من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الاِسْتِحَالَةُ وَالتَّنَاقُضُ
المعنى
الاِسْتِحَالَةُ مِنْ اسْتِحَالٍ، وَقَدْ قِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ عَنِ الِاسْتِوَاءِ إِلَى الْمَوْجِ قَدْ حَالَ وَاسْتَحَالَ.
الاِسْتِحَالَةُ وَالتَّنَاقُضُ مِنْ عُيُوبِ الْمَعَانِي، وَقَدْ تَحَدَّثَ عَنْهُمَا قُدَامَةُ فَقَالَ: « وَهُمَا أَنْ يُذْكَرَ فِي الشِّعْرِ شَيْءٌ فَنُجْمِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْمُقَابِلِ لَهُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ». وَسَمَّاهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ « الْمُضَادَّةَ »، وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: « هُوَ تَعْلِيقُ الشَّرْطِ عَلَى تَضَمُّنِ مُمْكِنٍ وَمُسْتَحِيلٍ، وَمُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُسْتَحِيلُ دُونَ الْمُمْكِنِ، لِيُؤْثِرَ التَّعْلِيقَ عَدَمَ وُقُوعِ الْمُمْكِنِ ». الْمَشْرُوطِ، فَكَأَنَّ الْحُكْمَ نَاقِصٌ نَفْسِهِ فِي الظَّاهِرِ، إِذْ شَرْطُ وُقُوعِ أَمْرٍ لِوُقُوعِ نَقِيضِهِ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الْحَمَّوِيِّ، وَشَاهَدَهُ مِنَ الْبَدِيعِيَّاتِ قَوْلُ الْمَوْصِلِيِّ: [ الْبَسِيطُ ]
أَيُّ نِفَاقٍ عَهْدُ الشَّارِحِينَ إِذَا مَا شَابَ غَرْبِي وَشِبْتُ شَهْوَةَ الْهَرَمِ
فَقَطْعَ تَنَاقُضِ عَهْدِهِمْ بِسَبَبِ عَزْمِهِ، وَشَيْبِ شَهْوَةِ الْهَرَمِ، وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: [ الْوَافِرُ ]
وَأَنْتَ سَوْفَ تَحْكُمُ أَوْ تُبَايِعِي إِذَا مَا شِبْتِ أَوْ شَابَ الْغُرَابُ
فَإِنْ تَعْلِيقُ حُكْمِ الْمُخَاطَبِ عَلَى شَيْءٍ مُمْكِنٍ، وَعَلَى شَيْبِ الْغُرَابِ مُسْتَحِيلٌ، وَمُرَادُهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ أَنَّكَ لَا تَحْكُمُ. وَعُرِفَ أُسَامَةُ بْنُ مَنْقِذٍ بِاسْمِ « التَّنَاقُضِ ». وَقَالَ: هُوَ أَنْ تَتَنَاقَضَ بَيْنَ الْمَعَانِي، مِثْلُ قَوْلِ مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ: [ الْكَامِلُ ]
ذَكَرَ الْمُصَرَّحَ قِرَاضَ غَيْرِ مُتَعَبِّدٍ وَأَقَامَ بِنَحْرٍ عَرِيبَةٍ وَتَجَلَّدِ
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: « إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ عَابَ عَلَى صَاحِبِهِ التَّنَاقُضَ، لِأَنَّ بَيْتَ أَبِي نُوَاسٍ مُتَنَاقِضٌ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الرَّوَاحِ وَالْإِقَامَةِ، وَعِنْدِي أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَنَاقِضَيْنِ وَلَا مُتَبَايِنَيْنِ ».
وَمِنْ ذٰلِكَ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [ الطَّوِيلُ ]
أَقَامَتْ بِهَا حَيٌّ تَرُدِّي الْعَوْدَ فِي الثَّرَى وَلَفَّتِ الدُّنْيَا فِي ثَلَاثَاءِ الْمَغَابِرِ
فَقَدْ نَاقَضَ لِأَنَّ الْعَوْدَ لَا يَكُونُ فِي الثَّرَى.
وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: [ الْوَافِرُ ]
وَأَنْتَ سَوْفَ تَحْكُمُ أَوْ تُبَايِعِي إِذَا مَا شِبْتِ أَوْ شَابَ الْغُرَابُ
فَإِنْ تَعْلِيقُ حُكْمِ الْمُخَاطَبِ عَلَى شَيْءٍ مُمْكِنٍ، وَعَلَى شَيْبِ الْغُرَابِ مُسْتَحِيلٌ، وَمُرَادُهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ أَنَّكَ لَا تَحْكُمُ. وَالْأَشْيَاءُ تَتَعَادَلُ عَلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ:
إِمَّا عَنْ طَرِيقِ الْمُضَافِ. وَمَعْنَى الْمُضَافِ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُقَالُ بِالْقِيَاسِ إِلَى غَيْرِهِ، مِثْلُ الضِّعْفِ إِلَى نِصْفِهِ، وَالْمَوْلَى إِلَى عَبْدِهِ، وَالْأَبِ إِلَى ابْنِهِ. فَكُلٌّ مِنْهَا يُقَالُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْآخَرِ، وَهٰذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ جِهَةٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُقَالُ مِنْهَا بِالْقِيَاسِ إِلَى غَيْرِهِ فَهِيَ مِنَ الْمُضَافِ، وَمِنْ جِهَةٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِإِزَاءِ صَاحِبِهِ الْمُقَابِلِ لَهُ فَهِيَ مِنَ الْمُتَقَابِلَاتِ.
وَإِمَّا عَلَى طَرِيقِ التَّضَادِّ، مِثْلُ: « الشَّرْرِيرِ لِلْحَرِّ، وَالْحَارِّ لِلْبَارِدِ ». وَإِمَّا عَلَى طَرِيقِ الْعِلْمِ وَالثَّبْتِ، مِثْلُ : « الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ ».
وَإِمَّا عَلَى طَرِيقِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، مِثْلُ أَنْ يُقَالَ : « سَمِيرٌ جَالِسٌ، وَسَمِيرٌ لَيْسَ بِجَالِسٍ ».
فَإِذَا أَتَى بِالشِّعْرِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ مُتَقَابِلَيْنِ مِنْ هٰذِهِ الْمُتَقَابِلَاتِ، وَكَانَ هٰذَا الْجَمْعُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهُوَ عَيْبٌ ظَاهِرٌ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالْمَعَانِي الشِّعْرِيَّةِ، بَلْ هُوَ لَاحِقٌ بِجِمَاعِ الْمَعَانِي. وَمِثَالُ ذٰلِكَ أَنْ يُقَالَ فِي تَقَابُلِ الْمُضَافِ : إِنَّ الْعَشَرَةَ مَثَلًا ضِعْفُ خَمْسَةٍ، وَنِصْفُ عِشْرِينَ، فَلَا يَكُونُ ذٰلِكَ مَحَالًا إِذَا قِيلَ مِنْ جِهَتَيْنِ، أَمَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا إِذَا قِيلَ إِنَّهَا ضِعْفُ خَمْسَةٍ وَنِصْفُ عِشْرِينَ، فَلَا. وَعِنْدَهُ فِي الشِّعْرِ : [ الْمُقْتَرِبُ ]
إِذَا انْتَكَّثَ الْخَجَلُ فَقَمْتَهُ صَيَّرَ الْجَبَانَ زَرْزًا خَفِيفًا
وَتَكَلَّمَ ابْنُ سِنَانٍ فِي بَابِ الْمَعَانِي عَنِ الِاسْتِحَالَةِ وَالتَّنَاقُضِ فَقَالَ : « إِنَّ مِنَ الصَّحَّةِ تَجَنُّبَ الِاسْتِحَالَةِ وَالتَّنَاقُضِ، وَذٰلِكَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمُتَقَابِلَيْنِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ». وَذَكَرَ بَعْضُ مَا ذَكَرَهُ قُدَامَةَ. وَذَكَرَ الْبِدَاعِيُّ فِي قَانُونِ الْبَلَاغَةِ أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ هُوَ الشَّيْءَ الَّذِي لَا يُوجَدُ وَلَا يُمْكِنُ مَعَ ذٰلِكَ أَنْ يُصَوَّرَ فِي الْفِكْرِ، مِثْلُ الصَّعَادِ النَّازِلِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَعُرِفَ التَّنَاقُضُ بِمِثْلِ تَعْرِيفِ قُدَامَةَ وَابْنِ سِنَانٍ، وَذَكَرَ جِهَاتِ التَّقَابُلِ الْأَرْبَعَ.
وَمِمَّا جَاءَ فِيهِ الِاسْتِحَالَةُ وَالتَّنَاقُضُ عَلَى جِهَةِ التَّعَمُّدِ قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ : [ الطَّوِيلُ ]
كَأَنَّ تَقَابُلًا مَا غَنَّى مِنْ خِضَابِهِ تَفَرَّقَتْ فِيهِ سَوَادٌ عِذَارُهُ
فَشَبَّهَ جِرَابَ الْكَأْسِ بِاللَّيْلِ، وَذٰلِكَ قَوْلُ جَازِرٍ لِأَنَّ الْجِرَابَ يُشْبِهُ الشَّبَحَ فِي الْبَيَاضِ، وَحَوْلَهُ لَا فِي شَيْءٍ آخَرَ. ثُمَّ قَالَ : [ الطَّوِيلُ ]
تَفَرَّقَ لَيْلٌ عَنْ أَدِيمِهَا تَفَرَّقَ نَهَارٌ عَنْ بَيَاضِ نِهَارِ
فَالْحِجَابُ الَّذِي جَعَلَهُ فِي هٰذَا الْبَيْتِ الثَّانِي كَاللَّيْلِ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ أَبْيَضَ كَالْجِلابِ، وَكَذٰلِكَ الْخَمْرُ، وَلَيْسَ فِي هٰذَا التَّنَاقُضِ مَنْصَرِفٌ إِلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْعِذْرِ؛ لِأَنَّ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ طَرَفَانِ مُتَضَادَّانِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الشَّيْءُ بِالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَمِمَّا جَاءَ مِنَ التَّنَاقُضِ عَلَى طَرِيقِ الْمُضَافِ، قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسِّ : [ الطَّوِيلُ ]
فَأَيُّهَا إِذَا مَا الصُّبْحُ حَلَّ بِشَخْصِهَا بِرْدًا يَنْحَسِي قَبْلَ ذَاكَ فَيَقْبَرُ. فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ « قَبْلَ » وَ « بَعْدَ »، وَهُمَا مِنَ الْمُتَضَادَّاتِ، لِأَنَّهُ لَا قِبَلَ إِلَّا لِمَا بَعْدَ الْأَشْيَاءِ، حَيْثُ قَالَ: « إِنَّهُ إِذَا وَقَعَ الْمَوْتُ بِهَا »، وَهٰذَا الْقَوْلُ كَأَنَّهُ شَرْطٌ وُضِعَ لِيَكُونَ لَهُ جَوَابٌ يَأْتِي بَعْدَهُ، وَجَوَابُهُ هُوَ قَوْلُهُ: « تَرَاهُ بِنَفْسِهِ قَبْلَ ذٰلِكَ ». وَمِمَّا جَاءَ مِنَ التَّنَاقُضِ عَلَى طَرِيقِ الْفُكاهَةِ وَالْعِلْمِ، قَوْلُ يَحْيَى بْنِ نُوْفَلٍ [ الْوَافِرُ ]
لِأَعْلَجُ ثَمَانِيَةً وَشَيْخٍ كَبِيرِ السِّنِّ ذِي بَصَرٍ ضَرِيرِ
فَلَفْظَةُ « ضَرِيرٍ » تُسْتَعْمَلُ فِي الْأَكْثَرِ لِلَّذِي لَا بَصَرَ لَهُ، وَيَقُولُ الشَّاعِرُ فِي هٰذَا الشَّيْخِ أَنَّهُ ذُو بَصَرٍ وَإِبْصَارٍ، فَتَتَنَاقَضُ مِنْ جِهَةِ الْفِطْنَةِ وَالْعَقْلِ، وَذٰلِكَ كَأَنْ يَقُولَ: لَهُ بَصَرٌ، وَلَا بَصَرَ لَهُ، فَهُوَ بَصِيرٌ أَعْمَى. وَمِنَ التَّنَاقُضِ عَلَى طَرِيقِ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُسِّ: [ الطَّوِيلُ ]
أَرَى حَجَرًا وَالثَّلَّ مِثْلَيَّ فَانْظُرُوا مَلَامَكُمْ فَإِنَّ الْقَتْلَ أَعْمَى وَأَيْسَرُ
فَأَوْجَبَ هٰذَا الشَّاعِرُ الْهَجْرَ وَالْقَتْلَ أَمْرَيْنِ مِثْلَيْنِ، ثُمَّ نَقَضَهُمَا بِقَوْلِهِ: « إِنَّ الْقَتْلَ أَعْمَى وَأَيْسَرُ »، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْهَجْرَ مِثْلُ الْهَجْرِ، وَلَيْسَ هُوَ هُوَ، وَلَوْ قَالَ: « بَلِ الْقَتْلُ أَعْمَى وَأَيْسَرُ » لَكَانَ الشِّعْرُ مُسْتَقِيمًا.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.