المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
يقع كتاب المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني ضمن نطاق تخصص علوم اللغة ووثيق الصلة بالفروع الأخرى مثل الشعر، والقواعد النحوية، والصرف، والأدب، والبلاغة، والآداب العربية. تأليف إنعام فوال عكاوي
الجذور
- التَّشْبِيهُ الْمُسْتَحْسَنُ
عَرَّفَهُ الْمُبَرِّدُ فِي كِتَابِهِ «الْكَامِلِ»، وَكَذٰلِكَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «الطِّرَازِ»، فَقَالَا: مَا حَسُنَ مِنَ التَّشْبِيهِ، وَهٰذَا بَابٌ عَظِيمٌ قَدْ اتَّسَعَ فِيهِ كَلَامُ الْبُلَغَاءِ، وَأَوْلَى فِيهِ بِكُلِّ حُسْنٍ بَدِيعٍ، وَتَهَالَكُوا فِيهِ فِي دِقَّةِ الْمَعَانِي وَلَطَائِفِ التَّشْبِيهِ. فَمِنْ ذٰلِكَ مَا قَالَ الصَّابِيُّ مِنْ رَائِقِ التَّشْبِيهِ فِي صِفَةِ الْخَمْرِ: [ الْمُقْتَرِبُ ] كَأَنَّ الْمُدَامَ لَهَا فِي الْمَزَاجِ إِذَا طَافَ بِالْكَأْسِ أَوْ بِالأَسْحَارِ تَسْرِي نُفُوسًا مِنَ الْجُلَسَاءِ إِذْ تَفَرَّدَ كَمْ مِنْ سِجِلٍّ مِنَ السَّحَرِ فَشَبَّهَ صَمْرَةَ كُمَيْهِ بِالْجُلْنَارِ، وَهٰذَا تَشْبِيهٌ حَسَنٌ بَالِغٌ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ يَصِفُ فِيهَا مَجْلِسَ اللَّهْوِ وَالْمُدِيرَ عَلَى النُّدَمَاءِ كُؤُوسَ الرَّاحِ، وَقَدْ ذَهَا أَلْفًا بِثَوْبِهِ الشَّبِيهِ بِالْيَاسَمِينِ.
- التَّشْبِيهُ الْمُسْتَطْرَفُ
الْمُسْتَطْرَفُ لُغَةً: مِنْ طَرُفَ يَطْرُفُ، كَانَ أَوْ صَارَ طَرِيفًا، أَطْرَفَ، أَيِ الْحَدِيثُ الْجَدِيدُ. عَرَّفَ الْمُبَرِّدُ فِي كِتَابِهِ «الْكَامِلِ» التَّشْبِيهَ الْمُسْتَطْرَفَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ بَشَّارِ بْنِ بُرْدٍ: [الْوَافِرُ] كَأَنَّ فُؤَادَهُ كُرَةٌ تُنْثَرِي حَذَارَ الْعَيْنِ إِنْ تَفْضَحِ الْحَذَرَا يُرَوِّعُهُ السِّرَارُ بِكُلِّ أَمْرٍ مَخَافَةً أَنْ يَكُونَ بِهِ السِّرَارَا. فِيهِ تَشْبِيهٌ طَرِيفٌ فِي مَعْنًى مُسْتَجَدٍّ.
- التَّشْبِيهُ الْمَشْرُوطُ
الْمَشْرُوطُ لُغَةً: مِنْ شَرَطَ يَشْرِطُ عَلَيْهِ فِي بَيْعٍ وَنَحْوِهِ، أَلْزَمَهُ شَيْئًا فِيهِ، عُرِفَ الرَّشِيدُ الْبَطْلُوطُ فِي كِتَابِهِ «حَدَائِقِ السِّحْرِ» التَّشْبِيهَ الْمَشْرُوطَ فَقَالَ: التَّشْبِيهُ الْمَشْرُوطُ، وَيَكُونُ بِتَشْبِيهِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ مَشْرُوطٍ لَهُ شَرْطٌ مِنَ الشُّرُوطِ، فَيَقُولُونَ لَوْ كَانَ هٰذَا الْمَكَانُ ذَاتَ أَشْجَارٍ وَأَزْهَارٍ إِلَى ذٰلِكَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ فِي هٰذَا الْمَعْنَى: [الْكَامِلُ] عَرَفْتُمَاهُ مِثْلَ النُّجُومِ تَوَانِيًا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّحَابَاتِ الْقُلُلُ. وَذَكَرَهُ الْحَجْرِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ وَالتَّوَجُّهِ» فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الأَدَبِ»، وَقَالَ: «أَشْبَهَ وَجْهُ مَوْلَانَا بِالْبَدْرِ الْمُكَمَّلِ، لَوْ لَا أَنَّ الْبَدْرَ يَبْقَى مَحْجُوبًا وَمُتَوَارِيًا بَيْنَ سَحَابَةٍ، وَيَكُونُ بَعْضُهُمْ: وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ لَوْلَا كُسُوفُهَا، وَالْقَمَرُ لَوْلَا خُسُوفُهُ». وَكَذٰلِكَ عَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ»، فَقَالَ: «يُسَمَّى هٰذَا التَّشْبِيهُ الْمَشْرُوطَ»، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى: أَدَاةُ التَّشْبِيهِ، وَهُوَ مَا حُذِفَتْ أَدَاتُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾(١)، أَوْ مُرْسَلٌ وَهُوَ بِخِلَافِهِ، أَيْ مَا ذُكِرَتْ أَدَاتُهُ، وَصَارَ مُرْسَلًا، مِنَ التَّأْكِيدِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ حَذْفِ الأَدَاةِ، الْمُشِيرِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمُشَبَّهَ هُوَ الْمُشَبَّهُ بِهِ.
- التَّشْبِيهُ الْمُصِيبُ
الْمُصِيبُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ صَابَ يُصِيبُ، وَالصَّوَابُ، ضِدُّ الْخَطَإِ، اللَّائِقُ، الْحَقُّ، اعْتِبِرَ التَّشْبِيهُ الْمُصِيبُ مَا وَافَقَ الْمَعْنَى وَأَدَّى الْغَرَضَ عَلَى أَتَمِّ وَجْهٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾(١). المِرْءُ أَنَّ قَوْلَ سَلَامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ هُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ الْمُصِيبِ، قَالَ : [ الطَّوِيلُ ] كَأَنَّ النِّعَامَ بَاضَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ وَأَغْضَى النَّجِيبُ تَحْتَ الْحَدِيدِ جَوَاجِمِ وَكَذٰلِكَ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ : [ الْبَسِيطُ ] يَضْحَى فِي دَعْصٍ صَفْرَاءَ فِي تُرْبٍ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ وَقَوْلُهُ فِي دَعْصٍ مِنْ فِعْلِ دَعَصَ يَدَعَصُ، وَدَعْصَةُ الْعَيْنِ: صَارَتْ شَدِيدَةَ السَّوَادِ مَعَ سِعَتِهَا، وَصَاحِبُ الأَدْعَصِ جَمْعُ دَعْصٍ، وَقَوْلُهُ فِي تُرْبٍ مِنْ فِعْلِ تَرِبَ يَتْرَبُ تُرُوبًا: خَلَصَ بَيَاضُهُ.
- التَّشْبِيهُ الْمُطَّرِدُ
الْمُطَّرِدُ لُغَةً: مِنْ طَرَدَ يَطْرُدُ، وَاطَّرَدَ الأَمْرُ: تَبِعَ بَعْضُهُ بَعْضًا وَاسْتَقَامَ احْتِكَامُهُ. عَرَفَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ التَّشْبِيهَ الْمُطَّرِدَ فَقَالَ: «اِعْلَمْ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّشْبِيهِ لَا يُمْكِنُ حُصُولُهَا إِلَّا إِذَا كَانَ التَّشْبِيهُ بِهِ أَدْخَلَ فِي الْمَعْنَى الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا، أَيْمَا إِدْخَالٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾(١) فَشَبَّهَهَا بِالْجِبَالِ لِأَنَّ الْجِبَالَ أَكْبَرُ مِنَ السُّفُنِ، وَهٰكَذَا الْقَوْلُ فِي السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالْحُمْرَةِ، وَالأَلَمِ وَالإِفْصَاحِ وَالْبَيَانِ، إِلَى غَيْرِ ذٰلِكَ مِنَ الأَوْصَافِ الْحَاصِرَةِ فِي التَّشْبِيهِ، وَآيَةُ ذٰلِكَ وَعَلَامَتُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَفْظَةُ «أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ» جَارِيَةً فِي التَّشْبِيهِ، وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مِنِ اعْتِبَارِ زِيَادَةِ الشَّبَهِ عَلَى الْمُشَبَّهِ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ كَانَ التَّشْبِيهُ نَقْصًا وَكَانَ مَعِيبًا، وَلَمْ يَكُنْ دَلَالَةً عَلَى الْبَلَاغَةِ»، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ: [ الْكَامِلُ ] فَتًى كَالصَّبَابَةِ بِالْحَبِيبِ وَبَغْلَةٍ تَفَكَّكَ بِالْمَالِ الْجَزِيلِ وَبَالْعُلَا فَكَأَنَّ الصَّبَابَةَ بِالْمُحِبِّ الْمُحْتَكَمِ، وَذٰلِكَ فِي الصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ بِنَقْدِ الصَّبَابَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لَيْسَ مَحْسُوسًا، وَهٰذَا مِنْ لَطِيفِ التَّشْبِيهَاتِ وَرَائِعِهَا وَأَغْرَبِهَا فِي الْبَلَاغَةِ.
- التَّشْبِيهُ الْمُطْلَقُ
الْمُطْلَقُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ طَلُقَ يَطْلُقُ اللِّسَانُ، كَانَ فَصِيحًا عَذْبَ الْمَنْطِقِ، وَالْمُطْلَقُ: ضِدُّ الْمُقَيَّدِ. عَرَّفَ الرَّشِيدُ الْبَطْلُوطُ فِي كِتَابِهِ «حَدَائِقِ السِّحْرِ» التَّشْبِيهَ الْمُطْلَقَ فَقَالَ: «التَّشْبِيهُ الْمُطْلَقُ، ضِدُّ التَّشْبِيهِ الْمُقَيَّدِ». الْمُطْلَقُ، وَيَكُونُ بِتَشْبِيهِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ بِوَاسِطَةِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ، وَبِدُونِ شَرْطٍ أَوْ عَكْسٍ أَوْ تَفْضِيلٍ أَوْ مَا شَاكَلَ ذٰلِكَ. وَهٰذَا التَّعْرِيفُ هُوَ مَا ذَكَرَهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ فِي كِتَابِهِ «بُلْغَةِ الأَدِيبِ فِي عِلْمِ الأَدَبِ»، وَكَذٰلِكَ عَرَّفَهُ كُلٌّ مِنَ الْحَلَبِيِّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ»، وَالتُّوحِيدِيِّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الأَدَبِ»، فَقَالَا: «هُوَ أَنْ تُشَبِّهَ شَيْئًا بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَلَا تَبْدِيلٍ». إِنَّ بَابَ التَّشْبِيهَاتِ الْمُطْلَقَةِ وَاسِعٌ، وَمِنْ ذٰلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾(١)، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُزَيْنِيِّ: [ السَّرِيعُ ] كَأَنَّمَا نَنْثَنِي مِنْ ثَنِيٍّ مُنْقَضٍّ أَوْ بَرْدِ صُبْحٍ أَوْ نَسِيمٍ فَائِحِ.
- التَّشْبِيهُ الْمُكْرَى
الْمُكْرَى لُغَةً: مِنْ فِعْلِ عَرَّ يَعِرُّ، يُقَالُ: عَرَّ فُلَانٌ الأَمْرَ، أَلِمَ بِهِ، وَأَعْرَى صَاحِبَهُ: تَرَكَهُ. عَرَّفَهُ الْمُطَرِّفُ الْبَلَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «نُضْرَةِ الإِغْرِيضِ»، فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْبَدِيعِ يُسَمُّونَهُ «التَّشْبِيهَ الْمُكْرَى»، فَإِذَا أَشْبَهُوا مَا لَهُ حَرَكَةٌ وَجَرْسٌ نَصَبُوا، كَمَا قَالُوا: «صَرِيفُ صِرَافٍ نَصْبًا»، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذٰلِكَ رَفَعُوا، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: «لَهُ أُذُنٌ رَأْسُ الأَسَدِ» رَفْعًا. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ: [ الْبَسِيطُ ] مَقُولَةٌ يَخْبِصُ الخَضْرَ الْمُسْتَجَدَّ بِهَا لَهُ تَصْرِيفُ صَرِيفِ السَّيْفِ فِي الْعَمَدِ مَقْبُولَةٌ يَخْضِبُ الْخَضْبَ الْقَدِيمَ بِهَا حَتَّىٰ يُصَيِّرَ لَوْنَ اللَّحْمِ كَالنَّجَدِ. مَقُولَةٌ يَحْسِبُ الْخَضْرَ يَازِرُهَا لَهُ تَصْرِيفُ صَرِيفِ السَّيْفِ فِي الْعَمَدِ، وَقِيلَ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي الْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُتَصَرَّفُ فِي أَصْلِ الْفَخِذِ وَالسَّاقِ، الْمُسْتَوِي.
- تَشْبِيهُ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ
عَرَّفَهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «خِزَانَةِ الأَدَبِ»، فَقَالَ: «هُوَ إِخْرَاجُ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْحَاسَّةُ إِلَى مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الْحَاسَّةُ»، وَمَثَّلَ لِذٰلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾(٢)، فَتَشْبِيهُ أَعْمَالِ الْكُفَّارِ بِالسَّرَابِ مِنْ أَبْلَغِ التَّشَابِيهِ وَأَبْدَعِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ ابْنِ سِينَا : [ الْخَفِيفُ ] إِنَّمَا النَّفْسُ كَالزُّجَاجَةِ وَالْمِصْـ ـبَاحِ فِيهَا وَحِكْمَةُ اللَّهِ زَيْتُهْ. فَقَدْ شَبَّهَ «النَّفْسَ» ، وَهِيَ مَعْقُولٌ ، «بِالزُّجَاجَةِ» ، وَهِيَ مَحْسُوسٌ ، وَأَيْضًا شَبَّهَ «الْعِلْمَ» ، وَهُوَ مَعْقُولٌ ، «بِالسِّرَاجِ أَوِ الْمِصْبَاحِ»، وَشَبَّهَ «الْحِكْمَةَ» «بِالزَّيْتِ»، وَهُوَ مَحْسُوسٌ . وَكَذٰلِكَ عَرَفَهُ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ»، وَالنُّوِيرِيُّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الْأَرَبِ»، كَمَا جَاءَ فِي تَعْرِيفِ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ تَمَامًا.
- تَشْبِيهُ الْمَعْقُولِ بِالْمَعْقُولِ
عَرَّفَ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ هٰذَا النَّوْعَ مِنَ الْفَنِّ الْبَدِيعِيِّ، وَقَالَ: «أَقُولُ إِنَّ هٰذَا النَّوْعَ فِي هٰذَا الْبَابِ لَيْسَ فِي مَوَاضِعِ الْمَحْسُوسَاتِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ قَوْلِي فِي ذٰلِكَ، وَأَحْسَنُ مَا وُجِدْتُ فِيهِ أَعْنِي تَشْبِيهَ الْمَعْقُولِ بِالْمَعْقُولِ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي : [ الْوَافِرُ ] كَأَنَّ الْهَمَّ مَشْفُوفٌ بِنَفْسِي فَسَاعَةَ مُجْتَمِعٍ بَعْضٌ بِبَعْضِهِ صِلًا. فَفِي بَيْتِ الْمُتَنَبِّي الْمَشْبَهُ وَالْمَشْبَهُ بِهِ عَقْلِيَّانِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ»، وَكَذٰلِكَ النُّوِيرِيُّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الْأَرَبِ»، وَعَرَّفَهُ كَمَا جَاءَ فِي تَعْرِيفِ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي هٰذَا التَّشْبِيهِ الْمَدِيحِ النَّبَوِيِّ : [ الْبَسِيطُ ] قَالُوا سِحْرُ النَّبِيِّ يَظْهَرُ لِي فِي ذَاكَ نَقْصٍ وَهٰذَا كَامِلُ السِّحْرِ.
- التَّشْبِيهُ الْمَنْكُوسُ
الْمَنْكُوسُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ عَكْسٍ يَعْكِسُ الْكَلَامَ وَنَحْوَهُ، قَلَبَهُ، وَعَكْسُ الشَّيْءِ: رَدُّ آخِرِهِ عَلَى أَوَّلِهِ. عَرَّفَ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ» وَكَذٰلِكَ النُّوِيرِيُّ فِي «نِهَايَةِ الْأَرَبِ» «التَّشْبِيهَ الْمَنْكُوسَ»، وَقَالَا: «التَّشْبِيهُ الْمَنْكُوسُ هُوَ أَنْ تُشَبِّهَ شَيْئَيْنِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ». فَهٰذَا التَّعْرِيفُ لَمْ يَرِدْ بِصِيغَةٍ وَاضِحَةٍ، وَلِهٰذَا فَقَدِ اسْتَحْسَنَ الْمُتَأَخِّرُونَ تَعْرِيفًا أَدَقَّ إِلَى الْوُضُوحِ وَالْفَهْمِ، كَانَ جِنِّيٌّ سَمَّاهُ «غَلَبَةَ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ»، وَقَالَ: «هٰذَا فَصْلٌ مِنْ فُصُولِ الْعَرَبِيَّةِ يَتَضَمَّنُ فِي مَعَانِي الْعَرَبِ، كَمَا تَجِدُهُ فِي مَعَانِي الْإِعْرَابِ، وَلَا تَكَادُ تَجِدُ شَيْئًا مِنْ ذٰلِكَ إِلَّا وَالْفَصَاحَةُ فِيهِ بَالِغَةٌ»، وَكَذٰلِكَ سَمَّاهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَيَعْنِي بِهِ حَمْزَةَ بْنَ الْعَلَوِيِّ «الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ»، وَقَدْ عَرَّفَهُ فِي الْأَثَرِ فَقَالَ: «مِنَ التَّشْبِيهِ ضَرْبٌ يُسَمَّى الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ الشَّبَهُ بِهِ مَثْبَتًا وَالتَّشْبِيهُ مَثْبَتًا بِهِ»، وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ: «غَلَبَةَ غَلَبَةِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ، لِأَنَّهُ يُشَبَّهُ فِيهِ الْأَصْلُ بِالْفَرْعِ، وَالْأَقْوَى بِالضَّعِيفِ، عَلَى خِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ التَّشْبِيهِ، حَيْثُ يُشَبَّهُ الْفَرْعُ بِالْأَصْلِ، وَالضَّعِيفُ بِالْقَوِيِّ. وَأَمَّا تَعْرِيفُ الْعَلَوِيِّ فَهُوَ: «دَائِمًا التَّشْبِيهُ إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى جِهَةِ الْمُمَاثَلَةِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ»، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَبْلَغَ فِي الْمَعْنَى وَأَقْوَى دَلَالَةً عَلَيْهِ، لِأَنَّ دَلَالَةَ هٰذِهِ الأُمُورِ إِنَّمَا هِيَ دَلَالَةُ اللَّازِمِ وَالتَّابِعِ. وَسَمَّاهُ بَعْضُهُم «الْمَكْسَ»، وَقَالَ: «هُوَ أَنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ عَلَى عَكْسِ الْمَعْهُودِ»، تَنْبِيهًا لِهٰذَا الْفَنِّ الَّذِي أَوْرَدَهُ قَوْلُهُمْ: [ مِنَ الشِّعْرِ ] «وَرِجْلٌ كَأَذْنَابِ الْعَذَارَى قَطَعْنَهَا إِذَا الْهَامَاتُ بِالسُّودِ الْمُغَشَّاةِ تَلْبَسُ» فِيهِ جَعَلَ الْأُصُولَ فُرُوعًا وَالْفُرُوعَ أُصُولًا؛ فَإِنَّ الأَصْلَ أَنْ تُشَبَّهَ أَذْنَابُ الْعَذَارَى بِالسُّيُوفِ، فَإِذَا عَكَسَ فَجَعَلَ السُّيُوفَ كَأَذْنَابِهِنَّ، كَانَ ذٰلِكَ مِنَ التَّشْبِيهِ الْمَنْكُوسِ، لِأَنَّ فِيهِ الِارْتِفَاعَ بِالْفَرْعِ عَلَى الأَصْلِ. وَقَدْ نَبَّهَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ عَلَى بَلَاغَةِ هٰذَا الضَّرْبِ، فَقَالَ: إِنَّهُ يُفِيدُ دِقَّةً فِي التَّصْوِيرِ وَطَرَافَةً فِي الْمَعْنَى، إِذْ يُجْعَلُ الْمَعْرُوفُ كَأَنَّهُ مَجْهُولٌ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ دُونَهُ، وَيُرَادُ بِذٰلِكَ الْمُبَالَغَةُ فِي وَصْفِ الْمُشَبَّهِ بِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: [ الطَّوِيلُ ] لَكِنْ تَرَى مُسْتَغْضِيَ الطَّرْفِ كَأَنَّهُ إِذَا مَا تَخَضْخَضَ فِي الْعَبِيرِ غَصِينُ فَقَدْ شَبَّهَ الْغُصْنَ الْمُتَخَضْخِضَ بِالطَّرْفِ، مَعَ أَنَّ الأَصْلَ أَنْ يُشَبَّهَ الطَّرْفُ بِالْغُصْنِ، فَهٰذَا هُوَ عَيْنُ التَّشْبِيهِ الْمَنْكُوسِ، وَفِيهِ غَلَبَةُ الْفَرْعِ عَلَى الأَصْلِ، وَهُوَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى دِقَّةِ الصَّنْعَةِ وَحُسْنِ التَّخَيُّلِ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ. ثُمَّ قِيلَ فِي بَابِ الاسْتِشْهَادِ: [ مِنَ الرَّجَزِ ] يَسِيلُ لِلأُخْرَيَيْنِ لُعَابُ النَّبْلِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ»، ثُمَّ قَالَ: «وَمِمَّا يُسْتَحْسَنُ مِنْ ذٰلِكَ قَوْلُ الْبُحْتُرِيِّ فِي وَصْفِ الْحِبْرِ بِالسَّوَادِ حِينَ شَبَّهَهُ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ الْبَحْتُرِيُّ نَظَرَ إِلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ فِي الشَّيْءِ الْأَسْوَدِ هُوَ كَاللَّيْلِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَلِهٰذَا جَاءَ الْمَعْنَى ضَعِيفًا إِذْ قَالَ: [ الطَّوِيلُ ] على بَابِ تَسْتَرٍ وَاللَّيْلُ لاحِ جَوَانِبُهُ مِنْ ظُلْمَةٍ بِسَوَادِ. وَانْتَهَى إِلَى الْقَوْلِ: «إِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ضَرْبًا مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَةِ لِلشَّيْءِ، وَالْقَصْدُ إِلَى إِيهَامٍ فِي النَّاقِصِ إِلَى نَاقِصٍ آخَرَ كَزِيَادَةٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْجَمْعِ عَلَى الشَّبَهِ فِي مُطْلَقِ الصُّورَةِ وَالشَّكْلِ وَاللَّوْنِ، فَجَمَعَ الْفَرْعَ وَالْأَصْلَ بَيْنَ وَصْفَيْنِ عَلَى وَجْهٍ وُجِدَ الْفَرْعُ عَلَى حَدِّهِ وَقَرِيبًا مِنْهُ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْعَكْسَ يَسْتَقِيمُ فِي التَّشْبِيهِ، وَمَا أُرِيدَ شَيْءٌ مِنْ ذٰلِكَ لَمْ يَسْتَقِمْ». وَمِثْلُ النَّوْعَيْنِ تَشْبِيهُ الْفَلَكِ، فَقَالَ: [ التَّخْفِيفُ ] وَكَأَنَّ النُّجُومَ بَيْنَ دُجَاهَا سُفُنٌ لاَحَ بَيْنَهُنَّ ابْتِدَاعُ. فَهٰذَا الْبَيْتُ يَحْتَاجُ إِلَى فَضْلِ تَأَمُّلٍ وَبَعْدِ نَظَرٍ.
- تَشْبِيهُ الْمَعْنَى بِالصُّورَةِ
الصُّورَةُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ صَوَّرَ يَصُورُ، وَتَصْوِيرُ الشَّيْءِ: تَرْكِيبُ صُورَتِهِ وَتَشْكِيلُهَا. عَرَّفَ ابْنُ الْأَثِيرِ تَشْبِيهَ الْمَعْنَى بِالصُّورَةِ فِي كِتَابِهِ «جَوْهَرِ الْكَلِمِ»، فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يُشَبَّهَ الْمَعْنَى بِالصُّورَةِ»، ثُمَّ قَالَ: «وَمِثَالُ ذٰلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾(١)، فَشَبَّهَ أَعْمَالَهُمْ وَهِيَ مَعَانٍ بِالصُّورَةِ وَهِيَ السَّرَابُ، وَهٰذَا هُوَ تَشْبِيهُ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ مُفَصَّلًا.
- تَشْبِيهُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى
عَرَّفَ ابْنُ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ تَشْبِيهَ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى فِي كِتَابِهِ «جَوْهَرِ الْكَلِمِ»، فَقَالَ: «وَأَمَّا تَشْبِيهُ مَعْنًى بِمَعْنًى فَكَقَوْلِكَ: زَيْدٌ أَسَدٌ؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُ الشَّجَاعَةِ الَّتِي هِيَ مَعْنًى فِي زَيْدٍ بِالشَّجَاعَةِ الَّتِي هِيَ مَعْنًى فِي الْأَسَدِ». وَعَرَّفَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْمَثَلِ السَّائِرِ»، فَقَالَ: «إِذَا شُبِّهَتْ صُورَةٌ بِصُورَةٍ هِيَ أَحْسَنُ مِنْهَا كَانَ ذٰلِكَ شَيْئًا فِي النَّفْسِ، خَيَالًا حَسَنًا يَدْعُو إِلَى الرَّغْبَةِ فِيهَا أَوِ الإِمْعَانِ»، وَمِثْلُ ذٰلِكَ قَوْلُهُمْ: «زَيْدٌ كَالْأَسَدِ».
- تَشْبِيهُ الْمُفْرَدِ بِالْمُرَكَّبِ
عَرَّفَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ تَشْبِيهَ الْمُفْرَدِ بِالْمُرَكَّبِ فِي كِتَابِهِ «الطِّرَازِ»، فَقَالَ: «اَلضَّرْبُ الثَّالِثُ فِي تَشْبِيهِ الْمُفْرَدِ بِالْمُرَكَّبِ، وَلِنَضْرِبْ لَهُ مَثَلَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَيْهِ. اَلْمِثَالُ الْأَوَّلُ فِي الْمُظْهِرِ الْأَدَاةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ اَلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ اَلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾(١)، فَهٰذِهِ الْأُمُورُ الْمَعْدُودَةُ كُلُّهَا أَسْبَابُ نُورِ اللَّهِ. وَالْمِثَالُ الثَّانِي فِي مَضْمَرِ الْأَدَاةِ، وَهٰذَا كَقَوْلِهِ ﷺ: «اَلْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وَهٰذَا مِنَ التَّشْبِيهِ الَّذِي فَاقَ فِي رَسَانَتِهِ وَرَوْنَقِهِ فِي جَوْدَةِ نَظْمِهِ وَبَلَاغَتِهِ، يَجْعَلُ الْمُؤْمِنِينَ كَالْبِنَاءِ فِي تَرَاصِّهِمْ، وَيُعَبِّرُ عَنْهُمْ بِهٰذِهِ الْعِبَارَةِ الَّتِي تَخْطَفُ لَهَا الْعُيُونُ طَرْفَهَا، وَلَا يَسْتَهِي الْوَصْفُ إِلَيْهَا».
- تَشْبِيهُ الْمُفْرَدِ بِالْمُفْرَدِ
عَرَّفَ التَّشْبِيهَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ إِلَى مُفْرَدٍ وَمُرَكَّبٍ، وَقَالَ: «أَعْنِي بِالْمُفْرَدِ مَا كَانَ التَّشْبِيهُ فِيهِ مَقْصُورًا عَلَى تَشْبِيهِ صُورَةٍ بِصُورَةٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ أَوْ صُورَةٍ بِمَعْنًى، وَيَعْنِي بِالْمُرَكَّبِ مَا كَانَ التَّشْبِيهُ فِيهِ تَشْبِيهًا لِأَمْرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ أُمُورٍ لَا حَصْرَ لَهَا. أَعْنِي أَوْ بِأَكْثَرَ. فَإِذًا هٰذَا التَّقْسِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلَى ضُرُوبٍ أَرْبَعَةٍ. اَلضَّرْبُ الْأَوَّلُ: تَشْبِيهُ الْمُفْرَدِ بِالْمُفْرَدِ، وَهٰذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾(٢)، شَبَّهَ السَّمَاءَ بِالْوَرْدَةِ وَهُوَ الْجِلْدُ الْأَحْمَرُ، وَمِنْ جِيدِ التَّشْبِيهِ وَرَائِقِهِ مَا قَالَهُ الْحَرِيرِيُّ: ﴿ذُلْتِ تَوَاضُعًا وَتَعَلَّمْتِ قَدْرًا فَشَنَّأَتْكِ الْخِيَصَاصُ وَارْتَفَعَتْ، كَذٰلِكَ الشَّمْسُ تَبْعُدُ أَنْ تُسَامَى وَيَذْهُو الضَّوْءُ مِنْهَا وَالشُّعَاعُ﴾.
- التَّشْبِيهُ الْمُفْرَطُ
الْمُفْرَطُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ فَرَطَ يُفْرِطُ فُرُوطًا عَلَيْهِ فِي الْقَوْلِ: أَسْرَفَ وَجَاوَزَ. عَرَّفَ الْمُبَرَّدُ فِي كِتَابِهِ «الْكَامِلِ» التَّشْبِيهَ الْمُفْرَطَ، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ أَحَدِهِمْ يَصِفُ الْجَوَادَ السَّبُوقَ: «هُوَ كَالْبَحْرِ، وَالشُّجَاعِ، وَهُوَ كَالْأَسَدِ»، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ: [الْبَسِيطُ]. خَرْقَاءَ تَلْعَبُ بِالْعُقُولِ مَرَازِبُهَا كَتَلَفِ الأَفْعَالِ بِالأَسْمَاءِ .
- التَّشْبِيهُ الْمَفْرُوقُ
الْمَفْرُوقُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ فَرَقَ يَفْرُقُ الْفَرْقُ؛ وَزَعْهُ وَيَدَهُ. عَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ»، وَقَالَ: «إِنْ تَعَدَّدَ طَرَفَا التَّشْبِيهِ فَإِمَّا مَفْرُوقٌ، وَهُوَ أَنْ يُؤْتَى بِتَشْبِيهِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى حِدَةٍ». وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي: بَثَثْتُ قَمَرًا وَسَالَتْ خُرُوطُ بَيَانٍ وَأَنَاحَتْ عَنْبَرًا وَرِثْتُ غَزَالًا .
- التَّشْبِيهُ الْمُفَصَّلُ
الْمُفَصَّلُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ فَصَلَ يَفْصِلُ الشَّيْءَ؛ قِطْعَةً وَبَيَانَهُ. عَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ»، فَقَالَ: «التَّشْبِيهُ بِاعْتِبَارِ وَجْهِهِ إِمَّا مُفَصَّلٌ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ وَجْهُهُ، وَإِمَّا مُجْمَلٌ، وَهُوَ مَا لَمْ يُذْكَرْ وَجْهُهُ». وَلِمَا مُفَصَّلٍ وَهُمَا ذِكْرُ وَجْهِهِ. وَمِثَالُ ذٰلِكَ قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ: [مَجْزُوءُ الرَّجَزِ] بَا تَشْبِيهِ النَّبَرِ فِي الْعَيْنِ فِي نَبْدِ السُّبَالِ جِذْعُ نَخْلَةٍ تَتَفَجَّرُ الصَّخْرَةُ بِالْمَاءِ الزُّلَالِ . وَقَدْ يُتَسَامَحُ بِذِكْرِ مَا يُسْتَتْبَعُ مَكَانَهُ، فَقَالَ السَّكَاكِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْمِفْتَاحِ»: «اِعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ فِيمَا بَيْنَ أَصْحَابِ عِلْمِ الْبَيَانِ أَنْ يَتَكَلَّفُوا التَّصْرِيحَ بِوَجْهِ التَّشْبِيهِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، بَلْ قَدْ يَذْكُرُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّسَامُحِ مَا إِذَا أَمْعَنْتَ فِي النَّظَرِ لَمْ تَجِدْهُ إِلَّا شَيْئًا مُسْتَتْبِعًا لِمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ فِيهِ الْمَطْلُوبَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تُنَبِّهَ عَلَيْهِ، مِنْ ذٰلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْأَلْفَاظِ إِذَا وُجِدَتْ لَا تَثْقُلُ عَلَى اللِّسَانِ، وَلَا تَتَكَدَّرُ بِتَنَاوُلِ حُرُوفِهَا أَوْ تَكْرَارِهَا، وَلَا تَكُونُ غَرِيبَةً وَحْشِيَّةً تُسْتَنْكَرُ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَأْلُوفَةٍ، وَلَا مَا تُشْبِهُ مَعَانِيهَا، وَتَسْتَلِذُّ النُّفُوسُ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا وَتَنْشَرِحُ عَنْهَا النَّفْسُ، هِيَ كَالسِّلْسَالِ فِي الْحَلَاوَةِ، وَكَالْمَاءِ فِي السَّلَاسَةِ، فَيَذْكُرُونَ الْحَلَاوَةَ وَالسَّلَاسَةَ لِوَجْهِ التَّشْبِيهِ، عَلَى أَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ فِي الْمِثَالِ هُنَاكَ شَيْءٌ غَيْرُهُمَا، وَذٰلِكَ لُزُومُ الْحَلَاوَةِ، وَهُوَ مَيْلُ الطَّبِيعِ إِلَيْهَا».
- التَّشْبِيهُ الْمَقْبُولُ
الْمَقْبُولُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ قَبِلَ يَقْبَلُ قَبُولًا الشَّيْءَ؛ أَخَذَهُ فِيهِ وَلَزِمَهُ. عَرَّفَ الْقَزْوِينِيُّ تَشْبِيهَ الْمَقْبُولِ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ»، فَقَالَ: «وَاعْتِبَارُ الْغَرَضِ يَنْقَسِمُ إِلَى مَقْبُولٍ وَمَرْدُودٍ. فَالْمَقْبُولُ مَا كَانَ عَلَى مُقْتَضَى الْحَالِ مِنْ جِهَةِ وَجْهِ الشَّبَهِ أَوْ بَيَانِ الْمِقْدَارِ. فَإِنِ الطَّرَفَانِ فِي الْغَالِبِ إِنْ تَسَاوَيَا فِي وَجْهِ الشَّبَهِ فِي وَجْهِ الشَّبَهِ كَانَتِ النِّسْبَةُ كَامِلَةً فِي الْقَبُولِ، وَإِلَّا فَكُلَّمَا كَانَ التَّشْبِيهُ أَسْلَمَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْكَمَالِ؛ كَأَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَتَمَّ شَيْءٍ فِي وَجْهِ الشَّبَهِ إِذَا قُصِدَ إِلْحَاقُ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ، أَوْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ مُسَلَّمَ الْحُكْمِ مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي وَجْهِ الشَّبَهِ إِذَا كَانَ الْغَرَضُ إِمْكَانَ الْوُجُودِ». وَقَدْ يُدْرَجُ تَحْتَ هٰذَا النَّوْعِ الْبَلَاغِيِّ أَنْوَاعٌ جَمِيلَةٌ مِنَ التَّشْبِيهِ.
- التَّشْبِيهُ الْمَقْلُوبُ
الْمَقْلُوبُ لُغَةً: مِنْ قَلَبَ يَقْلِبُ الشَّيْءَ؛ حَوَّلَهُ عَنْ وَجْهِهِ أَوْ حَالَتِهِ وَجَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ. عَرَّفَهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ «أَسْرَارِ الْبَلَاغَةِ»، فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يَكُونَ فِي التَّشْبِيهِ مَا يُشْبِهُ قَلْبَ الْأَمْرِ، فَيُجْعَلُ الْمُشَبَّهُ أَشَدَّ فِي الْوَصْفِ مِنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ، أَوْ يُقْصَدَ أَنْ يُلْحَقَ الْمُتَفَاوِتَانِ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّ النَّاقِصَ مِنْهُمَا يَفْضُلُ الزَّائِدَ فِي ذٰلِكَ الْوَصْفِ، لِلدَّلَالَةِ عَلَى بُلُوغِهِ الْغَايَةَ وَتَفْضِيلِهِ عَلَى أَمْثَالِهِ فِيهِ». وَمِثَالُهُ مَا يَذْكُرُهُ الْبُلَغَاءُ فِي تَشْبِيهِ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ أَوْ أَحْوَالِهِ بِمَا هُوَ دُونَهَا، عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ، كَمَا يُرْوَى فِي بَعْضِ الشِّعْرِ مِنْ تَشْبِيهِ حَرَكَةِ الْجَنَاحِ بِحَرَكَةِ الرِّيحِ، ثُمَّ قَلْبِ الْأَمْرِ حَتَّى يُجْعَلَتِ الرِّيحُ هِيَ الْمُتَشَبِّهَةَ بِالْجَنَاحِ. وَقَدْ سَمَّوْا هٰذَا النَّوْعَ أَيْضًا «التَّشْبِيهَ الْمَعْكُوسَ».
- التَّشْبِيهُ الْمَلْفُوفُ
الْمَلْفُوفُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ لَفَّ يَلُفُّ لَفًّا الشَّيْءَ؛ ضَمَّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ وَجَمَعَهُ. عَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ»، فَقَالَ: «وَإِنْ تَعَدَّدَ طَرَفَا التَّشْبِيهِ فَإِمَّا مَلْفُوفٌ، وَهُوَ أَنْ يُؤْتَى أَوَّلًا بِالْمُشَبَّهَاتِ ثُمَّ بِالْمُشَبَّهِ بِهَا، أَوْ بِالْعَكْسِ، عَلَى سَبِيلِ لَفِّ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ»، وَقَدْ يُسَمَّى هٰذَا النَّوْعُ تَشْبِيهَ «الْمَجْمُوعِ»؛ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا لِلْأَطْرَافِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَدَ كُلٌّ مَعَ مَا يُنَاسِبُهُ. بِالتَّشْبِيهَاتِ، ثُمَّ بِالتَّشْبِيهَاتِ بِهَا»، وَمِثْلُ لِذٰلِكَ يَقُولُ امْرُؤُ الْقَيْسِ يَصِفُ عُقَابًا بِكَثْرَةِ اِصْطِيَادِ الطُّيُورِ: [الطَّوِيلُ] كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا لَدَى وَكْرِهَا النَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي فَقَدْ شَبَّهَ الرَّطْبَ الطَّرِيَّ مِنْ قُلُوبِ الطَّيْرِ بِالثَّابِ، وَالْيَابِسَ الْعَفِنَ مِنْهَا بِالْحَشَفِ، وَهُوَ أَرْدَأُ التَّمْرِ الْبَالِي، أَلَيْسَ فِي اِجْتِمَاعِهِمَا هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ يَمْتَازُ بِهَا وَيُقْصَدُ تَشْبِيهُهَا. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ صَاحِبُ «الْمُطَوَّلِ» وَ «الْأَطْوَلِ» وَالسُّيُوطِيُّ مِثْلَهُ.