المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
يقع كتاب المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني ضمن نطاق تخصص علوم اللغة ووثيق الصلة بالفروع الأخرى مثل الشعر، والقواعد النحوية، والصرف، والأدب، والبلاغة، والآداب العربية. تأليف إنعام فوال عكاوي
الجذور
- التَّوْشِيحُ
التَّوْشِيحُ مِنَ الْوِشَاحِ ، وَهُوَ حُلِيُّ النِّسَاءِ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَجَوْهَرٍ تُوَشِّحُ الْمَرْأَةُ بِهِ ؛ نَسَبَهُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ فِي كِتَابِهِ « الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ » ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ : « هُوَ أَنْ تُرِيدَ الشَّيْءَ تُعَبِّرَ عَنْهُ عِبَارَةً حِسِّيَّةً وَإِنْ كَانَتْ أَطْوَلَ مِنْهُ » . وَمِنْ هٰذَا الْفَنِّ قَوْلُ الْحُمَيْدِيِّ : [ الطَّوِيلُ ] ... وَقَوْلُهُ هٰذَا عِبَارَةٌ عَنْ أَنَّ حَصَى هٰذِهِ الْأَرْضِ يُشْبِهُ الدُّرَّ ، وَعَلَّقَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ عَلَى هٰذِهِ التَّسْمِيَةِ فَقَالَ : هٰذِهِ التَّسْمِيَةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ بِهٰذَا الْمِثَالِ ، وَلَوْ سُمِّيَ شَيْئًا لَكَانَ أَقْرَبَ ... وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَبْدَأُ الْكَلَامِ يُنْبِئُ عَنْ مُقْتَضَاهُ ، وَأَوَّلُهُ يُخْبِرُ بِآخِرِهِ ، وَصَدْرُهُ يَشْهَدُ لِعَجُزِهِ ، حَتَّى إِذَا سَمِعْتَ شِعْرًا أَوْ عَرَفْتَ رِوَايَةً ثُمَّ سَمِعْتَ صَدْرَ بَيْتٍ مِنْهُ وَقَفْتَ عَلَى عَجُزِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ السَّامِعُ إِلَيْهِ . وَخَيْرُ الشِّعْرِ مَا نَاسَبَ صُدُورُهُ أَعْجَازَهُ مَعْنًى وَأَلْفَاظًا ، فَتُرَى سُلْسًا لِلْأَنْظِمَةِ جَارِيًا عَلَى اللِّسَانِ لَا يَتَعَاثَرُ وَلَا يَتَثَاقَلُ كَأَنَّهُ سِكَّةٌ مُفَرَّغَةٌ أَوْ شَيْءٌ مُنَظَّمٌ مِنْ عُقُودِ جَوْهَرٍ مُسْتَدِيرٍ مُحَكَّمِ النِّظَامِ مُتَقَارِبِ أَطْرَافِهِ . وَمِثْلُ ذٰلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾(١) ، فَفِي هٰذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ إِذَا وُقِفَ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ فِيمَا ﴾ عَرَفَ السَّامِعُ مَا بَعْدَهُ « يَخْتَلِفُونَ » لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ . وَقَدْ عَرَّفَهُ جِرَانْتِسْ فَرْحَاتٌ فِي كِتَابِهِ « بَلَاغُ الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ » فَقَالَ : « أَعْلَمُ أَنَّ حَقِيقَةَ هٰذَا النَّوْعِ هُوَ أَنْ يُؤْتَى بِكَلِمَةٍ لَا تَصْلُحُ لِضَرْبٍ مِنَ الْمَحَاسِنِ حَتَّى يُؤْتَى بِاللَّفْظَةِ تُتِمُّهَا لِذٰلِكَ » ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَلِّيِّ : [ الْبَسِيطُ ] إِنْ حَلَّ أَرْضًا أُنَاسًا سَدَّ أَرْضَهُمُ ... بِمَا أُسَامِحُهُمْ مِنْ حُبِّهِ وَزُرْفِهِمِ فَلَفْظُهَا حَسَنٌ ، وَسَمِعَتْ لَفْظَةُ « حَلَّ » لِلْمُطْلَقَةِ ، وَإِلَّا لَأُخِذَتْ عَلَى حَالِهَا مِنْ مَعْنَى الْحُلُولِ . وَعَرَّفَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ فِي كِتَابِهِ « الْمَثَلُ السَّائِرُ » فَقَالَ : « هُوَ أَنْ يَبْنِيَ الشَّاعِرُ أَبْيَاتَ قَصِيدَتِهِ عَلَى بُحُورٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَإِذَا وَقَفَ فِي الْبَيْتِ عَلَى الْقَافِيَةِ الْأُولَى كَانَ شِعْرًا مُسْتَقِيمًا مِنْ بَحْرٍ عَلَى عَرُوضٍ ، وَإِذَا أَضَافَ إِلَيْهِ مَا بَنَى عَلَيْهِ شِعْرَهُ مِنَ الْقَافِيَةِ الْأُخْرَى كَانَ أَيْضًا شِعْرًا مُسْتَقِيمًا مِنْ بَحْرٍ آخَرَ عَلَى عَرُوضٍ ، وَصَارَ مَا يُضَافُ إِلَى الْقَافِيَةِ الْأُولَى شَارِحًا لِلْكَلَامِ ؛ وَكَذٰلِكَ يَجْرِي الْأَمْرُ فِي الْفَقْرَتَيْنِ مِنَ الْكَلَامِ الْمَنْثُورِ » . وَسَمَّى التَّوْشِيحَ بَعْضُهُمْ « بِنَاءَ الْقَافِيَتَيْنِ » ، وَقَالَ أَيْضًا : « هٰذَا هُوَ التَّشْرِيعُ » كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ « الْمَطْوَلُ » ، وَقَدْ عَرَّفَهُ غَيْرُهُ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ ابْنُ الْأَثِيرِ ، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ « الْفَوَائِدُ » : « التَّوْشِيحُ أَنْ تَكُونَ الْأَبْيَاتُ ذَاتَ قَافِيَتَيْنِ عَلَى بَحْرَيْنِ أَوْ ضَرْبَيْنِ مِنْ بَحْرٍ وَاحِدٍ ، فَعَلَى أَيِّ الْقَافِيَتَيْنِ وَقَفْتَ كَانَ شِعْرًا مُسْتَقِيمًا » . وَعَلَى خِلَافِ هٰذَا سَمَّى الْمَلَوِيُّ فِي كِتَابِهِ « الطِّرَازُ » التَّضْمِينِ « تَسْمِيطًا » وَ « تَوْشِيحًا » .
- التَّوْشِيعُ
التَّوْشِيعُ مِنْ وَشَّعَ الْفَضْلَ وَغَيْرَهُ وَوَسَّعَهُ، وَلَفَّهُ، وَالتَّوْشِيعُ: دُخُولُ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ، وَالتَّوْسِيعُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ هُوَ الإِطْنَابُ بِالتَّوْضِيحِ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: هُوَ « التَّطْرِيزُ » أَيْضًا.
- التَّوْفِيقُ
التَّوْفِيقُ مِنَ الْوِفَاقِ أَيْ الْمُوَافَقَةِ، وَالْوِفْقِ، وَالإِتِّفَاقِ وَالِائْتِلَافِ، وَالتَّوْفِيقُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ هُوَ الِائْتِلَافُ وَالتَّنَاسُبُ، وَالْمُؤَاخَاةُ وَمُرَاعَاةُ النَّظَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي الِائْتِلَافِ وَالتَّنَاسُبِ فِيمَا سَبَقَ.
- التَّوْقِيفُ
التَّوْقِيفُ مِنْ وَقْفٍ، وَوَقَّفَ الْحَدِيثَ: بَيَّنَهُ، وَالتَّوْقِيفُ: الْبَيَاضُ مَعَ السَّوَادِ، وَيُقَالُ: مَشْيُهُ فِي الْوَقْفِ الَّذِي هُوَ السَّوَادُ مِنَ الْمَلْحِ، وَعَرَّفَهُ السُّكَّرِيُّ فِي كِتَابِهِ « عُرُوسُ الْأَفْرَاحِ » فَقَالَ: « هُوَ أَنْ يُؤْتَى مَعَانِيَ مِنَ الْمَدْحِ وَالْوَصْفِ وَالنَّسِيبِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْفُنُونِ الَّتِي يُفْتَتَحُ بِهَا الْكَلَامُ فِي جُمْلَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ أُخْتِهَا يَسْتَمِعُ غَرَضًا مَعَ تَسَاوِي الْجُمَلِ فِي الزِّنَةِ أَوِ الْحَمْلِ بِالْجُمَلِ الطَّوِيلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾ (١٣).
- التَّوْكِيدُ
التَّوْكِيدُ مِنْ فِعْلِ أَكَّدَ، وَأَكَّدَ الْعَهْدَ وَالْعَقْدَ لُغَةً فِي كَدَّهُ وَوَكَدَهُ، وَقَدْ أَكَّدَ الشَّيْءَ وَوَكَدَهُ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ التَّوْكِيدُ هُوَ التَّأْكِيدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
- تَوْكِيدُ الضَّمِيرِ
عَرَّفَهُ ابْنُ الأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ « جَوْهَرُ الْكَنْزِ » « تَوْكِيدَ الضَّمِيرِ » فِي بَابِ الإِطْنَابِ وَقَسَّمَهُ إِلَى ضَرْبَيْنِ، وَقَالَ: « وَمِنْ هٰذَا النَّوْعِ الَّذِي هُوَ الإِطْنَابُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يُسَمَّى تَوْكِيدَ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ بِالْمُفَصَّلِ، وَالْآخَرُ يُسَمَّى الْكُبْرَى، فَأَمَّا تَوْكِيدُ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ بِالْمُفَصَّلِ فَنَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَقَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ﴾ (١٥) ». فَقَوْلِهِمْ: « نَحْنُ الْمُلْقِينَ »، وَلَمْ يَقُولُوا: « وَإِمَّا أَنْ نُلْقِيَ ذٰلِكَ » لِرَغْبَتِهِمْ فِي أَنْ يَبْدَءُوا فِي أَنْ يَلْقُوا قَبْلَ تَقَدُّمٍ عَلَيْهِ، فَلِهٰذَا أَتَى الضَّمِيرُ الْمُتَّصِلُ مُؤَكَّدًا بِالْمُفَصَّلِ .
- تَوْكِيدُ الضَّمِيرَيْنِ
ذَكَرَهُ ابْنُ الأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ « الْمَثَلِ السَّائِرِ »، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: « إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مَعْلُومًا ثَابِتًا فِي النُّفُوسِ، فَإِنَّ الْبَلِيغَ يَحْسُنُ فِيهِ تَوْكِيدُ أَحَدِ الضَّمِيرَيْنِ بِالآخَرِ، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ، وَهُوَ مِمَّا يُشَكُّ فِيهِ، فَالأَوْلَى حِينَئِذٍ أَنْ يُؤَكَّدَ أَحَدُ الضَّمِيرَيْنِ بِالآخَرِ فِي الأُولَى حِينَئِذٍ أَنْ يُذْكَرَ أَحَدُ الضَّمِيرَيْنِ بِالآخَرِ فِي الأَدَلَّةِ عَلَيْهِ لِيَقْتَرِنَ وَثُبُوتِهِ ». هٰذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ « جَوْهَرِ الْكَنْزِ » فِي تَوْكِيدِ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الأَثِيرِ الْجَزَرِيِّ، وَمِثَالٌ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴾ (١)، ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ (٢)، وَمِنْ تَوْكِيدِ الْمُنْفَصِلِ بِالْمُتَّصِلِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ: [ الْكَامِلُ ] لَا أَنْتَ أَنْتَ وَلَا الدِّيَارُ دِيَارُ خَفَّ الْهَوَى وَتَشَتَّتِ الأَوْطَارُ
- التَّوْلِيدُ
التَّوْلِيدُ مِنْ وِلادَةِ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ، أَنْشَأْتُهُ عَنْهُ، وَقِيلَ: وَلَّدْتُ، وُلِدْتُ، نَجَعَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِهِ « الْعُمْدَةِ » عَنِ التَّوْلِيدِ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: « هُوَ أَنْ يَسْتَخْرِجَ الشَّاعِرُ مَعْنًى مِنْ مَعْنًى آخَرَ تَقَدَّمَهُ، أَوْ يَزِيدَ فِيهِ زِيَادَةً، فَلِذٰلِكَ يُسَمَّى التَّوْلِيدَ، وَلَيْسَ بِالِاخْتِرَاعِ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاقْتِدَاءِ بِغَيْرِهِ، وَلَا يُقَالُ لَهُ أَيْضًا سَرِقَةٌ إِذَا كَانَ لَيْسَ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِهِ ». وَمِنَ التَّوْلِيدِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ يَمْدَحُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُدْعَانَ: [ الْوَافِرُ ] أَأَنْتَ الَّذِي تَسْتَبِقُ النَّاسَ الْمَعَالِيَ سُؤْدُدًا وَلَسْتَ الرَّأْسَ إِلَّا فَوْقَ كُلِّ رَأْسِ فَقَالَ نَصِيبٌ لِمَوْلَاهُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ: [ الْبَسِيطُ ] فَأَنْتَ رَأْسُ قُرَيْشٍ وَابْنُ سَيِّدِهَا وَالرَّأْسُ فِيهَا يَكُونُ السَّمْحُ وَالْبَطَرُ فَوُلِّدَ هٰذَا الشِّعْرُ وَإِنْ كَانَ مُجْمَلًا فِي قَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ ... ثُمَّ أَتَى عَلِيُّ بْنُ جَبَلَةَ بِزِيَادَةٍ فِي تَوْلِيدِ الْمَعْنَى، فَقَالَ يَمْدَحُ حُمَيْدَ بْنَ الْحُمَيْدِ: [ السَّرِيعُ ] فَالنَّاسُ جِسْمٌ، وَإِمَامُ الْهُدَى رَأْسٌ، وَأَنْتَ الْعَيْنُ فِي الرَّأْسِ فَأَوْقَعَ ذِكْرَ الْعَيْنِ عَلَى مَشْبَهٍ مِنْهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ نُصَيْبٌ كَذٰلِكَ؛ لٰكِنْ أَتَى بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ عَلَى جِهَةِ التَّنْظِيرِ، لِأَنَّهُ وَلَدَ مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ جُدْعَانَ. وَقَدْ فَصَّلَ التَّوْلِيدَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيِّ وَجَعَلَ لَهُ ضَرْبَيْنِ، وَقَالَ: مِنَ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، فَنَذْكُرُ مِنَ الْأَلْفَاظِ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَيْضًا: تَوْلِيدُ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ لَفْظِهِ وَلَفْظِ غَيْرِهِ، وَتَوْلِيدُهُ مِنْ لَفْظِ نَفْسِهِ، وَالأَوَّلُ: هُوَ أَنْ يُرَكِّبَ الْمُتَكَلِّمُ كَلِمَةً مِنْ لَفْظِهِ أَوْ كَلِمَةٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَيُوَلِّدَ بَيْنَهُمَا كَلَامًا يُخَالِفُ غَرَضَ صَاحِبِ الْكَلِمَةِ الأَجْنَبِيَّةِ، وَذٰلِكَ فِي الأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ دُونَ الْجُمَلِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَمِنْ تَوْلِيدِ الأَلْفَاظِ تَوْلِيدُ الْمَعْنَى مِنْ تَزْيِيجِ الْجُمَلِ الْمُفِيدَةِ، كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ: [ الطَّوِيلُ ] عَلَى مِثْلِهِ مِنْ أَرْبٍ وَمَلَاعِبٍ أَذِلْتُ مَصُونَاتِ الدُّمُوعِ السَّوَاكِبِ وَتَكَلَّمَ ابْنُ الأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «جَوْهَرِ الْكَنْزِ» عَنِ التَّوْلِيدِ بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْمِصْرِيِّ وَتَقْسِيمَهُ، وَذَكَرَ السُّكَّرِيُّ التَّوْلِيدَ، أَوْ وَلَدَ نَوْعًا ثَالِثًا مِنْهُ فِي كِتَابِهِ «عُرُوسِ الأَفْرَاحِ»، فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ الْمُتَكَلِّمُ فَيَمْدَحَ ضَرْبًا مِنَ الْبَدِيعِ يُوجِبُ أَنْ يُوَلِّدَ مِنْهُ نَوْعًا ثَالِثًا». غَيْرَ أَنَّ ابْنَ حِجَّةَ الْحَمَوِيَّ لَمْ يَرَ فِي هٰذَا النَّوْعِ الْبَلَاغِيِّ كَبِيرَ اعْتِنَاءٍ، فَذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ «خِزَانَةِ الأَدَبِ»، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: هٰذَا النَّوْعُ أَعْنِي التَّوْلِيدَ لَيْسَ تَحْتَهُ كَبِيرُ أَمْرٍ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مِنَ الأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، فَنَذْكُرُ مِنَ الأَلْفَاظِ تَرْكُهُ أَوْلَى مِنِ اسْتِعْمَالِهِ لِأَنَّهُ يُفْسِدُ ظَاهِرَهَا، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ النَّاظِمَ يَسْتَعْمِلُ لَفْظَةً مِنْ شِعْرِ غَيْرِهِ فَيَضُمُّهَا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ فِي شِعْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ فِي وَصْفِ الْفَرَسِ: [ الطَّوِيلُ ] وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَبَايِدِ هَيْكَلِ فَاسْتَعْمَلَ أَبُو تَمَّامٍ «قَيْدِ الأَبَايِدِ»، فَنَقَلَهَا إِلَى الْغَزَلِ فَقَالَ: [ الطَّوِيلُ ] لَهَا مُنْجَرِدٌ قَيْدُ الأَبَايِدِ لَمْ يَزَلْ يَسُوحُ وَيَغْشَى فِي خَمَارِيَّةِ الحُبِّ وَالتَّوْلِيدُ مِنَ الْمَعَانِي هُوَ الأَجْمَلُ وَالأَسْتَرُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ هُنَا؛ لِأَنَّ الشَّاعِرَ يَنْظُرُ إِلَى مَعْنًى مِنْ مَعَانِي مَنْ سَبَقَهُ وَيَكُونُ مُضْطَرًّا إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي بَيْتٍ مِنْ قَصِيدَةٍ لَهُ فَيَذْكُرَهُ وَيُوَلِّدُهُ مِنْ مَعْنًى آخَرَ، كَقَوْلِ الْقَطَامِيِّ: [ الْبَسِيطُ ] قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وَقَالَ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ وَنَقَصَ الأَلْفَاظَ وَزَادَ تَمْثِيلًا وَتَوْكِيدًا وَتَبْدِيلًا: [ الْبَسِيطُ ] عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ فِيمَا أَنْتَ طَالِبُهُ إِنَّ التَّخَلِّيَ يَأْتِي دُونَهُ الْخَلَفُ
- التَّوْهِيمُ
التَّوْهِيمُ مِنْ تَوَهَّمَ الْوَهْمَ؛ تَخَيُّلُهُ وَتَخَيُّلُهُ، وَتَوَهَّمْتُ: أَيْ ظَنَنْتُ، وَأَوْهَمْتُ غَيْرِي إِيهَامًا، وَالتَّوْهِيمُ مِثْلُهُ. وَعَرَّفَهُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ فِي كِتَابِهِ « الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ » فَقَالَ: « أَعْلَمْ أَنَّ التَّوْهِيمَ هُوَ أَنْ تُحْبِكَ كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ أُخْرَى، فَتُوهِمَ السَّامِعَ غَيْرَ الْمُرَادِ، ثُمَّ تَصْرِفَ قَرَائِنَهَا عَمَّا فِيهَا، فَمَا وَقَعَتْ مَوَاقِعَ اللَّوْمِ فِي الأَلْفَاظِ وَلَا الْكَرَمِ ». فَقَالَ: إِنَّ الْكَلِمَ يَهُمُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْبُخْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْبَاءِ، وَهُوَ نَصْرُ الأَصَابِعِ، وَعَرَفَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ التَّوْهِيمَ فِي كِتَابِهِ فِي « تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ » وَرَدَّ بَعْضَ الْقُرَّاءِ، فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ فِي كَلَامِهِ بِكَلِمَةٍ يُوهِمُ مَا بَعْدَهَا مِنَ الْكَلَامِ أَنَّهُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا، ثُمَّ يُحَكِّمُ أَنْ الْمُتَعَلِّقَ أَرَادَ تَصْحِيحَهَا وَرَدَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا يُوهِمُ السَّامِعَ فِيهَا، إِلَّا أَنْ ابْنَ حِجَّةَ الْحَمَوِيَّ أَخْرَجَ التَّوْهِيمَ وَالتَّرْشِيحَ فِي التَّوْرِيَةِ، فَذَكَرَ التَّوْهِيمَ مَعَ إِيهَامِهَا، وَالتَّرْشِيحَ مَعَ الْمَرْشِحَةِ. وَعَرَّفَ السَّيُّوطِيُّ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ عُقُودِ الْجُمَانِ، فَقَالَ: « التَّرْشِيحُ وَالتَّوْهِيمُ لَهُمَا مَنَاسِبَةٌ بِالتَّوْرِيَةِ ». وَخَالَفَهُ فِي هٰذَا الرَّأْيِ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ فِي كِتَابِهِ « أَنْوَارِ الرَّبِيعِ » فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ التَّوْرِيَةُ تَوَهُّمَ وَجْهَيْنِ صَحِيحَيْنِ قَرِيبًا وَبَعِيدًا، وَالْمُرَادُ الْبَعِيدُ مِنْهُمَا، وَالتَّوْهِيمُ يُوهِمُ صَحِيحًا وَفَاسِدًا، وَالْمُرَادُ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا. الثَّانِي: أَنَّ التَّوْرِيَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِاللَّفْظَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَالتَّوْهِيمُ بِهَا وَبِغَيْرِهَا. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّوْرِيَةُ مِمَّا يَعْتَمِدُهُ النَّاظِمُ، وَالتَّوْهِيمُ مِمَّا يَرْتَجِلُهُ الْقَارِئُ أَوِ السَّامِعُ. وَالتَّوْهِيمُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ يَأْتِي عَلَى الْوُجُوهِ التَّالِيَةِ: التَّصْحِيفُ، وَاخْتِلَافُ الْمَعْنَى، وَاخْتِلَافُ الإِعْرَابِ، وَالِاشْتِرَاكِ.
- الجَامِعُ
الجَامِعُ: مِنْ جَمَعَ، وَجَمْعُ الشَّيْءِ عَنْ تَفَرُّقَةٍ يَجْمَعُهُ جَمْعًا، وَأَمْرُ جَامِعٍ يَجْمَعُ النَّاسَ. سَمَّى عَبْدُ النَّبِيِّ التِّبْلِسِيُّ فِي كِتَابِهِ « نُقْطَةِ الأَزْهَارِ » هٰذَا الْفَنَّ بِاسْمِ « الْجَمْعِ »، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: « هُوَ أَنْ يَجْمَعَ الْمُتَكَلِّمُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ ». وَفِي بَيْتٍ لِلْقَصِيدَةِ الْبَدِيعِيَّةِ الَّتِي مَدَحَ فِيهَا الأَشْيَاءَ، قَالَ: [ الْبَسِيطُ ] وَالْحِلْمُ وَالْجُودُ فِيهِ وَالْعَفْوُ وَمَا تَجْرِي الْكِرَامُ مِنَ الأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ. وَقَدْ عَرَّفَهُ كَذٰلِكَ السَّكَاكِيُّ وَالْقَزْوِينِيُّ فِي « التَّلْخِيصِ »، فَقَالَا: « الْجَامِعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِمَّا حَقِيقِيٌّ بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا اتِّحَادٌ فِي التَّصَوُّرِ أَوْ تَمَاثُلٌ فِي الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ يُجَمِّعُ بَيْنَ الْمُتَبَايِنَيْنِ عَنِ الشَّخْصِ فِي الْخَارِجِ بِرَفْعِ التَّضَادِّ، أَوِ النِّسْبَةِ، كَمَا بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ أَوِ الأَقَلِّ وَالأَكْثَرِ. أَوْ وَهْمِيٌّ بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ تَصَوُّرِهِمَا نِسْبَةٌ مِنَ التَّمَاثُلِ، كَلَوْنَيْ بَيَاضٍ وَصُفْرَةٍ، فَإِنَّ الْوَهْمَ يُرَكِّبُهُمَا فِي مَوْضِعِ الْمُتَضَادَّيْنِ، وَلِذٰلِكَ حَسُنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: [ الْبَسِيطُ ] ثَلَاثَةٌ تَنْشُرُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا شَمْسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْقَمَرُ. أَمَّا الْجَامِعُ الْخَيَالِيُّ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عِلَاقَةٌ تَجْمِيعِيَّةٌ فِي الصُّورَةِ الْمُنْكَرَةِ جَمْعًا أَغْلَبِيًّا مُسْتَنَدًا لِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، وَعَرَّفَهُ جِرْمَانُوس فَرْحَاتٌ فِي كِتَابِهِ « بَلِيغِ الأَدَبِ فِي عِلْمِ الأَدَبِ »، فَقَالَ: « أَعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ هٰذَا النَّوْعِ هُوَ أَنْ يَدْخُلَ نَوْعَيْنِ فَصَاعِدًا فِي نَوْعٍ ». فَالأَوَّلُ: إِنْ شِئْتَ لِقَانا، فَلِقَانا فِي الْقَنا، فَإِنَّ أَسْيَافَنَا تَشْرَبُ إِلَى شُرْبِ الدِّمَاءِ كَمَا تَشْرَبُ إِلَى الْمَاءِ خَوَاطِرُ النُّفُوسِ الْعُظَمَاءِ، وَنُحِبُّ أَنْ نُحِبَّ بِنَا الْجِهَادَ فِي الْبَيْدَاءِ كَمَا يُحِبُّ لِسَانُ الْمِلاَحِ فِي الْهَوْجَاءِ. وَالثَّانِي: أَنْتَ يَا أَخِي وَفَّقَكَ اللَّهُ أَوْلَى إِلَى قَلْبِي مِنَ الْمَاءِ الزُّلَالِ عِنْدَ الْعَطَشِ، وَأَحَبُّ إِلَى نَاظِرِي مِنَ السُّرُورِ عِنْدَ الْحُزْنِ .. وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ النَّاسُ فِي هٰذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْجَهَالَةِ، وَيَحْسَبُونَهُمَا مِنَ النَّوْعِ الأَوَّلِ، وَفِيهِ الرَّكَاكَةُ، وَيَحْسَبُونَهَا مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي؛ فَالأَوَّلُ مِنَ الشِّعْرِ كَثِيرٌ لَا يُحْصَى، وَمِنْهُ قَوْلُ حَبِيبٍ: [ الْوَافِرُ ] سَقَى عِبْرَاتِ عَيْنِكَ مِنْ دِمَاعِي وَصَرَّفَنِي مَا أَزْلْتَ مِنْ فَزَاعِي إِلَى أَنْ قَدْ أَضَفْتَ إِلَيْكَ دَمِي وَمَا صَاحَبْتُ بِبَذْلَتِي زِرَاعِي وَالثَّانِي قَلِيلٌ فِي الأَشْعَارِ إِلَّا عِنْدَ الْمُحْسِنِينَ الْكِبَارِ، وَهُوَ: [ الْوِفَاقُ ] تَمَتَّعْ مِنْ نَظِيمِ غِرَارِ نُجُومٍ فَمَا بَعْدَ الشَّبَابِ مِنَ اغْتِرَارِ.
- الجَمْعُ
الجَمْعُ: جَمْعُ الشَّيْءِ مِنْ تَفَرُّقَةٍ يَجْمَعُهُ جَمْعًا، وَجَمَعْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَبْتَ بِهِ مِنْ ههُنَا وَههُنَا. وَمِنْهَا: ذَكَرَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِهِ « الْحَيَوَانِ » مَا قَالَهُ خَلَفُ الأَحْمَرِ فِي الْجَمْعِ؛ لَمْ أَرَ أَجْمَعَ مِنْ بَيْتٍ لِامْرِئِ الْقَيْسِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: [ الْمُتَقَارِبُ ] أَفَادَ وَجَادَ وَسَادَ وَزَادَ وَقَادَ وَذَادَ وَعَادَ وَأَفْضَلَ وَأَدْرَجَ السَّكَاكِيُّ الْجَمْعَ فِي الْمُحَسِّنَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ فِي كِتَابِهِ « مِفْتَاحِ الْعُلُومِ »، فَقَالَ: هُوَ أَنْ تُدْخِلَ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا فِي نَوْعٍ وَاحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: « ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا » (١). وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [ الرَّجَزُ ] إِنَّ الفَقْرَ وَالشَّبَابَ وَالْجَهْدَ مُفَسِّدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيِّ مُفْسِدَهْ وَسَارَ عَلَى نَهْجِ السَّكَاكِيِّ ابْنُ مَالِكٍ فِي كِتَابِهِ « الْمِصْبَاحِ »، وَشُرَّاحُ « التَّلْخِيصِ »، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْمَلَكِيُّ، وَالْحُصْرِيُّ فِي كِتَابِهِ « خُزَانَةِ الأَدَبِ »، وَالسُّيُوطِيُّ فِي كِتَابَيْهِ « الإِتْقَانِ وَمُعْتَرَكِ الأَقْرَانِ »، وَابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ فِي كِتَابِهِ « أَنْوَارِ الرَّبِيعِ ». (١) سُورَةُ الْكَهْفِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٦).
- جَمْعُ الأَوْصَافِ
جَمْعُ الأَوْصَافِ: ٱعْتَبَرَ الْجُرْجَانِيُّ « جَمْعَ الأَوْصَافِ » مِنْ أَصْنَافِ الْبَدِيعِ، وَتَحَدَّثَ فِي مَعْرِضِ قَوْلِهِ عَلَى التَّقْسِيمِ فَقَالَ: « وَمِمَّا يُقَارِبُ هٰذَا جَمْعُ الأَوْصَافِ » دُونَ أَنْ يُعَرِّفَهُ. وَذَكَرَهُ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِ « الْعُمْدَةِ » بَعْدَ بَابِ التَّقْسِيمِ فَقَالَ: هٰذَا وَمَا قِبْلَهُ يُسَمَّى جَمْعَ الأَوْصَافِ، وَسَمَّاهُ بَعْضُ الْحُذَّاقِ مِنْ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ « التَّخْصِيبَ ». وَمَثَّلَ لَهُ يَقُولُ أَبُو دَاوُدَ: [ الْمُتَقَارِبُ ] يَبِيدُ مَدَى الطُّرْقِ خَطَّافُهُ النَّضِيحُ مَمَرُّ الْمَطَا سَفْهَرِيُّ العُصُبِ. وَقَدْ يَدْخُلُ فِي هٰذَا الْفَنِّ التَّفْقِيهُ وَالتَّرْصِيعُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [ الْبَسِيطُ ] فَالْعَيْنُ قَارِحَةٌ وَالرِّجْلُ ضَارِبَةٌ وَاللُّبْدَةُ سَابِحَةٌ وَالدَّرْعُ غَرِيبُ.
- جَمْعُ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ
جَمْعُ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ: عَرَّفَهُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِهِ « الصَّنَاعَتَيْنِ » جَمْعَ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ فَقَالَ: « وَهُوَ أَنْ يُجْمَعَ فِي كَلَامٍ قَصِيرٍ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ أَوْ مُتَفَرِّقَةٌ »، كَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: « فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ » (١). وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [ الْخَفِيفُ ] نَبَطِيٌّ آبَاؤُهُ نَبَطِيَّةٌ ذُو صَلَاحٍ وَلَمْ يَلِدْ بِفَسَادِ مُخْتَلِفُ الشَّكْلِ مُفْرَدٌ وَحْدَهُ كَأَنَّ خَلَائِفَهُ فِي جُبَّةِ الأَرْوَاحِ. وَذَكَرَهُ التِّبْرِزِيُّ فِي كِتَابِهِ « الدَّوَاوِينِ » وَلَمْ يُعَرِّفْهُ، وَمَثَّلَ لَهُ بِبَيْتِ امْرِئِ الْقَيْسِ [ الْطَّوِيلُ ] سَمَاحَةٌ ذَا وَبِرٌّ ذَا وَوَقَارَةٌ ذَا وَنَائِلٌ ذَا إِذَا صَحَا وَإِذَا سَكِرْ. وَذَكَرَ مِثْلَهُ الْبَلْغَذِيُّ فِي كِتَابِهِ « قَانُونِ الْبَلَاغَةِ » وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: « لَمْ يُجْمَعْ وَاحِدٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ جَمَاعَةَ أَشْيَاءَ قَطُّ إِلَّا هٰذَا الْبَيْتُ ». وَكَذٰلِكَ سَمَّاهُ ابْنُ أَبِي الإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ فِي « تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ »، فَعَرَّفَهُ فَقَالَ: « وَالَّذِي أَقُولُ فِي هٰذِهِ التَّسْمِيَةِ إِنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يُرِيدَ الشَّاعِرُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَمْدُوحَيْنِ فَيَأْتِي بِمَعَانٍ مُؤْتَلِفَةٍ فِي مَدْحِهِمَا وَيَرُومُ بَعْدَ ذٰلِكَ تَرْجِيحَ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ بِزِيَادَةٍ ». (١) سُورَةُ الأَعْرَافِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٣٣). فَضْلٍ لَا يَنْقُصُ بِهِ مَدْحَ الآخَرِ، فَإِنِّي أَجْعَلُ التَّرْجِيحَ بِمَعَانٍ تَخَالُفُ مَعَانِي التَّسْوِيَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَنْسَاءِ فِي أَخِيهَا، وَقَدْ أَرَادَتْ مُسَاوَاتَهُ بِأَبِيهَا مَعَ مُرَاعَاةِ حَقِّ الْوَالِدِ بِزِيَادَةِ فَضْلٍ لَا يَنْقُصُ بِهَا حَقَّ الْوَلَدِ: [ الْكَامِلُ ] جَرَى أَبُوهَا فَأَثْبَتَا شَيْبًا يَسْتَنْزِلَانِ مِدَادَةَ الْحَفَرِ. وَاعْتَبَرَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ فِي كِتَابِهِ « تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ » أَنَّ زُهَيْرَ بْنَ أَبِي سُلْمَى أَوَّلُ مَنْ فَتَحَ بَابَ هٰذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: [ الْبَسِيطُ ] هُوَ الْجَوَادُ فَإِنْ يَلْحَقْ بِسَابِقَةٍ فِي الْخَيْرِ يَلْحَقْ بِهَا فِي الْمَجْدِ أَوْ يَزِدِ. وَلَكِنْ فَضَّلَ الْخَنْسَاءَ فِي شِعْرِهَا هٰذَا عَلَى جَمْعِ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ، فَهُوَ تَكَلَّفُهُ وَشَبَاهُهُ عَلَى تَكْلِيفِهِ وَشِعْرِهِ تَحَفًّا. أَمَّا السِّكَّاكِيُّ فَقَدْ نَقَلَ تَعْرِيفَ الْمِصْرِيِّ وَضَمَّنَهُ كِتَابَهُ « عُرُوسَ الْأَفْرَاحِ » فِي حِينٍ أَنَّ ابْنَ حِجَّةَ الْحَمَوِيَّ يَرْوِي تَعْرِيفَ أَبِي هِلَالٍ الْعَسْكَرِيِّ، فَقَالَ: « هٰذَا النَّوْعُ - أَعْنِي جَمْعَ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ - ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُونَ فِيهِ أَقْوَالًا كَثِيرَةً غَيْرَ سَدِيدَةٍ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِأَمْثِلَةٍ غَيْرِ مُطَابِقَةٍ، وَلَمْ نَجِدْهُ فِي بَابِهِ بِالْأَمْثِلَةِ اللَّائِقَةِ غَيْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ »، فَذَكَرَ تَعْرِيفَهُ وَأَمْثِلَتَهُ، وَنَقَلَ ذٰلِكَ السُّيُوطِيُّ أَيْضًا. أَمَّا ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ فَذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ « أَنْوَارِ الرَّبِيعِ » وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: « هٰذَا النَّوْعُ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَقْوَالُ الْمُؤَلِّفِينَ، وَعُبِّرَ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ غَيْرِ سَدِيدَةٍ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِأَمْثِلَةٍ غَيْرِ مُطَابِقَةٍ »، ثُمَّ ذَكَرَ تَعْرِيفَ الْمِصْرِيِّ وَأَمْثِلَتَهُ كَمَا فَعَلَ الْحَمَوِيُّ، وَقَدْ عَرَفَهُ جُرْجَانِيٌّ فِي كِتَابِهِ « يَبْلُغُ الْأَرَبَ مِنَ الْأَدَبِ » وَقَالَ: « هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يُبْرِزَ الشَّاعِرُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَمْدُوحَيْنِ فَيَأْتِيَ بِمَعَانِي مُؤْتَلِفَةٍ فِي مَدْحِهِمَا وَيَرُومَ بَعْدَ ذٰلِكَ تَرْجِيحَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِزِيَادَةِ فَضْلٍ لَا يَنْقُصُ بِهِ مَا مَدَحَ الْآخَرَ، فَإِنِّي أَجْعَلُ التَّرْجِيحَ بِمَعَانٍ تَخَالَفُ مَعَانِي التَّسْوِيَةِ ». وَمِثْلُ قَوْلِ زُهَيْرٍ وَالْخَنْسَاءِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
- الجَمْعُ مَعَ التَّفْرِيقِ
الجَمْعُ مَعَ التَّفْرِيقِ: تَحَدَّثَ عَنْهُ السِّكَّاكِيُّ فِي كِتَابِهِ « عُرُوسِ الْأَفْرَاحِ » ضِمْنَ الْمُحَسِّنَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ عَن « الجَمْعِ مَعَ التَّفْرِيقِ »، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: هُوَ أَنْ تُدْخِلَ شَيْئَيْنِ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ وَتَفْتَرِقَ جِهَةُ الْإِدْخَالِ، كَقَوْلِهِ: [ مَجْزُوءُ الْمُتَقَارِبِ ] قَدْ أَسْوَدَّ كَاللَّيْلِ سِرْبَالُ صَدْرِهِ وَقَدْ طَابَ كَالْمِسْكِ خَلْفًا.
- الجِنَاسُ
التَّجْنِيسُ غَرْبَةٌ شَادِخَةٌ وَجْهَ الْكَلَامِ، وَقَدْ تَصَرَّفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَرْبَابِ هٰذِهِ الصِّنَاعَةِ فِيهِ، فَبَاعَدُوا عَنْ مَجَارِي الْكَلَامِ وَمَحَاسِنِ مَدَاخِلِهِ. فَالْجِنَاسُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْغَرِيبُ مِنَ الشَّيْءِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ النَّوْعِ، وَالْمُجَانَسَةُ الْمُمَاثَلَةُ، وَسُمِّيَ هٰذَا النَّوْعُ جِنَاسًا لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ. وَزَعَمَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَنَّ الأَصْمَعِيَّ يَدْفَعُ قَوْلَ الْعَامَّةِ هٰذَا مِنْ جِنَاسِ الْبَابِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ مُوَلَّدٌ، وَحَقِيقَتُهُ عِنْدَ مُصْطَلَحِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْبَيَانَ هُوَ أَنْ تَتَّفِقَ الْفَضْلَتَانِ فِي وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَيَخْتَلِفَ مَحَلُّهُمَا. وَقَالَ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ: «الْجِنَاسُ وَالتَّجْنِيسُ وَالْمُجَانَسَةُ وَالْإِنْجِنَاسُ كُلُّهَا أَلْفَاظٌ مُتَفَرِّعَةٌ مِنَ الْجِنْسِ، فَالْجِنَاسُ مَصْدَرُ جَنَسَ، وَالتَّجْنِيسُ تَفْعِيلٌ مِنَ الْجِنْسِ، وَالْمُجَانَسَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ إِذَا شَابَهَتِ الْأُخْرَى وَقَعَ بَيْنَهُمَا مُفَاعَلَةٌ جِنْسِيَّةٌ، وَالْجِنَاسُ مَصْدَرُ تَجَانَسَ الشَّيْآنِ إِذَا دَخَلَا تَحْتَ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ». وَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ: «فَأَمَّا لَفْظَةُ الْجِنَاسِ فَيُقَالُ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ مَحْضَةٍ، وَإِنَّمَا عَمِلَتْ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ فَقَاسُوهَا عَلَى نَظَائِرِهَا، وَجَعَلُوا الْجِنَاسَ حَالَ كَلِمَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُخْتِهَا، وَكَذٰلِكَ الْمُجَانَسَةُ، أَمَّا التَّجْنِيسُ فَإِنَّهُ فِعْلُ الْمُجَانِسِ مِثْلُ التَّصْنِيفِ فِعْلُ الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا الْجِنَاسُ فَهُوَ الْكَلِمَاتُ فِي نَفْسِهَا مِنَ التَّشَابُهِ». وَقَالَ الْعُلَوِيُّ: «هُوَ تَفْصِيلٌ مِنَ التَّجْنِيسِ، وَهُوَ الْمُتَشَابِهُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هٰذَا النَّوْعُ جِنَاسًا لِأَنَّ التَّجْنِيسَ الْكَامِلَ أَنْ تَكُونَ اللَّفْظَةُ تَصْلُحُ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَالْمَعْنَى الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ هٰذِهِ اللَّفْظَةُ هُوَ بِعَيْنِهِ تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الآخَرِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ بَيْنَهُمَا». وَأَمَّا اشْتِقَاقُ الْجِنَاسِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: «التَّجْنِيسُ هُوَ تَفْعِيلٌ مِنَ الْجِنْسِ»، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: «الْمُجَانَسَةُ الْمُفَاعَلَةُ مِنَ الْجِنْسِ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّ إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ إِذَا تَشَابَهَتْ بِالْأُخْرَى وَقَعَ بَيْنَهُمَا مُقَابَلَةٌ جِنْسِيَّةٌ، وَالْجِنَاسُ مَصْدَرُ جَانَسَ، وَالْجِنَاسُ مَصْدَرُ جَاسَ»، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: «التَّجْنِيسُ تَفَاعُلٌ مِنَ الْجِنْسِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ مَصْدَرُ تَجَانُسِ الشَّيْئَيْنِ إِذَا دَخَلَا فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ». وَلَمَّا انْقَسَمَ أَقْسَامًا كَثِيرَةً وَتَنَوَّعَ أَنْوَاعًا عَدِيدَةً نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْجِنْسِ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ فَهُوَ جِنْسُ جِنْسٍ.
- الجِنَاسُ الأَخْنَفُ
الأَخْنَفُ: مَا كَانَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ زَرْقَاءَ، وَالْأُخْرَى كَحْلَاءَ. وَفِي الْاِصْطِلَاحِ الْبَلَاغِيِّ هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِكَلَامٍ تَكُونُ كَلِمَاتُهُ مُهْمَلَةً مُجْتَمِعَةً عَلَى التَّرْتِيبِ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُ الْحَلِّيِّ: [ الكامل ] الحُرُّ يَجْرِي وَالْكِرَامُ يُثِيبُ وَالْهَمُّ يَحْزُنِي وَالْهَمَامُ يَطِيبُ وَالدَّهْرُ يَبْنِي وَالْعَزَائِمُ تَنْقَضِي وَالْمَدْحُ يَبْقَى وَالْكَلَامُ يَذُوبُ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيُّ: [ مجزوء البسيط ] اِسْمَحْ نَفْسَ السَّمَاحِ زِنْ وَلَا تَجِبْ إِذَا سُئِلْتَ سِنْفِ وَلَا يُجِيزُ رَدَّ ذِي سُؤَالٍ وَلَا يَظَلُّ الصُّدُورُ تَنْقَفِ وَاحْمِهِ فَإِنَّ الْكِرَامَ يَغْضِي وَلَا تَخُنْ عَهْدَ ذِي وِدَادِ. وَسَمَّاهُ التَّنَاسِي «جِنَاسَ الْحَذْفِ»، وَقَالَ: «هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يَحْذِفَ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ كَلَامِهِ حَرْفًا أَوْ حَرْفَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ، أَوْ جَمِيعَ الْحُرُوفِ الْمُعْجَمَةِ، أَوْ جَمِيعَ الْحُرُوفِ الْمُهْمَلَةِ».
- الجِنَاسُ الأَرْقَطُ
أَرْقَطُ فِي اللُّغَةِ: أَرْقَطُ، وَهُوَ أَخْلَطُ، وَأَرْقَاطٌ مِنَ الرِّقْطَةِ: الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْبَلَاغِيِّ: الْجِنَاسُ الأَرْقَطُ هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِكَلَامٍ يَلْتَزِمُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ مِنْ حُرُوفٍ مُعْجَمَةٍ، وَبَعْضُهُ الآخَرُ مِنْ حُرُوفٍ مُهْمَلَةٍ، أَوْ أَكْثَرُهُ كَذٰلِكَ. كَقَوْلِ الْحَرِيرِيِّ فِي مَقَامَاتِهِ: [ الخفيف ] سَيِّدٌ نَبْلُهُ سُبُوقٌ سَمْرٌ سَيْفُهُ فِي الْعُلا سَبُوقُ سَمِيرِ طَلْعُ مَغْرِبٍ عَزِيزٌ عَرِيفٌ نَبَاتُ فَاضِلٍ ذَكِيٌّ أَرِيفُ مُخْلِفٌ مَنْ لَهُ أَمْرٌ قَرِيبٌ مُسْلِفٌ إِنْ أَبَانَ طِبًّا إِذَا نَا. وَقَوْلِهِ أَيْضًا: [ مجزوء الرجز ] فَلَا تَفْنَ ذَا بَهْجَةٍ بَهْجَةٌ ظِلٌّ خَضِرَةٌ فَإِنَّهُ بَرْءٌ بَرْقٌ آنِسٌ ضَوْءٌ سَمْرَةٌ زَانَ مَرْآهُ طَرْفُهُ يَلْبَسُ خَوْفٌ رِيَّهُ.
- جِنَاسُ الإِشَارَةِ
الإِشَارَةُ لُغَةً: قِيلَ: كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ، أَيْ يُومِئُ بِالْيَدِ وَالرَّأْسِ، بِمَعْنَى يَأْمُرُ وَيَنْهَى بِالإِشَارَةِ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْبَلَاغِيِّ، ذَكَرَ الرَّازِيُّ: «أَنَّ الْمُجْنَسَاتِ قَدْ يَكُونُ مَذْكُورًا صَرِيحًا، وَقَدْ يَكُونُ مَذْكُورًا بِالإِشَارَةِ»، وَقَالَ الْعُلَوِيُّ: «هُوَ أَنْ لَا يَذْكُرَ أَحَدُ الْمُجْنَسَيْنِ فِي الْكَلَامِ، وَلَكِنْ يُشَارُ إِلَيْهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: [ الوافر ] وَمَا أَرْوَى وَإِنْ كَرُمَتْ عَلَيْنَا ... بِأَكْثَرَ مِنْ مُرَافِقَةٍ حُرُونِ يُطِيفُ بِهَا السِّمَاطُ فَتَسْتَتِمُّ ... بِسَاطِعِهَا مَشَاعِلَةِ الْفُرُوقِ». فَـ «الأَرْوَى» هِيَ الْمَرْأَةُ، وَقَوْلُهُ: «مُرَافِقَةٍ حُرُونٍ» إِشَارَةٌ إِلَى رِوَايَةِ الأَفْعَالِ، وَأَرَادَ أَنَّ هٰذِهِ الْمَرْأَةَ الَّتِي اسْمُهَا «أَرْوَى» لَيْسَتْ بِأَقْرَبَ مِنَ الأُتْنِي فِي الْجِمَالِ، لٰكِنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهَا، رَاجِعٍ إِلَى الْجِنَاسِ الْمَعْنَوِيِّ. وَجِنَاسُ الإِشَارَةِ يُسَمَّى «الْكِنَايَةَ» أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الْمُجَانَسَةُ فِي الْبَيْتِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ مِنَ الْجِنَاسِ، فَلَا يُوَافِقُ الْوَزْنُ عَلَى إِيرَادِهِمَا، فَيُضْمِرُ الْوَاحِدَ، وَيَعْدِلُ بِقَوْلِهِ إِلَى مُرَادِفٍ فِي كِنَايَةٍ تَدُلُّ عَلَى الرُّكْنِ الْمُضْمَرِ؛ فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ فِي مُرَادِفٍ الرُّكْنِ الْمُضْمَرِ يَأْتِي بِلَفْظَةٍ فِيهَا كِنَايَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهٰذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي النَّظْمِ، كَقَوْلِ الرَّاجِلِ فِي الْإِبِلِ، وَقَدْ أَرَادَ قَوْلَهُ الرَّجُلُ عَنْ بَنِي تَغْلِبَ، وَنُزِّحُوا مِنْهَا جَمَاعَةً لِيَحْضُرُوا الإِبِلَ، فَتَفَانَتْ حَالًا: [ الطويل ] فَمَا مَكَثَتْ دَامَ الْجِمَالُ عَلَيْكُمَا ... بِشَهْدَانِ إِلَّا أَنْ تُشَدَّ الأَبَاعِرُ أَرَادَ أَنْ يُجَانِسَ مَا بَيْنَ «الْجِمَالِ» وَ «الْجِمَالِ»، فَلَمْ يُسَاعِدْهُ الْوَزْنُ وَلَا الْقَافِيَةُ، فَعَدَلَ إِلَى مُرَادِفِ «الْجِمَالِ» بِالأَبَاعِرِ. وَقَالَ رَاكِضُ الأُسَارَى: [ الطويل ] حَدَا يَأْبَى أُمَّ الرِّكَالِ فَأَجْفَلَتْ ... نُعَامَتُهُ مِنْ عَوَارِضٍ تَتَلَأْلَأُ فَأَرَادَ أَنْ يُجَانِسَ بَيْنَ «أُمِّ الرِّكَالِ» وَهُوَ رَجُلٌ دِينٍ، وَ «نَعَامَةٍ» وَهِيَ رَوْحُهُ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ، فَعَدَلَ إِلَى مُرَادِفِ «أُمِّ النَّعَامَةِ»، وَهِيَ: «أُمُّ أَرْوَالٍ»، لِأَنَّ زَحْفَ النَّعَامَةِ أُمُّ الرِّكَالِ. وَقَالَ آخَرُ: [ الرمل ] حَلَفْتُ لَئِنْ بَثَّ مُوسَى سَنِينَهُ ... لَيُسْهَرُنَّ إِذَا مَا قُلْنَا قَلِيلًا. الكاذِبَيْنِ قَبْلَ لَهُ تَجْنِيسُ الْإِضَافَةِ ، كَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ : [ الدَّوَائِرُ ] أَبَا نَصْرِ الشَّمَّامِ أَغْنَيْتَ غِلْمَةً عَلَى تَطَاوُلِ اللَّيْلِ السُّجَامِ فَصَارَ بِالْإِضَافَةِ كَالْمُخْتَلِفَيْنِ . وَقَدْ سَمَّاهُ الْقَاضِي الْجُرْجَانِيُّ : الْمُضَائِفَ ، وَذَكَرَ بَيْتَ الْبُحْتُرِيِّ ، وَقَالَ : « وَمَعْنَى الشَّمَّامِ وَاحِدٌ فِي الْأَمْرَيْنِ ، وَلَوِ انْصَرَفَ لَمْ يُعَدَّ تَجْنِيسًا ، وَلَكِنْ أَحَدُهُمَا صَارَ مَوْصُولًا بِالْقَمَرِ وَالْآخَرُ بِالْبَلَلِ ، فَكَانَا كَالْمُخْتَلِفَيْنِ ».
- جِنَاسُ الإِضْمَارِ
الإِضْمَارُ: السُّكُونُ، وَأَضْمَرْتُ الشَّيءَ: أَخْفَيْتُهُ وَغَيَّبْتُهُ. وَتَجْنِيسُ الإِضْمَارِ ذَكَرَهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فَقَالَ: « الْجِنَاسُ الْمُضْمَرُ هُوَ أَنْ يُضْمَرَ الْأَلْفَاظُ رُكْنَ التَّجْنِيسِ، وَيُذْكَرَ أَلْفَاظٌ مُرَادَةٌ لِأَحَدِهَا، يَدُلُّ الْمُظْهَرُ عَلَى الْمُضْمَرِ، فَإِنْ نَظَرْتَ الْمَظْهُورَ أَبَى الْمَضْمُورَ، فَإِنْ نَظَرْتَ الْمُعَبَّرَ بِهِ أَتَى لَفْظَةً فِيهَا كِنَايَةٌ لَطِيفَةٌ عَلَى الْمُضْمَرِ بِالْمَعْنَى، كَقَوْلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدٍ وَقَدْ أَصْبَحَ بِخَمْرَةٍ وَتَرَكَهَا بُعَيْدَهَا إِلَى اللَّيْلِ فَصَارَتْ خَلًّا: [ الطَّوِيلُ ] أَلَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَأْسٌ مُسَاعَدَةٌ أَتَيْتُ مَطْلَبَ عُذْرٍ غَيْرَ مَخْذُولِ حَكَتْ فِي اللَّيْلِ نَظْرَاتٍ كَأْسُ صَبِيَّةٍ وَأَمْسَتْ كِسْمُ الشَّرْبِ بَعْدُ كَسْمَ خَلِّ فَقَوْلُهُ فِي صَدْرِ الْبَيْتِ الثَّانِي «كَأْسُ صَبِيَّةٍ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ اسْمُهَا «الصَّهْبَاءُ»، وَقَوْلُهُ: «كِسْمُ الشَّرْبِ بَعْدُ خَلٍّ» إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ فِي زَمَانٍ: [ الْمَدِيدُ ] فَسَائِلْهَا يَا سَوَادَ بْنَ عَمْرٍو إِنَّ جِسْمِي بَعْدَ خَلِّي لَيَشْتَعِلُ وَالْخَلُّ: الْمُضِيفُ هَزَالًا، فَوَضَعَ جِنَاسَيْنِ مِنْ كِنَايَةِ اللَّفْظِ الظَّاهِرِ جِنَاسًا مُضْمَرًا فِي «صَهْبَاءَ» اسْمِ الْخَمْرَةِ، وَ «صَهْبَاءَ» اسْمِ الْمَرْأَةِ، وَدَخَلَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْخَمْرِ وَدَخَلَ الْهَزَالِ. وَقَالَ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي بَدِيعِيَّتِهِ: [ الْبَسِيطُ ] أَبَا مَعْبَدٍ أَحْسَا الْخَنْسَاءَ كُنْتُ لَهُمْ بِمَا مُخْتَبِرِي نَهْفُ شُرْبِي بِخَمْرِهِمِ أَبُو مَعَاذٍ اسْمُهُ: جَبَلٌ، وَأَخُو الْخَنْسَاءِ اسْمُهُ: صَخْرٌ، فَظَهَرَ جِنَاسَانِ مُضْمَرَانِ فِي «جَبَلٍ» وَ «جَبَلٍ»، وَ «صَخْرٍ» وَ «صَخْرٍ». وَمِنْ هُنَا أَخَذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعُلَوِيُّ: [ الْبَسِيطُ ] مِنْ كُلِّ قَدٍّ أَبِي حُسْنَانِ سَطْوَتُهُ وَفِي مَضَاءِ ابْنِ حَمْدَانَ اسْتِبَاحَ دَمِي بِمَحْذُوفٍ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى ذِكْرِ الْمَحْذُوفِ لِدَلَالَةِ بَاقِي لَفْظِ الْبَيْتِ عَلَيْهِ، وَيُكْتَفَى بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الذِّهْنِ، فِيمَا يَقْتَضِيهِ تَمَامُ الْمَعْنَى، وَهُوَ نَوْعٌ ظَرِيفٌ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٍ يَكُونُ بِجَمِيعِ الْكَلِمَةِ، وَقِسْمٍ يَكُونُ بِبَعْضِهَا، وَالِاكْتِفَاءُ بِالْبَعْضِ أَصْعَبُ مَسْلَكًا لَكِنَّهُ أَحْلَى مَوْقِعًا. وَلَمْ أَرَهُ فِي كُتُبِ الْبَدِيعِ، وَلَا فِي الشِّعْرِ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ. فَشَاهِدُهُ الِاكْتِفَاءُ بِجَمِيعِ الْكَلِمَةِ، قَوْلُ ابْنِ مَطْرُوحٍ: [ الْكَامِلُ ] لَا أَنْتَهِي لَا أَنْثَنِي لَا أَقْتَفِـي مَا دُمْتُ فِي نَصْبِ الْحَيَاةِ وَلَا إِذَا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ بَاقِي الْكَلَامِ: «وَلَا إِذَا مِتُّ»، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ الْحَيَاةَ، وَمَتَى ذُكِرَ تَمَامُهُ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي، كَانَ عَيْبًا مِنْ عُيُوبِ الشِّعْرِ، مَعَ مَا يَفُوتُهُ مِنْ حَلَاوَةِ الِاكْتِفَاءِ وَلُطْفِهِ وَحُسْنِ مَوْقِعِهِ فِي الْأَذْهَانِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْمُطْرَانِ جِبْرَانَ بْنِ فَرْحَاتٍ: [ الْكَامِلُ ] قَدْ صَبَّ مِنْ بَعْدِ التَّجْرِبَاتِ تَلَفُهُ صَبًّا إِلَى تَعْذِيبِ قَلْبِي قَدْ حَمَلْ فَفَجَرَتْ أَشْجَانُهُ وَغَدَا نَضَارُهُ يَا شَمْسُ أَفْلِحْ لَمْ تُجَرِّبْ مِنَ الْحَمَلِ وَالْجِنَاسُ هُنَا «حَمْلٌ» سَكَنَ لِلْمُجَانَسَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ «حَمَلَ»، وَإِنَّمَا أَبْقَى الْمَعْنَى: أَطَاقَهُ وَصَبَرَ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا: مِنْ حَمَلَهُ عَلَى الْأَمْرِ أَغْرَاهُ بِهِ. وَقَدْ جَانَسَ بَيْنَ لَفْظَتَيْ «حَمْلٍ» فِي كُلٍّ مِنْ عَجُزِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَالْبَيْتِ الثَّانِي. وَالِاكْتِفَاءُ بِالْبَعْضِ حَذْفُ جُزْءٍ مِنَ الْكَلِمَةِ، أَيْ بَعْضِ حُرُوفِهَا، كَقَوْلِ ابْنِ سِنَاءِ الْمُلْكِ: [ الْكَامِلُ ] وَلَقَدْ جَهِدْتُ عَيْنِي جَاهِدًا حَتَّى إِذَا أَغْضَيْتُ أَطْلَقَتِ الدَّمْعَا أَيْ أَطْلَقْتُ الدَّمْعَ، وَالدَّلِيلُ وُرُودُهَا فِي الصَّدْرِ. وَيَقُولُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ مُكْتَفِيًا بِالْبَعْضِ: [ الْبَسِيطُ ] لَمَّا اكْتَفَى خَطُّ الشَّيْبِ فِي صِدْغِي قَالَ السُّؤَالُ بِغَمْضِهِ إِنَّهُ دَمِي الْمَعْنَى هُنَا أَنَّ الْخَطَّ لَمَّا تَزَايَدَتْ حُمْرَتُهُ قَالَ الْعُذَّالُ نَفَضًا فِي الظَّاهِرِ إِنَّهُ لَدِيٌّ، وَوَرَّوْا بِالِاكْتِفَاءِ، وَقَصَدُوا فِي الْبَاطِنِ أَنَّهُ «دَمٌ» حَسَدًا لَهُ. وَمِنْ هَذَا الِاكْتِفَاءِ يُنْظَرُ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ: [ الْكَامِلُ ] كَزُوَّارِ الْحَسْنَاءِ قَلَّ زُوَّارُهَا حَسَدًا وَبُغْضًا أَنِّي لَدَيْهِمْ دَمِيمُ دَمِيمٌ بِالْأَذْيَالِ الْمُهْمَلَةِ لِلْحُفَاةِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْبَيْتَ تَأَمُّلَ أَهْلِ الْأَدَبِ الْمُضْمِرِينَ عَلِمَ. أَنَّ الْحِيلَةَ فِي تَرْكِيبِ تَرْدِيدِهِ حِيلَةٌ دَقِيقَةٌ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَعْنَى وَجَزَالَةِ الْأُسْلُوبِ. وَمِنْ نَظْمِ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ بْنِ نُبَاتَةَ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالْبَعْضِ، وَقَدْ كَسَا دِيبَاجَ التَّوْرِيَةِ وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْوَزْنُ إِذْ جَمَعَ بَيْنَ طَرَفَيِ الِاكْتِفَاءِ، حَيْثُ قَالَ: [ الطَّوِيلُ ] أَتَوْلٌ وَقَدْ جَاءَ السَّلَامُ بِصِحَّةٍ عَقِيبَ طَعَامِ الْفِطْرِ يَا غَايَةَ الْمُنَى يُحَقِّقُ قَوْلِي جَاءَ صَحْنُ قَطَائِفٍ وَرِيحُ بَاسِمٍ مِنْ أَفْوَاهِ دُخَّانٍ مِنَ الْبُكَا
- جِنَاسُ الْبِضْعِ
الْبِضْعُ مِنَ الشَّيْءِ: طَائِفَةٌ مِنْهُ، وَالْجَمْعُ أَبْعَاضٌ. ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ فِي «تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ» فَقَالَ: هُوَ إِيجَادُ بَعْضِ الْكَلِمَةِ فِي الْأُخْرَى بِحَيْثُ أَنْ تَكُونَ الْمَادَّةُ قَرِيبَةً لَا مُشْتَبِهَةً مَعَ عَدَمِ الِاغْتِبَاءِ بِالْحَرَكَاتِ، كَقَوْلِ عُمَرَ الْقُطَامِيِّ: [ الْوَافِرُ ] بِأَحْسَنَ مِنْ جَمَالَتِهَا هُمُ رَدُّوا جِمَالَ الْحَيِّ فَاصْطَفَلُوا نَهَارًا جَنَّسَ الْقُطَامِيُّ بَيْنَ لَفْظَتَيِ «جَمَالَةٍ» مِنْ مَعَانِيهِ: هَيْئَاتٌ تَتَّخِذُ عَلَى أَشْكَالِ النُّزُولِ مِنْ نِقْبَةٍ، وَتُسَمَّى بِهَا الْمَرْأَةُ هُنَا، وَبَيْنَ «جِمَالٍ» جَمْعِ «جَمَلٍ» وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْمَعْرُوفُ. وَقَوْلِهِ أَيْضًا: [ الْبَسِيطُ ] حَتَّى تَرَى الْمَرْأَةَ الْمُسْتَخْفَاةَ لَاهِيَةً الْأَرْجِيَّ الَّذِي فِي خُطْوِهِ خَطَلُ وَقَدْ جَنَّسَ الشَّاعِرُ بَيْنَ لَفْظَتَيِ «خُطْوٍ» بِمَعْنَى مَشْيٍ، وَ «خَطَلٍ» بِمَعْنَى خَطَإٍ يَذْهَبُ بِهِ الْإِنْسَانُ هَبَاءً لَا يَقْصِدُ قَصْدَ الْهَدَفِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِمَامٍ السُّلُولِيُّ: [ الطَّوِيلُ ] تُرَوِّحُ مِنَ الْجَرْجَرِيِّينَ ثُمَّ تَرَوَّحَتْ بِهِ الْعَيْنُ تَهْبِيبًا لِنَفْضَاءِ نَأْيَتِهِ تُرَوِّحُ مِنَ الْحَسْرَتَيْنِ ثُمَّ تَرَوَّحَتْ بِهِ الْعَيْنُ تَهْبِيبًا لِنَفْضَاءِ نَأْيَتِهِ جَنَّسَ السُّلُولِيُّ هُنَا بَيْنَ لَفْظَتَيِ «تُرَوِّحُ» وَ «تَرَوَّحَتْ»، وَبَيْنَ «تَهْبِيبٍ» مِنْ نَفْحِ الرِّيَاحِ، بِمَعْنَى: فَرِحَتِ الْعَيْنُ وَاطْمَأَنَّتْ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُطْرَانِ جُرْمَانُوس فَرْحَات: [ الطَّوِيلُ ] وَقَدْ جَمَعْتِ فِيكِ الْمَحَاسِنَ جَمَّةً فَلِلَّهِ دَمْعِي حِينَ يُبْدِي ابْتِسَامِي وَقَدْ جَانَسَ جِنَاسَ الْبِضْعِ بَيْنَ لَفْظَتَيِ «جَمَّةٍ» بِمَعْنَى ضَمَّهَا وَأَلَّفَهَا، وَبَيْنَ «جَمَّةٍ» بِمَعْنَى جَمِيعِهَا، وَالْعَجْزُ مُخْتَلُّ الْوَزْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَدُّ فَتْحَةِ الْكَافِ فَأُشْبِهَتْ إِلَى الْأَلِفِ، وَهُوَ مِمَّا يُعَابُ عَلَى الشَّاعِرِ.