المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
يقع كتاب المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني ضمن نطاق تخصص علوم اللغة ووثيق الصلة بالفروع الأخرى مثل الشعر، والقواعد النحوية، والصرف، والأدب، والبلاغة، والآداب العربية. تأليف إنعام فوال عكاوي
الجذور
- تَشْبِيهُ صُورَةٍ بِصُورَةٍ
عَرَّفَ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ» هٰذَا الْفَنَّ الْبَلَاغِيَّ فَقَالَ: «إِنَّ التَّشْبِيهَ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: تَشْبِيهُ مَعْنًى بِصُورَةٍ، وَتَشْبِيهُ مَعْنًى بِمَعْنًى، وَتَشْبِيهُ صُورَةٍ بِصُورَةٍ». وَمَثَّلَ لِذٰلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾(١)، فَقَدْ شَبَّهَ صُورَةَ أَجْسَامِ الْفُلْكِ فِي عِظَمِهَا بِالْجِبَالِ، وَكَذٰلِكَ عَرَّفَهُ ابْنُ الأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «جَوَاهِرِ الْكَلِمِ» بِمِثْلِ هٰذَا التَّعْرِيفِ.
- تَشْبِيهُ صُورَةٍ بِمَعْنًى
ذَكَرَ ابْنُ الأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ تَشْبِيهَ صُورَةٍ بِمَعْنًى، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ ﷺ، فِيمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ خَطَّ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَفِي وَسَطِهِ خَطًّا، وَإِلَى جَانِبِهِ خُطُوطًا، ثُمَّ خَطَّ خَطًّا خَارِجًا، وَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا هٰذِهِ الْخُطُوطُ؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ: «الْخَطُّ الْمُرَبَّعُ هُوَ الأَجَلُ، وَالْخَطُّ الَّذِي فِي وَسَطِهِ هُوَ الإِنْسَانُ، وَالْخُطُوطُ الَّتِي حَوْلَهُ الأَعْرَاضُ الَّتِي تَنْهَشُهُ، إِنْ تَرَكَهُ هٰذَا نَهَشَهُ هٰذَا، وَالْخَطُّ الَّذِي هُوَ خَارِجُ الْمُرَبَّعِ هُوَ الأَمَلُ».
- التَّشْبِيهُ الْعَجِيبُ
الْمُعْجِبُ لُغَةً: مِنْ عَجِبَ يَعْجَبُ مِنَ الأَمْرِ لَهُ، أَيْ: اتَّخَذَهُ الْعَجَبُ مِنْهُ، وَإِلَيْهِ، أَيْضًا، أَحَبَّهُ. ذَكَرَ الْمُبَرِّدُ فِي كِتَابِهِ «الْكَامِلِ» التَّشْبِيهَ الْمُعْجِبَ، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ فِي صِفَةِ الظَّلِيمِ: [ الْبَسِيطُ ] شَقَّ الْحَزَازَةَ مِثْلَ السَّيْفِ سَائِرَةً مِنَ المَسَامِيحِ جُذَاذًا شَتَّ شَوْطَ نَجِيبِ ثُمَّ قَالَ السِّبَاكُ فِي هٰذَا الْمَعْنَى: [ الطَّوِيلُ ] فَقَدْتَ مِرَارًا تَحَالَ طُلُوعُهَا مِنَ الْمَسَابِحِ بَيْنَ الْمَسِيحِ الْمُدَوَّرِ. فَقَرَّبَتْ مِرَارًا تَحَالَ طُلُوعُهَا مِنَ الْمَنَاسِيبِ نُقْطَانًا ضُلُوعُهَا.
- تَشْبِيهُ عَشَرَةٍ بِعَشَرَةٍ
ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ وَشَرْحِ «عُقُودِ الْجُمَانِ»: تَشْبِيهَ عَشَرَةِ أَشْيَاءَ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ، وَمَثَّلَ لَهُ. يَقُولُ الْقَائِلُ: [ الْبَسِيطُ ] فَرْعٌ جَبِينٌ مُحَيًّا مَعْطَفٌ كَفَلٌ صَدْغٌ فَمٌ وَجْنَةٌ نَاظِرٌ نَحْرُ ثَغْرٌ هِلَالٌ صَبَاحٌ بَانَةٌ كَعْبٌ أُسٌّ أَقَاحٌ شَفِيعٌ نَرْجِسٌ دُرُّ.
- التَّشْبِيهُ الْقَاصِدُ
قَصَدَ لُغَةً: مِنْ قَصَدَ يَقْصِدُ الرَّجُلَ وَلَهُ، تَوَجَّهَ، وَإِلَيْهِ، اعْتَمَدَهُ. اعْتَمَدَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ التَّشْبِيهِ الْقَاصِدِ فِي كِتَابِهِ «الْكَامِلِ»، وَسَمَّاهُ «الْمُقَارِبَ»، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ ثَابِتٍ: [ الطَّوِيلُ ] وَعَيْنُ أَبِي قَابُوسَ فِي غَيْرِ كَعْبِهِ أَنَاسِيهِ دُورِيٌّ رُبِّي كَأَنَّهُ شِبْلُ فَإِنَّ كَسَائِي سَوَادِيٌّ غَضِبْنَ غَضِيبَةً مِنَ الرَّشْفِ فِي أَنْيَابِهَا السُّمُّ نَافِجُ. يَسْهَدُ مِنْ لَيْلِ التَّشْتَامِ سَلِيمُهَا لِحُلْيِ النِّسَاءِ فِي بَدِيهِ فَعَانِقِ. تَتَأَذَّرُهَا الرَّائِحَاتُ مِنْ سُوءِ سِيمَا فَظِلْفَتُهُ طُورًا وَطُورًا تُرَاجِعِ. فَهٰذِهِ الصِّفَاتُ الَّتِي وَصَفَهَا الشَّاعِرُ تَصَوُّرُ الإِنْسَانِ الْمَحْمُومِ وَالْمَهْمُومِ وَخَوْفِهِ مِنْ عِلَاجِ هٰذِهِ الْحُمَّى الَّتِي لَازَمَ الْفِرَاشَ مِنْ أَجْلِهَا.
- التَّشْبِيهُ الْقَرِيبُ
الْقَرِيبُ لُغَةً: مِنْ قَرُبَ يَقْرُبُ قُرْبًا وَقُرْبَةً، أَدْنَاهُ، وَرَبَّ يَرُبُّ، دَنَا مِنْهُ. تَحَدَّثَ الْمُبَرِّدُ فِي كِتَابِهِ «الْكَامِلِ» عَنِ التَّشْبِيهِ الْقَرِيبِ، وَحَدَّهُ بِقَوْلِهِ: «وَمِنْ حُلُوِّ التَّشْبِيهِ وَقَرِيبِهِ وَصَرِيحِ الْكَلَامِ وَبَلِيغِهِ، التَّشْبِيهُ الْقَرِيبُ». وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: [ الطَّوِيلُ ] وَرَأْسٌ كَأَوْرَاكِ الْمَذَاكِيرِ قِطْعَةٌ وَقَدْ جَعَلَتْهُ الْمُظَلَّمَاتُ الْخَمَامِسُ. وَعَرَّفَ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الإِيجَازِ» التَّشْبِيهَ الْقَرِيبَ، وَقَالَ: «فَالْقَرِيبُ مِثْلُ مَا إِذَا أُحْضِرَ بِالْبَالِ اسْتِدَارَةُ الشَّمْسِ وَاسْتِنَارَتُهَا، وَقَعَتِ الْمَرْأَةُ الْمَحْبُوبَةُ فِي قَلْبِكَ وَعُرِفَتْ أَنَّهَا كُلُّهَا شَبِيهَةٌ بِالشَّمْسِ». وَقَدْ عَدَّهُ الْقَزْوِينِيُّ مِنَ التَّشْبِيهِ الْقَرِيبِ الْمُجْمَلِ، فَقَالَ: «وَالْقَرِيبُ الْمُجْمَلُ هُوَ مَا يُنْقَلُ فِيهِ مِنَ الْمُشَبَّهِ إِلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَدْقِيقِ نَظَرٍ، لِظُهُورِ وَجْهِهِ فِي بَادِي الرَّأْيِ، وَسَبَبُ ظُهُورِهِ أَمْرَانِ: الأَوَّلُ: كَوْنُ الشَّبَهِ أَمْرًا جَلِيًّا، فَإِنَّ الْجُمْلَةَ تَسْتَبِينُ أَبَدًا إِلَى النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ مَعَ حُضُورِ التَّشْبِيهِ. الثَّانِي: كَوْنُهُ قَابِلَ التَّفْصِيلِ مَعَ غَلَبَةِ حُضُورِ التَّشْبِيهِ بِهِ فِي الذِّهْنِ».
- تَشْبِيهُ الْكِتَابَةِ
الْكِتَابَةُ لُغَةً: مِنْ كَتَبَ يَكْتُبُ كِتَابَةَ الشَّيْءِ، عَنْ كَذَا: ذَكَرَهُ دَلِيلًا عَلَى غَيْرِهِ. عَرَفَ الرُّطْرُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ «حَدَائِقِ السِّحْرِ» تَشْبِيهَ الْكِتَابَةِ، فَقَالَ: «تَشْبِيهُ الْكِتَابَةِ»، وَتَكُونُ هٰذِهِ الصِّفَةُ بِأَنْ يُكْنَى عَنِ التَّشْبِيهِ بِلَفْظِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ أَدَوَاتِ التَّشْبِيهِ. وَبَسَطَ هٰذَا الْفَنَّ الْبَلَاغِيَّ الْحَلاَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ» وَالْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «الإِيضَاحِ»، فَقَالَا: «هُوَ أَنْ يُشَبَّهَ شَيْءٌ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ». وَمَثَالُهُ مَا يَقُولُهُ أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي: [ الوَافِرُ ] بَدَتْ قَمَرًا وَمَاسَتْ خُوطَ بَانٍ وَرَشَّتْ غِزْلَ دُرٍّ وَرَدَّتْ غَزَلًا.
- التَّشْبِيهُ الْمُؤَكَّدُ
الْمُؤَكَّدُ لُغَةً: الْقَصْدُ. وَأَكَّدَ الْعَهْدَ أَوِ السَّرْجَ: أَوْثَقَهُ وَشَدَّهُ. عَرَّفَ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ» التَّشْبِيهَ الْمُؤَكَّدَ بِاعْتِبَارِ أَدَاتِهِ، وَقَالَ: «وَبِاعْتِبَارِ أَدَاتِهِ أَيْضًا مُؤَكَّدٌ، وَهُوَ مَا حُذِفَتْ أَدَاتُهُ»، وَقِبَالَهُ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾(١) وَمِنْهُ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ حَفَاجَةَ الأَنْدَلُسِيِّ: [ الْكَامِلُ ] وَالرِّيحُ تَحْمِلُهُنَّ سَوْقًا قَدْ جَرَى ذَهَبُ الأَصِيلِ عَلَى لُجَيْنِ الْمَاءِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ: عِبَارَةٌ عَنْ أَيْدِيهَا أَيْمَاهَا، وَالأَصِيلُ هُوَ الْوَقْتُ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ. يُوصَفُ بِالصُّفْرَةِ، وَيُعَدُّ مِنْ أَطْيَبِ الأَوْقَاتِ كَالسَّحَرِ. وَيُسَمَّى كَذٰلِكَ «تَشْبِيهَ الْكِنَايَةِ».
- التَّشْبِيهُ الْمُتَجَاوِزُ
الْمُتَجَاوِزُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ تَجَاوَزَ عَنْهُ تَغَافَلَ وَعَفَا، وَجَاوَزَ عَنِ الذَّنْبِ: صَفَحَ. عَرَّفَ التَّشْبِيهَ الْمُتَجَاوِزَ الْمُبَرِّدُ فِي كِتَابِهِ «الْكَامِلِ»، وَاعْتَبَرَ قَوْلَ الْخُنَسَاءِ مِنْ هٰذَا الْفَنِّ الْبَلَاغِيِّ: [ الْبَسِيطُ ] وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ وَمِنَ التَّشْبِيهِ الْمُتَجَاوِزِ أَيْضًا قَوْلُ أَبِي الطُّيِّبِ الْمُتَنَبِّي: [ الطَّوِيلُ ] أَضَاءَتْ لَهُمْ أَحْسَابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ دُجَى اللَّيْلِ حَتَّى نَظَمَ الْجَمْرَ فِي الْمَاءِ ثَاقِبُهُ.
- التَّشْبِيهُ الْمُتَخَيَّلُ
الْمُتَخَيَّلُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ تَخَيَّلَ الشَّيْءَ: ظَنَّهُ، وَتَخَيَّلَ إِلَيْهِ وَهْمُهُ أَنَّهُ كَذَا. عَرَّفَ الرَّازِيُّ التَّشْبِيهَ الْمُتَخَيَّلَ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الإِيجَازِ»، فَقَالَ: «الْمَوْجُودُ بِالتَّخَيُّلِ الَّذِي لَا وُجُودَ لَهُ فِي الأَعْيَانِ»، وَمِثَالُهُ تَشْبِيهُ الْبَحْرِ الْمَوَّجِ بِبَحْرِ الْمِسْكِ، مَوْجُهُ الذَّهَبِ.
- التَّشْبِيهُ الْمُتَعَدِّدُ
الْمُتَعَدِّدُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ عَدَّ يَعُدُّ عَدًّا وَتَعْدَادًا الشَّيْءَ: أَحْصَاهُ وَحَسَبَهُ وَجَعَلَهُ ذَا عَدَدٍ. عَرَّفَهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ «أَسْرَارِ الْبَلَاغَةِ» أَثْنَاءَ حَدِيثِهِ عَنِ التَّشْبِيهِ الْمُرَكَّبِ، فَقَالَ: «تَقَدَّمَتْ بَيَانُ الْمُرَكَّبِ مِنَ التَّشْبِيهِ، وَهُنَاكَ مَا يُذْكَرُ مَعَ الَّذِي عَرَفْتَ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ وَيَقْتَرِنُ إِلَيْهِ فِي الْكُتُبِ، وَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا يَسْتَحِقُّ صِفَةَ التَّرْكِيبِ وَلَا يُشَارِكُ الَّذِي مَضَى ذِكْرُهُ فِي الْوَصْفِ الَّذِي كَانَ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا، وَذٰلِكَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مَقْصُودًا فِيهِ تَشْبِيهُ شَيْئَيْنِ بِتَشْبِيهَيْنِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُخِلُّ بِالْآخَرِ فِي النِّسْبَةِ». وَمِثْلُهُ مَا يَقُولُهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْجَعْدُ الْمُقَلَّمُ وَذٰلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ اتِّصَالًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ اجْتِمَاعَهُمَا فِي مَكَانٍ فَقَطْ. فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ التَّشْبِيهِ الْمُرَكَّبِ وَالتَّشْبِيهِ الْمُتَعَدِّدِ أَنَّ الْمُرَكَّبَ لَا تَتَغَيَّرُ أَجْزَاؤُهُ، لِأَنَّ ذٰلِكَ يُؤَدِّي إِلَى تَغْيِيرِ الصُّورَةِ، وَالتَّشْبِيهَ الْمُتَعَدِّدَ يُمْكِنُ تَغْيِيرُ أَجْزَائِهِ، لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِلصُّوَرِ وَلَيْسَ دَالًّا عَلَيْهَا.
- التَّشْبِيهُ الْمُجْمَلُ
الْمُجْمَلُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ جَمَلَ يَجْمُلُ جَمْلًا الشَّيْءَ: جَمَعَهُ، أَوْ ذَكَرَهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ. عَرَّفَ الْقَزْوِينِيُّ تَشْبِيهَ الْمُجْمَلِ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ»، فَقَالَ: «وَالتَّشْبِيهُ إِذَا مُجْمَلٌ، وَهُوَ مَا لَمْ يُذْكَرْ وَجْهُهُ، فَمِنْهُ ظَاهِرٌ يَشْمَلُ كُلَّ أَحَدٍ نَحْوَ: زَيْدٌ أَسَدٌ، وَمِنْهُ خَفِيٌّ لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الْخَوَاصُّ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: «هُمْ كَالْخِلَافَةِ الْمُغْفَلَةِ، لَا يُدْرَى أَيُّ طَرَفَيْهَا أَعْلَى»؛ أَيْ هُمْ مُتَنَاسِبُونَ فِي الشَّرَفِ، كَمَا أَنَّهَا مُتَنَاسِبَةُ الْأَجْزَاءِ فِي الصُّورَةِ، فَوُضِعَتْ تَمَامًا تَمَامًا طَرَفَيْهَا، وَوُضِعَ وَسَطُهَا لَكِنَّهَا مُفَرَّغَةٌ مُصْمَتَةُ الْجَوَانِبِ كَالدِّنَارَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ يَمْدَحُ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ: [ الْبَسِيطُ ] صَدَفْتَ عَنْهُ وَلَمْ تَصْفِ الْمَوَاهِبُ مِنْ عَطْفٍ، وَعَوَّدْتَ قَلْبِي الْيَأْسَ وَالتَّعَبَا كَالْغَيْثِ إِنْ جِئْتَهُ يَوْمًا لِتَسْأَلَهُ أَفَاضَ رِزْقًا، وَإِنْ تَرْحَلْ فَلَنْ يَحْرِمَا. فَالشَّاعِرُ فِي وَصْفِ الْمَمْدُوحِ يَقُولُ: إِنَّ عَطَايَاهُ فَائِضَةٌ عَلَيْهِ، أَعْرَضَ أَوْ لَمْ يُعْرِضْ، كَالْغَيْثِ فَإِنَّهُ يُمْسِكُ أَوْ تَرْتَحِلْ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ دَلَالَةُ ذٰلِكَ عَلَى وَجْهِ الشَّبَهِ، أَعْنِي الإِضَافَةَ فِي جَانِبَيِ الطَّلَبِ وَعَدَمِهِ، وَحَالَتَيِ الإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَالإِعْرَاضِ عَنْهُ. وَكَذٰلِكَ قَوْلُهُ «رِقَّةً»؛ مَعْنَاهُ أَوَّلُهُ وَأَحْسَنُهُ، يُقَالُ: فِعْلُهُ فِي رِوْقِ شَبَابِهِ وَرِقَّتِهِ: أَوَّلُهُ، وَرِيقُ كُلِّ شَيْءٍ: أَفْضَلُهُ.
- تَشْبِيهُ الْمَحْسُوسِ بِالْمَحْسُوسِ
الْمَحْسُوسُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ حَسَّ يَحِسُّ الشَّيْءَ، وَالْبَرْدَ يُبْرِدُهُ: أَحَسَّ بِهِ، وَأَحَسَّ الشَّيْءَ: عَلِمَهُ. وَقَدْ عَرَّفَ تَشْبِيهَ الْمَحْسُوسِ بِالْمَحْسُوسِ، أَيْ أَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ حِسِّيَّيْنِ، أَيْ مُدْرَكَانِ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، كُلٌّ مِنَ الْحَلَبِيِّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ» وَالْقَزْوِينِيِّ فِي كِتَابِهِ «الإِيضَاحِ» وَ«التَّلْخِيصِ»، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ عَنْ هٰذَا الْفَصْلِ فِي طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ، وَفِي التَّشْبِيهِ الْحِسِّيِّ.
- تَشْبِيهُ الْمَحْسُوسِ بِالْمَعْقُولِ
الْمَعْقُولُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ عَقَلَ عَقْلًا الشَّيْءَ: فَهِمَهُ وَدَرَكَهُ، وَيُقَالُ: مَا فَعَلْتُ مُنْذُ عَقَلْتُ: أَيْ مُنْذُ أَدْرَكْتُ. عُرِّفَ تَشْبِيهُ الْمَحْسُوسِ بِالْمَعْقُولِ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الإِرَبِ»، وَالْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ»، وَابْنُ حَجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «خِزَانَةِ الأَدَبِ»، وَالرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الإِيجَازِ»، وَابْنُ وَهْبٍ الْكَاتِبِ فِي كِتَابِهِ «الْبُرْهَانِ فِي وُجُوهِ الْبَيَانِ»، وَهٰذَا النَّوْعُ هُوَ تَشْبِيهُ مَا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ بِمَا لَا يُدْرَكُ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ ضِمْنَ طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ، وَفِي التَّشْبِيهِ الْعَقْلِيِّ.
- التَّشْبِيهُ الْمَحْمُودُ
الْمَحْمُودُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ حَمِدَ يَحْمَدُ الشَّيْءَ: وَجَدَهُ حَمِيدًا، وَحَمِدَ أَمْرًا، وَحَمِدَهُ: شَكَرَهُ. ذَكَرَ التَّشْبِيهَ الْمَحْمُودَ الْمُبَرِّدُ فِي كِتَابِهِ «الْكَامِلِ» وَاعْتَبَرَهُ مِنَ التَّشْبِيهِ الْحَسَنِ، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: [ الْوَافِرُ ] طَلِيقُ اللَّهِ لَمْ يُبْخَسْ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ أَبِي كَبِيرِ وَلَا الْحَجَّاجُ عِنْدِي بِنْتُ مَسَاءٍ تَقْلِبُ طَرْفَهَا حَذَرَ الصُّقُورِ. وَهٰذَا التَّشْبِيهُ غَايَةٌ فِي الِاخْتِصَالِ وَالْبَيَانِ.
- التَّشْبِيهُ الْمُخْتَصَرُ
الْمُخْتَصَرُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ اخْتَصَرَ الْكَلَامَ: أَجْزَأَهُ بِحَذْفِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَالطَّرِيقَ: سَلَكَ أَقْرَبَهُ. عَرَّفَ الْمُبَرِّدُ فِي كِتَابِهِ «الْكَامِلِ» التَّشْبِيهَ الْمُخْتَصَرَ فَقَالَ: «وَالْعَرَبُ تَخْتَصِرُ فِي التَّشْبِيهِ وَرُبَّمَا أَوْمَأْتَ بِهِ إِيمَاءً، وَمَثَّلَ لِهٰذَا الْفَنِّ يَقُولُ أَحَدُ الرُّجَّازِ: [ الرَّجَزُ ] يُثْنِي حَسَّانُ وَمِعْدِلُهُ تَسْقُطُ مَا زِلْتُ أُسَمَّى بَيْنَهُمْ وَاللَّفْظُ حَتَّى إِذَا كَانَ السَّلَامُ يَخْتَلِطُ جَاؤُوا يَمْذُقْ فِيهِ رَائِطُ النَّبْتِ نَفْطُ. يَقُولُ: فِي لَوْنِ الذَّهَبِ وَاللَّبَنِ، وَاللَّبَنُ إِذَا جُهِدَ وَخُلِطَ بِالْمَاءِ ضَرَبَ إِلَى الْبَيَاضِ.
- التَّشْبِيهُ الْمَرْدُودُ
الْمَرْدُودُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ رَدَّ يَرُدُّ رَدًّا فِي الأَمْرِ؛ أَيْ اشْتَبَهَ فِيهِ فَلَمْ يَثْبُتْ، وَرَدَّهُ عَنْ كَذَا: أَرْجَعَهُ. عَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «الإِيضَاحِ» وَ«التَّلْخِيصِ»، وَكَذٰلِكَ فِي «شَرْحِ التَّلْخِيصِ» وَصَاحِبُ «الْمِطْوَلِ وَالأَطْوَلِ»، فَقَالُوا: هُوَ التَّشْبِيهُ النَّاقِصُ عَنِ الْغَرَضِ، أَوْ مَرْدُودُ الْحُكْمِ فِيهِ عِنْدَ الْمُحَكَّمِ أَوْ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِمْكَانِ، أَيْ مَا حُذِفَتْ أَدَاتُهُ، فَصَارَ التَّشْبِيهُ قَاصِرًا، الْمُسْتَعْمَلُ مِنْهُ حَذْفُ الأَدَاةِ الْمُعَبَّرُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ عَنْ إِفَادَةِ الْغَرَضِ كَوْنُ الشَّاعِرِ: [ الْمُنْسَرِحُ ] بَا تَخْبُرُ مِنْ تَرْكَبِ السَّيْفِ وَلَا يَضْرِبْ كَأْسًا يُكَسِّرْ مِنْ جَبَلَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّشْبِيهُ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِجَبَلٍ، وَلَا يُسَمَّى تَشْبِيهًا أَيْضًا لأَنَّ الْمَشْبَهَ لَمْ يُجْعَلْ بَيْنَ لَفَظَتَيْ التَّشْبِيهِ، إِلَّا أَنَّ السَّكَاكِيَّ فِي كِتَابِهِ «الْمِفْتَاحِ» عَدَّهُ مِنْ هٰذَا التَّشْبِيهِ، فَالتَّشْبِيهُ الْمَقْبُولُ هُوَ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ فِي الْمَحَبَّةِ، أَوِ الْمِسَاكِ، أَعْرِفُ الأَشْيَاءَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي السُّؤالِ إِلاَّ كَوْنُهُ رَدًّا لَهُ إِلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ هٰذِهِ الدَّرَجَةِ عُدَّ مِنْ ذٰلِكَ. وَفِي هٰذَا اللَّوْنِ الْأَدَبِيِّ مِنَ التَّشْبِيهِ الْمَرْدُودِ ذَكَرَ السُّبْطِيُّ فِي كِتَابِهِ «شَرْحِ عُقُودِ الْجُمَانِ» قَوْلَ عَبْدِ الْبَاقِي الْيَمَانِيِّ: «اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ الْغَرَضَ مُصَرَّحًا بِهِ»، وَمِثْلُ ذٰلِكَ يَقُولُ الْقَائِلُ: [ السَّرِيعُ ] أُشَبِّهُ السَّمْكَ وَالشَّبَهْ فِي تَوْبِهِ قَائِمَةٍ قَاعِدَهْ لَا شَكَّ إِذْ تُرْكِبْهُمَا وَاحِدًا أَنَّهُمَا مِنْ طَبْعَةٍ وَاحِدَهْ قَصَدَ الشَّاعِرُ هُنَا ذِكْرَ اللَّوْنِ، لأَنَّ سَمْكَهُ أَسْوَدُ، وَبَيْنَ التَّشْبِيهِ بَيْنَهُمَا بِاللَّوْنِ وَرُكُوبِهِمَا مِنْ طَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ.
- التَّشْبِيهُ الْمُرْسَلُ
الْمُرْسَلُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ رَسَلَ يُرْسِلُ رَسْلًا رِسَالَةً الْقَوْلَ: لَمْ يُقَيِّدْهُ، وَفِي الْكَلَامِ: اتَّسَعَ. وانْبَسَطَ، عَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ» وَشُرَّاحُهُ، كَمَا عَرَّفَهُ صَاحِبُ «الْمَطْوَلِ» وَصَاحِبُ «الْأَطْوَلِ» وَالسُّيُوطِيُّ فِي كُتُبِهِ «مُعْتَرَكِ الْأَقْرَانِ» وَ«الْإِتْقَانِ» وَشَرْحِ عُقُودِ الْجُمَانِ: أَنَّ التَّشْبِيهَ الْمُرْسَلَ هُوَ مَا ذُكِرَ أَدَاتُهُ، وَصَارَ مُرْسَلًا مِنَ الْقُيُودِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ حَذْفِ الْأَدَاةِ، فَيُنْظَرُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمُشَبَّهَ هُوَ الْمُشَبَّهُ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْبَيْرُونِيِّ: [ الطَّوِيلُ ] لَيَالِيهِ أَسْهَرْنَ فِيهِ فَوَاجِرٌ كَمَا خَضَبَتْ، وَالشَّمْسُ تَغْسِلُ آصَالَا فِيهِ الْبَيْرُونِيُّ يُلِي مَسْبُوحَهُ بِالْأَشْعَارِ الْمَحْفُوظَةِ فِي ذِكْرِهِ لِأَرْكَانِ التَّشْبِيهِ فِي الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ وَأَدَاةِ التَّشْبِيهِ وَوَجْهِ الشَّبَهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾(١).
- التَّشْبِيهُ الْمُرَكَّبُ
الْمُرَكَّبُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ رَكِبَ يَرْكَبُ، وَرَكَّبَ الشَّيْءَ: وَضَعَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ. عَرَفَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ «أَسْرَارِ الْبَلَاغَةِ» التَّشْبِيهَ الْمُرَكَّبَ فَقَالَ: «هُوَ التَّشْبِيهُ الَّذِي يُنْتَزَعُ فِيهِ الْمُشَبَّهُ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ، وَيَكُونُ مُرَكَّبًا مِنْ شَيْئَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَيَكُونُ مُرَكَّبًا مِنْ غَيْرِ مَا يَجِيءُ غَيْرَ تَرْكِيبٍ»، وَهُوَ غَيْرُ التَّشْبِيهِ الْمُفْرَدِ الَّذِي يَكُونُ جَمْعًا لِلصُّوَرِ التَّشْبِيهِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَرْكِيبٍ. وَقَدْ رَجَّحْنَا الْقَوْلَ فِيهِ بِكَوْنِ الصُّوَرِ التَّشْبِيهِيَّةِ فِيهِ تَرْكِيبًا. وَكَذٰلِكَ عَرَّفَهُ السَّجْعَمَاسِيُّ فَقَالَ: «التَّشْبِيهُ الْمُرَكَّبُ هُوَ الَّذِي يُشَبَّهُ فِيهِ شَيْئَانِ بِشَيْئَيْنِ، وَذَاتَانِ بِذَاتَيْنِ». وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْمُعْتَزِّ: [ الْوَافِرُ ] كَأَنَّهُ، وَكَأْسُهُ فِي فَمِهِ، هِلَالُ أَوَّلِ شَهْرٍ غَابَ فِي شَفَقِ لَمْ يَقْصِدْ أَنْ يُشَبِّهَ الْكَأْسَ عَلَى الِانْفِرَادِ بِالْهِلَالِ، وَالشَّفَةَ بِالشَّفَقِ، بَلْ أَرَادَ أَنْ يُشَبِّهَ مَجْمُوعَ الصُّورَتَيْنِ عَلَى التَّرْكِيبِ، وَالتَّشْبِيهُ هُنَا فِي كَوْنِ الْكَلَامِ مَعْقُودًا عَلَى تَشْبِيهِ شَيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَنْفَصِلُ عَنِ الْآخَرِ فِي الشَّبَهِ، كَمَا عَرَّفَهُ الْجُرْجَانِيُّ. وَقَدْ عَرَّفَهُ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ فِي كِتَابِهِ «أَنْوَارِ الرَّبِيعِ» فَقَالَ: «وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْبَدِيعِيِّينَ تَشْبِيهُ شَيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ طَرَفَيْهِ»، وَقَدْ فَصَّلَ الْقَوْلَ فِي هٰذَا فِيمَا تَقَدَّمَ. (١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٧).
- تَشْبِيهُ الْمُرَكَّبِ بِالْمُفْرَدِ
عَرَّفَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «الطِّرَازِ» تَشْبِيهَ الْمُرَكَّبِ بِالْمُفْرَدِ، فَقَالَ: وَمَا هٰذِهِ حَالَةٌ فَهُوَ عَلَى التَّذْكِيرِ وَالإِغْفَاءِ، وَإِمَّا كَانَ الأَمْرُ فِيهِ كَمَا قُلْنَا مِنْ قَبْلُ لِأَنَّهُ لَا يُبَالَى فِي تَشْبِيهِ الأَشْيَاءِ الْمُتَعَدِّدَةِ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، فَلَا جَرَمَ كَانَ قَلِيلَ الِاسْتِعْمَالِ. ثُمَّ هُوَ فِي قِلَّةِ جَرْيِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الأَوَّلُ: تَشْبِيهُ شَيْئَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ فِي أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَمِثَالُهُ مَا قَالَهُ أَبُو تَمَّامٍ فِي وَصْفِ الرَّبِيعِ: [ الْكَامِلُ ] يَا صَاحِبَيَّ تَقَفَّا نَظَرَيْكُمَا تَرَيَا وَجْهَ الأَرْضِ كَيْفَ تَصَوَّرُ تَرَيَا نَهَارًا مُشْمِسًا قَدْ شَابَهَ زَهْرُ الرُّبَى نُقَطًا هُوَ مُقَمَّرُ فَشَبَّهَ النَّهَارَ الْمُشْمِسَ مَعَ الزَّهْرِ الأَبْيَضِ، وَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْبَيَاضِ وَالْحُسْنِ، بِضَوْءِ الْقَمَرِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ بَالِغٌ مُرَكَّبٌ بِمُفْرَدٍ يَقْضِي مِنْهُ التَّعَجُّبَ، وَمِثَالٌ فِي نَظْمِهِ وَصَفَائِهِ كَإِكْسِيرِ الذَّهَبِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَشْبِيهُ شَيْئَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا جَامِعٌ وَلَا رَابِطَةٌ تَشْمَلُهُمَا، وَمِثَالُهُ يَقُولُ أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي: [ الْمُنْسَرِحُ ] تُشَبَّهُ أَعْرَاضُهُمْ وَأَلْوَانُهُمْ كَأَنَّهَا فِي نُحُورِهِمْ نُجُومُ فَفِي إِشْرَاقِ الأَعْرَاضِ وَالْوُجُوهِ بِإِشْرَاقِ الدُّرِّ، وَهِيَ الْخَلَائِقُ الطَّيِّبَةُ، فَإِشْرَاقُ الْوُجُوهِ بِيَانُهَا، وَإِشْرَاقُ الأَعْرَاضِ بِشَرَفِهَا وَطِيبِهَا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا جَامِعٌ، فَالشَّبَهُ هُوَ الأَعْرَاضُ، وَالْوَجْهُ مُرَكَّبٌ، وَالْمُشَبَّهُ بِهِ «شَيْءٌ» وَهُوَ مُفْرَدٌ.