من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الاِسْتِخْدَامُ
المعنى
الاِسْتِخْدَامُ فِي اللُّغَةِ اسْتِعْمَالٌ مِنَ الْخِدْمَةِ. أَوَّلُ مَنْ عَرَّفَ الِاسْتِخْدَامَ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ قَائِلًا: «إِنَّ الِاسْتِخْدَامَ هُوَ أَنْ تَكُونَ لِلْكَلِمَةِ مَعْنَيَانِ تَحْتَاجُ إِلَيْهِمَا، فَنَذْكُرُهَا مَرَّةً وَحْدَهَا، فَتَسْتَعْمِلُ لِلْمَعْنَيَيْنِ»، كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾(١) وَالصَّلَاةُ هُنَا. (١) سُورَةُ النِّسَاءِ، آيَةٌ رَقَمُ (٤٣). تَتَحَمَّلُ أَنْ تَكُونَ فِعْلَ الصَّلَاةِ، وَمَوْضِعَ الصَّلَاةِ، فَنَسْتَعْمِلُ الصَّلَاةَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾(١) تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾(٢) تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الْبُحْتُرِيِّ: [ الْكَامِلُ ]
فَشَقَّ الْمَغْنَى وَالسَّاكِنِينَ وَإِنْ هُمُ شَاءُوا بِنُهْنَ جَوَارِحٌ وَقُضُبُ
فَالْمَغْنَى يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحَجَرَ، فَاسْتُخْدِمَ الْمُعَيَّنُ يَقُولُهُ: «وَالسَّاكِنِينَ» فِي قَوْلِهِ: «وَإِنْ هُمُ شَاءُوا»، وَعَرَفَهُ ابْنُ شِبْتِ الْقُرَشِيُّ يَقُولُ: «هُوَ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ تَقْتَضِي مَعْنَيَيْنِ فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا جَمِيعًا». وَمِثْلُ ذٰلِكَ: «مَا أَنَا عَلَى عُهُودِكَ الَّتِي تَعْلَمُ»، لَمْ يُحِلَّ مِنْ أَمْرِكَ عَقْدًا، وَلَا مَكَانًا أَتَى مَلَكٌ فِيهِ فَضَلًا؛ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ «أَحَلَّ» لِلْمَعْنَيَيْنِ.
وَقَالَ الْمَصْرِيُّ: «هُوَ أَنْ يَأْتِي الْمُتَكَلِّمُ بِلَفْظَةٍ لَهَا مَعْنَيَانِ ثُمَّ يَأْتِي بِلَفْظَتَيْنِ تَتَوَسَّطُ تِلْكَ اللَّفْظَةَ بَيْنَهُمَا، وَيُسْتَعْمَلُ كُلُّ لَفْظَةٍ مِنْهُمَا فِي مَعْنًى مِنْ مَعَانِي تِلْكَ اللَّفْظَةِ الْمُحْتَمِلَةِ».
وَنَقَلَ الْحَلَبِيُّ وَالْنَّوْرِيُّ تَعْرِيفَ الْمَصْرِيِّ، وَاخْتَلَفَ تَعْرِيفُ الِاسْتِخْدَامِ بَعْدَ ذٰلِكَ، فَانْقَسَمَ الِبْلَاغِيُّونَ إِلَى مَنْ يُؤَيِّدُ ابْنَ مَالِكٍ، وَيَنْتَصِرُ لِلْقُزْوِينِيِّ، فَإِنَّ مَالِكًا يَقُولُ: «إِنَّ الِاسْتِخْدَامَ إِطْلَاقُ لَفْظٍ مُشْتَرَكٍ ثُمَّ يُؤْتَى لَفْظٌ يَنْتَفِعُ بِهِمْ، أَحَدُهُمَا فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَمِنَ الْآخَرِ الْمَعْنَى الْآخَرِ»، ثُمَّ إِنَّ اللَّفْظَيْنِ قَدْ يَكُونَانِ مُتَأَخِّرَيْنِ عَنِ اللَّفْظَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَقَدْ يَكُونَانِ مُتَقَدِّمَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُمَا، وَمِثَالُ هٰذِهِ الطَّرِيقَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾(٣) فَإِنَّ لَفْظَةَ «كِتَابٍ» أَتَى يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَجَلُ الْمَحْتُومُ، وَالْكِتَابُ الْمَكْتُوبُ، وَقَدْ تَوَسَّطَ بَيْنَ لَفْظَتَيْ «أَجَلٍ» وَ«كِتَابٍ»، فَاسْتُعْمِلَتْ أَحَدُ مَفْهُومَيْهِمَا، وَهُوَ الْأَمْرُ بِقَرِيبَةٍ، ذَكَرَ الْأَجَلَ، وَاسْتُخْدِمَ الْمَفْهُومُ الْآخَرُ، وَهُوَ الْكِتَابُ الْمَكْتُوبُ بَقَرِيبَةٍ «وَيَمْحُو». وَهٰذَا مَا ذَكَرَهُ الْمَصْرِيُّ مِنْ قَبْلُ حِينَ ذَكَرَ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ شَاهِدًا لِلِاسْتِخْدَامِ.
وَيَقُولُ الْقُزْوِينِيُّ: هُوَ إِيرَادُ لَفْظٍ ذِي مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا ثُمَّ يُرَادُ بِيَضْمِيرِهِ الْآخَرُ، أَوْ يُرَادُ بَعْضُهُ بِضَمِيرِ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ يُرَادُ بِالْآخَرِ الْآخَرُ. فَمِنْ قَوْلِ أَحَدِهِمْ فِي الْأَوَّلِ: [ الْوَافِرُ ]
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا
(١) سُورَةُ النِّسَاءِ، آيَةٌ رَقَمُ (٤٣).
(٢) سُورَةُ الزُّمَرِ، الْآيَةُ (٣٩).
(٣) سُورَةُ الرَّعْدِ، الْآيَةُ (٣٩). وَالثَّانِي مَا ذَكَرَهُ لِلْجُرْجَانِيِّ « فَسْخُ اللَّفْظِ ». وَسَارَ عَلَى هٰذَا الْمِنْوَالِ مُعْظَمُ الْبُلَاغِيِّينَ وَأَصْحَابُ الْبَدِيعِيَّاتِ وَمِنْهُمْ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ الَّذِي ذَكَرَ طَرِيقَتَيْ ابْنِ مَالِكٍ وَالْقَزْوِينِيِّ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَقَالَ: وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالطَّرِيقَتَانِ رَاجِعَتَانِ إِلَى مَقْصُودٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْمَعْنَيَيْنِ بِضَمِيرٍ وَاحِدٍ، وَتَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: [الْبَسِيطُ]
مِنْ كُلِّ أَبْلَجَ وَارِي الزَّنْدِ يَوْمَ تَرَى شَفْرَيْهِ عَنْهُ وَيَوْمَ الْحَرْبِ مُصْطَلِمُ
وَاسْتَخْرَجُوا الْمَعْنَى مِنْهُ، وَهِيَ جَارِيَةٌ وَقَدْ سُحِبَتْ بِهَا أَيَّامُ عُسْرِهِمْ. وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ مَا قَالَهُ الْحَمَوِيُّ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الطَّرِيقَةَ ثَانِيَةً مَذْهَبُ السَّكَاكِيِّ وَأَتْبَاعِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ جِرْمَانُوس فَرَحَاتٌ مَذْهَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِلْقَزْوِينِيِّ، وَالْآخَرُ لِبَدْرِ الدِّينِ بْنِ مَالِكٍ، وَمِنْ شَوَاهِدِ قَوْلِ الْحِلِّيِّ: [الْبَسِيطُ]
مِنْ كُلِّ أَبْلَجَ وَارِي الزَّنْدِ يَوْمَ تَرَى شَفْرَيْهِ عَنْهُ وَيَوْمَ الْحَرْبِ مُصْطَلِمُ
وَقَدْ ذَكَرَ الْحِلِّيُّ أَنَّ الِاسْتِخْدَامَ عَزِيزٌ، وَلِذٰلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الْمُتَقَدِّمُونَ لَهُ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.