من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الِاسْتِتْبَاعُ
المعنى
الِاسْتِتْبَاعُ: هُوَ الْمَحْبُوبُ، بِوَجْهٍ يَجِبُ يَسْتَمِعُ وَجْهًا آخَرَ، وَاسْتَتْبَعَهُ: طَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَهُ.
سَمَّى أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ « الِاسْتِتْبَاعَ » « الْمُضَافَعَةَ »، وَقَالَ: « هُوَ أَنْ يَتَضَمَّنَ الْكَلَامُ مَعْنَيَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مُصَرَّحٍ بِأَحَدِهِمَا وَيَلْمَحُ الْآخَرَ إِلَيْهِ »، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ:
يَخْرُجُ مِنْ جِسْمِكَ السَّمُّ كَمَا أُخْرِجَ دَمُ الْفَضْلِ مِنْ عِرْقِكَ
يَسْحُّ سَخَاءَكَ حَتَّى يُرَى خِلَعٌ فِيهَا أَصَحُّ خِلْقَتِكَ
[مَجْزُوءُ الْمُنْسَرِحِ]
فَدَلَّ عَلَى الصِّحَّةِ، وَأَخْبَرَ بِصِحَّةِ خَلْقِهِ، فَهُمَا مَعْنَيَانِ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ، وَمِنْهُ نَثْرًا مَا كَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ وَهْبٍ: « ...، وَكِتَابِي إِلَيْكَ، وَشَطْرُ قَلْبِي عِنْدَكَ، وَالشَّطْرُ الْآخَرُ غُلُوبِي مِنْ تَذَكُّرِكَ وَالثَّنَاءِ عَلَيْكَ، أَعْطَاكَ اللَّهُ بَرَكَةَ وَجْهَكَ ... »، فِيهِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ دَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ جَعَلَ وَجْهَهُ ذَا بَرَكَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلِذٰلِكَ عُدِلَ إِلَيْهَا فِي الدُّعَاءِ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ بَرَكَاتِ الْمَطَرِ وَغَيْرِهِ.
(١) سُورَةٌ ص، آيَةٌ رَقْمُ (٣٠). غَيْرَ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ مُنْقِذٍ سَمَّاهُ «التَّعْلِيقَ»، وَقَالَ: هُوَ أَنْ يُصَيِّرَ ذٰلِكَ أَنْ تَعْلِقَ مَدْحًا بِمَدْحٍ، وَهَجْوًا بِهَجْوٍ، وَمَدْحًا بِهِجَاءٍ، بِمَعْنًى، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُتَنَبِّي: [الخَفِيفِ]
حَسَنٌ فِي عُيُونِ أَعْدَائِهِ أَدْ ...
أَتْبَعَ الْفَتْحَ الْحُسْنَ وَكَلَامَهَا مِدَاحٌ، وَوَصَفَهُ بِالْكَرَمِ لِأَنَّ الْإِبِلَ إِذَا رَأَتْ ضَبَّةً عَلِمَتْ أَنَّهَا تُنْحَرُ لَهُ.
وَيَعُدُّ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ ابْنَ مُنْقِذٍ فِي مَنْهَجِهِ، فَيَقُولُ: «هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِمَدْحٍ فِي غَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِ الشِّعْرِ، ثُمَّ يَسْتَتْبِعَ بِهِ مَدْحًا آخَرَ مِنْ ذٰلِكَ الْغَرَضِ، يَقْتَضِي زِيَادَةَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي ذٰلِكَ الْفَنِّ، كَمَنْ يُرِيدُ مَدْحًا لِإِنْسَانٍ بِالْكَرَمِ فَيَمْدَحُهُ بِالْكَرَمِ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى الشَّجَاعَةِ، يَحْتَفِي لِأَرَادَ أَنْ يَخْلُصَ ذِكْرَ الشَّجَاعَةِ مِنَ الْكَرَمِ لِمَا قَدَرَ». وَكَذٰلِكَ سَمَّاهُ «التَّعْلِيقَ» ابْنُ مَالِكٍ وَالْمُلَوِّيُّ، بَيْنَمَا سَمَّاهُ الأُزْرِيُّ وَالْحَلَبِيُّ وَالنُّوَيْرِيُّ وَابْنُ تَمِّ الجُوزِيَّةِ «المُرْتَجَةَ»، وَهٰذِهِ نِسْبَةُ الأَغَالِبَةِ.
كَقَوْلِ الْمُتَنَبِّي: [الطَّوِيلِ]
تَهَيَّبَ مِنَ الأَعْمَارِ مَا لَوْ حَزَنْتَهُ لَهَيَّبَتِ الدُّنْيَا بِأَنَّكَ خَالِدُ
وَقَدْ سَمَّاهُ ابْنُ جِنِّي «المَدِيحَ المُرْتَجَى»، حَتَّى إِنَّهُ (الْمُتَنَبِّي) لَوْ لَمْ يَمْدَحْ يَسْرِي هٰذَا البَيْتُ، لَكَانَ قَدْ بَقِيَ وَحْدَهُ مَا لَا يُخْلِقُ الزَّمَانُ، وَأَخَذَ البُسْطَاطُ هٰذِهِ التَّسْمِيَةَ (المَدِيحَ المُرْتَجَى)، وَقَالَ: «المَدِيحُ المُرْتَجَى» وَقَصَدَ بِالْفَارِسِيَّةِ مَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَمَّا السَّكَّاِكِيُّ فَسَمَّاهُ الِاسْتِسْتِعَاطَ، وَقَالَ: «هُوَ الْمَدْحُ يَشِيءٌ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَتْبِعُ مَدْحًا آخَرَ».
وَنَبِعَ فِي هٰذَا الْفَنِّ الْقُرَظِيُّ، وَالسُّكَّيُّ، وَالثَّنْفَانِيُّ، وَالْحُمَّوِيُّ، وَالْبُسْطِيُّ، وَالِاسْتِرَابَادِيُّ، وَالْمَغْرِبِيُّ، وَالْمَهْرُوِيُّ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي الْإِصْبَعِ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّكْمِيلِ، يَقُولُ: «وَالْفَرْقُ بَيْنَ هٰذَا النَّوْعِ وَبَيْنَ التَّكْمِيلِ أَنَّ التَّكْمِيلَ يُكَمِّلُ مَا وُصِفَ بِهِ أَوَّلًا، وَالِاسْتِتْبَاعَ لَا يَلْزَمُ فِيهِ ذٰلِكَ».
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا جَاءَ مِنَ الِاسْتِتْبَاعِ فِي الذَّمِّ قَوْلُ ابْنِ هَانِي الأَنْدَلُسِيِّ: [الخَفِيفِ]
إِنَّ لَفْظًا تَعْقُلُهُ لَسُبَّةٌ إِنَّ فِي مَنْظَرِ الحَضْرِ الخَلِيفَ وَصَفَهُ بِاللُّؤْمِ وَقُبْحِ اللَّهْجَةِ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَتِمُّ وَصْفُهُ بِجَفَاءِ الْخِلْقَةِ وَالْبَذَاذَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيِّ: [ الطَّوِيلُ ]
وَرِثْتُمُ الْحَيَاءَ السَّابِغَاتِ لِتَلْبَسُوا فَسَارُوا وَعَادُوا خَاسِئِينَ عَلَى وَجْهِ
وَسَمَّاهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ التَّعْلِيقَ أَيْضًا، فَقَالَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَمْلِ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا؛ ثُمَّ هُوَ وَارِدٌ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ: [ الطَّوِيلُ ]
فَإِنِّي أَنَا لَمْ يُبْعِدْكَ عَنِّي صَبَابَةٌ عَدُوُّكَ، فَافْعَلْ أَنْتَ غَيْرَ حَمِيدِ
فَتَعَلَّقَ عَدَمُ حَمْدِهِ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ حَمِدَ عَدُوَّهُ عَلَى وَجْهِ الْكَرَمِ مِنْهُ، لَكِنْ حَمْدُ عَدُوِّهِ مَوْجُودٌ لِأَجْلِ مَدَائِحِهِ وَتَرَدُّدِهَا عَلَى لِسَانِهِ، فَلَا جَرَمَ إِنْ كَانَ حَمْدُهُ مَوْجُودًا.
وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعَانِي بِمَقْصَدِهِ ثُمَّ يُطَرِّقَهُ لِمَا يُرِيدُ ذِكْرَهُ بَعْدَهُ مِنْ مَعْنًى آخَرَ، كَقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ يَهْجُو رِجَالًا: [ مَجْزُوءُ الْوَافِرِ ]
لَهُمْ فِي نَيْلِهِمْ نَسَبٌ وَفِي وَسَطِ الْمَلَا نَسَبُ
لَفَتْ زَرْوَ أَعْجَزِهِمْ وَلَوْ زَيْنَتْهَا غَضَبُ
فَعَلَّقَ مَجْرُومَهُمْ بِالسَّخَفِ، وَالْحَمَاقَةِ قَصْدُهُ بِهَجْرِ أَيْمٍ حَيْثُ لَمْ يَرْضَوْا الِانْتِسَابَ إِلَيْهِ لِدَنَاءَتِهِ، وَعَلَّمَ عَلَيْهِ هَجْرَ أُمُّهُمْ لِكَوْنِهَا زَانِيَةً لَا تَسْتُرُ مِنْ إِبْدَاءِ الْفَاحِشَةِ.
وَسَمَّاهُ الْحَمَوِيُّ « الِاسْتِيعَابَ »، وَقَالَ: « هُوَ أَنْ يَذْكُرَ النَّاظِمُ أَوِ النَّاثِرُ مَعْنًى مَلِيحًا أَوْ أَدْمًا أَوْ غَرَضًا مِنْ أَغْرَاضِ الشِّعْرِ، فَيَسْتَتْبِعَ مَعْنًى آخَرَ مِنْ جِنْسِهِ يَقْتَضِي زِيَادَةً فِي وَصْفِ ذٰلِكَ الْفَنِّ ».
وَمِنْ شَوَاهِدِهِ قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ فِي بَدِيعِيَّتِهِ: [ الْبَسِيطُ ]
يَحْضُرْنَ مُسْتَشْرِفِينَ الْفَقْرَ إِنْ ظَفِرُوا وَيَحْفَظُونَ دِينَهُمْ إِنْ عُدِمُوا دِرْهَمًا
وَهٰذَا التَّعْرِيفُ يُمَاثِلُ تَعْرِيفَ جِرْمَانُوس فَرْحَاتَ إِذْ قَالَ: « هُوَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاظِمُ فِي شِعْرِهِ ... ».
٧٠ الزِّيادَةُ الَّتي تَصْحَبُها وَالتَّوْكِيدُ الَّذي تُوضِّحُه في اسْتِثْنائِك ... وَمِثْلُهُ يَقولُ أَبُو تَمَّامٍ :
[الْوَافِر]
تَنَصَّلَ رَبُّهَا مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ إِلَيْكِ يَسْرِي النُّصْحُ في السَّوْدَادِ
فاسْتَثْنَى النُّصْحَةَ في الْوَفَاءِ وَالْإِخْلَاصِ ، بَعْدَما قَطَعَ رَبُّهَا ما كانَ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ ، فَفِيهِ
كَمُلَ هٰذا النَّوْعُ الاسْتِثْنائِيُّ حُسْناً وَجَمالاً .
وَالضَّرْبُ الآخَرُ : اسْتِقْصاءُ الْمَعْنَى وَالتَّجَرُّدُ مِنْ دُخُولِ النُّقْصانِ ، مِثْلَ قَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ
الْعَبْدِ : [الْكَامِل]
فَسَقَى زِرَاعَكَ غَيْرُ مُفْسِدِهَا صَوْبَ الرَّبِيعِ وَرِيعَةً تَهْمِي
فاسْتَثْنَى مِنْهُ غَيْرَ مُفْسِدِهَا الَّذِي يُفْسِدُ مَعَهَا كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَ أَنْ سَقَتِ الْأَمْطَارُ فَأَحْيَاهَا
وَهٰذَا مُنْتَهَى الْكَمَالِ في الاسْتِثْناءِ ، وَسَارَ عَلَى هٰذَا النَّهْجِ التِّبْرِيزِيُّ وَالْبُلْغَدَارِيُّ ، وَسَمَّاهُ
« الاسْتِثْناءَ أَيْضاً الْمُنْقَطِعَ الْعُلْوِيَّ » .
وَوَصَفَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الاسْتِثْناءَ إلى صِنْفَيْنِ فَقالَ : الاسْتِثْناءُ اسْتِثْنَاءانِ : لَفْظِيٌّ
وَمَعْنَوِيٌّ .
فَاللَّفْظِيُّ : إِخْراجُ الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ ، وَقَدْ فَرَّعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذٰلِكَ فَفَصَّلُوا في كُتُبِهِمْ
وَمُصَنَّفَاتِهِمْ ، غَيْرَ أَنَّهُ يُفِيدُ بَعْدَ إِخْراجِ الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ مَعْنًى زائِداً ، إِضافَةً إِلى مَعْنَى الاسْتِثْناءِ
وَيَسْتَحِقُّ بِهِ أَنْ يُعَدَّ في أَبْوَابِ الْبَدِيعِ ، وَمَعْنًى لَمْ يَكُنْ في الاسْتِثْناءِ وَالاسْتِدْرَاكِ مَعْنًى مِنَ
الْمَحاسِنِ غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ لا يَبْلُغُ مِنَ الْبَدِيعِ ، كَقَوْلِهِ تَعالى : « فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ إِلَّا
إِبْلِيسَ » (١) فَإِنَّ في هٰذَا الْكَلَامِ مَعْنًى زائِداً على مِقْدارِ الاسْتِثْناءِ ، وَذٰلِكَ لِعِظَمِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي
أَتَى بِهَا إِبْلِيسُ مِنْ كَوْنِهِ خارِقَ إِجْماعِ الْمَلائِكَةِ يُخْرِجُهُ بِخُرُوجِهِ مِمَّا دَخَلُوا فِيهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ .
فَهٰذِهِ الْمَعاني في الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ زائِدَةٌ على الاسْتِثْناءِ اللَّفْظِيِّ . وَمِنْ أَمْثِلَةِ الاسْتِثْناءِ اللَّفْظِيِّ في
الشِّعْرِ قَوْلُ التَّبَرِيِّ : [ الطَّوِيل ]
فَلَوْ كُنْتَ بِالْخَلْقاءِ أَوْ أَطْرُوحَهَا لَخَلَّتْكَ إِلَّا أَنَّ نَصَّدَ تُراثِي
هٰذَا الاسْتِثْناءُ في غايَةِ الْحُسْنِ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْمُبالَغَةَ في زِيادَةِ مَدْحِ الْمَمْدُوحِ ، وَذٰلِكَ
(١) سُورَةُ الْحِجْرِ ، آيَةٌ رَقْمُ (٣٠) . لِقَوْلِ الشَّمَّرِيِّ لَوْ كُنْتِ فِي حِجْرِ الْحِلْمِ لَخَنَقْتُكِ حَنَقًا مِنْ رِفْقِي وَلَيْسَ لَكِ مَانِعٌ يَمْنَعُكِ عَنِّي .
فَازْدَادَتْ هَذِهِ فِي غَايَةِ اللُّطْفِ وَهِيَ قُوَّةٌ إِلَّا أَنْ تَصِفَ فَائِتًا فِي الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِ مَمْنُوعٍ ، وَهَذَا غَايَةُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ .
وَعَلَى هَذَا الْمَنْهَجِ سَارَ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ فِي الْبَدِيعِيَّاتِ : [ الْبَسِيطُ ]
عَفَتِ الْقُفُورُ فَلَمْ أَسْتَمْتِعْ بِهَا أَثَرًا إِلَّا مَصَاطِفَ أَغْصَانٍ يُسَلِّمُ سَلَمُ
فَإِنَّ زِيَادَةَ مَعْنَى الْبَيْتِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَانْسِجَامَ أَفْنَانِهِ وَسُهُولَتَهُ لَا تَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْأَدَبِ . أَمَّا تَرْجِيحُ تَوْرِيَةِ « الِاسْتِثْنَاءِ » بِذِكْرِ الْمُقَدَّرِ وَالْمُعَاطِفِ ، فَإِنَّهُ مِنَ التَّنَسُّمَاتِ الَّتِي حَرَّكَتْ الْقُدُورَ وَالْمَعَاطِفَ ، وَالتَّكْمِيلُ قَوْلُهُ سَلِمَ ، إِذْ هُوَ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ .
وَفِي هَذَا الْفَنِّ قَرَّنَ السُّرُوطِيُّ الِاسْتِدْرَاكَ بِالِاسْتِثْنَاءِ ، وَقَالَ : إِنَّ شَرْطَهُمَا جَمِيعًا أَنْ يُقَصِّرَا مَعَنًى مِنَ الْمَحَاسِنِ زَائِدًا عَلَى مَا يُبْدَلُ فِيهِ بِالْمَعْنَى الْمَفْرُوضِ . وَذَكَرَ الْمَدَنِيُّ هَذَا الشَّرْطَ فَقَالَ : « فَلَيْسَ كُلُّ اسْتِدْرَاكٍ يُعَدُّ مِنَ الْمُحَسِّنَاتِ الْبَدِيعِيَّةِ ، بَلْ يَشْتَرِطُ فِيهِ اشْتِمَالُهُ عَلَى مَعْنًى يَزِيدُ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمَحْضِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ أَنْ يُنْظَمَ فِي سِلْكِ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ » كَقَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ ضَبِيعٍ الْفَزَارِيِّ : [ الطَّوِيلُ ]
ثَنَيْتُ وَمَا يَبْقَى ضَحِيِّي وَمَطْلِعِي وَكُلُّ أَمْرٍ إِلَّا أَحَادِيثُ قَانِي
فَلَيْسَ هَذَا الْبَيْتُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي شَيْءٍ ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاحْتِرَاسِ وَالِاحْتِيَاطِ ، فَلَوْ أَدْخَلَ كُلَّ مَا وَقَعَ فِيهِ اسْتِثْنَاءٌ لِخَرَجَ عَنِ الْقَصْدِ وَغَرَضِهِ ، وَلِكُلٍّ نَوْعٌ مَوْضِعٌ » ، وَهَذَا مَا أَيَّدَهُ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ .
وَكَذَلِكَ عَرَّفَ الْمُطَرَّانُ جِرْمَانُوس فَرْحَاتُ الِاسْتِثْنَاءَ بِقَوْلِهِ : « هُوَ إِخْرَاجُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ فِي حُكْمٍ شَامِلٍ بِأَدَاتِهِ وَأَخَوَاتِهَا ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُرَادَ مَعْنَى الْمُسْتَثْنَى عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ » ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ : [ الْبَسِيطُ ]
وَمَا عَلَيْنَا إِذَا مَا كُنْتِ جَارَتَنَا أَنْ لَا يُجَاوِرَنَا إِلَّاكِ جَارُ
وَعَدَّ الزَّرْكُشِيُّ بَابًا لِلِاسْتِثْنَاءِ ، وَقَالَ : « وَقَرُبَ مِنْهُ تَأْكِيدُ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ » ، بِأَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ صِفَةِ ذَمٍّ مَنْفِيَّةٍ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةُ مَدْحٍ يُتَقَدَّرُ دُخُولُهَا فِيهَا . وَيُبْنِي أَكْثَرُ الْبُلَغَاءِ نَظَرَهُمْ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ زَاوِيَتَيْنِ:
الْأُولَى: أَنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ.
الثَّانِيَةِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ ﴿ إِلَّا ﴾ فِي صَدْرِ بَيْتِ الشِّعْرِ فَقَطْ، أَمَّا الثَّانِيَةُ الَّتِي فِي عَجُزِهِ،
فَهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ ﴿ إِنْ ﴾ الشَّرْطِيَّةِ، وَ ﴿ لَا ﴾ النَّافِيَةِ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.