المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
يقع كتاب المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني ضمن نطاق تخصص علوم اللغة ووثيق الصلة بالفروع الأخرى مثل الشعر، والقواعد النحوية، والصرف، والأدب، والبلاغة، والآداب العربية. تأليف إنعام فوال عكاوي
الجذور
- الأَمْرُ لِلتَّنْبِيهِ
أَشَارَ إِلَيْهِ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ « مَعْتَرَكِ الأَقْرَانِ » إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعَرِّفْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ ﴾(٤)، وَمَعْنَى ذٰلِكَ: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ بِالسَّاحِرِ وَالكَاهِنِ وَالشَّاعِرِ، فَضَلُّوا بِذٰلِكَ عَنِ الهُدَى.
- الأَمْرُ لِلفَرْضِ
ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ « تَأْوِيلِ مُشْكِلِ القُرْآنِ » الأَمْرَ لِلفَرْضِ، وَقَالَ: « وَعَلَى لَفْظِ الأَمْرِ وَهُوَ فَرْضٌ »، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾(٥)، وَهٰذَا هُوَ المَعْنَى الحَقِيقِيُّ لِلأَمْرِ. وَقَدْ صَرَّحَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ العَلَوِيُّ فِي كِتَابِهِ « الطِّرَازِ » الأَمْرَ لِلفَرْضِ تَحْتَ اسْمِ المَعَانِي المُسْتَعْمَلَةِ فِي غَيْرِ الطَّلَبِ، وَهِيَ عَلَى جِهَةِ المَجَازِ، وَقَدْ ذُكِرَ الآيَةُ الكَرِيمَةُ السَّابِقَةُ.
- الأَمْرُ لِلْمُشَاوَرَةِ
أَشَارَ إِلَيْهِ السَّكَاكِيُّ فِي كِتَابِهِ « عَرُوسِ الأَفْرَاحِ »، وَالسُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ « مَعْتَرَكِ الأَقْرَانِ » دُونَ تَعْرِيفٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ﴾(١).
- الأَمْرُ لِلنَّدْبِ
أَشَارَ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ « الصَّاحِبِيِّ »، وَالسَّكَاكِيُّ فِي كِتَابِهِ « عَرُوسِ الأَفْرَاحِ »، وَالسُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ « مَعْتَرَكِ الأَقْرَانِ » إِلَى الأَمْرِ لِلنَّدْبِ دُونَ أَنْ يُعَرِّفُوهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ﴾(٢)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ ﴾(٣).
- الأَمْرُ لِلْوَاجِبِ
لَمْ يَذْكُرِ الأَمْرَ لِلْوَاجِبِ إِلَّا ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ « الصَّاحِبِيِّ »، وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: يَكُونُ أَمْرًا، وَهُوَ وَاجِبٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾(٤)، إِلَّا أَنَّ يَحْيَى بْنَ حَمْزَةَ العَلَوِيَّ إِنَّمَا جَعَلَ ذِكْرَهُ فِيمَا بَعْدُ تَحْتَ اسْمِ المَعَانِي المُسْتَعْمَلَةِ فِي غَيْرِ الطَّلَبِ عَلَى سَبِيلِ المَجَازِ، وَمَثَّلَ لَهُ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ المَذْكُورَةِ أَعْلَاهُ.
- الأَمْرُ لِلْوَعِيدِ
أَشَارَ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَى الأَمْرِ لِلْوَعِيدِ وَسَمَّاهُ مَجَازَ الوَعِيدِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا ﴾(٥)، وَكَذٰلِكَ السُّمَرِّيُّ سَمَّاهُ مَجَازَ الوَعِيدِ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ﴾(٦): « قِيلَ مَخْرَجُهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الوَعِيدِ ». وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ « الصَّاحِبِيِّ » مُعَرِّفًا الأَمْرَ لِلْوَعِيدِ: يَكُونُ أَمْرًا وَالمَعْنَى التَّهْدِيدُ. وَوَعِيدٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾(١)، وَكَذٰلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾(٢)، وَمِنْهُ قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ الأَبْرَصِ: [ الكَامِلُ ] حَتَّىٰ تَسَاقُوهُمْ بِكَأْسٍ مَرَّةً فِيهَا السُّمُّ نَقَّاعًا فَلْيَنْفَجِرُوا. وَمِنَ الوَعِيدِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [ البَسِيطُ ] اِرْكَبُوا عَلَيَّ وَأَرْضُوا فِي رِحَالِكُمُ وَاسْتَمْسِكُوا يَا بَنِي بَكْرٍ إِنْ شِئْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بَنِي بَكْرٍ إِنْ رَأَيْتُمُ لَيُبْدِلَنَّ عَلَيْكُمْ حَيَّةَ الوَادِي. وَمِمَّا جَاءَ فِي هٰذَا الْفَنِّ الحَدِيثُ الشَّرِيفُ: « إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ »، أَيْ: أَنَّ اللَّهَ ـ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ـ مِجَازٌ لَكَ.
- الِانْتِحَالُ
الِانْتِحَالُ مِنِ انْتِحَالِ فُلَانٍ شِعْرَ فُلَانٍ، إِذَا ادَّعَاهُ أَنَّهُ قَائِلُهُ. وَقَدْ عَرَّفَهُ ابْنُ رَشِيقٍ بِقَوْلِهِ: « أَنْ يَعْجِبَ الشَّاعِرُ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ، فَيَصْرِفَهُ إِلَى نَفْسِهِ، فَإِنِ ادَّعَاهُ جُمْلَةً فَهُوَ انْتِحَالٌ، وَلَا يُقَالُ مُنْتَحِلٌ إِلَّا مَنْ ادَّعَى شِعْرًا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ الشِّعْرَ ». وَمَثَّلَ ابْنُ رَشِيقٍ لِهٰذَا الْفَنِّ بِقَوْلِ جَرِيرٍ: [ البَسِيطُ ] إِنَّ الَّذِينَ عَدَوْا بِأَرْضِكَ غَادِرُوا وَشَلَّ سَيْفٌ لَكَ الْمَاضِي فَلَنْ يَسْلَمُوا. وَقَالَ ابْنُ رَشِيقٍ فِي هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ: « إِنَّ الرُّوَاةَ مَجْمُوعُونَ عَلَى أَنَّهُمَا لِلْمُعَلَّطِ السَّعْدِيِّ، انْتَحَلَهُمَا جَرِيرٌ ». وَقَدْ ذُكِرَ هٰذَا الْفَنُّ فِي « بَابِ السَّرِقَاتِ وَمَا شَاكَلَهَا ».
- الِانْتِقَالُ
الِانْتِقَالُ مِنَ النَّقْلِ، وَالنَّقْلُ تَحْوِيلُ الشَّيْءِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَىٰ مَوْضِعٍ. الِانْتِقَالُ هُوَ « الحِيلَةُ وَالِانْتِقَالُ » عِنْدَ ابْنِ أَبِي الأَصْبَعِ المِصْرِيِّ، وَهُوَ مِنْ مُخْتَرَعَاتِهِ الَّتِي سَلِمَتْ لَهُ، وَلَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ. وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: « هُوَ أَنْ يُجِيبَ المَسْؤُولُ بِجَوَابٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ بِجَوَابٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَمَّا سُئِلَ عَنْهُ، أَوْ يُنْقِلَ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى اسْتِدْلَالٍ غَيْرِ الَّذِي كَانَ أُخِذَ فِيهِ ». يُعْتَبَرُ هٰذَا التَّعْرِيفُ مِقْيَاسًا لِمَعْرِفَةِ قُدْرَةِ الْمُخَاطَبِ أَوِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الْهَرَبِ مِنَ الْجَوَابِ، أَوْ إِضْعَافِ الْمُخَاطَبِ بِالْحُجَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ، أَوِ الْحِيلَةِ عَنْ خُصُوصِ الْجَوَابِ أَوْ عُمُومِهِ. وَإِنَّمَا تُرَادُ هٰذِهِ الْبَلَاغَةُ إِذَا أَتَى بِهَا الْمَسْؤُولُ بَعْدَ مُعَارَضَةٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَرِضَ لَمْ يَفْهَمِ اسْتِدْلَالَهُ، فَيَنْتَقِلَ عَنْ ذٰلِكَ إِلَى اسْتِدْلَالٍ آخَرَ يَقْطَعُ بِهِ الْخَصْمَ عِنْدَ فَهْمِهِ، وَمِثَالٌ عَلَى ذٰلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾(١٠). كَمَا بَيَّنَ الْمَوْقِفُ الْمِصْرِيُّ أَنَّ الْمُحَاجَّةَ وَالِانْتِقَالَ قَدْ تَكُونُ فِي صُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ، كَاسْتِدْلَالٍ مِنَ الْخُصُوصِ إِلَى الْعُمُومِ، كَحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عِنْدَمَا سُئِلَتْ عَنْ حُكْمِ دُخُولِ الْمَرْأَةِ الْحَمَّامَ، فَمَا مِنْ أَمْرٍ تَعَلَّقَ نَهْيُهُ بِالْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا تَكْرَهَتْهُ؛ مِنْهَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مِنْ حِجَابٍ، فَسَلْسِلَةٌ عَاقِلَةٌ تَنْتَقِلُ بِالْجَوَابِ مِنَ الْخُصُوصِ وَهُوَ حُكْمُ دُخُولِ الْمَرْأَةِ الْحَمَّامَ، إِلَى الْعُمُومِ وَهُوَ حُكْمُ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ تُبْدِي مَا تُبْدِي فِي أَيِّ مَكَانٍ، فَأَتَتِ الْإِجَابَةُ بِصُورَةٍ بَلِيغَةٍ. وَذَكَرَهُ ابْنُ الأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ بِاسْمِ « الِانْتِقَالِ »؛ فَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: « هُوَ أَنْ يُسْأَلَ الْمُتَكَلِّمُ فِي بَحْثٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيُجِيبَ بِجَوَابٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِذٰلِكَ السُّؤَالِ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى ذٰلِكَ إِمَّا لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ تَنْفُذُ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا مُنَافَذَةً عَنْ أَدَاءِ الْجَوَابِ عَمَّا سُئِلَ عَنْهُ ». وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ « مُعْتَرَكِ الأَقْرَانِ »: « هُوَ أَنْ يُنْقَلَ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى اسْتِدْلَالٍ غَيْرِ الَّذِي كَانَ أُخِذَ فِيهِ، لِكَوْنِ الْخَصْمِ لَمْ يَفْهَمْ وَجْهَ الدَّلَالَةِ مِنَ الأَوَّلِ ». وَنَقَلَ مِثَالَ الْمِصْرِيِّ.
- الِانْتِكَاثُ
الِانْتِكَاثُ مِنْ نَكَثَ، وَالنَّكْثُ: نَقْضُ مَا نُعْقَدُ وَنُصْلِحُهُ مِنْ بَيْعَةٍ وَغَيْرِهَا. جَعَلَ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ الِانْتِكَاثَ وَالتَّرَاجُعَ فِي بَابٍ وَاحِدٍ، وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: « هُوَ أَنْ يَنْقُضَ الشَّاعِرُ قَوْلَهُ بِقَوْلٍ آخَرَ، أَوْ يَنْقُضَ مَا زَادَ فِيهِ »، وَعَابَ عَلَى امْرِئِ الْقَيْسِ قَوْلَهُ: [ الطَّوِيلُ ] فَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ كَفَانِي، وَلَمْ أَطْلُبْ قَلِيلًا مِنَ الْمَالِ. وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤَثَّلَ أَمْثَالِي. (١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٥٨). وَقَوْلُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: [ البَوَافِرُ ] فَضْلًا بِنَا أَطْلًا وَسَمْنًا وَحُسْنِكَ مِنْ غَنًى يُنْبِتُ وَرْيِ لِأَنَّهُ وَصَفَ نَفْسَهُ فِي مَوْضِعٍ بِسُمُوِّ الْهِمَّةِ إِلَى الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِالنَّمِاعَةِ وَالضَّعْفِ وَالرَّأْيِ. وَلَوْ تَحَدَّثَ قُدَّامَهُ بِجَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ هٰذِهِ الْأَبْيَاتِ فِي بَابِ مُنَاقَضَةِ الشَّاعِرِ نَفْسَهُ فِي قَصِيدَتَيْنِ أَوْ قَوْلَيْنِ لَأَدْرَكَ أَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ لَمْ يَبْكِتْ نَفْسَهُ وَيُنَاقِضْهَا، بَلْ هُمَا مِنْ جَوْرِهِمَا مَعْنًى وَاحِدٌ، فَقَالَ: « إِنَّهُ لَوْ تَوَضَّحَ أَوَّلُ قَوْلِ امْرِىءِ الْقَيْسِ حَتَّى تُضِحَّهُ لَمْ يُوجَدْ تَنَاقُضُ مَعْنًى بَتَّةً، بَلِ الْمَعْنَيَانِ فِي الشِّعْرِ بِمَنْزِلَتَيْنِ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةً لَا تَنْقُصُ مَا فِي الْآخَرِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مَمْنُوعًا مِنَ الِاتِّسَاعِ فِي الْمَعَانِي الَّتِي لَا تَتَنَافَى ». لِأَنَّ السَّمْحَ وَالرَّأْيَ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُمَا مَكْرُمَتَانِ، وَإِنَّمَا زَادَ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةً لَا تَنْقُصُ مَا فِي الْآخَرِ، إِلَّا وَهُوَ « الْمَجْدُ ». أَمَا تَقُولُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] كَأَنَّ الْمَعَانِي فِي فَصَاحَةِ لَفْظِهَا نُجُومُ الثُّرَيَّا أَوْ خَلَائِفُهُ الرَّمْرَمُ فَقَالَ: « خَلَائِفُ »، وَلَمْ يَقُلْ: « خَلَائِفُكَ » لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ ذٰلِكَ هٰذَا: فَحُبِّبْتَ دُونَ الشَّمْسِ وَالْبَدْرِ قَاصِدًا وَدُونَكَ فِي أَخْلَاقِكَ الشَّمْسُ وَالْبَدْرُ فَلَوْ شَبَّهَهُ بِالثُّرَيَّا بَعْدَ تَفْضِيلِهِ عَلَى الشَّمْسِ وَالْبَدْرِ، تَنَاقَصَ حَقُّهُ، وَكَانَ انْتِكَاثًا.
- الِانْتِهَاءُ
الِانْتِهَاءُ مِنَ النِّهَايَةِ، وَالنِّهَايَةُ: غَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ وَآخِرُهُ، وَالنِّهَايَةُ كَالْغَايَةِ حَيْثُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ الشَّيْءُ. الِانْتِهَاءُ هُوَ قَاعِدَةُ الْقَصِيدَةِ، كَمَا نَصَّهُ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِهِ « الْعُمْدَةِ » إِذْ قَالَ: « وَأَمَّا الِانْتِهَاءُ، فَهُوَ قَاعِدَةُ الْقَصِيدَةِ، وَآخِرُ مَا يَبْقَى مِنْهَا فِي الْأَسْمَاعِ، وَسَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ مُحَكَّمًا، لَا تَمْكُنُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَلَا يَأْتِي بَعْدَهُ أَحْسَنُ مِنْهُ ». ثُمَّ أَضَافَ ابْنُ رَشِيقٍ، فَقَالَ: « وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُخْتِمُ الْقَصِيدَةَ فَيَقْطَعُهَا وَالنَّفْسُ بِهَا مُتَعَلِّقَةٌ وَفِيهَا رَاغِبَةٌ مُشْتَهِيَةٌ، وَيَبْقَى الْكَلَامُ مَبْسُوطًا كَأَنَّهُ لَمْ يَتَمَّمْ جَمِيعُ خَاتِمَتِهِ. كُلُّ ذٰلِكَ رَغْبَةً مِنْهُ فِي أَخْذِ الْعَفْوِ وَإِسْقَاطِ الْكَلَفَةِ. أَلَا تَرَى مُعَلَّقَةَ امْرِىءِ الْقَيْسِ كَيْفَ خَتَمَهَا بِقَوْلِهِ « السَّبُلِ » مِنْ شِدَّةِ الْمَطَرِ: [ الطَّوِيلُ ] كَأَنَّ السَّبِيلَ فِيهِ غُرْفَةٌ غَمْرَةٌ بِأَرْجَائِهَا الْفُضْفَاضِ آنِسَةٌ غِفْلٌ. الأبانِيِسِ: أُصُولُ البَتِّ، وَالفَصْلِ، الفَصْلِ، فَقَدْ شُبِّهَ تَلْخِيصُ السِّبَاعِ وَهِيَ غَرْقَىٰ بِأُصُولِ البَيْتِ، فَلَمْ يُجْعَلْ لَهَا قَاعِدَةٌ كَمَا فُعِلَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ المُعَلَّقَاتِ وَهِيَ أَفْضَلُهَا. وَقَدْ وَافَقَ رَأْيُ القَزْوِينِيِّ فِي الِانْتِهَاءِ رَأْيَ ابْنِ رَشِيقٍ، فَقَالَ: « لَا يَنْبَغِي لِلْمُتَكَلِّمِ أَنْ يَعْتَقِدَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كَلَامِهِ حَتَّىٰ يَكُونَ أَغْرَبَ لَفْظًا، وَأَحْسَنَ سِبْكًا، وَأَوْضَحَ مَعْنًى؛ الأَوَّلُ الِابْتِدَاءُ ... وَالثَّانِي التَّخَلُّصُ ... وَالثَّالِثُ الِانْتِهَاءُ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا يَبْقَىٰ فِي السَّمْعِ وَيُرْتَسَمُ فِي النَّفْسِ ». وَمِنْ أَحْسَنِ الِانْتِهَاءَاتِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ: [ الكَامِل ] تَثَبَّتَّ لِعِلْمٍ أَنَّ ذَاكَ لَهُ وَتَتَلَقَّفَتْ عَنْ نَبَإٍ لَكَ الأَيَّامُ. إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي الأَصْبَعِ المِصْرِيَّ المُبْدِعَ لِهٰذَا الفَنِّ سَمَّاهُ « حُسْنُ الخَاتِمَةِ »، وَهُوَ بَعْضُ مُخْتَرَعَاتِهِ، فَقَالَ: « يَجِبُ عَلَى الشَّاعِرِ وَالنَّاثِرِ أَنْ يَخْتِمَا كَلَامَهُمَا بِأَحْسَنِ خَاتِمَةٍ؛ فَإِنَّهَا آخِرُ مَا يَبْقَىٰ فِي الأَسْمَاعِ، وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا حُفِظَتْ مِنْ دُونِ سَائِرِ الكَلَامِ فِي غَالِبِ الأَحْوَالِ، فَيَجِبُ أَنْ يُجْتَهَدَ فِي رَشَاقَتِهَا وَنُضْحَتِهَا وَحَلَاوَتِهَا وَجَزَالَتِهَا ». وَقَدْ نَقَلَهُ إِلَىٰ مَالِكٍ مَعَ أَمْثِلَتِهِ. إِلَّا أَنَّ هٰذَا الفَنَّ يُنْكَرُ اخْتِرَاعُهُ لِابْنِ أَبِي الأَصْبَعِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الحَرِيرِيُّ حِينَ قَالَ: « هٰذَا النَّوْعُ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي الأَصْبَعِ أَنَّهُ مِنْ مُخْتَرَعَاتِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ قَبْلَ ذٰلِكَ فِي كُتُبٍ غَيْرِهِ، تَحْتَ هٰذَا الاِسْمِ »؛ فَإِنَّ القَتَّادِيَّ سَمَّاهُ « حُسْنَ المُقْطَعِ »، وَسَمَّاهُ ابْنُ أَبِي الأَصْبَعِ « حُسْنَ الخَاتِمَةِ »، وَكَذٰلِكَ سَمَّاهُ الحَمَوِيُّ « حُسْنَ الخِتَامِ »، وَسَمَّاهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتُ « رِعَايَةَ الخِتَامِ ». إِلَّا أَنَّ الِانْتِهَاءَ أَوَّلُ مَا عُرِفَ فِي كَلَامِ مَنْ شَبَّهَ بِهِ نِسْبَةَ الَّذِي سَمَّاهُ « جَوْدَةَ المُقْطَعِ »، كَمَا سَمَّاهُ الجُرْجَانِيُّ « حُسْنَ الخَاتِمَةِ »؛ وَقَالَ: « وَالشَّاعِرُ الحَاذِقُ يَجْتَهِدُ فِي تَحْسِينِ الاِسْتِهْلَالِ وَالتَّخَلُّصِ وَبَعْدَهُمَا الخَاتِمَةِ؛ فَإِنَّهَا المَوَاقِفُ الَّتِي تَسْتَطِيعُ أَسْمَاعُ الحُضُورِ تَسْمِيعَهُمْ إِلَىٰ الإِصْغَاءِ ». إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَعْصُومٍ المَدَنِيَّ سَمَّاهُ « حُسْنَ الخِتَامِ »، وَاعْتَبَرَهُ مِنْ رَابِعِ المَوَاضِعِ الَّتِي نَصَّ عُلَمَاءُ البَلَاغَةِ عَلَىٰ العِنَايَةِ بِهَا، فَقَالَ: « وَهٰذَا رَابِعُ المَوَاضِعِ الَّتِي نَصَّ أَئِمَّةُ البَلَاغَةِ عَلَىٰ العِنَايَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا يَقْرَعُ السَّمْعَ وَيُرْتَسَمُ فِي النَّفْسِ ». وَمِنْ « حُسْنِ الخِتَامِ » الَّذِي ذَكَرَهُ المَدَنِيُّ قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ: [ الطَّوِيلُ ] وَإِنِّي جَبِيرٌ إِذْ بَلَغْتِ بِالسُّؤْلِ وَأَنْتِ بِمَا أَمَّلْتُ مِنْكِ جَبِيرُ فَإِنْ تَجْعَلِي لِي مِنْكِ الجَمِيلَ فَاحْمِدِي وَإِلَّا فَإِنِّي عَاذِرٌ وَشَكُورُ. نَخْلُصُ إِلَى أَنْ « جَوْدَةَ الْقَطْعِ » وَ « بَرَاعَةَ الْمَقْطَعِ » وَ « حُسْنَ الْخَاتِمَةِ » وَ « حُسْنَ الْخِتَامِ » وَ « بَرَاعَةَ الْخِتَامِ » كُلَّهَا لَوْنٌ وَاحِدُ الْغَرَضِ، وَهُوَ تَحَرُّكُ النَّفْسِ عِنْدَ خِتَامِ الْقَصِيدَةِ أَوِ الْعِبَارَةِ لِتَبْقَى لَهَا أَوْقَعُ الْأَثَرِ فِي الذَّاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
- الِانْسِجَامُ
الِانْسِجَامُ مِنْ سَجَمَ، وَسَجَمَتِ الْعَيْنُ الدَّمْعَ، وَالسَّحَابَةُ الْمَاءَ سَجْمًا، أَيْ نَطَرَتْهُ وَأَسَالَتْهُ. وَالِانْسِجَامُ – فِي رَأْيِ ابْنِ مُقْتَدًى – قَوْلُهُ: أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ كَلَامًا شِعْرًا أَوْ نَثْرًا، لَا يُقْصَدُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى فَوْرِ الطَّبْعِ وَالْبَرَاعَةِ. بَيْنَمَا جَعَلَهُ الْمِصْرِيُّ كَانْهِدَارِ الْمَاءِ، فَقَالَ: « هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْكَلَامُ مُنْسَجِمًا تَحْدِرُهُ الْمَاءِ الْمُنْسَجِمِ سُهُولَةُ سَبْكٍ وَعَذُوبَةُ أَلْفَاظٍ، حَتَّى يَكُونَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الْمَسْمُوعِ وَاللَّفْظِ الْمَوْزُونِ وَقْعٌ فِي النُّفُوسِ وَتَأْثِيرٌ فِي الْقُلُوبِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، مَعَ خُلُوِّهِ مِنَ التَّبِيعِ وَبُعْدِهِ عَنِ التَّصَنُّعِ ». ثُمَّ أَضَافَ أَنَّ الِانْسِجَامَ ضَرْبَانِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَأْتِي مَعَ الْبَدِيعِ الَّذِي لَمْ يُقْصَدْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾(١)، فَقَدْ وَقَعَ الِانْسِجَامُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَطْلِيفٍ وَحُسْنِ سَبْكٍ فِي قَوْلِهِ: « إِلَى اللهِ » وَ « أَعْلَمُ مِنَ اللهِ »، إِلَى جَانِبِ مَا فِيهِ مِنْ سَلَامَةِ الْقَصْدِ وَانْسِجَامِ الْمَعْنَى. أَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي، فَهُوَ: لَا بَدِيعَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾(٢)، وَأَكْثَرُ آيِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِنْ هٰذَا الْبَابِ. وَإِلَى هٰذَا الْأُسْلُوبِ ذَهَبَ كُلٌّ مِنِ ابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، وَالسُّرِّيِّ، وَالْمَدَنِيِّ، وَالصَّفْدِيِّ، مَعَ الِاسْتِشْهَادِ الَّذِي حَصَلَ فِي بَيَانِهِ قَوْلُهُ: [ الْبَسِيطُ ] حُسْنُ ابْتِدَائِي بِهِ أَجْدَى التَّخَلُّصِ مِنْ نَارِ الْجَحِيمِ وَهٰذَا حُسْنُ مُنْتَهَيَاتِي. وَقَدْ ذَكَرَ الِانْسِجَامَ عَبْدُ النَّبِيِّ الثَّالِبِيُّ فِي كِتَابِهِ « نَفْحَاتُ الْأَزْهَارِ »، وَعَرَّفَهُ كَتَعْرِيفِ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ، وَقَالَ فِي هٰذَا النَّوْعِ: [ الْبَسِيطُ ] يَا أَشْرَفَ الرُّسْلِ، يَا غَوْثَ الْخَلَائِقِ، يَا سُرُورَ الْوُجُودِ اسْتَجِبْ يَا سَيِّدَ الْأُمَمِ. وَكَذٰلِكَ عَرَّفَهُ جِرْمَانُوسْ فَرْحَانُ، فَجَاءَ نَفْسَ تَعْرِيفِ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ. (١) سُورَةُ يُوسُفَ، آيَةٌ رَقْمُ (٨٦). (٢) سُورَةُ الْأَعْرَافِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٩٩).
- الْإِنْشَاءُ
الْإِنْشَاءُ مِنْ أَنْشَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ، أَيْ: أَحْدَثَ خَلْقَهُمْ، وَالْإِنْشَاءُ: الِابْتِدَاءُ، أَوِ الْخَلْقُ، أَوِ الِابْتِدَاعُ. وَالْإِنْشَاءُ فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ يُخَالِفُ هٰذَا الْمَذْكُورَ، وَهُوَ عِنْدَ الْجَرْجَانِيِّ أَنَّهُ: « قَدْ يُقَالُ عَلَى الْكَلَامِ الَّذِي لَيْسَ نِسْبَتُهُ خَارِجَ تَطَابُقِهِ وَلَا تَطَابُقَهِ ». وَقَدِ اعْتَمَدَ الْقَزْوِينِيُّ عَلَى تَعْرِيفِ الْجَرْجَانِيِّ عِنْدَمَا فَصَلَ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ، فَقَالَ: « وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّ الْكَلَامَ إِمَّا خَبَرٌ أَوْ إِنْشَاءٌ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُنْسَبَ لِنِسْبَتِهِ خَارِجَ تَطَابُقِهِ أَوْ لَا تَطَابُقِهِ، أَوْ لَا يَكُونَ لَهَا خَارِجٌ. الْأَوَّلُ: الْخَبَرُ، وَالثَّانِي: الْإِنْشَاءُ ». وَهٰذَا الْإِنْشَاءُ قِسْمَانِ كَمَا ذَكَرَهُمَا الْقَزْوِينِيُّ. فَقَالُوا: أَحَدُهُمَا: الْإِنْشَاءُ الطَّلَبِيُّ، وَهُوَ مَا اسْتُدْعِيَ مَطْلُوبًا غَيْرَ حَاصِلٍ وَقْتَ الطَّلَبِ، وَأَنْوَاعُهُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: الْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ، وَالدُّعَاءُ، وَالتَّمَنِّي، وَالنِّدَاءُ، وَالِاسْتِفْهَامُ، فَهٰذِهِ الْأَغْرَاضُ تُؤَدِّي مَعَانِيَ جَدِيدَةً لِلْأَدِيبِ فِيهَا فَنٌّ كَبِيرٌ. وَالْآخَرُ: الْإِنْشَاءُ غَيْرُ الطَّلَبِيِّ، وَهُوَ أَسَالِيبُ مُعَدَّدَةٌ: ١- صِيغَةُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ، كَنِعْمَ وَبِئْسَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾(١)، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى: [ الْبَسِيطُ ] نِعْمَ أَمْرُؤٌ هَرِمٌ لَمْ تَعْرِ نَائِبَةٌ إِلَّا وَكَانَ لِنِرْزَاءٍ لَهَا وِزْرَا. ٢- التَّعَجُّبُ بِمَا أَفْعَلُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴾(٢)، وَأَفْعِلْ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾(٣). ٣- الْقَسَمُ، وَيَكُونُ بِالْوَاوِ وَالتَّاءِ وَالْبَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَالضُّحَىٰ ﴾، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾(٤)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾(٥). ٤- الرَّجَاءُ، وَهُوَ طَلَبُ حُصُولِ أَمْرٍ مَحْبُوبٍ قَرِيبِ الْوُقُوعِ، وَالْحَرْفُ الْمَوْضُوعُ لَهُ « لَعَلَّ »، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا ﴾. لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾(١). ٥- صِيغُ الْعُقُودِ: مِثْلُ بِعْتُ، وَاشْتَرَيْتُ. تِلْكَ الصِّيَغُ قَلِيلَةُ الِاسْتِعْمَالِ لِنُدْرَةِ الْأَغْرَاضِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا بَلَاغَةً، بَيْنَمَا الْإِنْشَاءُ الطَّلَبِيُّ يَهُمُّهُ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفَنُّنٍ فِي الْأَسَالِيبِ وَالْمَعَانِي، وَالْأَلْفَاظِ أَكْثَرِ اسْتِعْمَالًا.
- الِانْصِرَافُ
الِانْصِرَافُ: مِنَ الصَّرْفِ، وَهُوَ رَدُّ الشَّيْءِ عَنْ جِهَتِهِ، وَقِيلَ انْصَرَفَ بِمَعْنَى: رَجَعَ. وَالِانْصِرَافُ كَمَا سَمَّاهُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ فِي كِتَابِهِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: « وَهُوَ أَنْ يُرْجِعَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْخِطَابِ، وَمِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْخَبَرِ ». وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ ﴾(٢)، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى: [ الْبَسِيطُ ] بَلَى وَعَبْرَاكَ فِيهَا ثُمَّ أَنْصَرِفُ قَدْ بَالَسِّيَاسِ الَّذِي لَمْ يُفْهَمِ الْقِدَمُ. وَكَذٰلِكَ عَرَّفَهُ ابْنُ شُقَيْرٍ الْفَرَضِيُّ، بَيْنَمَا سَمَّاهُ ابْنُ وَهْبٍ بِ « الصَّرْفِ » وَسَمَّاهُ غَيْرُهُمْ « الِالْتِفَاتُ ». وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الدِّرَاسَةِ فِيهِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي كُتُبِ الْبَلَاغَةِ.
- الْإِنْفَادُ
الْإِنْفَادُ: مِنْ نَفِدَ، وَنَفِدَ الشَّيْءُ نَفَادًا وَنَفَادًا: أَيْ فَنِيَ وَذَهَبَ. وَ« الْإِنْفَادُ » عَرَّفَهُ الْمُظَفَّرُ الْمَرْعِيُّ، فَقَالَ: « هُوَ أَنْ يَقُولَ الشَّاعِرُ بَيْتًا تَامًّا، ثُمَّ يَقُولَ آخَرُ بَيْتًا آخَرَ يَرْبِطُ بَيْنَهُمَا بِالْإِنْفَادِ وَالْإِجَازَةِ ». وَرُوِيَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ لَمَّا تَحَرَّكَ لِبَيْتٍ مِنْ شِعْرِهِ كَانَ أَبُوهُ زُهَيْرٌ يَتَحَرَّكُ مَعَهُ، وَلَا يَكُونُ مُتَحَكِّمًا شِعْرُهُ مَفْرُوضًا عَمَّا يَبْتَدِئُ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَضَافَ، فَخَرَجَ زُهَيْرٌ إِلَيْهِ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ بَاقَتَهُ فَرَكِبَهَا وَتَنَاوَلَهَا وَرَادَفَهُ خَلْفَهُ، ثُمَّ حَرَّكَ لِسَانَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَتِمَّهُ كَمَا يُعْلِمُ مَا عِنْدَهُ وَيُطْلِعُ عَلَى شِعْرِهِ، فَقَالَ حِينَ فَصَلَ عَنِ الْحَيِّ: [ الطَّوِيلُ ] وَإِنِّي لَتَعْذُرُنِي عَلَى الْهَمِّ جَسْرَةٌ تُحَبُّ بِوِصَالٍ صَرُومٍ وَتَجْتَنِي. (١) سُورَةُ هُودٍ، آيَةٌ رَقْمُ (١٢). (٢) سُورَةُ يُونُسَ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٢). ثُمَّ ضَرَبَهُ وَقَالَ: أَجْرِبَا لَكِمْ، فَقَالَ: [ الطَّوِيلُ ] كَمِثْلِ بَنَاتِ الْفَارِعِ بَصَرْفِ رِحَالِنَا وَآثَارِ نَسْتَهْمِهَا مِنَ الْعَذْبِ أَبْلَقِ. فَقَالَ زُهَيْرٌ: [ الطَّوِيلُ ] عَلَى لَا أُحِبُّ مِثْلَ الشَّجَرَةِ جَنَّتْهُ إِذَا مَا عَلَا نَسْرًا مِنَ الْأَرْضِ مِفْرَقُ. ثُمَّ قَالَ: أَجْرِبَا لَكِمْ، فَقَالَ: [ الطَّوِيلُ ] مُبِيرٌ شَدَادٌ لَيْسَ لَهُ كِنْفَارُهُ جَمِيعًا إِذَا عَلِمَ السَّحُوقَةَ أَفْرَقُ. عِنْدَمَا أَخَذَ زُهَيْرٌ يُبِيدُ لِكَعْبٍ، وَقَالَ لَهُ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ فِي الشِّعْرِ، وَهٰذَا الْفَنُّ سَمَّاهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَانُ بِالِانْتِقَادِ وَالْإِجَازَةِ فِي كِتَابِهِ « بُلُوغُ الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ »، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: « هُوَ أَنْ يَبْتَدِئَ الشَّاعِرَانِ بَيْنَهُمَا شَيْئًا عَلَى رَوِيٍّ وَاحِدٍ، بِحَيْثُ أَنْ يُمْكِنَ بَيْنَهُمَا مُلَاحَمَةٌ وَالِالْتِحَامُ، مُرْتَبِطٌ بِهَا الْبَيْتُ بِالْآخَرِ ارْتِبَاطًا تَامًّا ». وَتَقْدِمُ الْأَمْثِلَةُ السَّابِقَةُ الذِّكْرِ.
- الِانْفِصَالُ
الِانْفِصَالُ مِنْ فَصَلْتُ الشَّيْءَ فَانْفَصَلَ، أَيْ قَطَعْتُهُ فَانْقَطَعَ، وَالِانْفِصَالُ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ ابْنِ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيِّ، وَقَدْ عَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: « هُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُتَكَلِّمُ كَلَامًا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ فِيهِ دَخَلٌ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِمَا يَنْفَصِلُ بِهِ عَنْ ذٰلِكَ إِمَّا ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا يُظْهِرُهُ التَّأَمُّلُ ». ثُمَّ أَضَافَ وَذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الِانْفِصَالِ وَالِاحْتِرَاسِ، فَقَالَ: « وَهٰذَا الْفَرْقُ هُوَ خُصُوصِيَّةُ الِانْفِصَالِ وَعُمُومِيَّةُ الِاحْتِرَاسِ، لِأَنَّ كُلَّ شَاهِدٍ لِلِانْفِصَالِ يَكُونُ الدَّخَلُ الْمُنْتَفَى عَلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ دُونَ أُخْرَى ». لِذٰلِكَ ذَكَرَ أَنَّ الشَّاهِدَ فِي سِيَاقِ أَبْيَاتٍ مَقْصُودٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَالِاحْتِرَاسُ يَتَوَجَّهُ الدَّخَلُ إِلَى شَاهِدِهِ مِنْ هٰذِهِ الْجِهَةِ وَمِنْ غَيْرِهَا، كَقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ: [ مَجْزُوءُ الرَّمَلِ ] فِي حِجْرِ أُمِّ الْيَأْسِ إِنْ كُنْتِ مِنَ النَّاسِ تُصَدَّقِي وَتَجُودِي وَلَقَدْ بَالَغْتِ إِلَى الْبَسِّ حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ بَعْضِي لَيْسَ مَنْ تَشْكُو وَلَكِنْ يَفْعَلُ فِيكِ وَيَبْرُدُ. فَلَوْ أَنَّ أَبَا نُوَاسٍ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَيْتِ الثَّانِي لَكَانَ الْهُجَاءُ فِيهِ غَيْرَ مُتَخَلِّصٍ وَكَانَ يُتَوَجَّهُ عَلَيْهِ دَخَلٌ بِسَبَبِ احْتِمَالِ الْبَيْتِ لِلْمَدْحِ وَالْإِبْدَانِ بِهِ فِي مَعْرِضِ الْهُجُوِ، ثُمَّ لَمَّا انْفَصَلَ الشَّاعِرُ عَنْ هٰذَا الدَّخَلِ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ خَلَصَ الشَّاهِدُ لِلْقَدْحِ. وَمِنْ هٰذَا يَبِينُ أَنَّ الِاحْتِرَاسِ يَكُونُ فِي فَنٍّ وَاحِدٍ، وَالِانْفِصَالُ يَكُونُ صَالِحًا لِضَرْبَيْنِ مِنَ الْفُنُونِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الِانْفِصَالَ تَوْضِيحٌ لِلْفِكْرَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ غَامِضَةً. وَانْظُرِ الْعَسْكَرِيَّ وَالنُّورِيَّ تَعْرِيفَ ابْنِ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيِّ مَعَ التَّمْثِيلِ بِالْأَمْثِلَةِ أَيْضًا. أَمَّا السَّكَّكِيُّ فَقَدْ أَدْخَلَهُ فِي بَابِ الِاحْتِرَاسِ، وَقَالَ: « وَقَدْ فُسِّرَ بِمَا هُوَ فِي مَعْنَى الِاحْتِرَاسِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْإِيجَازِ وَالْإِطْنَابِ ». وَذَكَرَ أَبْيَاتَ أَبِي تَمَّامٍ.
- الِانْقِطَاعُ
الِانْقِطَاعُ مِنَ الْقَطْعِ، وَالْقَطْعُ إِبَانَةُ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْجِرْمِ مِنْ بَعْضٍ فَصْلًا. الِانْقِطَاعُ عَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ بِقَوْلِهِ: « أَمَّا كَمَالُ الِانْقِطَاعِ فَاخْتِلَافُهُمَا خَبَرًا وَإِنْشَاءً، لَفْظًا وَمَعْنًى ». وَمِنْهُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ قَوْلُ الْأَخْطَلِ: [ الْبَسِيطُ ] تَكَلَّ خَيْلُ امْرِئٍ يَجْرِي بِمِقْدَارِ. أَوْ مَعْنًى فَقَطْ، نَحْوُ: مَاتَ فُلَانٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ. فَالِانْقِطَاعُ هُنَا لَفْظِيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ لِاخْتِلَافِ الْجُمْلَتَيْنِ خَبَرًا وَإِنْشَاءً. أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: فَهُوَ الِانْقِطَاعُ غَيْرُ الِاخْتِلَافِ، أَيْ الِاخْتِلَافُ خَبَرًا وَإِنْشَاءً، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ﴾(١)، لَفْظَةُ « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا » مَقْطُوعَةٌ عَمَّا قَبْلَهَا، لِكَوْنِ مَا قَبْلَهَا حَدِيثًا عَنِ الْقُرْآنِ، وَكَوْنُ « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا » حَدِيثًا عَنِ الْكُفَّارِ وَعَنْ تَصْمِيمِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ.
- الِاهْتِدَامُ
الِاهْتِدَامُ مِنَ الْهَدْمِ، وَهُوَ نَقْضُ الْبِنَاءِ، وَقِيلَ: قَلْعُ الْمَدَرِ مِنَ الْبُيُوتِ. عَرَفَ الْحَاتِمِيُّ يَقُولُ: « الِاهْتِدَامُ، وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الْهَدْمِ، وَمَكَانُهُ هَدْمُ الْبَيْتِ مِنَ الشِّعْرِ تَشْبِيهًا لَهُ بِهَدْمِ الْبَيْتِ مِنَ الْبِنَاءِ، لِأَنَّ الْبَيْتَ مِنَ الشِّعْرِ يُسَمَّى بَيْتًا، وَلِأَنَّهُ يَشْمَلُ عَلَى الْحُرُوفِ كَمَا يَشْمَلُ الْبَيْتُ عَلَى مَا فِيهِ ». (١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٦). أَمَّا الْمُصَنِّفَانِ فَعَرَّفَا الِاهْتِدَامَ بِقَوْلِهِ: « أَخَذُ قِسْمٍ لَفْظِيٍّ مَعَ الْمَعْنَى أَوْ أَكْثَرِ أَقْسَامِهِ ». وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ الَّذِي يَهْدِمُ بَيْتَ أَبِي ذُؤَابٍ: [ الطَّوِيلُ ] وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وِكَانَاتِهَا بِمُنْجَرِدٍ ضَافِي الْالْكِسَاءِ مُجَفَّلِ فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وِكَانَاتِهَا بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الْأَوَابِدِ هَيْكَلِ وَمِنْ ثَمَّ انْتَقَدَ صَاحِبُ « الرِّسَالَةِ الْعُذْرِيَّةِ » الْمُهْتَدِمَ، فَقَالَ: « إِنَّ الْمُهْتَدِمَ إِنْ لَمْ يَقِرَّ بِأَنَّهُ اهْتَدَمَ وَأَخَذَ وَاسْتَأْثَرَ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ مَثَلٌ لَا مُعَارِضَ، فَإِنَّ مَنْزِلَتَهُ تَسْقُطُ وَنَصَاحَتَهُ تَظْهَرُ، وَلَا يُسَمَّى ذٰلِكَ مُعَارَضَةً، بَلْ هُوَ سَرِقٌ وَتَّغْيِيرٌ وَتَّبْدِيلٌ »، وَقَرَأَهُ أَيْضًا شَاهِدًا بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الذَّنْبِ الْمَعْرُوفِ لَا الْمُسْتَتِرِ. فَالِاهْتِدَامُ هُوَ أَخْذُ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْبَيْتِ مِنَ الشِّعْرِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ، وَيَظْهَرُ ذٰلِكَ وَاضِحًا أَيْضًا فِيمَا أَخَذَهُ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ مِنْ امْرِئِ الْقَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] يَقُولُونَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّلِ وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وِكَانَاتِهَا فَأَخَذَهُ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ وَقَدَّمَهُ إِلَّا الْلَّفْظَةَ الْأُخْرَى مِنَ الْبَيْتِ: [ الطَّوِيلُ ] يَقُولُونَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَلَّدِ وَقَدْ أَغْتَدِي وَالصُّبْحُ فِي مِرْقَدِهِ يَعْجَلُ.
- الْأَوَاخِرُ وَالْمَقَاطِعُ
الْأَوَاخِرُ جَمْعُ آخِرٍ، ضِدُّ الْأَوَّلِ. عَرَفَ الْحَاتِمِيُّ الْمَقَاطِعَ بِقَوْلِهِ: « إِنَّ مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَوَاخِرِ وَالْمَقَاطِعِ أَنْ يَنْتَقِيَ الشَّاعِرُ فِيهَا مِمَّا يَتَيَسَّرُ لَهُ، وَيَتَجَوَّلُ عَلَيْهِ بِمَا يَسْتَحْسِنُهُ »، وَيَقُولُ: « وَيُنْبَغِي أَنْ يَتَخَيَّرَ الشَّاعِرُ فِيهَا مِمَّا يَتَأَتَّى لَهُ مِمَّا يَتَنَاوَلُ عَلَيْهِ وَيَتَقَوَّلُ أَمْثَالُهُ فِيهِ »، كَمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا تَمَّامٍ لَمَّا أَنْشَدَ: [ الطَّوِيلُ ] عَلَى مِثْلِهَا مِنْ أَرْبِعٍ وَسَلَاسِبَ أَزِلْتِ مَصُونَاتِ النَّمِيمِ السَّرَاوِكِ قَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: « لَمَّتِ اللَّهُ وَلَمَّ الْأَعْيُنَيْنِ ». ثُمَّ تَابَعَ ابْنُ الْمُقَدَّمِ قَوْلَهُ: « وَكَذٰلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَوَاخِرُ الْفَصَائِدِ حُلْوَةَ الْمَقَاطِعِ، تُوقِظُ النَّفْسَ لِأَنَّ آخِرَ الْقَصِيدَةِ لِئَلَّا يَكُونَ كَاسِرًا، وَأَحْسَنُهُ مَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْنِ، مِثْلُ « مِنْهَا » وَ« بِهَا » ». كَقَوْلِهِ: [ الْمُقْتَرِبُ ] أَتَتْنِي تُجَاوِبُنِي فِي الْبُكَا فَأَهْلًا بِهَا وَرُبَّ أَهْلًا بِهَا. وَلِلْمُحْسِنِ غَفْلَةٌ إِذَا مَا بَكَتْ وَنَحْبُ عَاشِقَةٍ وَجْهُ مُغْرِبِهَا، وَمِنْهُ أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِ الْبَيْتِ حَرْفٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعْرَابٍ، وَاوٌ أَوْ يَاءُ إِضَافَةٍ أَوْ يَاءُ جَمَاعَةٍ، كَقَوْلِهِ: [ الطَّوِيلُ ] صَحَا الْفُؤَادُ مِنْ سَلْمَى وَقَدْ كَادَ لَا يَصْحُو.
- الْأَوْصَافُ
الْأَوْصَافُ مِنْ وَصَفْتُ الشَّيْءَ لَهُ وَعَلَيْهِ وَصْفًا. حَلَّاهُ. عَرَفَ الْوَصْفَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ نَقْدِ الشِّعْرِ، فَقَالَ: « الْوَصْفُ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ الشَّيْءِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْهَيْئَاتِ ». وَلِمَا كَانَ أَكْثَرُ وَصْفِ الشُّعَرَاءِ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْمُرَكَّبَةِ مِنْ ضُرُوبِ الْمَعَانِي، كَانَ أَحْسَنَهُمْ مَنْ أَتَى فِي شِعْرِهِ بِأَكْثَرِ الْمَعَانِي الَّتِي الْمَوْصُوفُ مُرَكَّبٌ مِنْهَا، ثُمَّ يُظْهِرُهَا فِي أَوَّلِهَا، حَتَّى يَحْكِيَ بِشِعْرِهِ وَمَدْحِهِ لِلْمَحْسُوسِ نَعْتَهُ. فَمِنْ ذٰلِكَ قَوْلُ الشُّنْفَرَى يَصِفُ أَرْضًا تَسِيرُ النَّبَاتُ فِيهَا: [ الطَّوِيلُ ] تَفَتَّقَ فِي الْأَبَاطِحِ نَبْتُهَا وَصَفَاصِفُهَا خَلَفْنَ غَيْرَ آثَارِ الْأَرَاحِلِ تَرْتَمِي. فَقَدْ أَتَى فِي هٰذَا الْبَيْتِ يَذْكُرُ الرِّجَالَةَ وَيَرَى أَفْعَالَهَا، يَقُولُ: « تَرْتَمِي »، وَمِنَ الْحَالِ فِي مِقْدَارِ سَيْرِهَا يُوصَفُهُ، وَتَفَقُّعِ الْبَوَاضِعِ، إِذْ كَانَ فِي ذٰلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْهَرْوَلَةِ. وَعَرَّفَهُ ابْنُ رَشِيقٍ فَقَالَ: « الشِّعْرُ إِلَّا أَقَلَّهُ رَاجِعٌ إِلَى هٰذَا الْوَصْفِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى حَصْرِهِ وَاسْتِقْصَائِهِ، وَهُوَ مَا نَاسَبَ لِلنَّفْسِ تَشَبَّهَ الْمُتَكَلِّمُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِهِ، لِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يَأْتِي فِي أَصْنَافِهِ ». وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالتَّشْبِيهِ أَنَّ هٰذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وَأَنَّ ذَاكَ مَجَازٌ وَتَمْثِيلٌ. وَأَحْسَنُ الْوَصْفِ مَا ثَبَتَ بِهِ الشَّيْءُ حَتَّى يَكَادَ يَمْثُلُ عِيَانًا لِلسَّامِعِ، كَقَوْلِ ثَابِتَةِ الْجَعْدِيِّ يَصِفُ ذِئْبًا افْتَرَسَ جَزُورًا: [ الطَّوِيلُ ] فَبَاتَ يَذْكُبُهُ بِنَحْرٍ جَرِيبَةٍ أَحْوَى نَصْلٍ يَمْسِي وَيُضْحِي مُفَطَّرًا إِذَا مَا رَأَى مِنْهُ كَرَاعًا تَحَرَّكَتْ أَصَابَ مَكَانَ الْقَلْبِ مِنْهُ فَفَرَّقَا. لَقَدْ قَامَ هٰذَا الْوَصْفُ بِنَفْسِهِ، وَمَثَّلَ الْمَوْصُوفَ فِي قَلْبِ سَامِعِهِ. أَمَّا ابْنُ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ فَيَقُولُ: « وَحَدُّ الْوَصْفِ أَنَّهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْهَيْئَاتِ ». وَتَعْرِيفُهُ هٰذَا مَأْخُوذٌ مِنْ تَعْرِيفِ قُدَامَةَ وَابْنِ رَشِيقٍ، إِلَّا أَنَّهُ سَمَّاهُ بَابَ الْأَوْصَافِ وَالنُّعُوتِ.
- الإيجابُ وَالسَّلْبُ
الإِيجَابُ مِنْ وَجَبَ الشَّيْءُ يَجِبُ وُجُوبًا، أَيِ الْزِمَ، وَأَوْجَبَهُ اللَّهُ، أَيِ اسْتَحَقَّهُ، وَالسَّلْبُ مِنْ سَلَبَ الشَّيْءَ سَلْبًا، أَخَذَهُ، وَالسَّلْبُ نَقْضُ الإِيجَابِ. وَعَرَّفَهُ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ «نَقْدِ الشِّعْرِ»، فَقَالَ: «وَمِمَّا جَاءَ فِي الشِّعْرِ مِنَ التَّنَاقُضِ عَلَى طَرِيقِ الإِيجَابِ وَالسَّلْبِ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسِّ: [ الطَّوِيلُ ] أَرَى مَهْرَهَا وَالْوَغْلَ فِيهِ مُثَلَّثًا فَنَاطِقُكُمْ فَاقْصُرُوا مَلَامَكُمْ فَالْقَتْلُ أَعْفَى وَأَيْسَرُ». فَأَوْجَبَ الشَّاعِرُ الْهَجْرَ وَالْقَتْلَ مِثْلَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَهُمَا ذٰلِكَ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ الْقَتْلَ أَعْفَى وَأَيْسَرُ»، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ مِثْلُ الْهَجْرِ وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَهُ، وَأَرَى أَنَّ هٰذَا الشَّاعِرَ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: بَلِ الْقَتْلُ أَعْفَى وَأَيْسَرُ. هٰذَا الْفَنُّ لَيْسَ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ ابْنِ أَبِي الإِصْبَعِ، وَعَرَّفَهُ يَقُولُ: «هُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْمَادِحُ أَنْ يُفْرِدَ مَمْدُوحَهُ بِصِفَةِ مَدْحٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، فَيَجْمَعُهَا فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ وَيُثْبِتُهَا لِمَمْدُوحِهِ بَعْدَ ذٰلِكَ». وَتَكَلَّمَ ابْنُ أَبِي الإِصْبَعِ فِي هٰذَا النَّوْعِ فِي «التَّحْرِيرِ وَالتَّحْبِيرِ» تَحْتَ هٰذَا الاسْمِ الْمَذْكُورِ، بَيْنَمَا تَكَلَّمَ عَنْهُ فِي «بَدَائِعِ الْقُرْآنِ» تَحْتَ اسْمِ «إِثْبَاتِ الشَّيْءِ وَنَفْيِهِ عَنْ ذٰلِكَ الشَّيْءِ»، وَعَدَّهُ مِنْ بَدِيعِهِ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ ذٰلِكَ. وَلِأَبِي هِلَالٍ الْعَسْكَرِيِّ تَقْرِيرٌ حَسَنٌ فِي هٰذَا الْفَنِّ، وَهُوَ أَنْ يُبْنَى الْمُتَكَلِّمُ كَلَامَهُ عَلَى نَفْيِ شَيْءٍ مِنْ جِهَةٍ، وَإِثْبَاتِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى»، وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي «خِزَانَةِ الأَدَبِ» وَسَمَّاهُ «ذِكْرَ السَّلْبِ وَالإِيجَابِ»، وَقَدْ مَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ بَدِيعِهِ: [ الْبَسِيطُ ] أَجَابَهُ بِالسَّلْبِ اخْتِلَافًا لَيْسَ يُشْبِهُهُ وَسَلَّمَ الأَمْرَ مِنْهُ سَلْبَ مُخْتَصِمِ. وَعَرَّفَهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ يَقُولُ: «هُوَ أَنْ يُبْنَى الْكَلَامُ عَلَى نَفْيِ الشَّيْءِ مِنْ جِهَةٍ، وَإِثْبَاتِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَالأَمْرِ بِهِ مِنْ جِهَةٍ، وَالنَّهْيِ عَنْهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى»، وَمِنْهُ قَوْلُ السَّمَوْءَلِ: [ الطَّوِيلُ ] وَنَذْكُرُ إِنْ شِئْنَا النَّاسَ قَوْلَهُمُ وَلَا يَكْفُرُونَ الْقَتْلَ حِينَ نَقْتُلُ. وَنَتَذَكَّرُ أَنْ شِئْنَا عَلَى النَّاسِ قَوْلَهُمْ وَلَا يَكْبُرُونَ الْمَقْتُولَ حِينَ يُقْتَلُ.