من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الِانْتِهَاءُ
المعنى
الِانْتِهَاءُ مِنَ النِّهَايَةِ، وَالنِّهَايَةُ: غَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ وَآخِرُهُ، وَالنِّهَايَةُ كَالْغَايَةِ حَيْثُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ الشَّيْءُ.
الِانْتِهَاءُ هُوَ قَاعِدَةُ الْقَصِيدَةِ، كَمَا نَصَّهُ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِهِ « الْعُمْدَةِ » إِذْ قَالَ: « وَأَمَّا الِانْتِهَاءُ، فَهُوَ قَاعِدَةُ الْقَصِيدَةِ، وَآخِرُ مَا يَبْقَى مِنْهَا فِي الْأَسْمَاعِ، وَسَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ مُحَكَّمًا، لَا تَمْكُنُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَلَا يَأْتِي بَعْدَهُ أَحْسَنُ مِنْهُ ».
ثُمَّ أَضَافَ ابْنُ رَشِيقٍ، فَقَالَ: « وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُخْتِمُ الْقَصِيدَةَ فَيَقْطَعُهَا وَالنَّفْسُ بِهَا مُتَعَلِّقَةٌ وَفِيهَا رَاغِبَةٌ مُشْتَهِيَةٌ، وَيَبْقَى الْكَلَامُ مَبْسُوطًا كَأَنَّهُ لَمْ يَتَمَّمْ جَمِيعُ خَاتِمَتِهِ. كُلُّ ذٰلِكَ رَغْبَةً مِنْهُ فِي أَخْذِ الْعَفْوِ وَإِسْقَاطِ الْكَلَفَةِ. أَلَا تَرَى مُعَلَّقَةَ امْرِىءِ الْقَيْسِ كَيْفَ خَتَمَهَا بِقَوْلِهِ « السَّبُلِ » مِنْ شِدَّةِ الْمَطَرِ: [ الطَّوِيلُ ]
كَأَنَّ السَّبِيلَ فِيهِ غُرْفَةٌ غَمْرَةٌ بِأَرْجَائِهَا الْفُضْفَاضِ آنِسَةٌ غِفْلٌ. الأبانِيِسِ: أُصُولُ البَتِّ، وَالفَصْلِ، الفَصْلِ، فَقَدْ شُبِّهَ تَلْخِيصُ السِّبَاعِ وَهِيَ غَرْقَىٰ بِأُصُولِ البَيْتِ، فَلَمْ يُجْعَلْ لَهَا قَاعِدَةٌ كَمَا فُعِلَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ المُعَلَّقَاتِ وَهِيَ أَفْضَلُهَا. وَقَدْ وَافَقَ رَأْيُ القَزْوِينِيِّ فِي الِانْتِهَاءِ رَأْيَ ابْنِ رَشِيقٍ، فَقَالَ: « لَا يَنْبَغِي لِلْمُتَكَلِّمِ أَنْ يَعْتَقِدَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كَلَامِهِ حَتَّىٰ يَكُونَ أَغْرَبَ لَفْظًا، وَأَحْسَنَ سِبْكًا، وَأَوْضَحَ مَعْنًى؛ الأَوَّلُ الِابْتِدَاءُ ... وَالثَّانِي التَّخَلُّصُ ... وَالثَّالِثُ الِانْتِهَاءُ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا يَبْقَىٰ فِي السَّمْعِ وَيُرْتَسَمُ فِي النَّفْسِ ». وَمِنْ أَحْسَنِ الِانْتِهَاءَاتِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ: [ الكَامِل ]
تَثَبَّتَّ لِعِلْمٍ أَنَّ ذَاكَ لَهُ وَتَتَلَقَّفَتْ عَنْ نَبَإٍ لَكَ الأَيَّامُ.
إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي الأَصْبَعِ المِصْرِيَّ المُبْدِعَ لِهٰذَا الفَنِّ سَمَّاهُ « حُسْنُ الخَاتِمَةِ »، وَهُوَ بَعْضُ مُخْتَرَعَاتِهِ، فَقَالَ: « يَجِبُ عَلَى الشَّاعِرِ وَالنَّاثِرِ أَنْ يَخْتِمَا كَلَامَهُمَا بِأَحْسَنِ خَاتِمَةٍ؛ فَإِنَّهَا آخِرُ مَا يَبْقَىٰ فِي الأَسْمَاعِ، وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا حُفِظَتْ مِنْ دُونِ سَائِرِ الكَلَامِ فِي غَالِبِ الأَحْوَالِ، فَيَجِبُ أَنْ يُجْتَهَدَ فِي رَشَاقَتِهَا وَنُضْحَتِهَا وَحَلَاوَتِهَا وَجَزَالَتِهَا ». وَقَدْ نَقَلَهُ إِلَىٰ مَالِكٍ مَعَ أَمْثِلَتِهِ.
إِلَّا أَنَّ هٰذَا الفَنَّ يُنْكَرُ اخْتِرَاعُهُ لِابْنِ أَبِي الأَصْبَعِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الحَرِيرِيُّ حِينَ قَالَ: « هٰذَا النَّوْعُ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي الأَصْبَعِ أَنَّهُ مِنْ مُخْتَرَعَاتِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ قَبْلَ ذٰلِكَ فِي كُتُبٍ غَيْرِهِ، تَحْتَ هٰذَا الاِسْمِ »؛ فَإِنَّ القَتَّادِيَّ سَمَّاهُ « حُسْنَ المُقْطَعِ »، وَسَمَّاهُ ابْنُ أَبِي الأَصْبَعِ « حُسْنَ الخَاتِمَةِ »، وَكَذٰلِكَ سَمَّاهُ الحَمَوِيُّ « حُسْنَ الخِتَامِ »، وَسَمَّاهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتُ « رِعَايَةَ الخِتَامِ ».
إِلَّا أَنَّ الِانْتِهَاءَ أَوَّلُ مَا عُرِفَ فِي كَلَامِ مَنْ شَبَّهَ بِهِ نِسْبَةَ الَّذِي سَمَّاهُ « جَوْدَةَ المُقْطَعِ »، كَمَا سَمَّاهُ الجُرْجَانِيُّ « حُسْنَ الخَاتِمَةِ »؛ وَقَالَ: « وَالشَّاعِرُ الحَاذِقُ يَجْتَهِدُ فِي تَحْسِينِ الاِسْتِهْلَالِ وَالتَّخَلُّصِ وَبَعْدَهُمَا الخَاتِمَةِ؛ فَإِنَّهَا المَوَاقِفُ الَّتِي تَسْتَطِيعُ أَسْمَاعُ الحُضُورِ تَسْمِيعَهُمْ إِلَىٰ الإِصْغَاءِ ».
إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَعْصُومٍ المَدَنِيَّ سَمَّاهُ « حُسْنَ الخِتَامِ »، وَاعْتَبَرَهُ مِنْ رَابِعِ المَوَاضِعِ الَّتِي نَصَّ عُلَمَاءُ البَلَاغَةِ عَلَىٰ العِنَايَةِ بِهَا، فَقَالَ: « وَهٰذَا رَابِعُ المَوَاضِعِ الَّتِي نَصَّ أَئِمَّةُ البَلَاغَةِ عَلَىٰ العِنَايَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا يَقْرَعُ السَّمْعَ وَيُرْتَسَمُ فِي النَّفْسِ ». وَمِنْ « حُسْنِ الخِتَامِ » الَّذِي ذَكَرَهُ المَدَنِيُّ قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ: [ الطَّوِيلُ ]
وَإِنِّي جَبِيرٌ إِذْ بَلَغْتِ بِالسُّؤْلِ وَأَنْتِ بِمَا أَمَّلْتُ مِنْكِ جَبِيرُ
فَإِنْ تَجْعَلِي لِي مِنْكِ الجَمِيلَ فَاحْمِدِي وَإِلَّا فَإِنِّي عَاذِرٌ وَشَكُورُ.
نَخْلُصُ إِلَى أَنْ « جَوْدَةَ الْقَطْعِ » وَ « بَرَاعَةَ الْمَقْطَعِ » وَ « حُسْنَ الْخَاتِمَةِ » وَ « حُسْنَ الْخِتَامِ » وَ « بَرَاعَةَ الْخِتَامِ » كُلَّهَا لَوْنٌ وَاحِدُ الْغَرَضِ، وَهُوَ تَحَرُّكُ النَّفْسِ عِنْدَ خِتَامِ الْقَصِيدَةِ أَوِ الْعِبَارَةِ لِتَبْقَى لَهَا أَوْقَعُ الْأَثَرِ فِي الذَّاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.