من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الِاحْتِيَاكُ
المعنى
الِاحْتِيَاكُ مِنَ الْحَيْكِ : الشَّكُّ وَالإِحْكَامُ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْكَمْتَهُ وَأَحْسَنْتَ عَمَلَهُ فَقَدِ احْتَكْتَهُ. فَهٰذِهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ الْخَلْقِ مُسْتَأْنِفَةً بِنَفْسِهَا عَنِ الزِّيَادَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ لَيْسَتْ بِأَصْعَبَ فِي الْعُقُولِ مِنَ الِابْتِدَاءِ. هٰذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْكَلَامِيُّ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَقَدْ ذَكَرَ هٰذَا الْفَنَّ ابْنُ رِشْقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي بَابِ النُّكَتِ، وَنَقَلَ كَلَامَ وَتَعْرِيفَ ابْنِ الْمُعْتَزِّ وَأَبِيهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ، وَقَدْ نَقَلْتُ هٰذَا الْبَابَ نَقْلًا مِنْ كِتَابِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ، كَقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ : [ الْمُنْسَرِحُ ]
سَقَتْنِي مِنْ شُرْبَةِ الْبَرْدِ حَتَّى صِرْتُ عِنْدِي كَأَنَّكَ النَّارُ
كَأَنَّكَ الثَّلْجُ بَارِدٌ حَارٌّ لَا يُعْجِبُ التَّسَامُرُ مِنِّي
هٰذَا الشِّعْرُ مَذْهَبٌ كَلَامِيٌّ فَلْسَفِيٌّ، أَمَّا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ : [ الْبَسِيطُ ]
الرِّفْقُ مِنْكَ وَصَفْحُ الْعُذْرِ عِنْدَكَ لِي فِيمَا فَعَلْتَ فَلَمْ تَعْدِلْ وَلَمْ تُلِمِ
وَقَامَ شَاهِدُ عَدْلٍ عِنْدَكَ افْتَقَدَا مَقَامَ شَاهِدِ عَدْلٍ غَيْرِ مُتَّهَمِ
إِلَّا أَنَّ «الْمَذْهَبَ الْكَلَامِيَّ» أَخَذَ صُورَتَهُ الْوَاضِحَةَ عِنْدَ الْمِتْرِبِيِّ يَقُولُ مُعَلِّقًا عَلَى أَبْيَاتِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ : [ الطَّوِيلُ ]
مَرُّوا وَإِخْوَانٌ إِذَا مَا لَقِيتُهُمْ كَفَوْنِي وَسَادُوا مَا لَقِيتُ مِنَ التَّعَبِ
كَفَوْا أَنِ اسْتَطْلَبُوا فِي الْقَوْمِ حَاجَتَهُمْ فَلَمْ تَرْحَمِ الْيَوْمَ فِيهِمْ مِثْلَ مَا اصْطَفَى
أَيْ لَا يَعْلَمُنِي فِي مَحْضَرِ آلِ حِمًى، وَقَدْ أَسَاءُوا إِلَيَّ كَمَا أَسَاءُوا إِلَى قَوْمٍ فَشَكَرُوا لَكَ، وَلَمْ تَرَ ذٰلِكَ دُنْيَا. وَهٰذِهِ طَرِيقَةُ الْجِدَالِ، وَإِنَّمَا أَثْنَى لَهُ بِجُودَةِ الْقَرِيحَةِ وَفَضْلِ التَّمْيِيزِ.
وَقَالَ الْمِصْرِيُّ : «الْمَذْهَبُ الْكَلَامِيُّ» عِبَارَةٌ عَنْ احْتِجَاجِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِحُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ تَقْطَعُ الْمُعَانِدَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِثْبَاتِ أُصُولِ الدِّينِ بِالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي نُسِبَ «مُتَكَلِّمٌ» إِلَى الْجَاحِظِ، وَزَعَمَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَهُوَ مَحْشُوٌّ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (١)، وَالْأَهْوَنُ أَدْخَلُ فِي الْإِمْكَانِ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْبِدَاءُ»، وَقَالَ مِثْلَهُ ابْنُ حُجَّةَ الْحَمَوِيُّ، وَعَرَّفَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِقَوْلِهِ : «الْمَذْهَبُ الْكَلَامِيُّ أَنْ تُوَرِدَ مَعَ الْحُكْمِ ...».
__________________
(١) سُورَةُ الرُّومِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٧).
٣٦ رَدًّا لِذِكْرِهِ حُجَّةً عَلَى طَرِيقِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَيْ صَحِيحَةً مُسَلَّمَةَ الِاسْتِلْزَامِ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى مَنْطِقِيٍّ وَجَدَلِيٍّ. فَالْمَنْطِقِيُّ : مَا كَانَتْ حُجِّيَّتُهُ بُرْهَانًا يَبْقَى التَّأْلِيفُ قَطْعَ الِاسْتِلْزَامِ، وَ «الْمَذْهَبُ الْكَلَامِيُّ» مَا كَانَتْ حُجَّتُهُ أَمَارَةً تَظُنُّ، لَا تُفِيدُ إِلَّا الرُّجْحَانَ.
وَعَلَى هٰذَا الْمَنْهَجِ سَارَ الْقُرْزِينِيُّ وَشُرَّاحُ تَلْخِيصِهِ، وَذَكَرَ الْحَمَلِيُّ «الْمَذْهَبَ الْكَلَامِيَّ» بِقَوْلِهِ : «وَحَقِيقَةُ هٰذَا النَّوْعِ احْتِجَاجُ الْمُتَكَلِّمِ، وَإِبْطَالُ مَا أَوْرَدَهُ الْخَصْمُ».
كَمَا سَارَ عَلَى مَنْهَجِ الْمِصْرِيِّ كُلٌّ مِنَ السَّكَّاكِيِّ وَجِرْمَانُوس فَرْحَات، إِلَّا أَنَّ الْأَخِيرَ لَمْ يَذْكُرِ التَّقْسِيمَ الْمَنْطِقِيَّ، وَلَا الْقِسْمَ الْجَدَلِيَّ.
فَ «الْمَذْهَبُ الْكَلَامِيُّ» مِنْ أَسَالِيبِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَكَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ أَوْضَحَ الْحَمُوصِيُّ هٰذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَرَفَضَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُعْتَزِّ فَقَالَ : «وَقِيلَ إِنَّ ابْنَ الْمُعْتَزِّ قَالَ : لَا أَعْلَمُ ذٰلِكَ فِي الْقُرْآنِ، أَعْنِي الْمَذْهَبَ الْكَلَامِيَّ، وَلَيْسَ عَدَمُ عِلْمِهِ مَانِعًا مِمَّنْ عَلِمَ غَيْرَهُ».
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.