المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
يقع كتاب المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني ضمن نطاق تخصص علوم اللغة ووثيق الصلة بالفروع الأخرى مثل الشعر، والقواعد النحوية، والصرف، والأدب، والبلاغة، والآداب العربية. تأليف إنعام فوال عكاوي
الجذور
- التَّشْبِيهُ التَّمْثِيلِيُّ
اعْتَبَرَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ التَّشْبِيهَ التَّمْثِيلِيَّ الَّذِي لَا يَأْتِي إِلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيلِ، كَقَوْلِ الْقَاضِي التَّنُوخِيِّ: [الْخَفِيفُ] وَكَأَنَّ النُّجُومَ بَيْنَ دُجَاهَا سُنَنٌ لَاحَ بَيْنَهُنَّ انْتِزَاعُ وَهٰذَا الْبَيْتُ يُمَثِّلُ التَّشْبِيهَ الْمَحْسُوسَ بِالْمَعْقُولِ. وَهٰذَا مَا عَرَفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّ الْعُلُومَ الْعَقْلِيَّةَ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ الْحَوَاسِّ، وَمُهَيَّأَةٌ إِلَيْهَا، وَلِذٰلِكَ قِيلَ: «مَنْ فَقَدَ حِسًّا فَقَدْ فَقَدَ عِلْمًا»، وَتَابَعَ قَوْلَهُ فِي «نِهَايَةِ الْإِيجَازِ»: «فَإِذَا كَانَ الْمَحْسُوسُ أَصْلًا لِلْمَعْقُولِ فَتَشْبِيهُهُ بِهِ يَكُونُ جَمِيلًا لِلْفَرْعِ أَصْلًا، وَلِلْأَصْلِ فَرْعًا، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ»، وَلِذٰلِكَ لَوْ حَاوَلَ مُحَاوِلٌ الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِ الشَّمْسِ بِالظُّهُورِ وَالْمِسْكِ بِاللَّطَافَةِ، فَقَالَ: «الشَّمْسُ كَالْحُجَّةِ فِي الظُّهُورِ» وَ «الْمِسْكُ كَأَخْلَاقِ فُلَانٍ فِي الطِّيبِ»، كَانَ سَخِيفًا فِي الْقَوْلِ.
- تَشْبِيهُ النُّسْبَةِ
تَشْبِيهُ النُّسْبَةِ كَمَا عَرَفَهُ الرَّشِيدُ الْوُطْوَاطُ فِي كِتَابِهِ «حَدَائِقِ السِّحْرِ»، فَقَالَ: «تَشْبِيهُ النُّسْبَةِ»، وَتَكُونُ هٰذِهِ الصِّفَةُ بِأَنْ يَأْخُذَ الشَّاعِرُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، وَصِفَةً مِنْ صِفَاتِ مَقْصُودِهِ، وَيُشَبِّهَ الِاثْنَيْنِ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُمَا مِنْ قَبِيلٍ وَاحِدٍ، وَمِثْلُهُ يَقُولُ: [مَجْزُوءُ الْمُجْتَثِّ] صَدْغُ الْحَبِيبِ وَخَالِي كِلَاهُمَا كَالْأَنَابِيبِ تَثَنَّيَا فِي صَفَاءِ وَدَمْعِي كَاللَّآلِئِ وَقَرِيبٌ مِنْ هٰذَا تَعْرِيفُ الْحَلَبِيِّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ» وَتَعْرِيفُ الثُّعَالِبِيِّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الْأَرَبِ» إِذْ قَالَا: «هُوَ أَنْ يَأْخُذَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ نَفْسِهِ وَصِفَةً مِنَ الصِّفَاتِ الْمَقْصُودَةِ، وَيُشَبِّهَهُمَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ». وَهٰذَا هُوَ عَيْنُ تَعْرِيفِ جِرْمَانُوسِ فَرْحَاتَ فِي كِتَابِهِ «بُلُوغِ الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ»، فَقَالَ: «وَسَمَّى تَشْبِيهَ النُّسْبَةِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئَيْنِ فَيُشَبِّهَهُمَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ»، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ الرَّشِيدِ الْوُطْوَاطِ: [مَجْزُوءُ الْمُجْتَثِّ] صَدْغُ الْحَبِيبِ وَخَالِي كِلَاهُمَا كَالْأَنَابِيبِ تَثَنَّيَا فِي صَفَاءِ وَدَمْعِي كَاللَّآلِئِ
- تَشْبِيهُ التَّفْضِيلِ
عَرَفَ الرَّشِيدُ الْوُطْوَاطُ هٰذَا الْفَنَّ فَقَالَ: «تَشْبِيهُ التَّفْضِيلِ»، وَتَكُونُ هٰذِهِ الصِّفَةُ بِأَنْ يُشَبِّهَ الشَّاعِرُ شَيْئًا بِشَيْءٍ آخَرَ ثُمَّ يَعُودُ فَيُفَضِّلُ الْمُشَبَّهَ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ»، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [الطَّوِيلُ] حَسِبْتُ جَمَالَكِ بَدْرًا مُطِيعًا وَأَيْنَ الْبَدْرُ مِنْ ذَاكَ الْجَمَالِ؟ وَيُبَيِّنُ هٰذَا التَّعْرِيفَ وَتَعْرِيفَ الْحَلَبِيِّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ»، وَتَعْرِيفَ الثُّعَالِبِيِّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الْأَرَبِ»، فَقَالَا: «هُوَ أَنْ تُشَبِّهَ شَيْئًا بِشَيْءٍ ثُمَّ تُرَجِّحَ تَفْضِيلَ الْمُشَبَّهِ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ». وَقَالَ مِثْلَهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ فِي كِتَابِهِ «بُلُوغُ الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ». وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ هِنْدٍ: [الْمَنْسَرِحُ] مَنْ قَاسَ جِيدَكِ بِالْغَمَامِ فَقَدْ أَنْصَفَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ هَذَيْنِ حُسْنَيْنِ أَنْتِ إِذَا جِئْتِ صَبَاحًا أَبَدًا وَهْوَ إِذَا جَاءَ أَضَاءَ الْعَيْنَيْنِ التَّشْبِيهُ التَّمْثِيلِيُّ عَدَّهُ الرَّشِيدُ الْوُطْوَاطُ التَّمْثِيلَ، وَهُوَ عِنْدَهُ التَّشْبِيهُ، وَفَصَّلَ الْقَوْلَ فِيهِ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنِ التَّمْثِيلِ، وَمَثَّلَ لِهٰذَا الْفَنِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «۞ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ»(١)، وَتَحَدَّثَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، فَقَالَ: «وَمَجَازُ الْآيَةِ مَجَازُ التَّمْثِيلِ، لِأَنَّ مَا بُنِيَ عَلَى التَّنْظِيرِ أُثْبِتَ أَسَاسًا مِنَ الِابْتِنَاءِ الَّذِي يُبْنَى عَلَى الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، فَهُوَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ، وَهُوَ مَا يَحْفِرُهُ مِنْ سُيُولِ الْأَوْدِيَةِ فَلَا يَثْبُتُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ». بَيْنَمَا قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ، يَرَى عَلَى عَكْسِ مَا رَآهُ الرَّشِيدُ الْوُطْوَاطُ، إِذْ عَدَّ التَّمْثِيلَ مُخَالِفًا لِلتَّشْبِيهِ، وَقَدْ أَدْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ «نَقْدِ الشِّعْرِ» ضِمْنَ نَوْعِ «ائْتِلَافِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى»، فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يُرِيدَ الشَّاعِرُ إِشَارَةً إِلَى مَعْنًى، فَيُفِيضَ كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى آخَرَ، وَذٰلِكَ الْمَعْنَى الْآخَرُ وَالْكَلَامُ مِثَالَانِ لِمَا أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ». وَمَثَّلَ لِهٰذَا الْفَنِّ يَقُولُ بَعْضُ بَنِي كِلَابٍ: [الطَّوِيلُ] دَعِ الشَّرَّ ... وَلَكِنْ إِذَا مَا الشَّرُّ ... فَقَوْلُهُ «دَعِ الشَّرَّ»، وَمَا بَعْدَهُ، أَكْثَرُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فِي هٰذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ جَارٍ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وَقَدْ جَازَ أَنْ يُقَالَ مَكَانَ مَا قِيلَ فِيهِ: «دَعِ الشَّرَّ»، فَإِذَا نُقِّبَ فِيهِ مَعَانٍ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ لِذٰلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ مِنَ الْكَلَامِ الشِّعْرِيِّ وَالتَّمْثِيلِ الظَّرِيفِ إِلَى قَوْلِ الْكَلَامِ، وَبِعْدَهَا أَضَافَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ، فَقَالَ: «وَالتَّمْثِيلُ أَنْ يُرَادَ الْإِشَارَةُ إِلَى مَعْنًى، فَتُوضَعَ الْأَلْفَاظُ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى آخَرَ، وَذٰلِكَ الْمَعْنَى تِلْكَ الْأَلْفَاظُ مِثَالٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي يُرَادُ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ وَالْعِبَارَةِ عَنْهُ». وَمِنْهُ قَوْلُ رَجُلٍ بَدَوِيٍّ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنِ الْمَسَافَةِ مَا بَيْنَ تَمُرٍ وَأَرَاكَ، فَقَالَ: «إِذَا خَرَجْتَ سُرَّاحًا تَلَاقَيْتَ»، يُعَبِّرُ عَنْ قُرْبِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَبْلَغِهَا فِي تَمْثِيلِ بُعْدِ الطَّرِيقِ. وَقَدْ سَمَّاهُ الْفَرُّوزَابَادِيُّ «الْمَجَازَ الْمُرَكَّبَ»، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ فَهُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا شُبِّهَ بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ تَشْبِيهَ التَّمْثِيلِ لِلْمَبَالَغَةِ»، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مِقْبَلٍ: [الطَّوِيلُ] أَلَمْ أَنْتَ بُنْيَ ... جَمِعْتَنِي فَلَا تَتَّهِمَنِّي ... فِي شِمَالِكَ (١) سُورَةُ النُّورِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٠). قَصَدَ الشَّاعِرُ: كِدْتُ عِنْدَكَ مُكْرَمًا فَلَا تَجْعَلْنِي مُهَانًا، وَخَصَّ الْيَمِينُ لِيَكُونَ أَعْلَى وَأَفْخَمَ لِلتَّمْثِيلِ، لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْيَدَيْنِ وَأَقْوَمُهُمَا وَأَقْوَاهُمَا وَلَا يَلْتَفِتُ لِلْأُخْرَى عَنْهَا. وَعَرَّفَ ابْنُ سِنَانَ التَّشْبِيهَ التَّخْيِيلِيَّ كَمَا عَرَفَهُ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرَ، وَكَذٰلِكَ قَلَّدَهُمَا ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ، إِلَّا أَنَّ أَبَا هِلَالٍ الْعَسْكَرِيَّ سَمَّى التَّشْبِيهَ التَّمْثِيلِيَّ «بِالْمُمَاثَلَةِ»، وَكَذٰلِكَ الْقَفَّالَانِيُّ عَرَّفَ التَّشْبِيهَ التَّمْثِيلِيَّ، فَقَالَ: «وَمَا يَعُدُّونَهُ مِنَ الْبَدِيعِ الْمُمَاثَلَةُ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِعَارَةِ سَمَّاهُ قُدَامَةُ التَّمْثِيلَ»، وَقَدْ عَدَّ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ التَّشْبِيهَ التَّخْيِيلِيَّ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ الِاسْتِعَارَةِ أَيْضًا، وَهِيَ الْمُمَاثَلَةُ، فَقَالَ: «وَالتَّمْثِيلُ وَالِاسْتِعَارَةُ مِنَ التَّشْبِيهِ، إِلَّا أَنَّهُمَا بِخَبَرِ أَدَاتِهِ وَعَلَى غَيْرِ أَسْلُوبِهِ». وَعَرَّفَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ التَّشْبِيهَ التَّمْثِيلِيَّ، فَقَالَ: «كُلُّ تَشْبِيهٍ يَكُونُ الْوَجْهُ فِيهِ حَسَنًا مُفْرَدًا، أَوْ مُرَكَّبًا، أَوْ كَانَ مِنَ الْأَجْزَاءِ وَالطِّبَاعِ الْعَقْلِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ غَيْرُ تَمْثِيلِيٍّ»، وَكُلُّ تَشْبِيهٍ كَانَ وَجْهُ الشَّبَهِ فِيهِ عَقْلِيًّا أَوْ مُرَكَّبًا غَيْرَ حَقِيقِيٍّ وَمُحْتَاجًا فِي تَحْصِيلِهِ إِلَى تَأْوِيلٍ، فَهُوَ «تَشْبِيهٌ تَمْثِيلِيٌّ» كَقَوْلِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ: [مَجْزُوءُ الْكَامِلِ] اِصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الْجَفَا دَامَتْ صَبَابَتُكَ الْقَلْبَا فَالنَّارُ تَأْكُلُ نَفْسَهَا إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهْ وَهٰذِهِ الْأَبْيَاتُ تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُفْهَمَ الصِّلَةُ بَيْنَ الْأَطْرَافِ إِلَّا بِضَرْبٍ مِنَ التَّأَمُّلِ، وَالتَّشْبِيهُ عِنْدَ السَّكَاكِيِّ هُوَ مَا كَانَ وَجْهُ الشَّبَهِ فِيهِ عَقْلِيًّا غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وَكَانَ مُرَكَّبًا، فَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ التَّشْبِيهَ مَتَى كَانَ وَجْهُهُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وَكَانَ مُتَرَكِّبًا مِنْ عِدَّةِ أُمُورٍ، خُصَّ بِاسْمِ التَّمْثِيلِ، كَقَوْلِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ»، وَهُوَ كَمَا عَرَفَهُ الْغَزْنَوِيُّ فَقَالَ: «التَّشْبِيهُ مَا وَجْهُهُ وَصْفٌ مُنْتَزَعٌ مِنْ أَمْرَيْنِ أَوْ أُمُورٍ»، وَهَكَذَا وَرَدَ عَلَى حَاشِيَةِ السُّيُوطِيِّ أَيْضًا.
- تَشْبِيهُ التَّوْلِيدِ
عَرَّفَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ هٰذَا الْفَنَّ فَدَعَاهُ التَّوْلِيدَ وَالتَّشْبِيهَ، فَقَالَ: «وَأَوْضَحُ الْأَقْسَامِ مِنَ التَّشْبِيهِ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى تَشْبِيهَ التَّوْلِيدِ وَالتَّمْثِيلِ». وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ الْكُمَيْتِ: [الْبَسِيطُ] أَحْلَامُكُمْ لِسَفَاهِ الْجَهْلِ شَافِيَةٌ كَمَا دِمَاؤُكُمْ يُشْفَى بِهَا الْكَلْبُ
- تَشْبِيهُ ثَلَاثَةٍ بِثَلَاثَةٍ
ذَكَرَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ تَشْبِيهَ ثَلَاثَةٍ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ دُونَ أَنْ يُعَرِّفَهُ، وَمَثَّلَ لِذٰلِكَ بِقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] سَمَوْتُ إِلَيْهَا بَعْدَمَا نَامَ أَهْلُهَا سُمُوَّ حَبَابِ الْمَاءِ حَالًا عَلَى حَالِ فَحَذَفَ الشَّاعِرُ حَرْفَ التَّشْبِيهِ، وَشَبَّهَ سُمُوَّهُ إِلَى حَبِيبِهِ بِسُمُوِّ حَبَابِ الْمَاءِ، وَحَالًا عَلَى حَالٍ.
- تَشْبِيهُ ثَمَانِيَةٍ بِثَمَانِيَةٍ
ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ «شَرْحِ عُقُودِ الْجُمَانِ» دُونَ أَنْ يُعَرِّفَهُ، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: [ الطَّوِيلُ ] خُدُودٌ وَأَصْدَاغٌ وَثَغْرٌ وَسُفْلَةٌ وَنَغْرٌ وَأَرْدَافٌ وَلَحْنٌ وَمُعْرَبُ
- تَشْبِيهُ الْجَمْعِ
الْجَمْعُ مِنْ فِعْلِ جَمَعَ يَجْمَعُ جَمْعًا الْمُتَفَرِّقَ، ضَمَّهُ وَأَلَّفَهُ. عَرَّفَ الْقَزْوِينِيُّ تَشْبِيهَ الْجَمْعِ فَقَالَ: «هُوَ أَنْ تُذْكَرَ الطَّرَفَ الثَّانِي لِلتَّشْبِيهِ، فَهُوَ تَشْبِيهُ الْجَمْعِ»، وَقَصَدَ بِقَوْلِهِ الطَّرَفَ الثَّانِي الْمُشَبَّهَ بِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْبُحْتُرِيِّ: [ التَّرِيعُ ] بَاتَ نَدِيمِي لِي حَتَّى الصَّبَاحِ كَأَنَّمَا يَبْتَسِمُ عَنْ لُؤْلُؤٍ مُنْفَصِدٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ أَقَاحِ شَبَّهَ الشَّاعِرُ نُورَ ثَغْرِهِ كَمَا تَرَى بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ.
- التَّشْبِيهُ الْجَيِّدُ
الْجَيِّدُ لُغَةً مِنْ جَادَ جَوْدَةً: صَارَ جَيِّدًا، وَهُوَ ضِدُّ الرَّدِيءِ، وَجَوْدَةُ الشَّيْءِ: حُسْنُهُ. عَرَّفَ تَعْلِبٌ فِي كِتَابِهِ «قَوَاعِدِ الشِّعْرِ» التَّشْبِيهَ الْجَيِّدَ فَقَالَ: «هُوَ التَّشْبِيهُ الْخَارِجُ عَنِ التَّعَدِّي وَالتَّقْصِيرِ». وَمِثْلٌ لِهٰذَا الْفَنِّ يَقُولُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] إِذَا مَا الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ تَعَرَّضَ أَثْنَاءِ الرِّمَاحِ الْمُفَضَّلِ
- التَّشْبِيهُ الحَسَنُ
أَحْسَنَ لُغَةً: ضِدُّ أَسَاءَ، وَحَسَّنَ الشَّيْءَ: جَعَلَهُ حَسَنًا، عَلَيْهِ عِلْمًا حَسَنًا. ذَكَرَ الْمُبَرِّدُ فِي كِتَابِهِ «الْكَامِلِ» التَّشْبِيهَ الحَسَنَ، دُونَ أَنْ يُعَرِّفَهُ، فَقَالَ: مِنَ التَّشْبِيهِ الحَسَنِ قَوْلُ جَرِيرٍ فِي صِفَةِ الْخَيْلِ: [ الْكَامِلُ ] يَسْتَنْشِطُ لِلْفَرْدِ الْبَعِيدِ كَأَنَّمَا إِرْسَالُهَا يَتَنَاوَلُ الأَشْطَانَا وَعَدَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْبَلَاغِيِّينَ قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ مِنَ التَّشْبِيهِ الحَسَنِ: [ الطَّوِيلُ ] كَأَنَّ أَبَا الْوَحْشِ حَوْلَ خِبَائِنَا وَأَرْجُلَنَا الْجَزْعُ الَّذِي لَمْ يُثَقَّبِ
- التَّشْبِيهُ الحِسِّيُّ
الحِسِّيُّ لُغَةً: مَا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ الظَّاهِرِ وَضِدُّهُ الْمَعْنِيُّ، وَالْحَاسَّةُ: الْقُوَّةُ الْمُنَاسِبَةُ الْمُدْرِكَةُ. ذَكَرَ الْقَزْوِينِيُّ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنِ التَّشْبِيهِ، وَعَرَّفَ التَّشْبِيهَ الحِسِّيَّ فَقَالَ: فِيهِ الْغَرَضُ مِنْهُ، وَفِي أَقْسَامِهِ، طَرَفَاهُ إِمَّا حِسِّيَّيْنِ، كَالْكَافُورِ وَالْوَرْدِ وَالْبَدْرِ وَالصَّفِيحَةِ، وَالعَيْنِ وَالثَّغْرِ وَالْفَمِ، وَالْوَجْهِ وَالْخَدِّ، وَالسِّنِّ وَالْفَكِّ، وَالْجِلْدِ النَّاعِمِ وَالْحَرِيرِ، وَأَضْحَى الْمَرْأَى الحِسِّيُّ الْمُنَزَّلُ هُوَ أَوْ مَثَلُهُ بِأَحَدِ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ التَّشْبِيهُ الْحِسِّيُّ. وَمِثَالُ قَوْلِ أَبِي النَّجْمِ الْعِجْلِيِّ: [ مَجْزُوءُ الْكَامِلِ ] خُذِي كَأْسًا تَنَاوَلْنَا فِي خُضْرَةِ الْعِشْبِ الْمُبْتَلِّ سَمَكْنَا مِنَ السَّمَاوَاتِ فِي شِبَاكٍ تَكُونُ مِنْ زُبَرْجَدِ
- تَشْبِيهُ خَمْسَةٍ بِخَمْسَةٍ
ذَكَرَ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ تَشْبِيهَ خَمْسَةٍ بِخَمْسَةٍ دُونَ أَنْ يُعَرِّفَهُ، فَقَالَ: وَمِمَّا وُقِفَ فِيهِ تَشْبِيهُ خَمْسَةٍ بِخَمْسَةٍ قَوْلُ أَبِي الْفَرَجِ الْوَأْوَائِيِّ وَأَثْنَى عَلَى بَعْضِهِ أَنَّهُ مِنْ أَبْهَى أَنَّى تَشْبِيهٍ: [ الْبَسِيطُ ] فَأَسْلَمَتْ لُؤْلُؤًا مِنْ نَرْجِسٍ وَرُصِفَتْ وَرْدًا وَعَضَّتْ عَلَى الشِّفَاهِ بِالْبَرْدِ فَشُبِّهَ الدَّمْعُ بِاللُّؤْلُؤِ، وَالْعَيْنُ بِالنَّرْجِسِ، وَالخَدُّ بِالْوَرْدِ، وَالأَنَامِلُ بِالثَّنَبِ، وَالثَّغْرُ بِالْبَرْدِ. وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي الْفَتْحِ الْبُسْتِيِّ شَاعِرِ مِصْرَ يَصِفُ شَمْعَةً: [ بَسِيطٌ ] قَدْ شَابَهَنِّي فِي نُورِ وَجْهِ قَضِيبُهَا وَفِي اشْتِعَالِي وَفِي دَمْعِي سَفْحُهَا قَوْلُهُ « قَدْ شَابَهَتْ » أَظْهَرَ مُقْدِرَةً فِي الْمُجْتَبَى، بِالْكَافِ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا اسْتَعْمَلُوا ذٰلِكَ مَعَ الْكَافِ وَأَخَوَاتِهَا مِنْ جِهَةِ ضِمْنِ الْكَلَامِ.
- التَّشْبِيهُ الْخَيَالِيُّ
عَرَّفَ الْحَلَبِيُّ التَّشْبِيهَ الْخَيَالِيَّ وَقَالَ: تَشْبِيهُ الْمَوْجُودِ بِالْمُتَخَيَّلِ الَّذِي لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [مَجْزُوءُ الْكَامِلِ] وَكَأَنَّ مِسْكًا فِي السَّحَابِ إِذَا تَصَوَّبَ أَوْ تَصَعَّدَ أَعْلَامُ يَاقُوتٍ نُشِرْنَ عَلَى رِيَاحٍ مِنْ زُبَرْجَدِ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ أَدْرَجُوا هٰذَا الْفَنَّ الْبَلَاغِيَّ فِي تَشْبِيهِ الْحِسِّيِّ لِأَنَّ أَرْكَانَهُ مَعْلُومَةٌ بِالْحِسِّ، وَإِنْ كَانَتِ الصُّورَةُ كُلُّهَا غَيْرَ مَوْجُودَةٍ. مِنْهُمُ الْقَزْوِينِيُّ الَّذِي عَرَّفَهُ فَقَالَ: «وَالْمُدْرَكُ بِالْحِسِّ أَمَّا أَنْ يَكُونَ مُدْرَكًا بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ الظَّاهِرَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ التَّشْبِيهُ الْخَيَالِيُّ». وَذَكَرَ الْقَزْوِينِيُّ بَيْنَ الشُّعَرَاءِ الْمَذْكُورِينَ أَعْلَى. وَفَرَّقَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ التَّشْبِيهِ الْخَيَالِيِّ وَالْوَهْمِيِّ، أَمَّا الْعَلَوِيُّ فَقَالَ: «وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْأُمُورِ الْخَيَالِيَّةِ وَالْأُمُورِ الْمَوْهُومَةِ هُوَ أَنَّ الْخَيَالَ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ، فَأَمَّا الْأُمُورُ الْمَوْهُومَةُ فَإِنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَحْسُوسِ وَغَيْرِ الْمَحْسُوسِ، مِمَّا يَكُونُ حَاصِلًا فِي التَّوَهُّمِ وَدَاخِلًا فِيهِ». ذَكَرَ هٰذَا الْقَوْلَ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ فِي بَابِ الْأُمُورِ الْوَهْمِيَّةِ.
- تَشْبِيهُ سَبْعَةٍ بِسَبْعَةٍ
عَرَّفَ هٰذَا النَّوْعَ الْفَنِّيَّ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ» وَالسُّيُوطِيُّ فِي «نِهَايَةِ الْأَرَبِ» وَالسَّرْوَطِيُّ فِي «شَرْحِ عُقُودِ الْجُمَانِ» فَقَالُوا: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَشْبِيهُ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَاضِي نَجْمِ الدِّينِ بْنِ الْبَارِزِيِّ: [ الطَّوِيلُ ] يَقْطَعُ بِالسَّلْسَالِ يَطْبَقُ صَحْصَحًا عَلَى ضَيْفٍ فِي مَجْلِسٍ لِأَنَّ صَاحِبَهُ كَشَمْسٍ بِبَرْقٍ قَدْ بَدَا وَاهِيَةً لَدَى هَازِئٍ فِي الْأُفُقِ حَتَّى كَوَاكِبَهُ
- تَشْبِيهُ سِتَّةٍ بِسِتَّةٍ
ذَكَرَ السَّرْوَطِيُّ هٰذَا اللَّوْنَ الْبَلَاغِيَّ، فَقَالَ: هُوَ تَشْبِيهُ سِتَّةِ أَشْيَاءَ بِسِتَّةِ أَشْيَاءَ، كَتَشْبِيهِ ابْنِ جَابِرٍ: [ الْكَامِلُ ] إِنْ شِئْتَ ظَبْيًا، أَوْ غَزَالًا، أَوْ وَحْشِيًّا أَوْ زَهْرَ غُصْنٍ فِي الْكُثِيبِ الأَمْلَسِ فَالْخَطُّ وَالْقَدُّ وَالْخَدُّ وَالرِّدْفُ أَقْصَدُ.
- تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ
ذَكَرَ هٰذَا الْفَنَّ: تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، كُلٌّ مِنِ ابْنِ أَبِي الإِصْبَعِ فِي كِتَابِهِ «تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ»، وَالْحَلَبِيِّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ»، وَالثَّعَالِبِيِّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الأَرَبِ»، فَقَالُوا: هُوَ أَنْ يُشَبَّهَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، كَقَوْلِ الْحَلَبِيِّ: [ الْكَامِلُ ] يُفَكِّرُ سَهْمِي فِي سُطُورٍ جَاحِدًا فَكَأَنَّمَا هُوَ رَوْضَةٌ أَوْ جَدْوَلٌ أَوْ سِبْطُ دُرٍّ أَوْ فِلَاذَةُ عَسْجَدِ.
- تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ
قَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي الإِصْبَعِ فِي كِتَابِهِ «تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ»، وَالْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ»، وَالثَّعَالِبِيُّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الأَرَبِ» تَشْبِيهَ شَيْءٍ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ دُونَ تَعْرِيفٍ. مِثَالُهُ قَوْلُ الْبُحْتُرِيِّ: [ السَّرِيعُ ] بَاتَ نَدِيمِي لِي حَتَّى الصَّبَاحِ أَغْنَى مَجَادِيلَ مَكَانِ الرِّيَاحِ كَأَنَّ بَسْمَتَهُ عَنْ لُؤْلُؤٍ مُنْفَصِدٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ أَقَاحِ. قَوْلُهُ: «كَأَنَّ بَسْمَتَهُ» شَبَّهَ فِيهِ أَغْنِيَةَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، مُنْفَصِدٍ: مُنْفَضٍّ، وَالْبَرْدُ: حَبُّ النَّعْنَعِ، وَالأَقَاحُ: نَوْرُ نَبْتٍ كَالْوَرْدِ، وَأَوْرَادُهَا تُشْبِهُ شَيْئًا بِالأَسْنَانِ فِي اعْتِدَالِهَا.
- تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ
ذَكَرَ تَشْبِيهَ شَيْءٍ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ، كُلٌّ مِنِ ابْنِ أَبِي الإِصْبَعِ فِي كِتَابِهِ «تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ»، وَالْحَلَبِيِّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ»، وَالثَّعَالِبِيِّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الأَرَبِ» فِي مَعْرِضِ ... تَعَدَّاهُمْ أَنْوَاعُ التَّشْبِيهِ بِدُونِ تَعْرِيفٍ، وَمِثَالُهُمْ قَوْلُ الْحَرِيرِيِّ: [ البَسِيطُ ] يُفَسِّرُ عَمَّن لِلُّؤْلُؤِ رَطْبٍ وَعَنْ بَرَدٍ وَعَنْ أَقَاحٍ وَعَنْ طَلْعٍ وَعَنْ حَبَبِ
- تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ
عَرَّفَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ تَشْبِيهَ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: «وَيَصِحُّ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ جُمْلَةً، وَإِنْ شَابَهَهُ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ»، وَمَثَّلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾(١)، وَهٰذَا فِيمَا شَبَّهَ الْمَرَاكِبَ بِالْجِبَالِ مِنْ جِهَةِ عِظَمِهَا، لَا مِنْ جِهَةِ صَلَابَتِهَا وَرُسُوخِهَا وَانْتِهَائِهَا، وَلَوْ أُشْبِهَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ لَكَانَ هُوَ هُوَ. وَأَضَافَ الْعَسْكَرِيُّ فَقَالَ: «وَهٰذَا الْفَنُّ يَأْتِي عَلَى وُجُوهٍ، مِنْهَا: - تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ صُورَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾(٢). - تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ كَوْنًا وَحُسْنًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾(٣). - تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ لِينًا وَسُرْعَةً، كَتَشْبِيهِ امْرِئِ الْقَيْسِ: [ المُتَقَارِبُ ] وَمِسْحَدَةِ السَّكِّ مَسْفُوفَةٍ تَضَاعَفَ فِي الْمَسْحِ مِثْلَ الْبَرَدِ تَقُضُّ عَلَى الْمَرْءِ أَفْوَاقَهَا كَقَضِّ الأَنَامِلِ لَحْيَ الأَسَدِ شَبَّهَ الدِّرْعَ بِالْبَرْدِ فِي لِينِهَا وَسُرْعَتِهَا؛ لِأَنَّهَا تَمُرُّ بِالْجَسَدِ كَمَا يَمُرُّ الْمَجْلُودُ إِذَا تُقِرَّ فِيهِ، وَالأَيْدِي: السِّلْسِلُ. - تَشْبِيهُهُ لَوْنًا وَصُورَةً، كَقَوْلِ الثَّانِيَةِ: [ الْكَامِلُ ] تَغُولُ ... حِصَانَةً أَبْكَرَةً ... بِالأَسَدِ كَالنَّمِرِ ... غَيْبِ سَمَائِهِ جَفَّتْ أَعَالِيهِ وَأَسْفَلُهُ نَدِيٌّ. شَبَّهَ النَّمِرَ بِالأَفْحَوَّانِ لَوْنًا وَصُورَةً لِأَنَّ وَرَقَ الأَفْحَوَّانِ صُورَتُهُ صُورَةُ النَّمِرِ سَوَاءٌ. – وَمِمَّا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى التَّشْبِيهِ وَحْدَهُ قَوْلُ الأَعْشَى: [ الْكَامِلُ ] وَسِيئَةٍ مَا تَسْتَحِقُّ بَابِلُ كَأَنَّ النَّبِيذَ سَبْلُهَا جَرَتْ بِأَهْلِهَا شَبَّهَ السِّيئَةَ بِهِمُ النَّبِيذَ الَّذِي سَلَبَ لُبَّهُ. « سَبْلُهَا: لُعَابُهَا ». – وَمِنْهَا مَا يُشَبَّهُ بِهِ حَرَكَةُ كَتَلِ مُسْلِمِ بْنِ الوَلِيدِ: [ الطَّوِيلُ ] وَأَعْيَا وَأَشْغَلَ أَعْدَاءً رَامَ وَذَاعِهُ كَالْحَلْفِ النَّبِيدِ يَوْمَ الرَّوْعِ غَارَتْهُ النُّصُلُ وَقَدْ يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِغَيْرِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ لِامْرِئِ الْقَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] لَهُ اسْتِطَالَةٌ ظَهْرِي وَسَائِدُ نَاعِمٍ وَإِخْفَاءُ سِرْحَانٍ وَتَقْرِيبُ تَشْمِلِ فَالْمَعْنَى: لَهُ إِطْلَالٌ كَإِطْلَالِ ظَبْيٍ، وَسَائِدُ كَسَائِدِ نَعَامٍ، وَهٰذَا مِنْ بَدِيعِ التَّشْبِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ عَلَى التَّشْبِيهِ فَسَدَ الْكَلَامُ.
- تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِشَيْئَيْنِ
ذَكَرَ تَشْبِيهَ شَيْءٍ بِشَيْئَيْنِ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فَقَالَ: فَوَاحِدٌ مِنْهَا يُشَبِّهُ شَيْئَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ مِنْ جِهَةِ اللَّوْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] وَتَقْطُرُ بَرْقًا غَيْرَ شَيْءٍ كَأَنَّهُ أَسَارِيعُ رَمْلٍ أَوْ مَسَاوِيكُ أَسْحَلِ.
- تَشْبِيهُ شَيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ
عَرَّفَهُ الْحَاجِّيُّ فِي كِتَابِهِ «حِلْيَةِ الْمُحَاضَرَةِ» فَقَالَ: «أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ كَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَالأَصْمَعِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَلَى أَنَّ أَحْسَنَ التَّشْبِيهِ مَا يُقَابِلُ بِهِ شَيْئَانِ يَتَشَابَهَانِ». وَعَرَّفَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ هٰذَا الْفَنَّ فَقَالَ: فَمِنْ بَدِيعِ التَّشْبِيهِ تَشْبِيهُ شَيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ مُفَصَّلًا، كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا لَدَى وَكْرِهَا الْغَابِ وَالتَّخَشُّفِ الْغَالِي وَذَكَرَهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «خِزَانَةِ الأَدَبِ» فَقَالَ: «هٰذَا النَّوْعُ، أَعْنِي تَشْبِيهَ شَيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ، مِنَ الْمَحَاسِنِ الْعَزِيزَةِ الْوُقُوعِ، بِخِلَافِ كَثْرَةِ الْعَدَدِ فِي التَّشْبِيهِ، فَإِنَّ ذٰلِكَ نَوْعٌ لَفْظِيٌّ وَالنَّظْمُ أَحَسُّ بِهِ، وَهُوَ فِي التَّشْبِيهِ يَسُدُّ مَسَدَّ التَّشْبِيهِ بِهِ». وَمِثْلُهُ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: [ الْكَامِلُ ] بِرَجَاجِهِ يَرْقُصُ بِنَا فِي قَعْرِهَا رَقْصَ النَّوَافِضِ بِرَاكِبٍ مُسْتَعْجِلٍ. وَزَعَمَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ أَفْضَلَ التَّشْبِيهِ مَا وَقَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ اشْتَرَكَاهُمَا فِي الصِّفَاتِ أَكْثَرَ مِنِ انْفِرَادِهِمَا، حَتَّى يُؤُولَ بِهِمَا إِلَى حَالِ الِاتِّحَادِ. بَيْنَمَا عَرَّفَهُ الْقَرْطَاجَنِيُّ فَقَالَ: «وَإِنَّمَا يُحْسَنُ التَّشْبِيهُ أَنْ يُقَرِّبَ بَيْنَ الْبَعِيدَيْنِ حَتَّى تَصِيرَ مُنَاسَبَةٌ بَيْنَهُمَا وَاشْتِرَاكٌ». وَعَرَّفَ هٰذَا الْفَنَّ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ فَقَالَ: «وَأَصْلُ التَّشْبِيهِ مَعَ دُخُولِ الْكَافِ وَأَخَوَاتِهَا، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، شَيْءٌ يُشَبَّهُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، إِلَّا أَنْ صَنَعَ امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي صِفَةِ سَحَابٍ (كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ) شَيْئَيْنِ يُشَبِّهُ شَيْئَيْنِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَبَقِيَةُ الشُّعَرَاءِ كَتَشْبِيهِ لَبِيدِ بْنِ (كَانَ قُلُوبُ الطَّيْرِ) شَبَّهَ شَيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَبَاقِيَةُ الشُّعَرَاءِ كَتَشْبِيهِ لَبِيدِ بْنِ [ الْكَامِلُ ] وَرَجُلِ السُّؤُولِ عَنِ الطُّلُولِ كَأَنَّهَا زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَهَا أَقْلَامُهَا فَشَبَّهَ الطُّلُولَ بِالزُّبُرِ، وَالسُّؤُولَ بِالأَقْلَامِ، بَلْ زَادَ تَشْبِيهًا جَلَاءً، هٰذَا عَنْ هٰذِهِ، بِتَجْدِيدِ تِلْكَ لِتِلْكَ». وَقَسَّمَ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ هٰذَا الْفَنَّ الْبَلَاغِيَّ إِلَى قِسْمَيْنِ، فَقَالَ: «هٰذَا النَّوْعُ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِشَيْئَيْنِ وَيُقَابِلَهُمَا بِشَيْئَيْنِ لِأَجْلِ التَّشْبِيهِ، وَهُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ: الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ تَشْبِيهَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ جُزْأَيْ أَحَدِ طَرَفَيْ التَّشْبِيهِ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ تَشْبِيهَ هَيْئَةٍ حَاصِلَةٍ مِنْ مَجْمُوعِ جُزْأَيْ الطَّرَفَيْنِ جُزْءَيْهِمَا بِالْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ مَجْمُوعِ جُزْأَيْ الطَّرَفِ الآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ فِيهِ تَشْبِيهَ شَيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ. هٰذَا وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْبَدِيعِيُّونَ تَشْبِيهَ شَيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ، بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ طَرَفِهِ.