من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الِاسْتِئْنَافُ
المعنى
الِاسْتِئْنَافُ مِنْ «اسْتَأْنَفَ» ، وَاسْتَأْنَفَ الشَّيْءَ : أَخَذَ فِيهِ وَابْتَدَأَهُ . وَالِاسْتِئْنَافُ عُرْفَةٌ نَحْوِيَّةٌ ، يَعْنُونَ بِهِ الِابْتِدَاءَ بَعْدَ تَمَامِ كَلَامٍ ، يُفْهَمُ مِنْهُ جَوَابُ اسْتِفْهَامٍ مُقَدَّرٍ ؛ كَأَنْ يَكُونَ إِعَادَةَ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ ، كَقَوْلِكَ : «اِحْتَرِمْ زَيْدًا ، زَيْدٌ زَائِدٌ فِي أَهْلِ الِاحْتِرَامِ» ، أَوْ «اَحْرِمْ سَمِيرًا أَوِ احْتَرِمْهُ» . وَقَدْ يَكُونُ الِاسْتِئْنَافُ فِي إِعَادَةِ اسْمٍ وَلَا صِفَةٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى»(١) ، بَلْ فِعْلِهِمْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذَا فَاسْـَٔلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ(٢) . فَقَوْلُهُ : «فَاسْـَٔلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ» عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ جَوَابَهُ كَانَ يَحْكُمُ بِهِمْ وَلَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَأَنَّ مَنْ لَا يَنْطِقُ كَيْفَ يَفْعَلْ هٰذَا بَلْ كَيْفَ يَكُونُ .
(١) سُورَةُ طه ، الآيَةُ رَقْمُ (٥٥) .
(٢) سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ، آيَةٌ رَقْمُ (٦٣) . وَتَحَدَّثَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ فِي مَبْحَثِ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ عَنِ الِاسْتِئْنَافِ وَذَكَرَ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً لَهُ ، وَمِنْ ذٰلِكَ قَوْلُ الزَّبِيدِيِّ : [ السَّرِيعُ ]
مَلَّكْتَ حُبِّي وَلَكِنَّنِي خَطِي ... أَلْقَتْهُ مِنْ زُهَيْرٍ عَنْ غَرَارِبِي
وَقُلْتُ أَنَا فِي الْهَوَى كَذَبٌ ... إِنِّي الْهَوَى مِنَ الْكُذَّابِ
فَقَوْلُهُ : «إِنِّي الْهَوَى مِنَ الْكُذَّابِ» اسْتِئْنَافٌ ، لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ كَأَنَّهُ يُجِيبُ سَائِلًا قَالَ لَهُ : فَمَا تَقُولُ فِيمَا اتُّهِمْتَ بِهِ مِنْ أَنَّكَ كَاذِبٌ؟ فَقَالَ : أَقُولُ : إِنِّي الْهَوَى مِنَ الْكُذَّابِ .
وَهٰذَا النَّوْعُ مِنَ الْكَلَامِ كَثِيرٌ ، وَهُوَ مِنْ لَطِيفِ الْبَيَانِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ هٰذَا مِنَ الْحَذْفِ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمْ يَحْذِفْ مِنْ كَلَامِهِ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا السُّؤَالُ لَمْ يَقَعْ ، فَكَانَ هٰذَا جَوَابَهُ لَوْ وَقَعَ .
وَقَسَّمَ الْمُتَأَخِّرُونَ الِاسْتِئْنَافَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ :
أَوَّلًا : لِأَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْجُمْلَةُ الْأُولَى إِمَّا عَنْ سَبَبِ الْحُكْمِ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ :
[ الْخَفِيفُ ]
قَالَ لِي كَيْفَ أَنْتَ ؟ قُلْتُ عَلِيلٌ ... سَهَرٌ دَائِمٌ وَحُزْنٌ طَوِيلُ
أَيْ : مَا بَالُكَ عَلِيلًا ؟ أَوْ مَا سَبَبُ عِلَّتِكَ ؟
ثَانِيًا : وَإِمَّا عَنْ سَبَبٍ خَاصٍّ لَهُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : «وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ»(١) كَأَنَّهُ قِيلَ : لِمَ نَسَبْتَ النَّفْسَ أَمَّارَةً بِالسُّوءِ ؟ فَقَالَ : «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» .
ثَالِثًا : وَإِمَّا عَنْ غَيْرِهَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : «قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ»(٢) كَأَنَّهُ قِيلَ : فَمَاذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؟ فَقِيلَ : قَالَ سَلَامٌ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : [ الْكَامِلُ ]
زَعَمَ الْعَوَاذِلُ أَنَّنِي فِي غَمْرَةٍ ... صَدَقُوا وَلَكِنْ غَمْرَتِي لَا تَنْجَلِي
وَقَدْ يُحْذَفُ صَدْرُ الِاسْتِئْنَافِ لِقِيَامِ قَرِينَةٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : «يُسْبِغُ لَكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً» بِحَالِهِ ، وَحَالِكُمْ(٣) ، فَمَنْ قَرَأَ «يُسْبِغُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ فِي حَذْفِ الِاسْتِئْنَافِ : [ الْوَافِرُ ]
زَعَمْتُمْ أَنَّ إِخْوَتَكُمْ فِرَاشٌ ... لَكُمْ أَلْفٌ وَلَيْسَ لَكُمْ أُلُوفُ
(١) سُورَةُ يُوسُفَ ، آيَةٌ رَقْمُ (٥٣) .
(٢) سُورَةُ هُودٍ ، آيَةٌ رَقْمُ (٦٩) .
(٣) سُورَةُ النُّورِ ، الْآيَةُ رَقْمُ (٢١) . حَذْفُ الْجَوَابِ الَّذِي هُوَ كَذٰبٌ فِي زَعْمِكُمْ، وَأَقَامَ مَقَامَهُ « لَهُمْ أَلْفٌ وَلَيْسَ لَكُمْ أَلْفٌ » لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ يُحْذَفُ صَدْرُ الِاسْتِئْنَافِ وَلَا يُقَامُ مَقَامَهُ شَيْءٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: « ﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ ﴾(١) » أَيْ أَيُّوبُ.
(١) سُورَةُ ص، آيَةٌ رَقْمُ (٣٠).
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.