المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
يقع كتاب المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني ضمن نطاق تخصص علوم اللغة ووثيق الصلة بالفروع الأخرى مثل الشعر، والقواعد النحوية، والصرف، والأدب، والبلاغة، والآداب العربية. تأليف إنعام فوال عكاوي
الجذور
- اِسْتِفْهَامُ التَّسْوِيَةِ
عَرَّفَ السُّيُوطِيُّ التَّسْوِيَةَ فِي كُتُبِهِ : « الْمُعْتَرَكُ » وَ « الْإِتْقَانُ » وَ « شَرْحُ عُقُودِ الْجُمَانِ » بِقَوْلِهِ : « وَهُوَ الِاسْتِفْهَامُ الْمُتَدَاخِلُ عَلَى جُمْلَةٍ يَصِحُّ حُلُولُ الْمَصْدَرِ مَحَلَّهَا ». وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾(٤) مَعْنَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا - كَأَيِّ جَهْلٍ أَوْ لَهْوٍ وَنَحْوِهِمَا - سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، لِعِلْمِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - مِنْهُمْ ذٰلِكَ، فَلَا تَطْمَعْ فِي إِيمَانِهِمْ، عَلَى سَبِيلِ التَّسْوِيَةِ الْمَصْحُوبَةِ بِالْإِنْذَارِ. (٤) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٦). وَالتَّخْوِيفِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي «مَجَازِ الْقُرْآنِ» بِاسْمِ «اسْتِفْهَامِ الْإِجَارِ»، وَاحْتَجَّ لَهُ الْبَصْرِيُّ بِقَوْلِهِ: «وَرُبَّ شِعْرِي أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ قَعَدَ» عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ فِي التَّسْوِيَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُتَنَبِّي: [الطَّوِيلُ] وَقُلْتُ الْأَبْيَضَ بَعْدَ إِدْرَاكِي الْعُلَى أَكَانَ تُرَاثًا مَا تَنَاوَلْنَا أَمْ كَسْبًا قَوْلُ الْمُتَنَبِّي هٰذَا يَتَضَمَّنُ حُصُولَهُ الْعُلَى أَيِّ كَانَتِ السُّبُلُ وَالنَّائِبَاتُ، فَهِيَ فِي نَظَرِهِ سَوَاءٌ، أَكَانَ تُرَاثًا عَنِ الْأَجْدَادِ أَمْ كَسْبًا بِالتَّعَبِ وَالنَّصَبِ.
- اِسْتِفْهَامُ التَّشْوِيقِ
أَشَارَ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ : «شَرْحُ عُقُودِ الْجُمَانِ» إِلَى اسْتِفْهَامِ التَّشْوِيقِ مَجْمُوعًا مَعَ اسْتِفْهَامِ التَّرْغِيبِ تَحْتَ اسْمٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ مَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾(١) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ؟ وَكَذٰلِكَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾(٢) عَلَى سَبِيلِ الْمِجَازِ، تِجَارَةٌ مَضْمُونَةُ الرِّبْحِ، أَيْ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، تَسْلِيمُهَا بِالْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ، ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ عَذَابٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ إِلَّا اللَّهُ. وَهٰذَا كُلُّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْوِيقِ الِاسْتِفْهَامِيِّ، تَرْغِيبًا بِالْإِيمَانِ، وَبُعْدًا عَنِ النَّارِ وَالْعَذَابِ. (١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٤٥). (٢) سُورَةُ الصَّفِّ، آيَةٌ رَقْمُ (١٠).
- اِسْتِفْهَامُ التَّعَجُّبِ
وَقَدْ سَمَّاهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ «اسْتِفْهَامَ التَّعَجُّبِ»، كَمَا ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي كُتُبِهِ : «الْإِتْقَانُ» وَ «الْمُعْتَرَكُ» وَ «شَرْحُ عُقُودِ الْجُمَانِ»، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾(٣). وَمَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : يُخَاطِبُ أَهْلَ مَكَّةَ وَيَتَعَجَّبُ مِنْ كُفْرِهِمْ وَتَمَسُّكِهِمْ بِهِ عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي يَلْمَسُونَهَا مِنْ كَوْنِهِمْ أَمْوَاتًا وَهُمْ نُطَفٌ فِي الْأَصْلَابِ، فَأَحْيَاهُمْ فِي الْأَرْحَامِ وَالدُّنْيَا بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِمْ، ثُمَّ يُمِيتُهُمْ عِنْدَ انْتِهَاءِ أَجَلِهِمْ، وَيُحْيِيهِمْ بِالْبَعْثِ مِنَ الْقُبُورِ، فَيُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ. وَقَدْ جَعَلَهُ الْبَعْضُ الْآخَرُ «اسْتِفْهَامَ التَّنْبِيهِ». (٣) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٨). وَمِنْ هٰذَا النَّفْسِ التَّشْبِيهِيِّ قَوْلُ النَّبِيِّ مُخَاطِبًا الْحَصَى : [ الرَّاجِزُ ] أَبِنْتِ السَّحَرِ عِبْدِي كُلِّ بِنْتٍ فَكَيْفَ وَصَلْتِ أَنْتِ مِنَ الرَّجَّامِ
- اِسْتِفْهَامُ التَّنْظِيمِ
أَشَارَ إِلَيْهِ السُّيُوطِيُّ فِي كُتُبِهِ : « الْمُعْتَرَكُ » وَ « الْإِتْقَانُ » وَ « الرَّحْمٰنِ »، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾(١) يَعْنِي لَا أَحَدَ يَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، وَلَا يَنْفَعُ جَاهٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، تَعْظِيمًا لِشَرَفِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ عَلَى سَبِيلِ اسْتِفْهَامِ التَّنْظِيمِ : [ الْوَافِرُ ] أَصَاحِبِي أَيَّ قَلْبٍ قَسَا أَصْبَحُوا لِبَرْدِ كَرْبَةٍ وَسَدَادِ نَفْرٍ (١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٥٥).
- اِسْتِفْهَامُ التَّفْجِيعِ
ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي كِتَابِهِ « الْبُرْهَانِ »، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ مَا لِهٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾(٢). وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ الْكَافِرِينَ عِنْدَمَا وُضِعَ الْكِتَابُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ صَرَخُوا مُتَعَجِّبِينَ خَائِفِينَ، وَقَالُوا: يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا؟ عَلَى سَبِيلِ التَّنْظِيمِ وَالتَّفْجِيعِ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ لِحَالَةِ الْكُفَّارِ، وَهٰذَا مَا مَالَ إِلَيْهِ السُّيُوطِيُّ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا تُشْعِرُ بِالتَّفْجِيعِ كَمَا تَشِيرُ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ. (٢) سُورَةُ الْكَهْفِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٩).
- اِسْتِفْهَامُ التَّفْخِيمِ
أَشَارَ السُّيُوطِيُّ إِلَى اسْتِفْهَامِ التَّفْخِيمِ فِي كِتَابِهِ « مَعْرِكُ الْأَقْرَانِ فِي الْقُرْآنِ » وَ « الْإِتْقَانُ »، ثُمَّ جَاءَ بِمِثَالٍ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ حُجَّةً عَلَى هٰذَا الْفَنِّ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ مَا لِهٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾(٢)، اسْتِفْهَامُ الَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ كَفَرُوا عِنْدَ تَسَلُّمِهِمْ كِتَابَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ وَرُؤْيَتِهِمْ أَعْمَالَهُمْ مَسْجِلَةً بِكَمَالِهَا دُونَ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ؛ فَظَهَرَتْ فِيهَا الْقُدْرَةُ الْإِلٰهِيَّةُ بِعَظَمَتِهَا وَتَفْخِيمِهَا، فَقَالُوا: مَا لِهٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا؟ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ الْمُفَخَّمِ. (٢) سُورَةُ الْكَهْفِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٩).
- اِسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِ
اِسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِ: حَمْلُ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالِاعْتِرَافِ بِأَمْرٍ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ. وَقِيلَ سَبِيلُهُ: حُرُوفُ الِاسْتِفْهَامِ لَا يَلِيهَا إِلَّا الْفِعْلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ هَلْ يَسْتَمِيعُونَكُمْ أَوْ يَنْصُرُونَكُمْ ﴾(١)، وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ هَلْ يَسْتَمِيعُونَكُمْ . . . ﴾ إِلَى أَنَّ « هَلْ » تُشَارِكُ الْهَمْزَةَ فِي مَعْنَى التَّقْرِيرِ وَالتَّوْبِيخِ، إِلَّا أَنَّ سَبِيلَهُ لَا يَجْرِي اسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِ بِـ « هَلْ » فِي الْأَغْلَبِ يَسْتَعْمِلُ فِي الْهَمْزَةِ. وَقَدْ نَقَلَ أَبُو حَيَّانَ فِي بَعْضِهِ أَنَّ « هَلْ » تَأْتِي تَقْرِيرًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَهَلْ فِي ذٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾(٢). وَقِيلَ: الْكَلَامُ فِي التَّقْرِيرِ مُوجِبٌ، وَلِذٰلِكَ يُفَضَّلُ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْمُوجَبِ وَيُفَضَّلُ عَلَى صَرِيحِ الْمُوجَبِ. فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾(٣)، وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾(٤). وَقَدْ قَسَمَ الْأَمْدِيُّ « اسْتِفْهَامَ التَّقْرِيرِ » إِلَى ضَرْبَيْنِ، حِينَ تَحَدَّثَ عَنِ الْخَطَإِ فِي قَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ: [ الطَّوِيلُ ] رَضِيتَ وَهَلْ أُصْفِي إِذْ كَانَ مُسْتَخْلَفِي مِنَ الْأَمْرِ مَا فِيهِ رِضًا لِمَنِ الْأَمْرُ قَالَ: مَعْنَى « هَلْ » فِي بَيْتِ أَبِي تَمَّامٍ اسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِ، مِنَ الْأَمْرِ مَا فِيهِ رِضًى مِمَّنْ لَهُ الْأَمْرُ، تَقْرِيرًا لِلْمُخَاطَبِ عَلَى فِعْلٍ قَدْ قَضَى وَوَقَعَ، أَوْ عَلَى فِعْلٍ هُوَ فِي الْأَحْوَالِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، تَقْرِيرُ الْمُقِرِّ بِذٰلِكَ وَتَحْقِيقُهُ، وَيَقْتَضِي مِنَ الْمُخَاطَبِ الْجَوَابَ وَالِاعْتِرَافَ، عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ: « مَا أَكْرَمَكَ؟ هَلْ أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ هَلْ أَدَّيْتُ وَأَوْفَيْتُكُمْ فِي مَا أَقْضِي حَاجَاتِكُمْ؟ »، وَتَقْرِيرٌ عَلَى فِعْلٍ يَلْزَمُهُ الْمُقِرُّ وَيُثْبِتُهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَعَ، نَحْوُ قَوْلِهِ: « هَلْ كَانَ مِنِّي إِلَيْكَ فَقْطُ شَيْءٌ كَرِهْتَهُ؟ وَهَلْ عَرَفْتَ مِنِّي غَيْرَ الْجَمِيلِ؟ »، فَقَوْلُهُ فِي الْبَيْتِ: « وَهَلْ أَرْضَى » تَقْرِيرٌ لِفِعْلٍ يَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ الْأَرْضَى، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: « وَهَلْ يَمْكُثُ الْمَقَامُ عَلَى هٰذِهِ الْحَالِ؟ » أَيْ: لَا يَمْكُثُ، « وَهَلْ يَصْبِرُ الْحُرُّ عَلَى الذُّلِّ؟ »، « وَهَلْ يَرْضَى زَيْدٌ؟ »، « وَهَلْ يَرْوِي عَمْرٌو؟ »، فَهٰذِهِ كُلُّهَا أَفْعَالٌ مَعْنَاهَا تَقْرِيرِيٌّ. (١) سُورَةُ الشُّعَرَاءِ، الْآيَتَانِ (٧٣ ـ ٧٢). (٢) سُورَةُ الشُّعَرَاءِ، آيَةٌ رَقْمُ (٥). (٣) سُورَةُ الشَّرْحِ، الْآيَتَانِ (٢، ١). (٤) سُورَةُ النِّسَاءِ، آيَةٌ رَقْمُ (٨٤). الثَّنِيِّ. فَقَوْلُهُ : « وَهَلْ أَرْضَى » إِنَّمَا هُوَ نَفْيٌ لِلرِّضَى، فَضِمَارُ الْمَعْنَى : وَلَسْتُ أَرْضَى، إِذْ كَانَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ مَا فِيهِ رِضًى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ، أَيْ رِضَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهٰذَا خَطَأٌ مِنْهُ فَاحِشٌ .
- اِسْتِفْهَامُ التَّكْثِيرِ
التَّكْثِيرُ لُغَةً : مِنْ فَعَلَ كَثَّرَ يُكَثِّرُ تَكْثِيرًا . خِلَافُ قَلَّ، جَعَلَهُ كَثِيرًا، وَأَكْثَرَ الشَّيْءَ : وَجَدَهُ كَثِيرًا . أَشَارَ السُّيُوطِيُّ إِلَى اسْتِفْهَامِ التَّكْثِيرِ فِي كُتُبِهِ : « الْإِتْقَانُ » وَ « الرَّحْمٰنِ » وَ « مَعْرِكُ الْأَقْرَانِ »، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ﴾(١) يَعْنِي كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا بِكُفْرِهِمْ، فَهِيَ خَاوِيَةٌ سَاقِطَةٌ، عَلَى سَبِيلِ التَّكْثِيرِ .
- اِسْتِفْهَامُ التَّمَنِّي
التَّمَنِّي لُغَةً : مِنْ فَعَلَ تَمَنَّى يَتَمَنَّى تَمَنِّيًا . قَدَرَ لَهُ، وَتَمَنَّى الشَّيْءَ : أَرَادَهُ . تَحَدَّثَ السُّيُوطِيُّ عَنْ « اسْتِفْهَامِ التَّمَنِّي » فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنِ الِاسْتِفْهَامِ، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا ﴾(٢) أَيْ هَلْ يَشْفَعُ الرُّسُلُ لَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَغَيْرِهِ، عَلَى سَبِيلِ التَّمَنِّي، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ هَلْ نَرَى مَا كُنَّا نَعْمَلُ ﴾(٣) . وَمِنْ « اسْتِفْهَامِ التَّمَنِّي » قَوْلُ الْمُتَنَبِّي : [ الْوَافِرُ ] أَسَرْنَا الرُّومَ أَيَّ دَمٍ أَرَقْنَا وَأَيَّ قُرْبٍ هٰذَا الرَّكْبُ سَارَا فَقَوْلُ الْمُتَنَبِّي « أَيَّ » عَلَى سَبِيلِ التَّمَنِّي الِاسْتِفْهَامِيِّ .
- اِسْتِفْهَامُ التَّنْبِيهِ
التَّنْبِيهُ لُغَةً : مِنْ نَبَّهَ يُنَبِّهُ تَنْبِيهًا . شَرَفَ، وَتَنْبِيهٌ لِلْأَمْرِ : تَوَقَّفَ عَلَيْهِ وَتَفَطَّنَ لَهُ . تَحَدَّثَ السُّيُوطِيُّ فِي كُتُبِهِ : « مَعْرِكُ الْأَقْرَانِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ » وَ « الْإِتْقَانُ » وَ « شَرْحُ عُقُودِ الْجُمَانِ » عَنْ « اسْتِفْهَامِ التَّنْبِيهِ »، وَالَّذِي هُوَ مِنْ أَقْسَامِ غَرَضِ الأَمْرِ، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ﴾(٤) عَلَى مَعْنَى أَلَمْ تَنْظُرْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِلَى فِعْلِ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ مِنْ وَقْتِ الْإِسْفَارِ . (١) سُورَةُ الْحَجِّ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٥) . (٢) سُورَةُ الْأَعْرَافِ، آيَةٌ رَقْمُ (٥٣) . (٣) سُورَةُ الْأَعْرَافِ، آيَةٌ رَقْمُ (٥٣) . (٤) سُورَةُ الْفُرْقَانِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٥) . إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا مُقِيمًا لَا يَزُولُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ.
- اِسْتِفْهَامُ التَّهْدِيدِ
التَّهْدِيدُ لُغَةً : مِنْ هَدَّ يُهَدِّدُ الْبِنَاءَ : هَدَمَهُ، وَمَقْصَدُهُ وَتَوْعِيدُهُ، خَوَّفَهُ وَتَوَعَّدَهُ بِالْعُقُوبَةِ. وَتَكَلَّمَ السُّيُوطِيُّ عَنْهُ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنِ الِاسْتِفْهَامِ بِقَوْلِهِ : « إِنَّ اسْتِفْهَامَ التَّهْدِيدِ يَكُونُ لِلْوَعِيدِ ». وَمِثْلُ ذٰلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ﴾(١) بِمَعْنَى : أَهْلَكْنَا الْأَوَّلِينَ بِذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخَرِينَ مِمَّنْ كَذَّبُوا كَمَنْ كَذَّبَ مِنْ قَبْلُ فَنُهْلِكُهُمْ، عَلَى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ. (١) سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٦).
- اِسْتِفْهَامُ التَّحْكِيمِ
الْحُكْمُ لُغَةً : مِنْ حَكَمَ يَحْكُمُ، وَحَكَّمْتُ فُلَانًا : اسْتَخْلَصْتُهُ حَكَمًا، وَتَحَكَّمَ الْبِنَاءُ وَنَحْوُهَا : تَهَدَّمَتْ. تَكَلَّمَ عَنْ اسْتِفْهَامِ التَّحْكِيمِ السُّيُوطِيُّ وَقَالَ : يَكُونُ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى : ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾(٢) أَيْ أَيَطْلُبُونَ حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ بَعْدَ أَنْ جَاءَهُمُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، فَيُوبِّخُهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى ذٰلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْكِيمِ فِي حُكْمِهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ هٰذَا مِنْهُمْ أَمْرٌ بَاطِلٌ لَا يَدْعُو إِلَى خَيْرٍ. (٢) سُورَةُ الْمَائِدَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٥٠).
- اِسْتِفْهَامُ التَّهْوِيلِ
التَّهْوِيلُ لُغَةً : مِنْ فِعْلِ هَالَ يَهُولُ، فَرْعٌ ضِدُّ أَمِنَ، وَمَقُولٌ يُهَوِّلُ الْأَمْرَ : أَفْزَعَهُ. تَكَلَّمَ السُّيُوطِيُّ عَنْ اسْتِفْهَامِ التَّهْوِيلِ الَّذِي يَكُونُ لِلتَّخْوِيفِ، وَقَدْ جَعَلَ لِهٰذَا الِاسْتِفْهَامِ مِثَالًا قَوْلَهُ تَعَالَى : ﴿ الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ ﴾(٣)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى كَذٰلِكَ : ﴿ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ ﴾(٤)، فَالْمَعْنَى فِي الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ عَلَى وَصْفِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الَّذِي تَفْزَعُ الْقُلُوبُ بِهَوَالِهَا، وَهِيَ الْقِيَامَةُ الَّتِي يُبْعَثُ فِيهَا مَا أُنْكِرَ مِنَ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، أَوِ الْمُظْهِرَةُ لِذٰلِكَ، أَمَّا تَكْرَارُهَا فَدَلِيلٌ لِلتَّهْوِيلِ لِشَأْنِهَا وَالتَّعْظِيمِ لَهَا. (٣) سُورَةُ الْحَاقَّةِ، الْآيَتَانِ (٢، ١). (٤) سُورَةُ الْقَارِعَةِ، الْآيَتَانِ (٢، ١).
- اِسْتِفْهَامُ التَّوْبِيخِ
التَّوْبِيخُ لُغَةً : مِنْ فِعْلِ وَبَّخَ، وَالْوِبْخَةُ الِاسْمُ مِنَ التَّوْبِيخِ : الْمَقَالَةُ الْمُحْرِقَةُ وَوَجْهُهَا لَوْمٌ وَعِتَابٌ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : « إِنَّ اسْتِفْهَامَ التَّوْبِيخِ جَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قَبِيلِ الْإِنْكَارِ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلُ إِبْطَالُ إِنْكَارٍ تَوْبِيخٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا بَعْدَهُ وَاقِعٌ حَتْمًا إِذَا نُفِيَ، فَالنَّفْيُ هُنَا قَصْدِيٌّ لِلْإِثْبَاتِ قَصْدِيٍّ، وَيُعَبَّرُ عَنْ ذٰلِكَ بِالتَّوْبِيخِ أَيْضًا، وَقَدْ مَثَّلَ مُحَقِّقًا وَمُبَرِّزًا قَوْلَهُ بِهٰذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ أَأَصْطَفَيْتُهُ عَلَىٰ أَخِي ﴾(١) بِمَعْنَى : أَبْقَيْتَنِي بَيْنَ مَنْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ تَعَالَى، عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ الِاسْتِنْكَارِيِّ، لِإِبْطَالِ مَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى أَيْضًا : ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾(٢) عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ وَالْإِنْكَارِ عِنْدَمَا هُزِمُوا فِي مَعْرَكَةِ « أُحُدٍ ».
- اِسْتِفْهَامُ الدُّعَاءِ
قَالَ السُّيُوطِيُّ : « إِنَّ اسْتِفْهَامَ الدُّعَاءِ هُوَ كَاللَّعْنِ، إِلَّا أَنَّهُ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى »، وَمَثَّلَ بِمَا قَالَهُ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ : ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ﴾(٣) عَلَى مَعْنَى اسْتِفْهَامِ اسْتِعْطَافٍ، أَيْ لَا تُعَذِّبْنَا، وَلَا تُهْلِكْنَا بِذَنْبِ غَيْرِنَا مِنَ السُّفَهَاءِ أَصْحَابِ الْفِتْنَةِ.
- اِسْتِفْهَامُ الْعِتَابِ
الْعِتَابُ لُغَةً : مِنْ فِعْلِ عَتَبَ يَعْتِبُ عِتَابًا، أَنْكَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ فِعْلِهِ، وَعَاتَبَهُ عَلَى كَذَا : لَامَهُ. أَشَارَ السُّيُوطِيُّ فِي حَدِيثِهِ إِلَى اسْتِفْهَامِ الْعِتَابِ، مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِهِ جَلَّ قَوْلُهُ : ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ ﴾(٤)، فَفِي هٰذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ اسْتِفْهَامُ الْعِتَابِ فِي شَأْنِ الصَّحَابَةِ لِمَا أَكْثَرُوا الْمِزَاحَ. وَمِنْ أَلْطَفِ مَا عَاتَبَ بِهِ خَيْرُ خَلْقِهِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، يَقُولُ تَعَالَى : ﴿ عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾(٥)، فَفِي الْآيَةِ عِتَابٌ بَيِّنٌ الْخَالِقُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ إِذْنُهُ لِجَمَاعَةٍ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ بِحُجَجٍ مِنْهُمْ، فَنَزَلَ عِتَابًا لَهُ، وَقَدَّمَ الْعَفْوَ تَعْظِيمًا لِقَلْبِهِ.
- اِسْتِفْهَامُ الْعَرْضِ
الْعَرْضُ لُغَةً : مِنْ فِعْلِ عَرَضَ يَعْرِضُ عَرْضًا : ظَهَرَ وَبَدَا، وَالْعَرْضُ : طَلَبُ الْفِعْلِ بِلِينٍ … (١) سُورَةُ طٰهٰ، آيَةٌ رَقْمُ (٩٣). (٢) سُورَةُ الصَّفِّ، آيَةٌ رَقْمُ (٢). (٣) سُورَةُ الْأَعْرَافِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٥٥). (٤) سُورَةُ الْحَدِيدِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٦). (٥) سُورَةُ التَّوْبَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٣). وَأَدَبٍ، قَالَ السُّيُوطِيُّ : إِنَّ اسْتِفْهَامَ الْعَرْضِ هُوَ الطَّلَبُ بِرِفْقٍ، وَقَدْ مَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ ﴾(١) هٰذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي حَلَفَ أَلَّا يُنْفِقَ عَلَى « مِسْطَحٍ »، وَهُوَ ابْنُ خَالَتِهِ مِسْكِينٍ مُهَاجِرٍ، لَمَّا خَاضَ فِي الْإِفْكِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ . وَبَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ هٰذِهِ الْآيَةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : بَلَى أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِيَ، وَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ مَا كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ . فَالِاسْتِفْهَامُ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْعَرْضِ الِاسْتِفْهَامِيِّ لِيَسْمَحَ لِلْأَخِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ وَيَصْفَحَ عَنْهُ. (١) سُورَةُ النُّورِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٢).
- اِسْتِفْهَامُ الثَّنِيِّ
الثَّنِيِّ لُغَةً : مِنْ فِعْلٍ ثَنَى يَثْنِي ثَنًى عَنْهُ : تَنَحَّى، وَالثِّنْيُ الْمُثَنَّى : مَا نُوِيَ بِهِ الْقَدْرُ مِنَ الدَّمِ عِنْدَ الْعَرَبَانِ. تَحَدَّثَ الرَّضِيُّ الْإِصْطَرَابَادِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ اسْتِفْهَامِ الثَّنِيِّ، وَقَدْ مَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾(٢) فَنَعْمَ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُطِيعَ لِرَبِّهِ تَعَالَى سَيَجْزِيهِ الْجَزَاءَ الْحَسَنَ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَمِنْ هٰذَا الْفَنِّ قَوْلُ الْبُحْتُرِيِّ : [ الطَّوِيلُ ] هَلِ الْكَرَمُ إِلَّا غَمْرَةٌ وَانْجِلَاؤُهَا وَشِيكًا وَإِلَّا ضِيقَةٌ وَانْفِرَاجُهَا؟ (٢) سُورَةُ الرَّحْمٰنِ، آيَةٌ رَقْمُ (٦٠).
- اِسْتِفْهَامُ النَّهْيِ
النَّهْيِ لُغَةً : مِنْ فِعْلِ نَهَى يَنْهَى نَهْيًا عَنْ كَذَا : زَجْرُهُ عَنْهُ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ، وَمَنَعَهُ عَنْهُ. ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنِ الِاسْتِفْهَامِ، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ﴾(٣) دَلِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾(٤)، فَفِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْأُولَى تَخْصِيصٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ مِنْ مَكَّةَ لَمَّا تَشَاوَرُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ، خَاصَّةً وَهُمْ بَدَءُوكُمْ بِالْقِتَالِ أَوَّلَ مَرَّةٍ حِينَ قَاتَلُوا حُلَفَاءَكُمْ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُقَاتِلُوهُمْ؟ عَلَى سَبِيلِ اسْتِفْهَامِ النَّهْيِ فِي تَرْكِ قِتَالِهِمْ. (٣) سُورَةُ التَّوْبَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٣). (٤) سُورَةُ الْمَائِدَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٤).
- اِسْتِفْهَامُ الْوَعِيدِ
الْوَعِيدُ لُغَةً : مِنْ وَعَدَ يَعِدُ وَعْدًا، قِيلَ لَهُ إِنَّهُ يَجْرِي لَهُ أَوْ يُبْنَى إِيَّاهُ، وَوَعَدَهُ : هَدَّدَهُ. وَتَكَلَّمَ السُّيُوطِيُّ عَنْ اسْتِفْهَامِ الْوَعِيدِ، وَقَالَ : « وَمِنْهُ الْوَعِيدُ، كَفِعْلِكَ لِمَنْ يُسِيءُ الْأَدَبَ : أَلَمْ أُؤَدِّبْكَ فَلَا تَأْبَ؟ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَا لَكَ ». وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ﴾(١)، فَفِي الْآيَةِ قَوْلُهُ : ﴿ أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ﴾ أَيْ أَهْلَكْنَا الْأَوَّلِينَ بِكَفْرِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْوَعِيدِ فِي إِهْلَاكِ الْآخِرِينَ.