْمُخَاطَبِ عَلَى شَيْءٍ مُمْكِنٍ، وَعَلَى شَيْبِ الْغُرَابِ مُسْتَحِيلٌ، وَمُرَادُهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ أَنَّكَ لَا تَحْكُمُ. وَعُرِفَ أُسَامَةُ بْنُ مَنْقِذٍ بِاسْمِ « التَّنَاقُضِ ». وَقَالَ: هُوَ أَنْ تَتَنَاقَضَ بَيْنَ الْمَعَانِي، مِثْلُ قَوْلِ مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ: [ الْكَامِلُ ] ذَكَرَ الْمُصَرَّحَ قِرَاضَ غَيْرِ مُتَعَبِّدٍ وَأَقَامَ بِنَحْرٍ عَرِيبَةٍ وَتَجَلَّدِ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: « إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ عَابَ عَلَى صَاحِبِهِ التَّنَاقُضَ، لِأَنَّ بَيْتَ أَبِي نُوَاسٍ مُتَنَاقِضٌ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الرَّوَاحِ وَالْإِقَامَةِ، وَعِنْدِي أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَنَاقِضَيْنِ وَلَا مُتَبَايِنَيْنِ ». وَمِنْ ذٰلِكَ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [ الطَّوِيلُ ] أَقَامَتْ بِهَا حَيٌّ تَرُدِّي الْعَوْدَ فِي الثَّرَى وَلَفَّتِ الدُّنْيَا فِي ثَلَاثَاءِ الْمَغَابِرِ فَقَدْ نَاقَضَ لِأَنَّ الْعَوْدَ لَا يَكُونُ فِي الثَّرَى. وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: [ الْوَافِرُ ] وَأَنْتَ سَوْفَ تَحْكُمُ أَوْ تُبَايِعِي إِذَا مَا شِبْتِ أَوْ شَابَ الْغُرَابُ فَإِنْ تَعْلِيقُ حُكْمِ الْمُخَاطَبِ عَلَى شَيْءٍ مُمْكِنٍ، وَعَلَى شَيْبِ الْغُرَابِ مُسْتَحِيلٌ، وَمُرَادُهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ أَنَّكَ لَا تَحْكُمُ. وَالْأَشْيَاءُ تَتَعَادَلُ عَلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ: إِمَّا عَنْ طَرِيقِ الْمُضَافِ. وَمَعْنَى الْمُضَافِ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُقَالُ بِالْقِيَاسِ إِلَى غَيْرِهِ، مِثْلُ الضِّعْفِ إِلَى نِصْفِهِ، وَالْمَوْلَى إِلَى عَبْدِهِ، وَالْأَبِ إِلَى ابْنِهِ. فَكُلٌّ مِنْهَا يُقَالُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْآخَرِ، وَهٰذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ جِهَةٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُقَالُ مِنْهَا بِالْقِيَاسِ إِلَى غَيْرِهِ فَهِيَ مِنَ الْمُضَافِ، وَمِنْ جِهَةٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِإِزَاءِ صَاحِبِهِ الْمُقَابِلِ لَهُ فَهِيَ مِنَ الْمُتَقَابِلَاتِ. وَإِمَّا عَلَى طَرِيقِ التَّضَادِّ، مِثْلُ: « الشَّرْرِيرِ لِلْحَرِّ، وَالْحَارِّ لِلْبَارِدِ ». وَإِمَّا عَلَى طَرِيقِ الْعِلْمِ وَالثَّبْتِ، مِثْلُ : « الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ ». وَإِمَّا عَلَى طَرِيقِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، مِثْلُ أَنْ يُقَالَ : « سَمِيرٌ جَالِسٌ، وَسَمِيرٌ لَيْسَ بِجَالِسٍ ». فَإِذَا أَتَى بِالشِّعْرِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ مُتَقَابِلَيْنِ مِنْ هٰذِهِ الْمُتَقَابِلَاتِ، وَكَانَ هٰذَا الْجَمْعُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهُوَ عَيْبٌ ظَاهِرٌ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالْمَعَانِي الشِّعْرِيَّةِ، بَلْ هُوَ لَاحِقٌ بِجِمَاعِ الْمَعَانِي. وَمِثَالُ ذٰلِكَ أَنْ يُقَالَ فِي تَقَابُلِ الْمُضَافِ : إِنَّ الْعَشَرَةَ مَثَلًا ضِعْفُ خَمْسَةٍ، وَنِصْفُ عِشْرِينَ، فَلَا يَكُونُ ذٰلِكَ مَحَالًا إِذَا قِيلَ مِنْ جِهَتَيْنِ، أَمَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا إِذَا قِيلَ إِنَّهَا ضِعْفُ خَمْسَةٍ وَنِصْفُ عِشْرِينَ، فَلَا. وَعِنْدَهُ فِي الشِّعْرِ : [ الْمُقْتَرِبُ ] إِذَا انْتَكَّثَ الْخَجَلُ فَقَمْتَهُ صَيَّرَ الْجَبَانَ زَرْزًا خَفِيفًا وَتَكَلَّمَ ابْنُ سِنَانٍ فِي بَابِ الْمَعَانِي عَنِ الِاسْتِحَالَةِ وَالتَّنَاقُضِ فَقَالَ : « إِنَّ مِنَ الصَّحَّةِ تَجَنُّبَ الِاسْتِحَالَةِ وَالتَّنَاقُضِ، وَذٰلِكَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمُتَقَابِلَيْنِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ». وَذَكَرَ بَعْضُ مَا ذَكَرَهُ قُدَامَةَ. وَذَكَرَ الْبِدَاعِيُّ فِي قَانُونِ الْبَلَاغَةِ أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ هُوَ الشَّيْءَ الَّذِي لَا يُوجَدُ وَلَا يُمْكِنُ مَعَ ذٰلِكَ أَنْ يُصَوَّرَ فِي الْفِكْرِ، مِثْلُ الصَّعَادِ النَّازِلِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَعُرِفَ التَّنَاقُضُ بِمِثْلِ تَعْرِيفِ قُدَامَةَ وَابْنِ سِنَانٍ، وَذَكَرَ جِهَاتِ التَّقَابُلِ الْأَرْبَعَ. وَمِمَّا جَاءَ فِيهِ الِاسْتِحَالَةُ وَالتَّنَاقُضُ عَلَى جِهَةِ التَّعَمُّدِ قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ : [ الطَّوِيلُ ] كَأَنَّ تَقَابُلًا مَا غَنَّى مِنْ خِضَابِهِ تَفَرَّقَتْ فِيهِ سَوَادٌ عِذَارُهُ فَشَبَّهَ جِرَابَ الْكَأْسِ بِاللَّيْلِ، وَذٰلِكَ قَوْلُ جَازِرٍ لِأَنَّ الْجِرَابَ يُشْبِهُ الشَّبَحَ فِي الْبَيَاضِ، وَحَوْلَهُ لَا فِي شَيْءٍ آخَرَ. ثُمَّ قَالَ : [ الطَّوِيلُ ] تَفَرَّقَ لَيْلٌ عَنْ أَدِيمِهَا تَفَرَّقَ نَهَارٌ عَنْ بَيَاضِ نِهَارِ فَالْحِجَابُ الَّذِي جَعَلَهُ فِي هٰذَا الْبَيْتِ الثَّانِي كَاللَّيْلِ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ أَبْيَضَ كَالْجِلابِ، وَكَذٰلِكَ الْخَمْرُ، وَلَيْسَ فِي هٰذَا التَّنَاقُضِ مَنْصَرِفٌ إِلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْعِذْرِ؛ لِأَنَّ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ طَرَفَانِ مُتَضَادَّانِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الشَّيْءُ بِالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَمِمَّا جَاءَ مِنَ التَّنَاقُضِ عَلَى طَرِيقِ الْمُضَافِ، قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسِّ : [ الطَّوِيلُ ] فَأَيُّهَا إِذَا مَا الصُّبْحُ حَلَّ بِشَخْصِهَا بِرْدًا يَنْحَسِي قَبْلَ ذَاكَ فَيَقْبَرُ. فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ « قَبْلَ » وَ « بَعْدَ »، وَهُمَا مِنَ الْمُتَضَادَّاتِ، لِأَنَّهُ لَا قِبَلَ إِلَّا لِمَا بَعْدَ الْأَشْيَاءِ، حَيْثُ قَالَ: « إِنَّهُ إِذَا وَقَعَ الْمَوْتُ بِهَا »، وَهٰذَا الْقَوْلُ كَأَنَّهُ شَرْطٌ وُضِعَ لِيَكُونَ لَهُ جَوَابٌ يَأْتِي بَعْدَهُ، وَجَوَابُهُ هُوَ قَوْلُهُ: « تَرَاهُ بِنَفْسِهِ قَبْلَ ذٰلِكَ ». وَمِمَّا جَاءَ مِنَ التَّنَاقُضِ عَلَى طَرِيقِ الْفُكاهَةِ وَالْعِلْمِ، قَوْلُ يَحْيَى بْنِ نُوْفَلٍ [ الْوَافِرُ ] لِأَعْلَجُ ثَمَانِيَةً وَشَيْخٍ كَبِيرِ السِّنِّ ذِي بَصَرٍ ضَرِيرِ فَلَفْظَةُ « ضَرِيرٍ » تُسْتَعْمَلُ فِي الْأَكْثَرِ لِلَّذِي لَا بَصَرَ لَهُ، وَيَقُولُ الشَّاعِرُ فِي هٰذَا الشَّيْخِ أَنَّهُ ذُو بَصَرٍ وَإِبْصَارٍ، فَتَتَنَاقَضُ مِنْ جِهَةِ الْفِطْنَةِ وَالْعَقْلِ، وَذٰلِكَ كَأَنْ يَقُولَ: لَهُ بَصَرٌ، وَلَا بَصَرَ لَهُ، فَهُوَ بَصِيرٌ أَعْمَى. وَمِنَ التَّنَاقُضِ عَلَى طَرِيقِ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُسِّ: [ الطَّوِيلُ ] أَرَى حَجَرًا وَالثَّلَّ مِثْلَيَّ فَانْظُرُوا مَلَامَكُمْ فَإِنَّ الْقَتْلَ أَعْمَى وَأَيْسَرُ فَأَوْجَبَ هٰذَا الشَّاعِرُ الْهَجْرَ وَالْقَتْلَ أَمْرَيْنِ مِثْلَيْنِ، ثُمَّ نَقَضَهُمَا بِقَوْلِهِ: « إِنَّ الْقَتْلَ أَعْمَى وَأَيْسَرُ »، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْهَجْرَ مِثْلُ الْهَجْرِ، وَلَيْسَ هُوَ هُوَ، وَلَوْ قَالَ: « بَلِ الْقَتْلُ أَعْمَى وَأَيْسَرُ » لَكَانَ الشِّعْرُ مُسْتَقِيمًا.
- الاِسْتِحْقَاقُ
الاِسْتِحْقَاقُ: الِاسْتِيجَابُ، يُقَالُ: اسْتَحَقَّ الشَّيْءَ، أَيِ اسْتَوْجَبَهُ. الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ أَنْوَاعِ أَخْذِ الْمَعْنَى عِنْدَ الْقُرْطَاجِنِيِّ، فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّاعِرَ يَسْتَحِقُّ الْمَعْنَى، إِذْ يَسْتَعِيرُ عِبَارَةً عَنِ الْعِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهٰذَا مِمَّا جَيِّدٌ فِي بَابِ الْأَخْذِ الَّذِي تَحَدَّثَ فِيهِ عَنِ الْبَلَاغِيِّينَ فِي مُخْتَلِفِ الْعُصُورِ. قَالَ الْقُرْطَاجِنِيُّ، وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنِ الْمَعَانِي: « فَضَرْبَاتُ الشُّعَرَاءِ فِيمَا يَعْمَلُونَ بِهِ مِنَ الْمَعَانِي أَرْبَعٌ: اِخْتِرَاعٌ، وَاسْتِحْقَاقٌ، وَشِرْكَةٌ، وَسَرِقَةٌ. فَالِاخْتِرَاعُ هُوَ الْغَايَةُ فِي الِاسْتِحْسَانِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ تَالٍ لَهُ، وَالشِّرْكَةُ مِنْهَا مَا يُسَاوِي الَّذِي مَضَى، فَهٰذَا لَا عَيْبَ فِيهِ، وَمِنْهَا مَا يَنْحَطُّ فِيهِ الْآخِرُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَهٰذَا عَيْبٌ، وَالسَّرِقَةُ كُلُّهَا مَذْمُومَةٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَشَدَّ قُبْحًا مِنْ بَعْضٍ ». وَفِي هٰذَا النَّصِّ يَتَضِحُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَيْسَ مِمَّا يُعَابُ، بَلْ إِنَّهُ بَعْدَ الِاخْتِرَاعِ فِي الْمَنْزِلَةِ. وَقَدْ أَوْضَحَ الْقُرْطَاجِنِيُّ هٰذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ: « فَإِذَا تَسَاوَى قَائِلَانِ الشَّاعِرَانِ فِي ذٰلِكَ فَإِنَّهُ يُسَمَّى الِاشْتِرَاكَ، وَإِنْ فَضَلَتْ فِيهِ عِبَارَةُ الْمُتَقَدِّمِ فَذٰلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ نِسْبَةَ الْمَعْنَى إِلَيْهِ بِإِجَادَتِهِ نَظْمَ الْعِبَارَةِ عَنْهُ ».
- الاِسْتِخْبَارُ
الاِسْتِخْبَارُ مِنِ اسْتَخْبَرَ، وَاسْتَخْبَرَ يَعْنِي سَأَلَ عَنِ الْخَبَرِ وَطَلَبَ أَنْ تُخْبِرَهُ. وَالاِسْتِخْبَارُ: السُّؤَالُ عَنِ الْخَبَرِ. وَذَكَرَ قُطْرُبٌ أَنَّ قَوَاعِدَ الشِّعْرِ أَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَخَبَرٌ، وَاسْتِخْبَارٌ، وَلَمْ يَعْرِفِ الِاسْتِخْبَارَ، وَإِنَّمَا قَالَ إِنَّهُ كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ: [الْكَامِلُ] أَبِي سَرِيـرٍ وَكَنْتَ غَيْرَ سَرُوبٍ وَتَقْـرُبُ الْأَحْلَامُ غَيْرَ تَقْرِيبِ مَا تَمْنَعِي يَغْفِلِي فَقَدْ تَرَوَّحَتْ فِي النَّوْمِ غَيْرَ مَصِيرٍ مَحْسُوبِ فَالِاسْتِخْبَارُ عِنْدَ قُطْرُبٍ نَفْسُهُ هُوَ الِاسْتِفْهَامُ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ حِينَ قَالَ: «الْكَلَامُ أَرْبَعَةٌ: أَمْرٌ، وَخَبَرٌ، وَاسْتِخْبَارٌ، وَرَغْبَةٌ»، وَلَكِنَّهَا لَمْ يُفَصِّلْ مَا ذَكَرَهُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ ذٰلِكَ مَفْهُومًا مِنْ تَسْمِيَتِهِ الْكَلَامَ. غَيْرَ أَنَّ ابْنَ فَارِسٍ عَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: «الاِسْتِخْبَارُ طَلَبُ خَبَرٍ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْمُسْتَخْبِرِ، وَهُوَ الِاسْتِفْهَامُ». وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ بَيْنَ الِاسْتِخْبَارِ وَالِاسْتِفْهَامِ فَرْقًا دَقِيقًا، وَقِيلَ: وَذٰلِكَ أَنَّ أُولَى الْحَالَيْنِ الِاسْتِخْبَارُ، لِأَنَّكَ تَسْتَخْبِرُ فَتُجَابُ بِشَيْءٍ فَرُبَّمَا فَهِمْتَهُ وَرُبَّمَا لَمْ تَفْهَمْهُ، فَإِذَا سَأَلْتَ ثَانِيَةً كَانَ الِاسْتِفْهَامُ؛ تَقُولُ: أَفَهِمْتَ مَا قُلْنَا لَكَ؟ قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذٰلِكَ أَنَّ الْبَارِيَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُوصَفُ بِالْخَبِيرِ، وَلَا يُوصَفُ بِالْفَهِيمِ. وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ مِثْلَ ذٰلِكَ وَقَالَ: «إِنَّ الِاسْتِخْبَارَ مَصْطَلَحُ الِاسْتِفْهَامِ»، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ فَرْقًا بَيْنَهُمَا نُقْلًا عَنْ ابْنِ فَارِسٍ، وَلٰكِنَّ الْبُلَاغِيِّينَ اصْطَلَحُوا عَلَى مُصْطَلَحِ «الِاسْتِفْهَامِ» فِي مَبَاحِثِهِمْ وَكُتُبِهِمْ، وَهُوَ مَا اسْتَعْمَلَهُ الْقُدَمَاءُ حِينَ اسْتَخْدَمُوا هٰذِهِ الْأَدَوَاتِ فِي أَنْوَاعِ الْأَسَالِيبِ. فِي حِينٍ أَنَّ عَبْدَ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيَّ قَالَ: «إِنَّ الِاسْتِفْهَامَ اسْتِخْبَارٌ، وَالِاسْتِخْبَارُ هُوَ طَلَبٌ مِنَ الْمُخَاطَبِ أَنْ يُخْبِرَكَ».
- الاِسْتِخْدَامُ
الاِسْتِخْدَامُ فِي اللُّغَةِ اسْتِعْمَالٌ مِنَ الْخِدْمَةِ. أَوَّلُ مَنْ عَرَّفَ الِاسْتِخْدَامَ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ قَائِلًا: «إِنَّ الِاسْتِخْدَامَ هُوَ أَنْ تَكُونَ لِلْكَلِمَةِ مَعْنَيَانِ تَحْتَاجُ إِلَيْهِمَا، فَنَذْكُرُهَا مَرَّةً وَحْدَهَا، فَتَسْتَعْمِلُ لِلْمَعْنَيَيْنِ»، كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾(١) وَالصَّلَاةُ هُنَا. (١) سُورَةُ النِّسَاءِ، آيَةٌ رَقَمُ (٤٣). تَتَحَمَّلُ أَنْ تَكُونَ فِعْلَ الصَّلَاةِ، وَمَوْضِعَ الصَّلَاةِ، فَنَسْتَعْمِلُ الصَّلَاةَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾(١) تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾(٢) تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْبُحْتُرِيِّ: [ الْكَامِلُ ] فَشَقَّ الْمَغْنَى وَالسَّاكِنِينَ وَإِنْ هُمُ شَاءُوا بِنُهْنَ جَوَارِحٌ وَقُضُبُ فَالْمَغْنَى يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحَجَرَ، فَاسْتُخْدِمَ الْمُعَيَّنُ يَقُولُهُ: «وَالسَّاكِنِينَ» فِي قَوْلِهِ: «وَإِنْ هُمُ شَاءُوا»، وَعَرَفَهُ ابْنُ شِبْتِ الْقُرَشِيُّ يَقُولُ: «هُوَ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ تَقْتَضِي مَعْنَيَيْنِ فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا جَمِيعًا». وَمِثْلُ ذٰلِكَ: «مَا أَنَا عَلَى عُهُودِكَ الَّتِي تَعْلَمُ»، لَمْ يُحِلَّ مِنْ أَمْرِكَ عَقْدًا، وَلَا مَكَانًا أَتَى مَلَكٌ فِيهِ فَضَلًا؛ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ «أَحَلَّ» لِلْمَعْنَيَيْنِ. وَقَالَ الْمَصْرِيُّ: «هُوَ أَنْ يَأْتِي الْمُتَكَلِّمُ بِلَفْظَةٍ لَهَا مَعْنَيَانِ ثُمَّ يَأْتِي بِلَفْظَتَيْنِ تَتَوَسَّطُ تِلْكَ اللَّفْظَةَ بَيْنَهُمَا، وَيُسْتَعْمَلُ كُلُّ لَفْظَةٍ مِنْهُمَا فِي مَعْنًى مِنْ مَعَانِي تِلْكَ اللَّفْظَةِ الْمُحْتَمِلَةِ». وَنَقَلَ الْحَلَبِيُّ وَالْنَّوْرِيُّ تَعْرِيفَ الْمَصْرِيِّ، وَاخْتَلَفَ تَعْرِيفُ الِاسْتِخْدَامِ بَعْدَ ذٰلِكَ، فَانْقَسَمَ الِبْلَاغِيُّونَ إِلَى مَنْ يُؤَيِّدُ ابْنَ مَالِكٍ، وَيَنْتَصِرُ لِلْقُزْوِينِيِّ، فَإِنَّ مَالِكًا يَقُولُ: «إِنَّ الِاسْتِخْدَامَ إِطْلَاقُ لَفْظٍ مُشْتَرَكٍ ثُمَّ يُؤْتَى لَفْظٌ يَنْتَفِعُ بِهِمْ، أَحَدُهُمَا فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَمِنَ الْآخَرِ الْمَعْنَى الْآخَرِ»، ثُمَّ إِنَّ اللَّفْظَيْنِ قَدْ يَكُونَانِ مُتَأَخِّرَيْنِ عَنِ اللَّفْظَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَقَدْ يَكُونَانِ مُتَقَدِّمَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُمَا، وَمِثَالُ هٰذِهِ الطَّرِيقَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾(٣) فَإِنَّ لَفْظَةَ «كِتَابٍ» أَتَى يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَجَلُ الْمَحْتُومُ، وَالْكِتَابُ الْمَكْتُوبُ، وَقَدْ تَوَسَّطَ بَيْنَ لَفْظَتَيْ «أَجَلٍ» وَ«كِتَابٍ»، فَاسْتُعْمِلَتْ أَحَدُ مَفْهُومَيْهِمَا، وَهُوَ الْأَمْرُ بِقَرِيبَةٍ، ذَكَرَ الْأَجَلَ، وَاسْتُخْدِمَ الْمَفْهُومُ الْآخَرُ، وَهُوَ الْكِتَابُ الْمَكْتُوبُ بَقَرِيبَةٍ «وَيَمْحُو». وَهٰذَا مَا ذَكَرَهُ الْمَصْرِيُّ مِنْ قَبْلُ حِينَ ذَكَرَ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ شَاهِدًا لِلِاسْتِخْدَامِ. وَيَقُولُ الْقُزْوِينِيُّ: هُوَ إِيرَادُ لَفْظٍ ذِي مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا ثُمَّ يُرَادُ بِيَضْمِيرِهِ الْآخَرُ، أَوْ يُرَادُ بَعْضُهُ بِضَمِيرِ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ يُرَادُ بِالْآخَرِ الْآخَرُ. فَمِنْ قَوْلِ أَحَدِهِمْ فِي الْأَوَّلِ: [ الْوَافِرُ ] إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا (١) سُورَةُ النِّسَاءِ، آيَةٌ رَقَمُ (٤٣). (٢) سُورَةُ الزُّمَرِ، الْآيَةُ (٣٩). (٣) سُورَةُ الرَّعْدِ، الْآيَةُ (٣٩). وَالثَّانِي مَا ذَكَرَهُ لِلْجُرْجَانِيِّ « فَسْخُ اللَّفْظِ ». وَسَارَ عَلَى هٰذَا الْمِنْوَالِ مُعْظَمُ الْبُلَاغِيِّينَ وَأَصْحَابُ الْبَدِيعِيَّاتِ وَمِنْهُمْ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ الَّذِي ذَكَرَ طَرِيقَتَيْ ابْنِ مَالِكٍ وَالْقَزْوِينِيِّ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَقَالَ: وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالطَّرِيقَتَانِ رَاجِعَتَانِ إِلَى مَقْصُودٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْمَعْنَيَيْنِ بِضَمِيرٍ وَاحِدٍ، وَتَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: [الْبَسِيطُ] مِنْ كُلِّ أَبْلَجَ وَارِي الزَّنْدِ يَوْمَ تَرَى شَفْرَيْهِ عَنْهُ وَيَوْمَ الْحَرْبِ مُصْطَلِمُ وَاسْتَخْرَجُوا الْمَعْنَى مِنْهُ، وَهِيَ جَارِيَةٌ وَقَدْ سُحِبَتْ بِهَا أَيَّامُ عُسْرِهِمْ. وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ مَا قَالَهُ الْحَمَوِيُّ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الطَّرِيقَةَ ثَانِيَةً مَذْهَبُ السَّكَاكِيِّ وَأَتْبَاعِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ جِرْمَانُوس فَرَحَاتٌ مَذْهَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِلْقَزْوِينِيِّ، وَالْآخَرُ لِبَدْرِ الدِّينِ بْنِ مَالِكٍ، وَمِنْ شَوَاهِدِ قَوْلِ الْحِلِّيِّ: [الْبَسِيطُ] مِنْ كُلِّ أَبْلَجَ وَارِي الزَّنْدِ يَوْمَ تَرَى شَفْرَيْهِ عَنْهُ وَيَوْمَ الْحَرْبِ مُصْطَلِمُ وَقَدْ ذَكَرَ الْحِلِّيُّ أَنَّ الِاسْتِخْدَامَ عَزِيزٌ، وَلِذٰلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الْمُتَقَدِّمُونَ لَهُ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً.
- الاِسْتِعَارَةُ
الاِسْتِعَارَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَارِيَةِ، وَاسْتِعَارَ طَلَبَ الْعَارِيَةِ، أَيِ نَقْلُ الشَّيْءِ مِنْ شَخْصٍ إِلَى آخَرَ حَتَّى تَصِيرَ الْعَارِيَةُ مِنْ خَصَائِصِ الْمُسْتَعِيرِ. وَذَكَرَ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ الاِسْتِعَارَةَ، وَقَالَ: «الاِسْتِعَارَةُ أَفْضَلُ الْمَجَازِ، وَهِيَ مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ إِذَا وُقِعَتْ مَوْقِعَهَا وَنَزَلَتْ مَنْزِلَتَهَا، وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا؛ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعِيرُ لِلشَّيْءِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَلَا إِلَيْهِ كَقَوْلِ لَبِيدٍ: [الْكَامِلِ] وَعَسْعَسَ اللَّيْلُ قَدْ زَعَمْتِ وَقَرَّهُ إِذَا أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمَالِ زِمَامُهَا فَاسْتَعَارَ لِلرِّيحِ الشَّمَالِ بَدْءًا، وَلِلْغَدَاةِ زِمَامًا، وَجَعَلَ زِمَامَ الْغَدَاةِ لِيَدِ الشَّمَالِ إِذَا كَانَتِ النَّقْلَةُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَتِ الْيَدُ مِنَ الشَّمَالِ، وَلَا الزِّمَامُ مِنَ الْغَدَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُهَا مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ، كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: [الطَّوِيلِ] أَقَامَتْ بِهِ حَتَّى إِذَا مَا اشْتَوَى النَّهَى وَسَاقَ السُّرَى فِي مَلَابِسِهِ الْمَطَرُ فَاسْتَعَارَ لِلْمَطَرِ مَلَابِسَ، وَأَخْرَجَ لَفْظَهُ مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ. وَقَدْ وَافَقَهُ فِي هٰذَا الشَّرِيفِ ابْنُ حِجَّةِ الحَمَوِيِّ وَجِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ؛ وَمِنْ بَدِيعِهِ ابْنِ حِجَّةِ الحَمَوِيِّ: [البَسِيطُ] وَكَانَ غَرْسُ الحُسْنِ فِيكِ فَنَمْتِ بِالاسْتِعَارَةِ مِنْ نِيرَانِهِمْ شَجَرُهُمْ وَالِاسْتِعَارَةُ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ عِنْدَ أَكْثَرِ الْبَلَاغِيِّينَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدُ الْقَاهِرِ قَدْ عَرَّفَهَا فَجَعَلَهَا «مَجَازًا عَقْلِيًّا» تَارَةً وَ «مَجَازًا لُغَوِيًّا» تَارَةً أُخْرَى، فَهِيَ «دَلَالَةٌ لَا إِعْجَازٌ»، يَصِلُ إِلَى أَنَّهَا «مَجَازٌ عَقْلِيٌّ» أَوْ هِيَ مِنْ أَبْوَابِهِ، ثُمَّ يَعُودُ وَيَذْكُرُ فِي نَفَسِ الكِتَابِ أَنَّهَا «مَجَازٌ لُغَوِيٌّ». وَكَذٰلِكَ نَرَى هٰذَا الِاضْطِرَابَ عِنْدَ الزَّرْكَشِيِّ الَّذِي رَأَى أَنَّهَا مَجَازٌ لُغَوِيٌّ، بَيْنَمَا السَّكَاكِيُّ أَنْكَرَ ذٰلِكَ، وَسَلَكَهَا فِي الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ، أَيْ إِنَّ الْمَجَازَ لُغَوِيٌّ كُلُّهُ. وَعَلَى سَبِيلِ فِي «الْكِتَابِ» تَعْلِيقًا عَلَى بَيْتِ عَامِرِ بْنِ الْأَحْوَصِ حَيْثُ جَعَلَ لِلْأَدَاهِمِ ضَمَاءَ، قَالَ عَامِرٌ: [المُتَقَارِبُ] وَدَاهِيَةٍ مِنْ دَوَاهِي الدَّهْرِ الْمُضِرِّ نُرِيمُهَا النَّاسَ لَا فَتَرَى لَهَا أَنَّا الفِرَاءُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَى أُسْلُوبِ الِاسْتِعَارَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّهَا، بِعَكْسِ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى بَيْتِ الْفَرَزْدَقِ: [الكَامِلُ] لَا تَقُمْ أَكْرَمْ مِنْ نَسِيمٍ إِذَا غُدِّيَتْ عَوْدُ النِّسَاءِ يَسُفْنَ كِلَا أَجْدَاعِهَا فَيَقُولُ «عَوْدُ النِّسَاءِ» هِيَ الاِسْتِعَارَةُ لِأَوْلَادِهِنَّ فِي عَوْدِ الْإِبِلِ إِلَى مَعَهَا أَوْلَادُهَا، فَفَعَلَهُ الْعَرَبُ فِي النِّسَاءِ، وَهٰذَا مِنَ الِاسْتِعْمَالِ، وَقَدْ فَعَلَتِ الْعَرَبُ ذٰلِكَ كَثِيرًا. وَلِدَلَالِ الْحَاجِظِ أَوَّلُ مَنْ عَرَّفَهَا بِقَوْلِه: «الاسْتِعَارَةُ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ غَيْرِهِ إِذَا أَقَامَ مَقَامَهُ»، وَسَمَّاهَا مَثَلًا وَدَلِيلًا، وَعَلَى ذٰلِكَ عَلَى بَيْتِ الأَشْهَبِ بْنِ رَمْلَةَ: [الطَّوِيلُ] هُمُ سَاعِدُ الدَّهْرِ الَّذِي يُبْقِي بِهِ وَمَا خَيْرُ كَفٍّ لَا تَنُوءُ بِسَاعِدِ فَيَقُولُ: «هُمُ سَاعِدُ» إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ، وَهٰذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ الرُّوَاةُ الْمَثَلَ. أَمَّا المُظَفَّرُ العُلَوِيُّ فَقَالَ: «وَكَانَ الْقُضَاةُ يُسَمُّونَهَا الأَمْثَالَ»، فَيَقُولُونَ فُلَانٌ كَثِيرُ الأَمْثَالِ، وَلَقِيَهَا بِاسْتِعَارَةٍ أَعْلَمُ، لِأَنَّهُ أَعَمُّ، وَلِأَنَّ الأَفْعَالَ كُلَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِعَارَةِ». وَأَشَارَ إِلَيْهَا ابْنُ الرُّومِيِّ وَقَالَ: «إِنَّ العَرَبَ تَسْتَعِيرُ مِنْ بَعْضٍ لِبَعْضٍ». وَقَدْ عَرَّفَ ثَعْلَبٌ الِاسْتِعَارَةَ بِقَوْلِهِ: «هُوَ أَنْ يَسْتَعِيرَ الشَّيْءَ، اسْمَ غَيْرِهِ أَوْ مَعْنَى سِوَاهُ». وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْمُعْتَزِّ: «إِنَّهَا اسْتِعَارَةُ الْكَلِمَةِ لِشَيْءٍ لَمْ يُعْرَفْ بِهَا مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهَا». غَيْرَ أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ جَعْفَرٍ أَشَارَ إِلَى الاِسْتِعَارَةِ إِشَارَةً عَابِرَةً فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ عَلَى الْمُفَاضَلَةِ وَتَجَنُّبِ الاِسْتِعَارَةِ فِي كِتَابِهِ «جَوَاهِرِ الْأَلْفَاظِ»، وَذَكَرَ لَهَا أَمْثِلَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَرِّفَهَا. وَقَدْ حَدَّدَ الرُّمَّانِيُّ الاِسْتِعَارَةَ فَقَالَ: «هِيَ تَعْلِيقُ الْعِبَارَةِ عَلَى غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ، عَلَى سَبِيلِ النَّقْلِ»، وَذَكَرَ الْخَفَاجِيُّ كَلَامَهُ وَقَالَ: نُفَسِّرُ هٰذِهِ الْجُمْلَةَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا»(١) اسْتِعَارَةٌ لِأَنَّ الاِشْتِعَالَ لِلنَّارِ، وَلَمْ يُوضَعْ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِلشَّيْبِ، فَلَمَّا نُقِلَ إِلَيْهِ كَانَ الْمَعْنَى لِمَا اكْتَسَبَهُ مِنَ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْبَ لَمَّا كَانَ يَأْخُذُ مِنَ الرَّأْسِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يُجْعَلَ لَهُ غَيْرُهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الذَّوْقِ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا»(١) أَبْلَغُ مِنْ: كَثُرَ شَيْبُ الرَّأْسِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ، فَالْفَارِقُ مُسْتَعَارٌ مِنْهَا، وَالاِشْتِعَالُ مُسْتَعَارٌ، وَالشَّيْبُ مُسْتَعَارٌ لَهُ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: «هِىَ ادِّعَاءُ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ فِي الشَّيْءِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ»، وَهٰذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ جِنِّي: «إِنْ لَمْ تَكُنِ الاِسْتِعَارَةُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَإِلَّا فَهِيَ حَقِيقَةٌ». وَالاِسْتِعَارَةُ عِنْدَ الْعَسْكَرِيِّ: «نَقْلُ الْعِبَارَةِ عَنْ مَوْضِعِ اسْتِعْمَالِهَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ إِلَى غَيْرِهِ لِغَرَضٍ»، وَقَدِ اشْتُرِطَ فِي الاِسْتِعَارَةِ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهَا هَدَفٌ، وَإِلَّا فَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ أَوْلَى. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: «الاِسْتِعَارَةُ أَنْ تُرِيدَ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، فَتَتْرُكَ الإِفْصَاحَ بِالتَّشْبِيهِ وَإِظْهَارَهُ، وَتَحْتَجِبَ عَلَى اسْمِ الْمُشَبَّهِ، وَتُجْرِيَهُ عَلَيْهِ»، وَأَضَافَ: «حَدُّ الاِسْتِعَارَةِ نَقْلُ الْمَعْنَى مِنْ لَفْظٍ إِلَى لَفْظٍ لِمُشَارَكَةٍ بَيْنَهُمَا، مَعَ طَيِّ ذِكْرِ الْمُشَبَّهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا احْتُرِزَ فِيهِ هٰذَا الاِحْتِرَازُ اخْتَصَّ بِالاِسْتِعَارَةِ وَكَانَ حَدًّا لَهَا دُونَ التَّشْبِيهِ». وَتَعْرِيفُ أَبِي إِسْحَاقَ هُوَ: «الاِسْتِعَارَةُ تَسْمِيَةُ الْمَرْجُوحِ الْحَقِيقِيِّ بِاسْمِ الرَّاجِحِ الْمَجَازِيِّ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ»، أَيْ مَا رُجِّحَتْ فِيهِ الصِّفَةُ، وَكَانَ ظَاهِرًا، يُنْقَلُ إِلَى مَا خَفِيَ وَكَانَ مَرْجُوحًا عَلَيْهِ فِي هٰذِهِ الصِّفَةِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «هِىَ أَنْ تَذْكُرَ أَحَدَ طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ، وَتُرِيدَ الآخَرَ مُدَّعِيًا دُخُولَ الْمُشَبَّهِ فِي جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ مَعَ سَدِّ طَرِيقِ التَّشْبِيهِ، وَنَصْبِ الْقَرِينَةِ، وَلِهٰذَا سُمِّيَتِ اسْتِعَارَةً». (١) سُورَةُ مَرْيَمَ، آيَةٌ رَقْمُ (٤). أَمَّا الْمَحَلِّيُّ فَقَالَ: هُوَ ادِّعَاءُ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ فِي الشَّيْءِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ مَعَ طَرْحِ ذِكْرِ الْمُشَبَّهِ مِنَ الْبَيْنِ لَفْظًا وَتَقْرِيرًا. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: هُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ، أَوْ جَعْلُ الشَّيْءِ أَوْجَهَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ، لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ. التَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ يَنْطَبِقُ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ، وَالثَّانِي عَلَى الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ. وَقَالَ الْقَزْوِينِيُّ: «الِاسْتِعَارَةُ هِيَ مَا كَانَتْ عَلَاقَةُ تَشْبِيهٍ مَعْنَاهُ وَضْعُهُ لِمَنْ وُضِعَ لَهُ، وَقَدْ تُفِيدُ بِالتَّصْرِيحِيَّةِ لِتَحْقِيقِ مَعْنَاهَا حِسًّا أَوْ عَقْلًا؛ أَيْ الَّتِي يَتَنَاوَلُ أَمْرًا مَعْلُومًا يُمْكِنُ أَنْ يُنَصَّ عَلَيْهِ وَيُشَارَ إِلَيْهِ إِشَارَةً حِسِّيَّةً أَوْ عَقْلِيَّةً، فَيُقَالُ: إِنَّ اللَّفْظَ نُقِلَ مِنْ مُسَمَّاهُ الْأَصْلِيِّ لِيُجْعَلَ اسْمًا لَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ». أَمَّا الْعَلَوِيُّ فَقَدْ ذَكَرَ عِدَّةَ تَعْرِيفَاتٍ تَمَّ اخْتِيَارُ مِنْهَا تَعْرِيفًا فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ: «تَصْوِيرُكَ الشَّيْءَ الشَّيْءَ، وَلَيْسَ فِي، وَجَعْلُكَ الشَّيْءَ الشَّيْءَ، وَلَيْسَ فِي. بِحَيْثُ لَا يُلْحَظُ فِيهِ مَعْنَى التَّشْبِيهِ صُورَةً وَلَا حُكْمًا»، وَفِي هٰذَا التَّعْرِيفِ إِشَارَةٌ إِلَى الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ وَالِاسْتِعَارَةِ بِالْمَكَاتَبَةِ، وَفَصَلَ الِاسْتِعَارَةَ عَنِ التَّشْبِيهِ الْمَحْذُوفِ الْأَدَاةِ. وَقَالَ النَّابْلَسِيُّ فِي تَعْرِيفِهِ لِلِاسْتِعَارَةِ: «هِيَ أَنْ تَذْكُرَ أَحَدَ طَرَفَيْ التَّشْبِيهِ، إِمَّا الْمُشَبَّهَ، أَوِ الْمُشَبَّهَ بِهِ، وَتُرِيدَ الطَّرَفَ الْآخَرَ، مَعْنًى، كَدُخُولِ الْمَنِيَّةِ فِي جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، الْأَوَّلُ: الِاسْتِعَارَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ بِهِ مَذْكُورًا وَالْمُشَبَّهُ مَحْذُوفًا، لَكِنَّهُ مُتَحَقِّقٌ حِسًّا أَوْ عَقْلًا، بِأَنْ يَكُونَ أَمْرًا مَعْلُومًا يُمْكِنُ أَنْ يُنَصَّ عَلَيْهِ وَيُشَارَ إِلَيْهِ إِشَارَةً حِسِّيَّةً أَوْ عَقْلِيَّةً، كَمَا بَسَطَ ذٰلِكَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ. فَمِنَ الْمُتَحَقِّقِ حِسًّا قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى: [الطَّوِيلِ] لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلَاحِ مُقَذَّفٍ لَهُ لِبَدٌ أَظْهَرَهُ لَمْ يُسْلِمِ فَالْأَسَدُ ههُنَا مُسْتَعَارٌ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ الْمُرُوءَةِ مِنَ الْكَلَامِ، الَّذِي هُوَ أَمْرٌ مُتَحَقِّقٌ حِسًّا. وَقَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ: [الْكَامِلِ] وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ فَالشَّاعِرُ شَبَّهَ الْمَنِيَّةَ بِالسِّبْعِ فِي اغْتِيَالِ النُّفُوسِ، فَأَثْبَتَ لَهَا الْأَظْفَارَ الَّتِي لَا يُكْمِلُ ذٰلِكَ الإِغْفَالُ فِي السَّمْعِ يَدُونُهَا تَحْقِيقًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ ، تُشَبِّهُ الْهِبَةَ بِالسَّمْعِ اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً ، وَإِثْبَاتُ الأَظْفَارِ لِلْهِبَةِ اسْتِعَارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ . كَمَا عُرِفَتِ الاِسْتِعَارَةُ الاِسْتِيعَابِيَّةُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٍ بِقَوْلِهِ : « هُوَ اِدِّعَاءُ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ فِي الشَّيْءِ مُبَالَغَةً فِي الشَّبَهِ » . وَمِنْهَا قَوْلُهُ : [ الْكَامِلُ ] كَمْ لَيْلَةٍ قَدْ بِتُّ أَفْنِي زِينَتَهَا بِاِنتِقَاصٍ لَا تَأْلَفُ الإِبْقَاءَا وَأُحَالُ صُبْحَ اللَّيْلِ صُبْحَ دُجَاهَا فَظَلَمْتُهُ مِنْ دَجْوِهَا فَسَاءَا وَسَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ وَالتَّقْسِيمَاتِ ، وَالْمُلَاحَظُ مِنْ مُرَاجَعَةِ كُتُبِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَحْدِيدِهَا كُلَّ الاِتِّفَاقِ .