من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الاِسْتِعَارَةُ
المعنى
الاِسْتِعَارَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَارِيَةِ، وَاسْتِعَارَ طَلَبَ الْعَارِيَةِ، أَيِ نَقْلُ الشَّيْءِ مِنْ شَخْصٍ إِلَى آخَرَ حَتَّى تَصِيرَ الْعَارِيَةُ مِنْ خَصَائِصِ الْمُسْتَعِيرِ.
وَذَكَرَ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ الاِسْتِعَارَةَ، وَقَالَ: «الاِسْتِعَارَةُ أَفْضَلُ الْمَجَازِ، وَهِيَ مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ إِذَا وُقِعَتْ مَوْقِعَهَا وَنَزَلَتْ مَنْزِلَتَهَا، وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا؛ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعِيرُ لِلشَّيْءِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَلَا إِلَيْهِ كَقَوْلِ لَبِيدٍ: [الْكَامِلِ]
وَعَسْعَسَ اللَّيْلُ قَدْ زَعَمْتِ وَقَرَّهُ إِذَا أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمَالِ زِمَامُهَا
فَاسْتَعَارَ لِلرِّيحِ الشَّمَالِ بَدْءًا، وَلِلْغَدَاةِ زِمَامًا، وَجَعَلَ زِمَامَ الْغَدَاةِ لِيَدِ الشَّمَالِ إِذَا كَانَتِ النَّقْلَةُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَتِ الْيَدُ مِنَ الشَّمَالِ، وَلَا الزِّمَامُ مِنَ الْغَدَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُهَا مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ، كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: [الطَّوِيلِ]
أَقَامَتْ بِهِ حَتَّى إِذَا مَا اشْتَوَى النَّهَى وَسَاقَ السُّرَى فِي مَلَابِسِهِ الْمَطَرُ
فَاسْتَعَارَ لِلْمَطَرِ مَلَابِسَ، وَأَخْرَجَ لَفْظَهُ مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ. وَقَدْ وَافَقَهُ فِي هٰذَا الشَّرِيفِ ابْنُ حِجَّةِ الحَمَوِيِّ وَجِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ؛ وَمِنْ بَدِيعِهِ ابْنِ حِجَّةِ الحَمَوِيِّ: [البَسِيطُ]
وَكَانَ غَرْسُ الحُسْنِ فِيكِ فَنَمْتِ بِالاسْتِعَارَةِ مِنْ نِيرَانِهِمْ شَجَرُهُمْ
وَالِاسْتِعَارَةُ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ عِنْدَ أَكْثَرِ الْبَلَاغِيِّينَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدُ الْقَاهِرِ قَدْ عَرَّفَهَا فَجَعَلَهَا «مَجَازًا عَقْلِيًّا» تَارَةً وَ «مَجَازًا لُغَوِيًّا» تَارَةً أُخْرَى، فَهِيَ «دَلَالَةٌ لَا إِعْجَازٌ»، يَصِلُ إِلَى أَنَّهَا «مَجَازٌ عَقْلِيٌّ» أَوْ هِيَ مِنْ أَبْوَابِهِ، ثُمَّ يَعُودُ وَيَذْكُرُ فِي نَفَسِ الكِتَابِ أَنَّهَا «مَجَازٌ لُغَوِيٌّ». وَكَذٰلِكَ نَرَى هٰذَا الِاضْطِرَابَ عِنْدَ الزَّرْكَشِيِّ الَّذِي رَأَى أَنَّهَا مَجَازٌ لُغَوِيٌّ، بَيْنَمَا السَّكَاكِيُّ أَنْكَرَ ذٰلِكَ، وَسَلَكَهَا فِي الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ، أَيْ إِنَّ الْمَجَازَ لُغَوِيٌّ كُلُّهُ.
وَعَلَى سَبِيلِ فِي «الْكِتَابِ» تَعْلِيقًا عَلَى بَيْتِ عَامِرِ بْنِ الْأَحْوَصِ حَيْثُ جَعَلَ لِلْأَدَاهِمِ ضَمَاءَ، قَالَ عَامِرٌ: [المُتَقَارِبُ]
وَدَاهِيَةٍ مِنْ دَوَاهِي الدَّهْرِ الْمُضِرِّ نُرِيمُهَا النَّاسَ لَا فَتَرَى لَهَا
أَنَّا الفِرَاءُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَى أُسْلُوبِ الِاسْتِعَارَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّهَا، بِعَكْسِ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى بَيْتِ الْفَرَزْدَقِ: [الكَامِلُ]
لَا تَقُمْ أَكْرَمْ مِنْ نَسِيمٍ إِذَا غُدِّيَتْ عَوْدُ النِّسَاءِ يَسُفْنَ كِلَا أَجْدَاعِهَا
فَيَقُولُ «عَوْدُ النِّسَاءِ» هِيَ الاِسْتِعَارَةُ لِأَوْلَادِهِنَّ فِي عَوْدِ الْإِبِلِ إِلَى مَعَهَا أَوْلَادُهَا، فَفَعَلَهُ الْعَرَبُ فِي النِّسَاءِ، وَهٰذَا مِنَ الِاسْتِعْمَالِ، وَقَدْ فَعَلَتِ الْعَرَبُ ذٰلِكَ كَثِيرًا.
وَلِدَلَالِ الْحَاجِظِ أَوَّلُ مَنْ عَرَّفَهَا بِقَوْلِه: «الاسْتِعَارَةُ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ غَيْرِهِ إِذَا أَقَامَ مَقَامَهُ»، وَسَمَّاهَا مَثَلًا وَدَلِيلًا، وَعَلَى ذٰلِكَ عَلَى بَيْتِ الأَشْهَبِ بْنِ رَمْلَةَ: [الطَّوِيلُ]
هُمُ سَاعِدُ الدَّهْرِ الَّذِي يُبْقِي بِهِ وَمَا خَيْرُ كَفٍّ لَا تَنُوءُ بِسَاعِدِ
فَيَقُولُ: «هُمُ سَاعِدُ» إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ، وَهٰذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ الرُّوَاةُ الْمَثَلَ.
أَمَّا المُظَفَّرُ العُلَوِيُّ فَقَالَ: «وَكَانَ الْقُضَاةُ يُسَمُّونَهَا الأَمْثَالَ»، فَيَقُولُونَ فُلَانٌ كَثِيرُ الأَمْثَالِ، وَلَقِيَهَا بِاسْتِعَارَةٍ أَعْلَمُ، لِأَنَّهُ أَعَمُّ، وَلِأَنَّ الأَفْعَالَ كُلَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِعَارَةِ».
وَأَشَارَ إِلَيْهَا ابْنُ الرُّومِيِّ وَقَالَ: «إِنَّ العَرَبَ تَسْتَعِيرُ مِنْ بَعْضٍ لِبَعْضٍ».
وَقَدْ عَرَّفَ ثَعْلَبٌ الِاسْتِعَارَةَ بِقَوْلِهِ: «هُوَ أَنْ يَسْتَعِيرَ الشَّيْءَ، اسْمَ غَيْرِهِ أَوْ مَعْنَى سِوَاهُ». وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْمُعْتَزِّ: «إِنَّهَا اسْتِعَارَةُ الْكَلِمَةِ لِشَيْءٍ لَمْ يُعْرَفْ بِهَا مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهَا». غَيْرَ أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ جَعْفَرٍ أَشَارَ إِلَى الاِسْتِعَارَةِ إِشَارَةً عَابِرَةً فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ عَلَى الْمُفَاضَلَةِ وَتَجَنُّبِ الاِسْتِعَارَةِ فِي كِتَابِهِ «جَوَاهِرِ الْأَلْفَاظِ»، وَذَكَرَ لَهَا أَمْثِلَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَرِّفَهَا.
وَقَدْ حَدَّدَ الرُّمَّانِيُّ الاِسْتِعَارَةَ فَقَالَ: «هِيَ تَعْلِيقُ الْعِبَارَةِ عَلَى غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ، عَلَى سَبِيلِ النَّقْلِ»، وَذَكَرَ الْخَفَاجِيُّ كَلَامَهُ وَقَالَ: نُفَسِّرُ هٰذِهِ الْجُمْلَةَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا»(١) اسْتِعَارَةٌ لِأَنَّ الاِشْتِعَالَ لِلنَّارِ، وَلَمْ يُوضَعْ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِلشَّيْبِ، فَلَمَّا نُقِلَ إِلَيْهِ كَانَ الْمَعْنَى لِمَا اكْتَسَبَهُ مِنَ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْبَ لَمَّا كَانَ يَأْخُذُ مِنَ الرَّأْسِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يُجْعَلَ لَهُ غَيْرُهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الذَّوْقِ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا»(١) أَبْلَغُ مِنْ: كَثُرَ شَيْبُ الرَّأْسِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ، فَالْفَارِقُ مُسْتَعَارٌ مِنْهَا، وَالاِشْتِعَالُ مُسْتَعَارٌ، وَالشَّيْبُ مُسْتَعَارٌ لَهُ.
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: «هِىَ ادِّعَاءُ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ فِي الشَّيْءِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ»، وَهٰذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ جِنِّي: «إِنْ لَمْ تَكُنِ الاِسْتِعَارَةُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَإِلَّا فَهِيَ حَقِيقَةٌ».
وَالاِسْتِعَارَةُ عِنْدَ الْعَسْكَرِيِّ: «نَقْلُ الْعِبَارَةِ عَنْ مَوْضِعِ اسْتِعْمَالِهَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ إِلَى غَيْرِهِ لِغَرَضٍ»، وَقَدِ اشْتُرِطَ فِي الاِسْتِعَارَةِ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهَا هَدَفٌ، وَإِلَّا فَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ أَوْلَى.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: «الاِسْتِعَارَةُ أَنْ تُرِيدَ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، فَتَتْرُكَ الإِفْصَاحَ بِالتَّشْبِيهِ وَإِظْهَارَهُ، وَتَحْتَجِبَ عَلَى اسْمِ الْمُشَبَّهِ، وَتُجْرِيَهُ عَلَيْهِ»، وَأَضَافَ: «حَدُّ الاِسْتِعَارَةِ نَقْلُ الْمَعْنَى مِنْ لَفْظٍ إِلَى لَفْظٍ لِمُشَارَكَةٍ بَيْنَهُمَا، مَعَ طَيِّ ذِكْرِ الْمُشَبَّهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا احْتُرِزَ فِيهِ هٰذَا الاِحْتِرَازُ اخْتَصَّ بِالاِسْتِعَارَةِ وَكَانَ حَدًّا لَهَا دُونَ التَّشْبِيهِ».
وَتَعْرِيفُ أَبِي إِسْحَاقَ هُوَ: «الاِسْتِعَارَةُ تَسْمِيَةُ الْمَرْجُوحِ الْحَقِيقِيِّ بِاسْمِ الرَّاجِحِ الْمَجَازِيِّ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ»، أَيْ مَا رُجِّحَتْ فِيهِ الصِّفَةُ، وَكَانَ ظَاهِرًا، يُنْقَلُ إِلَى مَا خَفِيَ وَكَانَ مَرْجُوحًا عَلَيْهِ فِي هٰذِهِ الصِّفَةِ.
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «هِىَ أَنْ تَذْكُرَ أَحَدَ طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ، وَتُرِيدَ الآخَرَ مُدَّعِيًا دُخُولَ الْمُشَبَّهِ فِي جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ مَعَ سَدِّ طَرِيقِ التَّشْبِيهِ، وَنَصْبِ الْقَرِينَةِ، وَلِهٰذَا سُمِّيَتِ اسْتِعَارَةً».
(١) سُورَةُ مَرْيَمَ، آيَةٌ رَقْمُ (٤). أَمَّا الْمَحَلِّيُّ فَقَالَ: هُوَ ادِّعَاءُ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ فِي الشَّيْءِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ مَعَ طَرْحِ ذِكْرِ الْمُشَبَّهِ مِنَ الْبَيْنِ لَفْظًا وَتَقْرِيرًا. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: هُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ، أَوْ جَعْلُ الشَّيْءِ أَوْجَهَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ، لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ. التَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ يَنْطَبِقُ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ، وَالثَّانِي عَلَى الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ.
وَقَالَ الْقَزْوِينِيُّ: «الِاسْتِعَارَةُ هِيَ مَا كَانَتْ عَلَاقَةُ تَشْبِيهٍ مَعْنَاهُ وَضْعُهُ لِمَنْ وُضِعَ لَهُ، وَقَدْ تُفِيدُ بِالتَّصْرِيحِيَّةِ لِتَحْقِيقِ مَعْنَاهَا حِسًّا أَوْ عَقْلًا؛ أَيْ الَّتِي يَتَنَاوَلُ أَمْرًا مَعْلُومًا يُمْكِنُ أَنْ يُنَصَّ عَلَيْهِ وَيُشَارَ إِلَيْهِ إِشَارَةً حِسِّيَّةً أَوْ عَقْلِيَّةً، فَيُقَالُ: إِنَّ اللَّفْظَ نُقِلَ مِنْ مُسَمَّاهُ الْأَصْلِيِّ لِيُجْعَلَ اسْمًا لَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ». أَمَّا الْعَلَوِيُّ فَقَدْ ذَكَرَ عِدَّةَ تَعْرِيفَاتٍ تَمَّ اخْتِيَارُ مِنْهَا تَعْرِيفًا فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ: «تَصْوِيرُكَ الشَّيْءَ الشَّيْءَ، وَلَيْسَ فِي، وَجَعْلُكَ الشَّيْءَ الشَّيْءَ، وَلَيْسَ فِي. بِحَيْثُ لَا يُلْحَظُ فِيهِ مَعْنَى التَّشْبِيهِ صُورَةً وَلَا حُكْمًا»، وَفِي هٰذَا التَّعْرِيفِ إِشَارَةٌ إِلَى الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ وَالِاسْتِعَارَةِ بِالْمَكَاتَبَةِ، وَفَصَلَ الِاسْتِعَارَةَ عَنِ التَّشْبِيهِ الْمَحْذُوفِ الْأَدَاةِ.
وَقَالَ النَّابْلَسِيُّ فِي تَعْرِيفِهِ لِلِاسْتِعَارَةِ: «هِيَ أَنْ تَذْكُرَ أَحَدَ طَرَفَيْ التَّشْبِيهِ، إِمَّا الْمُشَبَّهَ، أَوِ الْمُشَبَّهَ بِهِ، وَتُرِيدَ الطَّرَفَ الْآخَرَ، مَعْنًى، كَدُخُولِ الْمَنِيَّةِ فِي جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، الْأَوَّلُ: الِاسْتِعَارَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ بِهِ مَذْكُورًا وَالْمُشَبَّهُ مَحْذُوفًا، لَكِنَّهُ مُتَحَقِّقٌ حِسًّا أَوْ عَقْلًا، بِأَنْ يَكُونَ أَمْرًا مَعْلُومًا يُمْكِنُ أَنْ يُنَصَّ عَلَيْهِ وَيُشَارَ إِلَيْهِ إِشَارَةً حِسِّيَّةً أَوْ عَقْلِيَّةً، كَمَا بَسَطَ ذٰلِكَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ.
فَمِنَ الْمُتَحَقِّقِ حِسًّا قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى: [الطَّوِيلِ]
لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلَاحِ مُقَذَّفٍ لَهُ لِبَدٌ أَظْهَرَهُ لَمْ يُسْلِمِ
فَالْأَسَدُ ههُنَا مُسْتَعَارٌ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ الْمُرُوءَةِ مِنَ الْكَلَامِ، الَّذِي هُوَ أَمْرٌ مُتَحَقِّقٌ حِسًّا.
وَقَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ: [الْكَامِلِ]
وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ
فَالشَّاعِرُ شَبَّهَ الْمَنِيَّةَ بِالسِّبْعِ فِي اغْتِيَالِ النُّفُوسِ، فَأَثْبَتَ لَهَا الْأَظْفَارَ الَّتِي لَا يُكْمِلُ ذٰلِكَ الإِغْفَالُ فِي السَّمْعِ يَدُونُهَا تَحْقِيقًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ ، تُشَبِّهُ الْهِبَةَ بِالسَّمْعِ اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً ، وَإِثْبَاتُ الأَظْفَارِ لِلْهِبَةِ اسْتِعَارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ .
كَمَا عُرِفَتِ الاِسْتِعَارَةُ الاِسْتِيعَابِيَّةُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٍ بِقَوْلِهِ : « هُوَ اِدِّعَاءُ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ فِي الشَّيْءِ مُبَالَغَةً فِي الشَّبَهِ » . وَمِنْهَا قَوْلُهُ : [ الْكَامِلُ ]
كَمْ لَيْلَةٍ قَدْ بِتُّ أَفْنِي زِينَتَهَا بِاِنتِقَاصٍ لَا تَأْلَفُ الإِبْقَاءَا
وَأُحَالُ صُبْحَ اللَّيْلِ صُبْحَ دُجَاهَا فَظَلَمْتُهُ مِنْ دَجْوِهَا فَسَاءَا
وَسَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ وَالتَّقْسِيمَاتِ ، وَالْمُلَاحَظُ مِنْ مُرَاجَعَةِ كُتُبِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَحْدِيدِهَا كُلَّ الاِتِّفَاقِ .
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.