شرح المعلقات السبع
تأليف القاضي أبي عبدالله الحسين بن أحمد الزوزني المتوفى سنة ٤٨٦ هجرية
الجذور
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٥- أثافيُّ سُفعًا
أَثَافِيُّ سُفْعًا فِي مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ وَنُؤْيًا كَجِذْمِ الْحَوْضِ لَمْ يَتَثَلَّمِ الأثفية، والأثفية: جمعها الأثافيُّ والأثافيُّ، بتشديد الهمزة وتخفيفها، وهي حجارة تُوضَعُ القدرُ عليها، ثم إن كان من الحديد سُمِّيَ مِرْجَلًا، والجمع المناصب. ولا يُسَمَّى أَثْفِيَّةً: السُّفْعُ: السُّود، والأسفع مثل الأسود، والسِّفَاح مثل السواد. المُعَرَّس: أصله المنزل، من التعريس وهو النزول في وقت السحر، ثم استُعْمِل للمكان الذي تُنْصَبُ فيه القدر. المِرْجَل: القِدْر عند تميم، من أيِّ صنف من الجواهر كانت. النُّؤْيُ: نَهْرٌ يُحْفَر حول البيت ليجريَ فيه الماءُ الذي يَنْصَبُّ من البيت عند المطر ولا يدخل البيت، والجمع الأَنْوَاء. ويُرْوَى: كحَوْضِ الجَدِّ، والجَدُّ: البئر القريبة من الكَلإ، وقيل: بل هي البئر القديمة. يقول: عرفتُ حجارةً سودًا تُنْصَبُ عليها القدر، وعرفتُ نُؤْيًا كان حول بيت أم أوفى، كان بقي غير مُنْثَلِم، كأنَّه أصل حوضٍ، نُصِبَتْ أَثَافِيه على البدل من الدار في قوله: عرفت الدار، يريد أن هذه الأشياء دَلَّت على أنَّها دارُ أم أوفى.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٦- فلما عرفت
فَلَمَّا عَرَفْتُ الدَّارَ قُلْتُ لِرَبْعِهَا أَلَا انْعِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الرَّبْعُ وَاسْلَمِ كانت العرب تقول في تحيَّتها: أَنْعِمْ صباحًا، أي نَعِمْتَ صباحًا، أي طاب عَيْشُكَ في صباحِكَ، من النِّعْمَة، وهي طِيب العيش، وخُصَّ الصباحُ بهذا الدعاء لأن الغارات والكرائم تقع صباحًا. وفيه أربع لغات: أَنْعِمْ صباحًا، بفتح العين، من نَعِمَ يَنْعَمُ، مثل عَلِمَ يَعْلَمُ، والثانية: أَنْعِمْ، بكسر العين، من نِعِمَ يِنْعِمُ. الباء في قوله علون بأنماطٍ للعُدَّة، ويروى: وعالين أنماطاً، ويروى: وأعلن، وهما بمعنى واحد، والممَالة قد تكون بمعنى الإعلاء، ومنه قول الشاعر: (١) [الرجز]: عاليتُ أُناساً وجَلَّبْتُ الكُرورَ على سَراةِ رائحٍٍ مسطورِ أنماط: جمع نِمط، وهو ما يُبسط من صُفُن الثياب. العِتاق: الكِرام. الواحد عَتيق. الكِلَّة: السِّتر الرقيق، والجميع الكلل. الرِّداد: جمع رِدَاد وهو الأحمر والذي يضرب لونه إلى الحُمْرة. المشاكهة: المشابهة. ويروى رِداد الحواشي للونها لونُ عَذَم. العَذَم: البُهم، والمُعْدَم: دم الأُخْيَوَيْن (٢). يقول: وأعلن أنماطاً كراماً ذات أخطار أو سِتْراً رقيقاً، أي ألقينها على الهوارج وغَشّينها بها، ثم وصف تلك الثياب بأنها حمر الحواشي يشبه ألوانَها الدم في شدة الحُمْرة أو البُهْم أو دم الأُخْيَوَيْن. ١٠- ... السودان: الأرض المرتفعة اسم علم لها. النعورك: ركوب أوراك الدواب. الذل والدَّلَال والدَّلالة واحد. وقد أدلَّت المرأة وتدلَّلت. النعمة: طيب العيش. والتنعم: تكلُّف النعمة. يقول: وركبت هؤلاء النسوة أوراك ركابهن في حال علوِهِنَّ متْنَ السِّربان، وعليهن دلالُ الإنسان الطيب العيش الذي يتكلَّف ذلك.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ١١- يَكُنْ بُكُورًا
يَكُنْ بُكُورًا وَاسْتَحْجَرًا بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ وَوَادِي السِّرَى كَالْيَدِ لِلْفَمِ بُكُورًا وبِكْرًا وأبْكَرَ: سار بُكْرَةً. اسْتَحَرَ: سار سَحَرًا. سَحَرَةٌ: اسم للسَّحَر، ولا تُصرَف سَحَرَةُ وسَحَرُ إذا عنيتَ بهما من يومك الذي أنت فيه، وإن عنيتَ سَحَرًا من الأسحار صُرِفَتَا. وادي السِّرَى: وادٍ بعينه.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ١٢- وَنُبِّئْتُ مَلْهَى
١٢- وَنُبِّئْتُ مَلْهَى اللَّطِيفِ وَمَآنِقٍ أَيْنٍ لِعَيْنِ النَّاظِرِ الْمُتَوَسِّمِ المَلَهَى: اللهو وموضعه. اللَّطيف: اللُّطف. المآنِق: الحَسَن المنظر. الأَيْنُ: المُعْجِب، فعل بمعنى المفعول، كالحكيم بمعنى المُحكَم، والسميع بمعنى المُسْمَع، والأليم بمعنى المؤلِم، ومنه قول عز وجل: «عَذَابٌ أَلِيمٌ» (البقرة: ١٠). ومنه قول ابن مَيَّادَةَ: (١) «والزائر»: أمن رَحَانَةِ الدَّاعِي السَّمِيعِ يَزُورْنَنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ أي: السَّمِع. والإبانة: الإعجاب. الوَسْم: النَّقْش، ومنه قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» (الحجر: ٧٥). وأصله من الوَسْم والوَسَامَة، ومعناهما الحُسْن، كان الوَسْم يتبع محاسن الشيء، وقد يكون من الوَسْم يكون تتبُّع علامات الشيء وسِمَاتِهِ. يقول: وفي هؤلاء النِّسوان لَهْوٌ أو موضعُ لَهْوٍ للمآنِق الحَسَنِ المنظر، ومَناظر معجِبةٍ لعينِ النَّاظِرِ المتَّبِعِ محاسنَهُنَّ وسِمَاتِ جَمالِهِنَّ.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ١٣- كَأَنَّ فُتَاتَ
١٣- كَأَنَّ فُتَاتَ الْعِهْنِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حُبُّ الْفَصِيدِ لَمْ يُحَطَّمِ الفُتات: اسمٌ لما انتُفَ من الشيء، أي قُطِّع وتفرَّق، وأصله من الفَتِّ، وهو التقطيعُ والتفريق، والفعلُ منه فَتَّ يَفُتُّ، والمبالغةُ التَّفْتِيت، والمطاوِعُ الافتِتاتُ والتَّفَتُّت. الفَتَا: عيبُ الثَّلْب. التَّحَطُّم: الكَسْر، والحُطام: الكَسْر. العِهْن: الصُّوفُ المصبوغ، والجميع العُهُون. يقول: كان قَطْعُ الصُّوفِ المصبوغِ الذي زُيِّنَتْ به الهوادجُ في كلِّ مَنْزِلٍ نزلْنَهُ هؤلاء النِّسوةَ حَبَّ عنبٍ شُبِّه في حال كونه غيرَ مُحَطَّمٍ، لأنَّه إذا حُطِّم زال لَوْنُه، شبَّه العِهْنَ الأحمر بحَبِّ عنبِ العِنَبِ قبل حَطْمِه.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ١٤- فَلَمّا وَرَدْنَ
فَلَمّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقًا جِمَامَهُ وَضَعْنَ عَصِيَّ الحَاضِرِ المُتَخَيِّمِ الزُّرْقَة: شدة الصفاء، ونصل أزرق وماء أزرق إذا اشتد صفاؤهما، والجمع زُرْق، ومنه زُرْقَة العين. الجِمَام: جمع جم الماء وجمته، وهو ما اجتمع منه في البئر والحوض أو غيرهما. وضع العصيّ: كناية عن الإقامة، لأن المسافرين إذا أقاموا وضعوا عصيّهم. المُتَخَيِّم: إبقاء الخيمة. يقول: لما ورد هؤلاء الظِّلْمان الماء، وقد اشتد صفاؤه، ما جمع منه في الآبار والحائض، عزم على الإقامة كالحاضر البنيّ الخيمة.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ١٥- تَظَلُّ مِنْ
تَظَلُّ مِنْ بَيْنِ السُّودَانِ ثُمَّ جَزَعْنَ عَلَى كُلِّ قَيْنٍ قَيْنِبٍ مُتَفَهِّمِ الجَزْع: قطع الوادي، والفعل جَزَع يَجْزَع، ومنه قول امرئ القيس:(١) [الطِّرِيل:] وآخرُ منهم جازِعٌ نجدَ كَبْكَبِ أي قاطع. القَيْن: كل صانع عند العرب، فالحدّاد قَيْن، والجزّار قَيْن، والخيّاط هنا الرَّحَّال. وجمع القَيْن قُيَّان مثل بيت وبيوت، وأصل المُتْقِن الإصلاح، والفعل منه قان يُقِين، ثم وُضِع المصدر موضع اسم الفاعل وجعل كل صانع قَيْنًا لأنه مصلح، ويُروى: على كل حِجْرِيّ، منسوب إلى الحِجْرَة(٣)، وهي بلدة. النَّقْب: الجَدِيد. المُقَام: الموسِع. يقول: علون من وادي السُّودان ثم قطعنه مرة أخرى لأنه اعترض لهن في طريقهن مرتين ومن على كل رَحْلٍ حِجْرِيّ أو قَيْنِبٍ جديد موسِع. (١) الديوان: ١١٧. (٢) القائل رجل من الحجاز. (٣) الحِجْرَة: مدينة قريبة من الكوفة، وكان الملوك العرب يسكنونها في الجاهلية.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٢٠- فأصبحتما
فَأَصْبَحْتُمَا عَلَى خَيْرِ مَوْطِنٍ بَعِيدَيْنِ فِيهَا مِنْ عُقُوقٍ وَمَأْثَمِ يقول: فأصبحتما على خير موطن من الصلح بعيدين في إتمامه من عقر الآثار، والمأثم بقطيعة الرحم، وتلخيص المعنى: إنكما طلبتما الصلح بين العشائر بذل الأعلاق ونفرنا به، وبعدتما عن تقطيع الرحم، والضمير في منها يعود إلى السلم، بذكر ورويت.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٢١- عظيمين في
عَظِيمَيْنِ فِي عَلْيَا مُعَدٍّ وَحَسْبِهَا وَمَنْ يَسْتَبِحْ كَنْزًا مِنَ الْمَجْدِ يُعْظَمِ يقول: نظرتِهما بالصلح في حال عظمتكما في الرتبة العليا من شرف معد وحسبها، ثم دعا لهما فقال: هديتما إلى طريق الصلاح والنجاح والفلاح؛ ثم قال: ومن وجد كنزاً من المجد مباحاً واستأصله عظم أمره أو عظم فيما بين الكرام. المورِّدةُ غانمٌ منفردةٌ من إبلٍ صغارٍ مُعَلَّمَةٍ، وخصَّ الصِّغارَ لأنَّ الدِّيات تُعْطى من بناتِ اللَّبون(١)، والحِقاق(٢)، والأجذاع(٣)، ولم يقل المُزْنِمَة وإن كان صفةَ الإبلِ حَمْلًا على اللَّفْظ، لأنَّ فَعالًا من الأَبِنَةِ التي اشترك فيها الآحادُ والجمعُ، وكلُّ بناءٍ انحطَّ في هذا السلكِ ساغَ تذكيرُه حَمْلًا على اللَّفظِ.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٢٣- لَعَمْرِي لَنَعِمَتِ
٢٣- لَعَمْرِي لَنَعِمَتِ القَبِيلَةِ جَزَى عَلَيْهِمُ بِمَا لَا يُوَاتِيهِمْ حُصَيْنُ بْنُ ضَمْضَمِ يقول: أقسم بحياتي لنَعِمَتِ القبيلةُ جنى عليهم حصينُ بنُ ضَمْضَمٍ، وإن لم يوافِقوه في إضمار النَّذْرِ ونقض العهد.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٢٤- وَكَانَ طَوَى
٢٤- وَكَانَ طَوَى كَشْحًا عَلَى مُسْتَكِنَّةٍ فَلَا هُوَ أَبْدَاهَا وَلَمْ يَتَقَدَّمِ الكَشْح: منقطَع الأضلاع، والجمع كُشوح، والكاشِحُ مُضْمِرُ العداوة في كشحه، وقيل بل هو من قولهم: كَشَحَ يَكْشَحُ كَشْحًا إذا أدبر وولّى، وإنما سُمِّي العدوُّ كاشحًا لإعراضه عن الودِّ والوفاق. ويقال: طوى كشحَه على كذا: أي أضمره في صدره. والاستِكان: طلب الكِنِّ، والاستِكانُ الاستتار، وهو في البيت على المعنى الثاني. "فلا هو أبداها": أي فلم يُبْدِها. يقول: عند أسد نامَ السلاحُ يصلحُ لأن يُرمى به إلى الحروبِ والوقائع، يشبِّه أسدًا له لِبدان لم تُقْلَمْ بَراثِنُه، يريد أنّه لا يعتريه ضعفٌ ولا يعيبه عدمُ شوكةٍ كما أنّ الأسد لا تُقْلَمُ براثِنُه، والبيتُ كلُّه من صفةِ حصنٍ. الجرأةُ والجُرْأَةُ: الشجاعة، والفعلُ: جَرُؤَ يَجْرُؤُ، وقد جَرَأْتُ عليه: بدأتُ بالشيء، أبدأُ به مَجْرَأً، فقُلِبَتِ الهمزةُ ألفًا ثم حُذِفَتْ للجزم. يقول: وهو شجاعٌ متى ظُلِمَ عاتَبَ الظالمَ يَظْلِمْهُ سريعًا، وإن لم يَظْلِمْه أحدٌ ظَلَمَ الناسَ إظهارًا لفنائه وحُسْنِ بلائه، والبيتُ من صفةِ أسدٍ في البيت الذي قبله، ثم أضرب عن قصَّته ورجع إلى تقبيحِ صورةِ الحربِ والحثِّ على الاعتصامِ بالصُّلح. يقول: دعَوْا إليهم الكَلأ حتى إذا تمَّ الظُّلمُ أردَوْها مياهًا كثيرة، وهذا كلُّه استعارة، والمعنى أنّهم كَفُّوا عن القتال وأَقْلَعوا عن النِّزال مدَّةً معلومة كما تَرْعى الإبلُ مدَّةً معلومة ثم تُعاوِدُ الرَّوَافِع كما تَرِدُ الإبلُ بعد الرَّعْي، فالحربُ يهتزُّ النِّمارُ، ولكنها تَنْشَأُ عنهم باستعمالِ السلاح وسَفْكِ الدماءِ. قَضَيْتُ الشيءَ وَوَفَّيْتُه: أحكمتُه وأتممتُه. أَصْدَرْتُ: ضدُّ أَوْرَدْتُ. استَمْرَرْتُ الشيءَ: وجدْتُه وبيلًا، واستمررْتُه وتجرَّعْتُه: وجدْتُه وبيلًا، والوَبيل: الذي لا يُسْتَمْرَأُ(١). (١) لا يُسْتَمْرَأُ الطعامُ: لا يُعَدُّه هنيئًا.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٢٥- أَلا أَبْلِغِ
أَلا أَبْلِغِ الأَحْلافَ عَنِّي رِسَالَةً وَذُبْيَانَ هَلْ أَقْسَمْتُمُ كُلَّ مُقْسَمِ الأحلافُ والحُلَفاءُ: الجيرانُ، جمعُ حليفٍ على أحلافٍ كما جُمِعَ نجيبٌ على أنجابٍ، وشريفٌ على أشرافٍ، وشهِدٌ على أشهادٍ، أنشد يعقوبُ: قَدْ أَغْتَدِي لِفِتْيَةٍ أَنْجابِ وَجَهْنَةَ اللَّيْلِ إِلَى ذُهَابِ أقسمَ أي حَلَفَ، وتقاسَموا القَسَمَ أي تحالفوا، والقَسَمُ الحَلْفُ، والجميعُ الأقسامُ، وكذلك القَسيمةُ. هلْ أَقْسَمْتُمْ أي قد أقسمتم، ومنه قولُه تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ أي قد أتى، وأنشد سيبويه(٤): سَائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوعٍ بِشِدَّتِنَا أَهْلٌ رَأَوْنَا بِسَفْحِ القَفِّ ذِي الأَكَمِ أي قد رآنا، لأنَّ حرفَ الاستفهامِ لا يُلْحَقُ حرفَ الاستفهامِ. يقول: أَبْلِغْ ذُبْيانَ وحُلَفاءَها، وقُلْ لهم قد حلفتم على إبرامِ حَبْلِ الصُّلْحِ كلَّ حَلْفٍ، فتحرَّجوا من الحِنْثِ وتنجَّوا.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٢٦- فَلا تَكْتُمُنَّ
فَلا تَكْتُمُنَّ اللَّهَ مَا فِي نُفُوسِكُمْ لِيَخْفَى وَمَهْمَا يُكْتَمِ اللَّهُ يَعْلَمِ يقول: لا تَخْفُوا من الله ما تُضْمِرون من الغَدْر وتَنْقُضوا العَهْدَ ليَخْفَى على الله، ومهما يُكْتَمْ من شيءٍ يَعْلَمْهُ اللهُ، يُريد أنَّ اللهَ عالمٌ بالخَفِيَّاتِ والسَّرائرِ ولا
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٢٧- يُؤَخَّرْ فَيُوضَعْ
يُؤَخَّرْ فَيُوضَعْ في كِتَابٍ لِيُؤَخَّرَ لِيَوْمِ الحِسَابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقِمْ أي يؤخَّر عقابه ويُرْتَكَم في كتاب فيؤخَّرَ ليوم الحساب أو يعجَّل العقاب في الدنيا قبل المصير إلى الآخرة فينتقم من صاحبه، يريد لا مخلِص من عقاب الذنب آجلاً أو عاجلاً.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٢٨- وَلَا الْحَرْبُ
وَلَا الْحَرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ المُرَجَّم: التَّجْرِبَة. الحديث المُرَجَّم: الذي يُرْجَم فيه بالظنون أي يُحْكَم فيه بظنونها. يقول: ليست الحربُ إلا ما عهدتموها وجَرَّبْتُمُوها ومارَسْتُم كراهتها، وما هذا الذي أقول بحديثٍ مُرَجَّم عن الحرب، أي هذا ما شهدت عليه الشواهد الصادقة من التجارب وليس من أحكام الظنون.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٢٩- مَتَى تَبْعَثُوهَا
مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً وَتَضْرِ إِذَا ضَرَيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ المُضْرَى: شدَّة الحرب واسْتِعارُ نارِها، وكذلك القَرْوَى، والفعل ضرَى يَضْرى، والإضْراء، والتَّضْرِيَة الحَمْل على الضَّرَاوَة، ضرَتْه النار تَضُرُّه ضرًّا واضطرمتْ وتضرَّمتْ: التهبتْ، وأضرمتْها وضرمتْها: ألهبتْها. يقول: متى تُنْبِئُوا الحربَ تَنْبُهُ مَنْظُومةً أي تَعْمِدون على إثارتها، ويشتدُّ ضررها إذا حملتموها على شدَّة القَرْوَى فتلهب نيرانَها، ويخلُص المعنى: إنكم إذا أَوْقَدْتُمْ نارَ الحرب دَمَّمْتُمْ، ومتى أثَرْتُمُوها ثارت ورجعت عليكم ما جنت، يَحُثُّهم على التمسك بالصلح، ويعلِّمهم سوء عاقبة إيقاد نار الحرب.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٣٠- فَتَسْتَخْرِجُكُمْ حُرَّةً
فَتَسْتَخْرِجُكُمْ حُرَّةً رَحْمِ بَطْنِهَا وَتُلْقِحْ كِبَاشاً ثُمَّ تُنْتِجْ فَتَتْئِمِ مِثالُ الرَّحْم: حُرَّة أو جِلْدَة تُبْسَط تَحْتَها لِيُقْمَ عليها الطَّحْنُ. والباء في قوله بَطْنِها بمعنى: مِنْ. اللِّقاح والفِلاَح: حَمْلُ الوَلَدِ، يقال: لَقِحَتِ الناقةُ، والإفْلاَحُ جعلها كذلك. الكِشَاف: أن تُلْقِح النَّجْمَةُ في السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ. انتهى. المضارِّ المتولِّدةِ من هذه الحروب تُربِي على المنافعِ المتولِّدةِ من هذه القِرَى، كلُّ هذا حثٌّ منه إيّاهم على الاعتصام بحبلِ الصلح، وزجرٌ عن النَّزْرِ بإيقاد نار الحرب.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٤١- لَعَمْرُكَ ما
لَعَمْرُكَ ما جَرَّتْ عَلَيْهِم رِمَاحُهُمْ دَمَ ابْنِ نُهَيْكٍ أوْ قَتْلَ المُحَلَّمِ يقول: أُقسِمُ بيمينك وحياتك أن رماحهم لم تجْنِ عليهم دماء هؤلاء المسمَّين، أي لم يَسفِكوها ولم يشارِكوا قاتليهم في سفك دمائهم، والتأنيث في «شاركت» للرماح يبيِّن براءة دمهم عن سفك دمهم ليكون ذلك أبلغ في مدحهم بفضلهم القتل.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٤٢- ولا شاركت
وَلا شارَكْتَ في الحَزْبِ في دَمٍ تُنَوِّلُ وَلا رَكِبْتَ سَنَامَهَا وَلا ابْنَ السَّخْرَمِ مضى شرح هذا البيت في أثناء شرح البيت الذي قبله.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٤٣- فَكَلَّا أَرَاهُمْ
فَكَلَّا أَرَاهُمْ أَضْيَعُوا يَعْقِلُونَهُ صَحِيحَاتِ مَالٍ طَالِبَاتٍ بِالمَحْرَمِ عَقَلْتُ القتيلَ: دِيَتَه، وعَقَلْتُ عن الرجلِ أعقِلُ عنه الدِّيَةَ التي لَزِمَتْه، وسُمِّيَتِ الدِّيَةُ عَقْلًا لأنَّها تَعقِلُ الدمَ عن السَّفْك أي تَحْبِسُه، وقيل: بل سُمِّيَت عَقْلًا لأنَّ الوادي كان يأتي بالإبل إلى أَفْنِيَةِ القتيل فيَعْقِلُها هناك بحقوله، فَنُقِلَ على هذا القتلُ بمعنى المَعْقول، ثم سُمِّيَتِ الدِّيَةُ عَقْلًا وإن كانت دَنانيرَ ودَراهِم، والأصل ما ذكرنا. طَلَعَتِ الثَّنِيَّة، وأَطْلَعْتُها: عَلَوْتُها؛ المحْرَم: مُنْقَطَعُ أَنْفِ الجَبَلِ والطريقِ فيه، والجميعُ المَحارِم.