من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
اِسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِ
المعنى
اِسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِ: حَمْلُ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالِاعْتِرَافِ بِأَمْرٍ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ.
وَقِيلَ سَبِيلُهُ: حُرُوفُ الِاسْتِفْهَامِ لَا يَلِيهَا إِلَّا الْفِعْلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ هَلْ يَسْتَمِيعُونَكُمْ أَوْ يَنْصُرُونَكُمْ ﴾(١)، وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ هَلْ يَسْتَمِيعُونَكُمْ . . . ﴾ إِلَى أَنَّ « هَلْ » تُشَارِكُ الْهَمْزَةَ فِي مَعْنَى التَّقْرِيرِ وَالتَّوْبِيخِ، إِلَّا أَنَّ سَبِيلَهُ لَا يَجْرِي اسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِ بِـ « هَلْ » فِي الْأَغْلَبِ يَسْتَعْمِلُ فِي الْهَمْزَةِ. وَقَدْ نَقَلَ أَبُو حَيَّانَ فِي بَعْضِهِ أَنَّ « هَلْ » تَأْتِي تَقْرِيرًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَهَلْ فِي ذٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾(٢). وَقِيلَ: الْكَلَامُ فِي التَّقْرِيرِ مُوجِبٌ، وَلِذٰلِكَ يُفَضَّلُ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْمُوجَبِ وَيُفَضَّلُ عَلَى صَرِيحِ الْمُوجَبِ.
فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾(٣)، وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾(٤).
وَقَدْ قَسَمَ الْأَمْدِيُّ « اسْتِفْهَامَ التَّقْرِيرِ » إِلَى ضَرْبَيْنِ، حِينَ تَحَدَّثَ عَنِ الْخَطَإِ فِي قَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ: [ الطَّوِيلُ ]
رَضِيتَ وَهَلْ أُصْفِي إِذْ كَانَ مُسْتَخْلَفِي مِنَ الْأَمْرِ مَا فِيهِ رِضًا لِمَنِ الْأَمْرُ
قَالَ: مَعْنَى « هَلْ » فِي بَيْتِ أَبِي تَمَّامٍ اسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِ، مِنَ الْأَمْرِ مَا فِيهِ رِضًى مِمَّنْ لَهُ الْأَمْرُ، تَقْرِيرًا لِلْمُخَاطَبِ عَلَى فِعْلٍ قَدْ قَضَى وَوَقَعَ، أَوْ عَلَى فِعْلٍ هُوَ فِي الْأَحْوَالِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، تَقْرِيرُ الْمُقِرِّ بِذٰلِكَ وَتَحْقِيقُهُ، وَيَقْتَضِي مِنَ الْمُخَاطَبِ الْجَوَابَ وَالِاعْتِرَافَ، عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ: « مَا أَكْرَمَكَ؟ هَلْ أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ هَلْ أَدَّيْتُ وَأَوْفَيْتُكُمْ فِي مَا أَقْضِي حَاجَاتِكُمْ؟ »، وَتَقْرِيرٌ عَلَى فِعْلٍ يَلْزَمُهُ الْمُقِرُّ وَيُثْبِتُهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَعَ، نَحْوُ قَوْلِهِ: « هَلْ كَانَ مِنِّي إِلَيْكَ فَقْطُ شَيْءٌ كَرِهْتَهُ؟ وَهَلْ عَرَفْتَ مِنِّي غَيْرَ الْجَمِيلِ؟ »، فَقَوْلُهُ فِي الْبَيْتِ: « وَهَلْ أَرْضَى » تَقْرِيرٌ لِفِعْلٍ يَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ الْأَرْضَى، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: « وَهَلْ يَمْكُثُ الْمَقَامُ عَلَى هٰذِهِ الْحَالِ؟ » أَيْ: لَا يَمْكُثُ، « وَهَلْ يَصْبِرُ الْحُرُّ عَلَى الذُّلِّ؟ »، « وَهَلْ يَرْضَى زَيْدٌ؟ »، « وَهَلْ يَرْوِي عَمْرٌو؟ »، فَهٰذِهِ كُلُّهَا أَفْعَالٌ مَعْنَاهَا تَقْرِيرِيٌّ.
(١) سُورَةُ الشُّعَرَاءِ، الْآيَتَانِ (٧٣ ـ ٧٢).
(٢) سُورَةُ الشُّعَرَاءِ، آيَةٌ رَقْمُ (٥).
(٣) سُورَةُ الشَّرْحِ، الْآيَتَانِ (٢، ١).
(٤) سُورَةُ النِّسَاءِ، آيَةٌ رَقْمُ (٨٤). الثَّنِيِّ. فَقَوْلُهُ : « وَهَلْ أَرْضَى » إِنَّمَا هُوَ نَفْيٌ لِلرِّضَى، فَضِمَارُ الْمَعْنَى : وَلَسْتُ أَرْضَى، إِذْ كَانَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ مَا فِيهِ رِضًى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ، أَيْ رِضَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهٰذَا خَطَأٌ مِنْهُ فَاحِشٌ .
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.