من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الأَزْوَاجُ
المعنى
الأَزْوَاجُ مِنْ أَزْوَجَ ، وَازْدَوَجَ الْكَلَامُ وَتَزَاوَجَ : أُشْبِهَ بَعْضُهُ بَعْضًا . ذَكَرَ الأَزْوَاجَ الْمَاحِظُ وَسَمَّاهُ مِنْ مُزْدَوَجِ الْكَلَامِ ، وَلَمْ يُعَرِّفْهُ ، وَلٰكِنِ الأَمْثِلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَسَاوِي الْفِقْرَتَيْنِ فِي الطُّولِ مَعَ السَّجْعِ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُعَاوِيَةَ : « اَللّٰهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ ، وَقِهِ الْعَذَابَ » .
بَيْنَمَا عَقَدَ لَهُ الْعَسْكَرِيُّ بَابًا فِي « الصَّنْعِ وَالِازْدِوَاجِ » وَقَالَ : « لَا يَحْسُنُ مَشْهُورُ الْكَلَامِ وَلَا يَجِلُّ شَأْنُهُ حَتَّى يَكُونَ مُزْدَوَجًا ، وَلَا تَكَادُ تَجِدُ لَبِيبًا كَلَامُهُ يَخْلُو مِنَ الِازْدِوَاجِ ، وَلَوِ اسْتَثْنَيْتُ كَلَامَ ابْنِ الْمُقَفَّعِ لَكَانَ الْقُرْآنُ أَوْلَى بِأَنْ يُنَظَّمَ خَارِجًا مِنْ كَلَامِ الْخَلْقِ » . وَقَدْ كَثُرَ الِازْدِوَاجُ فِيهِ حَتَّى حَصَلَ فِي أَوْسَاطِ الآيَاتِ فَضْلًا عَنْ أَوَاخِرِهَا فِي الْفَوَاصِلِ ، مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : « الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ » (١) . وَأَمَّا مَا وَقَعَ بَيْنَ الْفَوَاصِلِ فَهُوَ كَثِيرٌ ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : « فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ » (٢) .
ثُمَّ تَابَعَ قَوْلَهُ : « وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي هٰذَا الْبَابِ وَلَا يُتَعَدَّى هُوَ الِازْدِوَاجُ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ فَاصِلَتَيْنِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ لَا يَتَجَاوَزُ ذٰلِكَ كَمَا أَحْسَنَ ، فَإِنْ جَاوَزَ ذٰلِكَ نُسِبَ إِلَى التَّكَلُّفِ . وَإِنْ أَمْكَنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الأَجْزَاءُ مُتَوَازِنَةً كَانَ أَجْمَلَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ الأَخِيرُ أَطْوَلَ ... عَلَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَزْوَاجِ الْفُصَحَاءِ مَا كَانَ الْجُزْءُ الأَخِيرُ مِنْهُ أَقْصَرَ ، حَتَّى جَاءَ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ كَثِيرٌ ، كَقَوْلِهِ لِلأَنْصَارِ يُفَضِّلُهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ : « إِنَّكُمْ لَتُكْثِرُونَ عِنْدَ الْفَزَعِ وَتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ » ... وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْفَوَاصِلُ عَلَى نَغْمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَكُونَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ فَيَقَعَ التَّعَادُلُ وَالْمِيزَانُ ... » . وَتَحَدَّثَ عَنْ عُيُوبِ الِازْدِوَاجِ ، وَمِنْهَا : « التَّسْجِيعُ ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ فَاصِلَةُ الْجُزْءِ الأَوَّلِ بَعِيدَةَ الْمُشَاكَلَةِ لِفَاصِلَةِ الْجُزْءِ الثَّانِي » . وَمِنْ عُيُوبِهِ أَيْضًا ...
(١) سُورَةُ الأَنْعَامِ ، آيَةٌ رَقْمُ (١) .
(٢) سُورَةُ الشَّرْحِ ، الآيَتَانِ (٧ ، ٨) . التَّطْوِيلِ ، وَهُوَ أَنْ تَجِيءَ بِالْجُزْءِ الأَوَّلِ طَوِيلًا فَتَحْتَاجَ إِلَى إِطَالَةِ الثَّانِي ضَرُورَةً ، مِثْلَ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ : [ الطَّوِيلِ ]
وَأَوْثَقَ مِنْ سَابِغَةٍ وَعِمَادِهِ دِرْعٌ
فِيهَا أَسِنَّةٌ مُغْضَبُ
وَقَوْلِهِ أَيْضًا : [ الْمُقْتَرِبِ ]
فَتُضْرِبُ الْهَامَ قَطِيعَ النَّقَا مِ
بِلَحْنٍ مِنْ ذِي غُرُوبٍ خَضِرْ
وَتَكَلَّمَ الْخَفَّاجِيُّ عَنِ السَّجْعِ وَالِازْدِوَاجِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ ، وَلَكِنَّهُ قَسَّمَ الْفَوَاصِلَ إِلَى قِسْمَيْنِ : ضَرْبٍ يَكُونُ سَجْعًا وَهُوَ مَا تَمَاثَلَتْ حُرُوفُهُ فِي الْمَقَاطِعِ ، وَضَرْبٍ لَا يَكُونُ سَجْعًا ، وَهُوَ مَا تَقَابَلَتْ حُرُوفُهُ فِي الْمَقَاطِعِ وَلَمْ تَتَمَاثَلْ ، فَلَا يَخْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ ، أَيْ الْمُتَمَاثِلِ وَالْمُتَقَارِبِ ، مِنْ أَنْ يَكُونَ آتِيًا طَوْعًا سَهْلًا وَأَبْيَنَ لِلْمَعَانِي ، وَبِالضِّدِّ مِنْ ذٰلِكَ حَتَّى يَكُونَ مُتَكَلَّفًا يَتْبَعُ الْمَعْنِيَ ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الأَوَّلِ فَهُوَ الْمَحْمُودُ الدَّالُّ عَلَى الْفَصَاحَةِ وَحُسْنِ الْبَيَانِ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الثَّانِي فَهُوَ مَذْمُومٌ مَرْفُوضٌ ، وَيَبْدُو أَنَّهُ يَمِيلُ بِالِازْدِوَاجِ الْمُتَقَارِبِ إِلَى الَّذِي لَا تَتَمَاثَلُ حُرُوفُهُ فِي الْمَقَاطِعِ .
وَعَرَّفَهُ الْمِصْرِيُّ بِقَوْلِهِ : « هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الشَّاعِرُ فِي بَيْتٍ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ بِجُمَلٍ ، كُلُّ جُمْلَةٍ فِيهَا كَلِمَتَانِ مُزْدَوِجَتَانِ ، كُلُّ كَلِمَةٍ إِمَّا مُفْرَدَةٌ أَوْ جُمْلَةٌ » . وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ هٰذَا النَّوْعُ فِي أَسْمَاءِ مُثَنَّاةٍ مُضَافَةٍ .
وَذَهَبَ ابْنُ مَالِكٍ وَمَنْ تَبِعَهُ إِلَى أَنَّ الْمُزَاوَجَةَ : هُوَ الأَلْفَاظُ الْمُتَمَاثِلَةُ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى وَالِاشْتِقَاقِ فَحَسْبُ ، وَسَمَّوْهُ الْمُجَاوَرَةَ . وَأَنْشَدُوا : [ الْبَسِيطِ ]
وَمُعْظَمُ الشِّعْرِ يَرُومُ النَّصْرَ مُطَّلِمًا
أَنْتِ تُرَجِّيهِ وَالْمَحْرُومُ مَحْرُومُ
وَقَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ : [ مَجْزُوءُ الْمُتَقَارِبِ ]
وَكَفَى شَرِيكِي غَنَاءً
رَضِيعِي لِبَانِ خَلِيلِي صَفَاءُ
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ النَّمُوذَجَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ اسْمَيْنِ ، مِنْ مُطَابَقَةٍ أَوْ مُجَانَسَةٍ أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ ، بِحَيْثُ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْبَيْتِ جُمَلٌ مِنَ الْمَعَانِي ، كَقَوْلِ ابْنِ الزَّيَّاتِ : [ الطَّوِيلِ ]
مَلِيكَانِ عَنِ السِّلْمِ وَالْحَرْبِ مِنْهُمَا
غِنًى وَعَنَاءٌ مَرَمٌّ وَتَسْهِيلُ
وَعَرَّفَهُ ابْنُ مَنْقَذٍ بِقَوْلِهِ : « هُوَ أَنْ تُزَاوِجَ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ وَالْجُمَلِ بِكَلَامٍ عَذْبٍ وَأَلْفَاظٍ عَذْبَةٍ » . حَلْوَةٍ . وَعَجِبَ نَقْلُ ابْنِ ثَمِّ الْجَوْزِيَّةِ هٰذَا التَّعْرِيفَ ، بَيْنَمَا أَشَارَ الرُّمَّانِيُّ إِلَى قِسْمٍ مِنَ التَّجْنِيسِ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ نَوْعَانِ : مُوَازَنَةٌ وَمُنَاسَبَةٌ .
فَالْمُزَاوَجَةُ تَقَعُ فِي الْجَزَاءِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ (١) أَيْ جَازُوهُ بِمَا يَسْتَحِقُّ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَامَلَةِ ، إِلَّا أَنَّهُ اسْتُعْمِلَ لِلتَّفَاوِي لَفْظُ الِاعْتِدَاءِ لِتَأْكِيدِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ فِي الْمِقْدَارِ ، فَجَاءَ عَلَى مُزَاوَجَةِ الْكَلَامِ لِحُسْنِ الْبَيَانِ .
أَمَّا الْمُنَاسَبَةُ فَنَنْظُرُ فِي فُنُونِ الْمَعَانِي الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللّٰهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ (٢) ، فَنُعَبِّرُ بِالِانْصِرَافِ عَنِ الذِّكْرِ ، وَصَرْفِ الْقَلْبِ عَنِ الذِّكْرِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الذَّهَابُ عَنِ الشَّيْءِ ، أَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا عَنِ الذِّكْرِ ، وَأَمَّا قُلُوبُهُمْ فَصُرِفَتْ عَنِ الْخَيْرِ .
وَعَرَّفَهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ بِقَوْلِهِ : « وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ زَاوَجَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا قَارَبَ بَيْنَهُمَا ، وَسُمِّيَتِ الْمُزَاوَجَةُ » .
وَقَالَ السَّكَاكِيُّ : « هُوَ أَنْ يُزَاوِجَ الْمُتَكَلِّمُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ » ، وَهٰذَا مَا نَقَلَهُ جُرْجَانُوس حَرْجَات فِي كِتَابِهِ ، أَيْ بُلُوغِ الأَرَبِ فِي عِلْمِ الأَدَبِ ، مِنَ الْبَدِيعَاتِ ، قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ : [ الْبَسِيطُ ]
إِذَا تَزَاوَجَ ذَنْبِي وَانْفَرَدْتُ لَهُ
بِالسَّمَاحِ فَرَدَّتْهُ لِيَ السَّمَاحُ مِنَ النِّعَمِ
وَقَوْلُ ابْنِ جَابِرٍ الأَعْمَى الأَنْدَلُسِيِّ : [ الْبَسِيطُ ]
إِذَا تَبَسَّمَ فِي حَرْبٍ صَبَاحُهُمُ
يَبْكِي الأَسُودُ وَيُغْرِي اللَّيْثَ بِالْبُكُمِ
وَقَالَ الرُّمَّانِيُّ : الْمُزَاوَجَةُ هِيَ أَنْ تُزَاوِجَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ أَبِي عُبَادَةَ الْبُحْتُرِيِّ : [ الطَّوِيلُ ]
إِذَا مَا تَنَاءَى النَّاسُ وَلَّى بِيَ الْهَوَى
أَصَاحِبُ إِلَى الرَّوَاحِلِ فَالْهَوَى الْمَهْرُ
هٰذَا مَا ذَكَرَهُ الرُّمَّانِيُّ ، وَيَبْدُو أَنَّ الِازْدِوَاجَ أَعَمُّ مِنَ الْمُزَاوَجَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْتَبِطُ بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ الرُّمَّانِيُّ ، وَالسَّكَاكِيُّ ، وَالْحَمَوِيُّ ، وَفُرْحَانُ .
(١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ ، آيَةٌ رَقْمُ (١٩٤) .
(٢) سُورَةُ التَّوْبَةِ ، آيَةٌ رَقْمُ (١٢٧) .
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.