من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الإِرْصَادُ
المعنى
الإِرْصَادُ : الِانْتِظَارُ وَالإِعْدَادُ ، وَقِيلَ : أَرْصَدْتُهُ إِذَا قَعَدْتَ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ أَتَرَقَّبُهُ .
وَالإِرْصَادُ : هُوَ أَنْ يُجْعَلَ قَبْلَ الْعَجُزِ مِنَ الْفَقْرَةِ أَوِ الْبَيْتِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَجُزِ إِذَا عُرِفَ الرَّوِيُّ ، وَيُسَمَّى « التَّشْيِيمَ » ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الثَّوْبِ الْمُسَمَّى « الْمُشَيَّمَ » ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ لَوْنُهُ يَقْتَضِي أَنْ يَبْدُوَ لَوْنٌ مَخْصُوصٌ بِهِ لِمُجَاوَرَةِ اللَّوْنِ الَّذِي قِبَلَهُ .
وَسَمَّاهُ الْقَزْوِينِيُّ وَشُرَّاحُ تَلْخِيصِهِ إِرْصَادًا ، وَقَالَ : إِنَّهُ يُسَمَّى « تَشْيِيمًا » أَيْضًا ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ ... قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ وَمَا كَانَ اللّٰهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ (١) ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : « وَمَا كَانَ اللّٰهُ لِيَظْلِمَهُمْ » دَلَّ عَلَى نِهَايَةِ الْفَقْرَةِ ، « وَلٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » . وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبٍ : [ الْوَافِرُ ]
إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ
وَسَمَّاهُ كَذٰلِكَ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ بِقَوْلِهِ : « التَّشْيِيمُ هُوَ أَنْ يَسْتَدِلَّ السَّامِعُ عَلَى قَافِيَةِ الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الرَّوِيِّ ، وَالدَّلَالَةُ هٰذِهِ تَدُلُّ نَظَرًا عَلَى عَجُزِ الْبَيْتِ ، وَنَظْرًا عَلَى مَا دُونَ الْعَجُزِ ، وَالنَّظِيرَةُ أَنْ يُقَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَتَأَخَّرُ مِنْهُ لِفَظًا مَعْنًى بِاللَّفْظِ » . وَمِنْ شَوَاهِدِهِ قَوْلُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَمْرِو فِي الدَّلَالَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ : [ الْمُقْتَرِبُ ]
فَأَقْسِمُ يَا مَوْلَى لَكَ لَنِحْيَاكَ إِذَا اشْتَهَى مِنْكَ دَاءٌ عُضَالًا
تَبَيَّنَ الْحَقُّ فِي قَوْلِهِ : « فَأَقْسِمُ يَا عَمْرُو لَنِحْيَاكَ » يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ تَمَامُهُ : إِذَا بَقِيَ مِنْكَ دَاءٌ عُضَالًا أَوْ بَقِيَ غَضَبِيَ أَوْ اسْتِشْفَاعًا قَوْلًا ، إِلَى غَيْرِ ذٰلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي وَصْفَهُ عَلَى هٰذَا السَّنَنِ ، وَهٰذَا شَيْءٌ لَا يَخْفَى .
وَمِنْ شَوَاهِدِ الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ : [ الْوَافِرُ ]
وَنَسْحَقُ نَحْنُ أَخْمَاصًا ضِرَابًا وَأَوْفَاهُمْ إِذَا عَفَرُوا جُبَيْنًا
فَإِنَّهُ فَخَرَ فِي حَالَتَيِ الْحَرْبِ وَالسِّلْمِ بِرِعَايَةِ الذَّمَامِ وَالْوَفَاءِ ، فَالشَّاعِرُ رَصَدَ عَجُزَ الْبَيْتِ فِي بِنَائِهِ ، وَمَعْنَاهُ ضِيَاءٌ أَحَدُّ لَمْحَةٍ وَارْتِبَاطًا .
وَسَمَّاهُ قُدَامَةُ « التَّوْشِيحَ » ، وَقَالَ : « هُوَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْبَيْتِ شَاهِدًا بِقَافِيَتِهِ ، وَمَعْنَاهَا مُتَعَلِّقًا بِهَا ، حَتَّى إِنَّ الَّذِي يَعْرِفُ قَافِيَةَ الْقَصِيدَةِ الَّتِي الْبَيْتُ مِنْهَا إِذَا سَمِعَ أَوَّلَ الْبَيْتِ عَرَفَ آخِرَهُ ، وَبَانَتْ لَهُ قَافِيَتُهُ » .
وَكَذٰلِكَ سَمَّاهُ « تَوْشِيحًا » الْمِصْرِيُّ ، وَابْنُ مَالِكٍ ، وَابْنُ الْأَمِيرِ الْحَلَبِيُّ ، وَالتَّوْشِيحُ عِنْدَ ابْنِ مَنْقَذٍ : هُوَ أَنْ تُرِيدَ الشَّيْءَ ، فَتُعَبِّرَ عَنْهُ عِبَارَةً حَسَنَةً وَإِنْ كَانَتْ أَطْوَلَ مِنْهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْبُحْتُرِيِّ : [ الْبَسِيطُ ]
أَتَى الزَّمَانُ نَبِيُّهُ فِي شَبِيبَتِهِ فَسَرَّهُمْ وَأَبْنَاءً عَلَى حَرَمٍ
(١) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، آيَةٌ رَقْمُ (٧٠) . وَهٰذَا التَّعْرِيفُ لَا يَفِي بِتَعْرِيفِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْقَزْوِينِيِّ الَّذِي قَالَ : « الإِرْصَادُ وَيُسَمَّى التَّشْيِيمَ أَيْضًا ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ قَبْلَ الْعَجُزِ مِنْ فَقْرَةٍ أَوْ بَيْتٍ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَجُزِ إِذَا عُرِفَ الرَّوِيُّ » . وَنَحَا هٰذَا النَّحْوَ كَذٰلِكَ شُرَّاحُ تَلْخِيصِهِ ، كَالسَّكَاكِيِّ وَالتِّفْتَازَانِيِّ وَالإِسْفَرَايِينِيِّ وَالْعِضْدِيِّ.
وَأَشَارَ ابْنُ رَشِيقٍ إِلَى تَسْمِيَةِ الْقُدَمَاءِ بِالتَّوْشِيحِ ، إِلَّا أَنَّهُ سَمَّاهُ « تَسْمِيَةً » كَمَا سَمَّاهُ عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ الْحَاتِمِيُّ . قَالَ الْحَاتِمِيُّ : قَالَتْ لِعَلِيِّ بْنِ هَارُونَ الْمُنَجِّمِ : مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ بِصِنَاعَةِ الشِّعْرِ مِنْكَ فِي « التَّسْمِيَةِ » ، فَقَالَ : وَهٰذَا الَّذِي لَقِيتِ احْتِرَازَنَا نَحْنُ . وَمَا كَتَبْتُهُ ؟! يَا جَابِنِي بِجَوَابٍ لَمْ يُبْرِزْهُ فِي عِبَارَةٍ يَحْكُمُ بِهَا غَيْرُهُ : أَنَّ صِفَةَ الشِّعْرِ السَّمْحِ أَنْ يَسْبِقَ السَّمْحُ إِلَى قَوَافِي الشِّعْرِ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَيْهَا رَاوِيهِ ، مُنْذُ الصَّدْرِ الأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى السَّطْرِ الأَخِيرِ مِمَّا قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَهُ .
وَسَمَّاهُ ابْنُ وَكِيعٍ « الْمُطَعَّمَ » ، وَذَكَرَ ابْنُ سَنَانٍ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُسَمِّيهِ « تَسْمِيَةً » وَ « تَشْيِيمًا » ، وَبَعْضَهُمْ يُسَمِّيهِ « تَسْهِيمًا » .
وَرَأَى ابْنُ الأَثِيرِ أَنَّ تَسْمِيَتَهُ « الإِرْصَادَ » أَوْلَى ، وَذٰلِكَ حَيْثُ نَاسَبَ الاِسْمُ مُسَمَّاهُ وَلَاقَ بِهِ ، أَمَّا « التَّوْشِيحُ » فَنَوْعٌ آخَرُ مِنْ عِلْمِ الْبَيَانِ .
وَفَرَّقَ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَّوِيُّ بَيْنَ « التَّوْشِيحِ » وَ « السَّهْمِ » فَقَالَ : « اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْبَدِيعِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَى أَوَّلِ الْكَلَامِ إِلَّا عَلَى لَفْظِ آخِرِهِ ، وَلِهٰذَا سُمِّيَ « التَّوْشِيحَ » ، فَإِنَّهُ يُنَزَّلُ فِيهِ الْمَعْنَى مَنْزِلَةَ الْوِشَاحِ ، وَيُنَزَّلُ أَوَّلُ الْكَلَامِ وَآخِرُهُ مَنْزِلَةَ مَحَلِّ الْوِشَاحِ مِنَ الْعَاتِقِ وَالْكَشْحِ ، وَاللَّفْظُ بَيْنَهُمَا مَنْزِلَ الْوِشَاحِ . وَعُرِفَ « السَّهْمُ » بِأَنَّهُ : هُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَأْخُرُهُ ، تَارَةً بِالْمَعْنَى وَتَارَةً بِاللَّفْظِ » . وَمِنْهُ قَوْلُ الْبُحْتُرِيِّ : [ الطَّوِيل ]
فَلَسْتَ السَّمِيَّ قَدْ حَلَلْتَ بِمُحَلَّلٍ رَسْمُ النَّدَى فَقَدْ حُرِمْتَ بِحَرَامِ
فَقَوْلُهُ « لَسْتَ الَّذِي قَدْ حَلَلْتَ بِمُحَلَّلٍ » يُدْرِكُ السَّامِعُ أَنَّ تَمَامَهُ « قَدْ حُرِمْتَ بِحَرَامٍ » ، وَلَيْسَ الَّذِي قَدْ حَلَلْتَ بِمُحَلَّلٍ يُدْرِكُ السَّامِعُ أَنَّ تَمَامَهُ « قَدْ حُرِمْتَ بِحَرَامٍ » .
وَالإِرْصَادُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ حِينَمَا قَالَ : « وَلَكِنْ فِي صَدْرِ كَلَامِكَ دَلِيلٌ عَلَى حَاجَتِكَ ، كَمَا أَنَّ خَبَرَ أَبْيَاتِ الشِّعْرِ الْبَيْتِ الَّذِي إِذَا سَمِعْتَ صَدْرَهُ عَرَفْتَ قَافِيَتَهُ » .
وَعَلَى الْحَافِظِ أَنْ يَعِيَهُ بِقَوْلِهِ : « وَكَانَ يَقُولُ : فَرْقٌ بَيْنَ صَدْرِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ ، وَبَيْنَ صَدْرِ خُطْبَةِ الْجِهَادِ ، وَبَيْنَ صَدْرِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ ، وَبَيْنَ خُطْبَةِ الصُّلْحِ ، وَخُطْبَةِ التَّوَاهُبِ ، حَتَّى يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْ ذٰلِكَ صَدْرٌ يَدُلُّ عَلَى خُطْبَتِهِ » . عَجْزِهِ ، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي كَلَامٍ لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاكَ وَلَا يُشِيرُ إِلَى مَغْزَاكَ وَإِلَى التَّمَامِ الَّذِي إِلَيْهِ قَصَدْتَ وَالْغَرَضِ الَّذِي إِلَيْهِ نَزَعْتَ .
وَحَقِيقَةُ هٰذَا الْفَنِّ مِنْ مَحْمُودِ الصِّنَاعَةِ ، لِأَنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ مَا دَلَّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ .
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.