من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
تَشْبِيهُ التَّفْضِيلِ
المعنى
عَرَفَ الرَّشِيدُ الْوُطْوَاطُ هٰذَا الْفَنَّ فَقَالَ: «تَشْبِيهُ التَّفْضِيلِ»، وَتَكُونُ هٰذِهِ الصِّفَةُ بِأَنْ يُشَبِّهَ الشَّاعِرُ شَيْئًا بِشَيْءٍ آخَرَ ثُمَّ يَعُودُ فَيُفَضِّلُ الْمُشَبَّهَ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ»، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [الطَّوِيلُ]
حَسِبْتُ جَمَالَكِ بَدْرًا مُطِيعًا وَأَيْنَ الْبَدْرُ مِنْ ذَاكَ الْجَمَالِ؟
وَيُبَيِّنُ هٰذَا التَّعْرِيفَ وَتَعْرِيفَ الْحَلَبِيِّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ»، وَتَعْرِيفَ الثُّعَالِبِيِّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الْأَرَبِ»، فَقَالَا: «هُوَ أَنْ تُشَبِّهَ شَيْئًا بِشَيْءٍ ثُمَّ تُرَجِّحَ تَفْضِيلَ الْمُشَبَّهِ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ». وَقَالَ مِثْلَهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ فِي كِتَابِهِ «بُلُوغُ الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ». وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ هِنْدٍ: [الْمَنْسَرِحُ]
مَنْ قَاسَ جِيدَكِ بِالْغَمَامِ فَقَدْ أَنْصَفَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ هَذَيْنِ حُسْنَيْنِ
أَنْتِ إِذَا جِئْتِ صَبَاحًا أَبَدًا وَهْوَ إِذَا جَاءَ أَضَاءَ الْعَيْنَيْنِ التَّشْبِيهُ التَّمْثِيلِيُّ
عَدَّهُ الرَّشِيدُ الْوُطْوَاطُ التَّمْثِيلَ، وَهُوَ عِنْدَهُ التَّشْبِيهُ، وَفَصَّلَ الْقَوْلَ فِيهِ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنِ التَّمْثِيلِ، وَمَثَّلَ لِهٰذَا الْفَنِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «۞ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ»(١)، وَتَحَدَّثَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، فَقَالَ: «وَمَجَازُ الْآيَةِ مَجَازُ التَّمْثِيلِ، لِأَنَّ مَا بُنِيَ عَلَى التَّنْظِيرِ أُثْبِتَ أَسَاسًا مِنَ الِابْتِنَاءِ الَّذِي يُبْنَى عَلَى الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، فَهُوَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ، وَهُوَ مَا يَحْفِرُهُ مِنْ سُيُولِ الْأَوْدِيَةِ فَلَا يَثْبُتُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ».
بَيْنَمَا قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ، يَرَى عَلَى عَكْسِ مَا رَآهُ الرَّشِيدُ الْوُطْوَاطُ، إِذْ عَدَّ التَّمْثِيلَ مُخَالِفًا لِلتَّشْبِيهِ، وَقَدْ أَدْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ «نَقْدِ الشِّعْرِ» ضِمْنَ نَوْعِ «ائْتِلَافِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى»، فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يُرِيدَ الشَّاعِرُ إِشَارَةً إِلَى مَعْنًى، فَيُفِيضَ كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى آخَرَ، وَذٰلِكَ الْمَعْنَى الْآخَرُ وَالْكَلَامُ مِثَالَانِ لِمَا أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ». وَمَثَّلَ لِهٰذَا الْفَنِّ يَقُولُ بَعْضُ بَنِي كِلَابٍ:
[الطَّوِيلُ]
دَعِ الشَّرَّ ...
وَلَكِنْ إِذَا مَا الشَّرُّ ...
فَقَوْلُهُ «دَعِ الشَّرَّ»، وَمَا بَعْدَهُ، أَكْثَرُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فِي هٰذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ جَارٍ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وَقَدْ جَازَ أَنْ يُقَالَ مَكَانَ مَا قِيلَ فِيهِ: «دَعِ الشَّرَّ»، فَإِذَا نُقِّبَ فِيهِ مَعَانٍ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ لِذٰلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ مِنَ الْكَلَامِ الشِّعْرِيِّ وَالتَّمْثِيلِ الظَّرِيفِ إِلَى قَوْلِ الْكَلَامِ، وَبِعْدَهَا أَضَافَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ، فَقَالَ: «وَالتَّمْثِيلُ أَنْ يُرَادَ الْإِشَارَةُ إِلَى مَعْنًى، فَتُوضَعَ الْأَلْفَاظُ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى آخَرَ، وَذٰلِكَ الْمَعْنَى تِلْكَ الْأَلْفَاظُ مِثَالٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي يُرَادُ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ وَالْعِبَارَةِ عَنْهُ». وَمِنْهُ قَوْلُ رَجُلٍ بَدَوِيٍّ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنِ الْمَسَافَةِ مَا بَيْنَ تَمُرٍ وَأَرَاكَ، فَقَالَ: «إِذَا خَرَجْتَ سُرَّاحًا تَلَاقَيْتَ»، يُعَبِّرُ عَنْ قُرْبِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَبْلَغِهَا فِي تَمْثِيلِ بُعْدِ الطَّرِيقِ. وَقَدْ سَمَّاهُ الْفَرُّوزَابَادِيُّ «الْمَجَازَ الْمُرَكَّبَ»، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ فَهُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا شُبِّهَ بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ تَشْبِيهَ التَّمْثِيلِ لِلْمَبَالَغَةِ»، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مِقْبَلٍ:
[الطَّوِيلُ]
أَلَمْ أَنْتَ بُنْيَ ... جَمِعْتَنِي فَلَا تَتَّهِمَنِّي ... فِي شِمَالِكَ
(١) سُورَةُ النُّورِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٠). قَصَدَ الشَّاعِرُ: كِدْتُ عِنْدَكَ مُكْرَمًا فَلَا تَجْعَلْنِي مُهَانًا، وَخَصَّ الْيَمِينُ لِيَكُونَ أَعْلَى
وَأَفْخَمَ لِلتَّمْثِيلِ، لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْيَدَيْنِ وَأَقْوَمُهُمَا وَأَقْوَاهُمَا وَلَا يَلْتَفِتُ لِلْأُخْرَى عَنْهَا.
وَعَرَّفَ ابْنُ سِنَانَ التَّشْبِيهَ التَّخْيِيلِيَّ كَمَا عَرَفَهُ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرَ، وَكَذٰلِكَ قَلَّدَهُمَا
ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ، إِلَّا أَنَّ أَبَا هِلَالٍ الْعَسْكَرِيَّ سَمَّى التَّشْبِيهَ التَّمْثِيلِيَّ «بِالْمُمَاثَلَةِ»،
وَكَذٰلِكَ الْقَفَّالَانِيُّ عَرَّفَ التَّشْبِيهَ التَّمْثِيلِيَّ، فَقَالَ: «وَمَا يَعُدُّونَهُ مِنَ الْبَدِيعِ الْمُمَاثَلَةُ وَهُوَ ضَرْبٌ
مِنَ الِاسْتِعَارَةِ سَمَّاهُ قُدَامَةُ التَّمْثِيلَ»، وَقَدْ عَدَّ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ التَّشْبِيهَ التَّخْيِيلِيَّ ضَرْبًا مِنْ
ضُرُوبِ الِاسْتِعَارَةِ أَيْضًا، وَهِيَ الْمُمَاثَلَةُ، فَقَالَ: «وَالتَّمْثِيلُ وَالِاسْتِعَارَةُ مِنَ التَّشْبِيهِ، إِلَّا أَنَّهُمَا
بِخَبَرِ أَدَاتِهِ وَعَلَى غَيْرِ أَسْلُوبِهِ».
وَعَرَّفَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ التَّشْبِيهَ التَّمْثِيلِيَّ، فَقَالَ: «كُلُّ تَشْبِيهٍ يَكُونُ الْوَجْهُ فِيهِ
حَسَنًا مُفْرَدًا، أَوْ مُرَكَّبًا، أَوْ كَانَ مِنَ الْأَجْزَاءِ وَالطِّبَاعِ الْعَقْلِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ غَيْرُ تَمْثِيلِيٍّ»،
وَكُلُّ تَشْبِيهٍ كَانَ وَجْهُ الشَّبَهِ فِيهِ عَقْلِيًّا أَوْ مُرَكَّبًا غَيْرَ حَقِيقِيٍّ وَمُحْتَاجًا فِي تَحْصِيلِهِ إِلَى تَأْوِيلٍ، فَهُوَ
«تَشْبِيهٌ تَمْثِيلِيٌّ» كَقَوْلِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ: [مَجْزُوءُ الْكَامِلِ]
اِصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الْجَفَا دَامَتْ صَبَابَتُكَ الْقَلْبَا
فَالنَّارُ تَأْكُلُ نَفْسَهَا إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهْ
وَهٰذِهِ الْأَبْيَاتُ تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُفْهَمَ الصِّلَةُ بَيْنَ الْأَطْرَافِ إِلَّا بِضَرْبٍ مِنَ
التَّأَمُّلِ، وَالتَّشْبِيهُ عِنْدَ السَّكَاكِيِّ هُوَ مَا كَانَ وَجْهُ الشَّبَهِ فِيهِ عَقْلِيًّا غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وَكَانَ مُرَكَّبًا،
فَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ التَّشْبِيهَ مَتَى كَانَ وَجْهُهُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وَكَانَ مُتَرَكِّبًا مِنْ عِدَّةِ أُمُورٍ،
خُصَّ بِاسْمِ التَّمْثِيلِ، كَقَوْلِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ»، وَهُوَ كَمَا عَرَفَهُ الْغَزْنَوِيُّ فَقَالَ: «التَّشْبِيهُ مَا وَجْهُهُ
وَصْفٌ مُنْتَزَعٌ مِنْ أَمْرَيْنِ أَوْ أُمُورٍ»، وَهَكَذَا وَرَدَ عَلَى حَاشِيَةِ السُّيُوطِيِّ أَيْضًا.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.