من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
اِسْتِثْنَاءُ الْحَصْرِ
المعنى
اِسْتِثْنَاءُ الْحَصْرِ: هُوَ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ ابْنِ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيِّ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ بِنَفْسِهِ الِاسْمَ قَائِلًا: وَمِنَ الِاسْتِثْنَاءِ نَوْعٌ وَقَعَ فِي تَسْمِيَةِ اسْتِثْنَاءِ الْحَصْرِ، وَهُوَ غَيْرُ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي يُخْرِجُ الْقَلِيلَ مِنَ الْكَثِيرِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ: [ الطَّوِيلُ ]
إِلَيْكَ وَإِلَّا مَا تُحَدِّثُ الرُّكَّابُ وَمَنْفَسُكِ وَإِلَّا فَالْمُحَدِّثُ كَاذِبُ
وَالْمَعْنَى الْمَفْهُومُ مِنْ سِيَاقِ الْبَيْتِ أَنَّ الرُّكَّابَ لَا تُحَدِّثُ إِلَّا بِالْمَمْدُوحِ، وَلَا يَصْدُقُ الْمُحَدِّثُ إِلَّا عَنْهُ. وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْحَصْرُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَعْنَوِيِّ، وَلَا تَفْسِيرُهُ إِلَّا عَلَيْهِ. وَلَا يُلْفَتُ فِيهِمْ أَلْفُ مَعْنًى إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾(١) لَوْلَا أَنَّهُ خَبِيرٌ عَلِيمٌ، وَلَوْلَا أَنَّهُ خَبِيرٌ عَلِيمٌ مَا أَخْبَرَ عَنْ خَلْقِهِ، وَلَوْلَا أَنْ يُخْبِرَ الصِّدْقُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخَبَرُ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾(٢) لَا يُمْنَعُ أَنْ يُقَالَ: لَوْلَا مُرَاعَاةُ الصِّدْقِ لَمَا صَحَّ هَذَا التَّرْكِيبُ، لِأنَّ حَصْرَ السُّجُودِ فِيهِمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَبْلَغُ. وَلِأَنَّ الصَّنِيعَ الَّذِي قَرَّرَهُ الْمُعْتَرِضُ لَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ؛ لِأَنَّهَا مَزَالِقُ أَهْلِ الْعِيِّ وَالْفَهْمِ. فَإِنْ قُلْتَ: كُلُّ الِاسْتِثْنَاءِ مَوْضُوعٌ لِلْحَصْرِ فَلَا اخْتِصَاصَ لِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ دُونَ الْأَوَّلِ، وَمَا تَقَرَّرَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ؛ قُلْنَا: بَلْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ إِذَا اقْتَرَنَ مَعَهُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ، وَأُتِيَ بِالْكَلَامِ عَلَى صُورَتِهِ، فَلَهُ اخْتِصَاصٌ يُمَيِّزُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ عَنِ الْأَوَّلِ، هُوَ أَنَّهُ فِيهِ مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مَا يُفِيدُ حَصْرًا أَشَدَّ مِنْ حَصْرِ جِنْسِ الِاسْتِثْنَاءِ كُلِّهِ، فَإِنَّهُ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي جَاءَ عَلَيْهَا يَجِيءُ عَامِلُهَا يُفِيدُ حَصْرًا أَشَدَّ مِنْ حَصْرِ جِنْسِ الِاسْتِثْنَاءِ كُلِّهِ.
وَسَمَّاهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ: « حَصْرَ الْجُزْءِ، وَإِحَاطَةَ الْكُلِّيِّ »، وَقَالَ: « هَذَا النَّوْعُ اخْتَرَعَهُ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ إِلَى نَوْعٍ فَيَجْعَلَهُ بِالتَّعْظِيمِ لَهُ جِنْسًا بَعْدَ حَصْرِ أَقْسَامِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ فِيهِ ». وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ مِنْ بَلَاغَتِهِ: [ الْبَسِيطُ ]
الْحَقُّ يَحْصُرُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ بِهِ فَالْجَزْءُ يَلْحَقُ بِالْكُلِّيِّ لِلْعِظَمِ.
(١) سُورَةُ الْمُلْكِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٤).
(٢) سُورَةُ الْحِجْرِ، آيَةٌ رَقْمُ (٣٠). ثَانِيَهُ؛ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَالِحٌ أَنْ يَكُونَ هُنَا كُلًّا لِمَا لِمِقْدَارِهِ وَعِظَمِهِ، فَقَوْلُهُ عَنِ الْأَشْيَاءِ: « فَالْجِزْيَةُ بِالْحَقِّ بِالذِّلَّةِ لِلْعِظَمِ » لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ. وَكَذَلِكَ سَمَّاهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ وَتَمَثَّلَ بِمِثْلِهِ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.