شرح المعلقات السبع
تأليف القاضي أبي عبدالله الحسين بن أحمد الزوزني المتوفى سنة ٤٨٦ هجرية
الجذور
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٤٨- رأيت المنايا
رَأَيْتُ الْمَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ تُمِتْ وَمَنْ تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ الخَبْطُ: الضَّرْبُ باليَدِ، والفِعْلُ خَبَطَ يَخْبِطُ. العَشْوَاءُ: نَاقَةٌ عَشْوَاءُ، تَائِهَةُ العَشَى، وجَمْعُها عُشْوٌ، والبَاءُ في عُشْوٍ مُنْقَلِبَةٌ عنِ الوَاوِ كما كانت في رِضًا مُنْقَلِبَةً عنها، والمُعْشَواءُ: النَّاقَةُ الَّتِي لا تُبْصِرُ لَيْلًا، ويُقَالُ في المَثَلِ: هُوَ خَابِطٌ خَبْطَ عَشْوَاءَ، أَي كَالنَّاقَةِ الَّتِي لا تُبْصِرُ لَيْلًا فَتَخْبِطُ بِيَدَيْهَا على عَمًى، ثُمَّ رُبَّمَا تَرَكَتْ في مَهْوَاةٍ(١)، وَرُبَّمَا وَطِئَتْ سَبُعًا أَوْ حَيَّةً أَوْ غَيْرَ ذٰلِكَ. قَوْلُهُ: «وَمَنْ تُخْطِئْ» أَي: وَمَنْ تُخْطِئْهُ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ، وَحَذْفُهُ سَائِغٌ كَثِيرٌ في الكَلَامِ وَالشِّعْرِ وَالتَّمْثِيلِ. التَّعْمِيرُ: تَطْوِيلُ العُمْرِ. (١) مَهْوَاةٌ: المَكَانُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٤٩- ومن لم
وَمَنْ لَمْ يُصَانِعْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَيُوطَأْ بِمَنْسِمِ يَقُولُ: وَمَنْ لَمْ يُصَانِعِ النَّاسَ وَلَمْ يُدَارِهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ قَهَرُوهُ وَغَلَبُوهُ وَآذَوْهُ وَرُبَّمَا قَتَلُوهُ، كَالَّذِي يُضَرِّسُ بِنَابٍ وَيُوطَأُ بِالمَنْسِمِ. الضَّرْسُ: العَضُّ على الشَّيْءِ بِالضِّرْسِ، وَالخِضْرِسُ مُبَالَغَةٌ، وَالمَنْسِمُ لِلبَعِيرِ: بِمَنْزِلَةِ السِّنْبُكِ(٢) لِلْفَرَسِ، وَالجَمْعُ المَنَاسِمُ. (٢) السِّنْبُكُ: طَرَفُ الحَافِرِ.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٥٠- ومن يجعل
وَمَنْ يَجْعَلِ الْمَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ يَقُولُ: وَمَنْ جَعَلَ مَعْرُوفَهُ وَإِحْسَانَهُ جُنَّةً يَتَوَقَّى بِهَا عِرْضَهُ مِنَ الرِّجَالِ عَنْ أَنْ يُنَالَ بِسُوءٍ، وَجَعَلَ إِحْسَانَهُ وَاقِيَةً عَنْ شَتْمِهِ، لَمْ يُشْتَمْ. عرضه وفر مكارمه، ومن لا يَبْذُلِ الناسَ إياه شُتِم؛ يريد أن من بذل معروفه صان عرضه، ومن بخل بمعروفه عرض عرضه للذم والشتم. ووَرْثَ الشيءَ: أَثَرَه، وفِرَأَ: أكثره، وورثه فِرْواً وزوراً.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٥١- ومن يك
وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذَمَّمِ يقول: من كان ذا فضل ومال بخل به استغني عنه وذم. فأظهر التضعيف على لغة أهل الحجاز، لأن فهمهم إظهار التضعيف في محل الجزم والبناء على الوقف.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٥٢- ومن يوف
وَمَنْ يُوفِ لَا يُذَمَّمْ وَمَنْ يُهْدِ قَلْبَهُ إِلَى مُطْمَئِنِّ الْبِرِّ لَا يَتَجَمْجَمِ يقول: ومن أوفى بعهده لم يلحقه ذم، ومن هدي قلبه إلى بر يطمئن القلب إلى حسنه ويسكن إلى موضعه، لم يتجمجم (١) في إسناده وإيلائه.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٥٣- ومن هاب
وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يُنَلْنَهُ وَإِنْ يَرْقَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ يقول: ومن خاف وهاب أسباب المنايا نالته، ولم يجد عليه خوفه وهيبته إياها نفعاً ولو رام الصعود إلى السماء فراراً منها.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٥٤- ومن يجعل
وَمَنْ يَجْعَلِ الْمَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ يَكُنْ حَمْدُهُ ذَمًّا عَلَيْهِ وَيَنْدَمِ يقول: ومن وضع أياديه في غير من استحقها، أي من أحسن إلى من لم
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٥٨- وكلُّ ما
وَكُلُّ مَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ يقول: ومهما كان للإنسان من خُلُقٍ ظنَّ أنه يَخْفَى على الناس عُلِمَ ولم يَخْفَ. والخُلُق والخليقة واحد، والجمع الأخلاق والخلائق، وتحرير المعنى: أن الأخلاق لا تَخْفَى، والتخلُّق لا يَبْقَى على خفاء.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٥٩- وكائن ترى
وَكَائِنْ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِبٍ زِيَادَتُهُ أَوْ نُقْصُهُ فِي التَّكَلُّمِ يقول: في «كائن» ثلاث لغات: كائِن، وكائِن، وكائِن، مثل: كاعِن، وكاعِن، وكاعِن، والصَّمْت والصَّمَت والصُّمُوت واحد، والفعل: صَمَتَ يَصْمُتُ. يقول: وكم من صامتٍ يُعْجِبُكَ صَمْتُهُ فتستحسنه، وإنما تظهر زيادته على غيره ونقصانه عن غيره عند تكلُّمِه.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٦٠- لسان الفتى
لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ هذا كقول العرب: «المَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ: لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ»، فجعَلَ حقيقةَ الإنسان لسانَهُ وفؤادَه، وما عدا ذلك من جثته صورةُ لحمٍ ودمٍ لا اعتبار لها بدون هذين.
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٦١- وإن سفاه
وَإِنَّ سَفَاهَ الشَّيْخِ لَا حِلْمَ بَعْدَهُ وَإِنَّ الْفَتَى بَعْدَ السَّفَاهَةِ يَحْلُمِ يقول: إذا كان الشيخُ سَفِيهًا لم يُرْجَ حِلْمُه؛ لأنَّه لا حالَ بعد الشَّيْبِ إلَّا الموتُ، والفتى إن كان نَزِقًا سَفِيهًا أَكْسَبَهُ شَيْبُهُ حِلْمًا وَوَقَارًا. ومثله قولُ صالحِ بنِ عبدِ القُدُّوس: «والشَّيْخُ لا يَسْتُرُ أَحْلَامَهُ حتَّى يُبَارِيَ فِي السُّرَى رُكْبُهُ».
- معلقة زهير بن أبي سلمى. ٦٢- سألناكم
سَأَلْنَاكُمُ فَأَعْطَيْتُمُ وَعُدْنَا فَعُدْتُمُ وَمَنْ أَكْثَرَ السُّؤَالَ يَوْمًا سَيُحْرَمِ يقول: سألناكم رِفْدَكم ومعروفَكم فَجُدْتُم بهما، ثم عُدْنَا إلى السُّؤال فعُدْتُم إلى النَّوال، ومَنْ أَكْثَرَ السُّؤَالَ حُرِمَ يَوْمًا لا مَحَالَةَ. والسُّؤَّال: السَّائِل، وتُعَدُّ من أبنية المصادر.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ١- عفت الديار
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا بِمِنًى تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فَرِجَامُهَا عَفا لازمٌ ومتعدٍّ، يُقال: عَفَتِ الرِّيحُ المنزلَ، وعَفا المنزلُ نفسُه عَفْواً وعَفاءً وعُفُوّاً، وهو في البيت لازم. المَحَلُّ: من الديار ما حَلَّ فيه لأيامٍ معدودة، والمُقامُ منها: ما طالت الإقامةُ به. مِنًى: موضعٌ بحمى ضَرِيَّة غيرُ مشرفٍ على الحَرَم، ومِنًى يُنصَرَف ولا يُنصَرَف، ويُذكَّر ويُؤنَّث. تَأَبَّدَ: تَوَحَّشَ، وكذلك آبدٌ وأَيْدٌ وأَبِيدُ أبداً. والغَوْلُ والرِّجَامُ: جَبَلانِ مَعروفان؛ ومنه قول أوس بن حجر (١): زَعَمْتُمْ أَنَّ غَوْلًا وَالرِّجَامَ لَكُمْ حِجًى ... يقول: عَفَت دِيَارُ الأحباب، وانمَحَت منازِلُهم ما كان منها للمُقامِ دون الإقامة، وما كان منها للإقامة؛ وهذه الديار كانت بالموضع المسمَّى مِنًى، وقد تَوَحَّشَت الدِّيَارُ الغُولِيَّةُ والدِّيَارُ الرِّجَامِيَّةُ منها، لا تُحْتَمَلُ نُزَّالاً ولا يُتَحَقَّق سُكَّانُها، والكتابة في غَوْلِها ورِجَامِها راجعةٌ إلى الديار؛ قولُه: تَأَبَّدَ غَوْلُهَا، أي دِيارُ غَوْلِها ودِيارُ رِجَامِها، أي دِيارُ غَوْلٍ ودِيارُ رِجَامٍ، فَعُدِلَ عن الإضافة. (١) : حِجْر.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٢- فمدافع الريان
فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا خَلَقًا كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُهَا المَدافِعُ: أماكنُ يندفع عنها الماء عن المرتفع من الثَّرَى والأَخْيافِ (٢)، الواحدُ مَدْفَع. والرَّيَّانُ: جَبَلٌ معروف؛ ومنه قولُ جرير (٣): أَقْحَمْتَ رَأْسَكَ فِي الرَّيَّانِ مُعْتَسِفًا حَتَّى أُضِعْتَ وَمَا تَدْرِي بِمَا انْتُهِكَتْ والوَحِيُّ: المَطَرُ القليلُ يقعُ على الأرض فيُبِينُ أثرَه فيها. والسِّلامُ: الحجارةُ اليابسةُ التي لا نَباتَ عندَها. يصفُ آثارَ تلك الديار بأنَّها بَلِيَتْ وتَقَدَّمَ عَهْدُها، كما يَبْلى ما ضَمِنَه الوَحِيُّ من السِّلامِ، أي ما أحاط به المطرُ من تلك الحجارة. (٢) الأخياف: ما ارتفع من مسائل الجبل. (٣) الديوان: ٤٩٣. يا حَبَّذا جَبَلُ الرَّيَّانِ مِنْ جَبَلٍ وَحَبَّذا ساكِنُ الرَّيَّانِ مِنْ كانَا التعرية: مصدر عرَّيتُه عرْيًا وتعريةً. الوَحْيُ: الكتابة، والفعل وَحَى، والوَحْيُ: الكتاب، والجمع الوُحِيُّ. السِّلامُ: الحجارة، والواحدة سَلَمَة، بكسر اللام؛ فمدافع: معطوفٌ على قولِه غَوْلُها. يقول: توحَّشَتِ الدِّيارُ الخاليةُ والرَّحْبةُ، وتوحَّشَتْ مَدافِعُ جبلِ الرَّيَّانِ لا ارتحالَ الأَجْمالِ منها واحتمالَ الجِمالِ عنها؛ ثم قال: وقد توحَّشَتْ وغَبِرَتْ رُسومُ هذه الدِّيارِ فَثَبَتَتْ خَلَقًا(١) لأنَّما عَراها السُّيولُ ولم تَمْحِها بطولِ الزمان، فكأنَّه كتابٌ ضُمِّنَ حَجَرًا، شُبِّهَ بقاءُ الآثارِ لقِدَمِ الأيَّامِ ببقاءِ الكتابِ في الحَجَر، ونُصِبَ خَلَقًا على الحال، والعاملُ فيه عُرِّيَ، والمُضْمَرُ الذي أُضيفَ إليه سِلامٌ عائدٌ إلى الوَحْيِ. (١) خَلَقًا: باليًا.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٣- وَمَنْ تَجَرَّمْ
وَمَنْ تَجَرَّمْ بَعْدَ عَهْدِ أَبْيَتِهَا حُجُجًا تُحِلُّونَ حَوْلَهَا وَتَرْحَلُوا الجُرْمُ: التكمُّلُ والانقطاعُ؛ يُقال: تَجَرَّمَتِ السَّنَةُ، وسَنَةٌ مُجَرَّمَةٌ أي مُكَمَّلَةٌ. العَهْدُ: اللِّقاءُ، والفعلُ عَهِدَ. الحُجَجُ: جمعُ حِجَّة، وهي السَّنَةُ. وأراد بالحَرَمِ الأَشْهُرَ الحُرُم، وبالحَلَالِ أَشْهُرَ الحِلِّ، الخُلُوَّ، المَضِيَّ؛ ومنه الخَلاءُ، ومنه قولُه عزَّ وجلَّ: {لَئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: ١٦٥]. يقول: هي آثارُ دِيارٍ قد تَمَّتْ وتكمَّلَتْ، وانقطعتْ بعد عهدِ ساكنيها بها، سِنُونَ مَضَتْ أَشْهُرُ الحَرَمِ وأَشْهُرُ الحِلِّ منها؛ وتحريرُ المعنى: قد مَضَتْ بعدَ ارتحالِهم عنها سنونٌ بِكَمالِها، حُجَجٌ تُحِلُّونَ في بعضِها، وحلالُها بدلٌ من الحُجَجِ، وحَرامُها معطوفٌ عليها، والسَّنَةُ لا تعدو أَشْهُرَ الحَرَمِ وأَشْهُرَ الحِلِّ؛ فخبرٌ عن مَضِيِّ السَّنَةِ بمَضِيِّها.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٤- وَرَزَّقْتِ مَرَابِيعَ
وَرَزَّقْتِ مَرَابِيعَ النُّجُومِ وَصَوْبَهَا وَذُو الرَّزَائِدِ يَجُودُهَا فِرَاعُهَا مَرابِيعُ النُّجُومِ: الأَنواءُ الرَّبيعيَّة، وهي المَنازِلُ الرُّبُعيَّة التي تَنْزِلُها الشَّمسُ في فصلِ الرَّبيع، والواحِدُ رَبيعٌ. الصَّوْبُ: الإِصابةُ؛ يُقال: صابَه أمرٌ كذا وأصابَه. وذو الرَّزائِدِ: السَّحابُ الكثيرُ الماءِ، من أرْزَدَ السَّحابُ إذا سالَ ماؤُه وكَثُر، واحدتُه رَزيدة؛ يَجُودُها: يُكْثِرُ مَطَرَهُ عليها. فِراعُها: أَعاليها. يقول: إنَّ هذه الدِّيارَ قد رُزِقَتْ أَمطَارَ الأَنواءِ الرَّبيعيَّةِ، وصابَها مطرُها، وجادَتْ عليها السُّحُبُ ذواتُ الماءِ في أَعاليها.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٥- مِنْ كُلِّ
مِنْ كُلِّ سَارِيَةٍ وَغَادٍ مُدْجِنٍ وَعَمِّيَةٍ تَتَجَاوَبُ أَصْوَاتُهَا السارية: السحابة الماطرة ليلاً، والجمع السوارى. المدجن: الملبس آفاق السماء بظلامه لفرط كثافته، والجن: الستر. وقد أرعدت الرَّزْمَةُ، وقد أدجن الغيم: ألبس، التمصيت: وقد أرزمت الناقة إذا رغت، والاسم الرَّزْمَةُ، ثم فسر تلك الأمطار فقال: هي من كل مطر سحابة سارية ومطر سحاب غاد يلبس آفاق السماء بكثافته وتراكمه، وسحابة عميّة تجاوب أصواتها، أي كان دعاؤها تتجاوب. جمع لها أمطار السنة لأن أمطار الشتاء أكثرها يقع ليلاً، وأمطار الربيع أكثرها يقع غداة، وأمطار الصيف أكثرها يقع عشياً؛ كذا زعم مفسرو هذا البيت.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٦- فَأَطْفَلَتْ فُرُوعُ
فَأَطْفَلَتْ فُرُوعُ الأَهْتِمَانِ وَانْطَلَقَتْ بِالجِلْهَقَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا الأهْتِمان، بفتح الهاء، وضمها: ضرب من النبات، وهو الجرجير البري. أطفلت أي صارت ذات أطفال. الجلهقان: جانبا الوادي. ثم أخبر عن إخضاب الديار وأعشابها فقال: فعلت بها فروع هذا الضرب من النبات، وأصبحت الظباء، والنعام ذات أطفال بجانبي وادي هذه الديار، قوله: ظباؤها ونعامها، يريد: وأطفلت ظباؤها وباضت نعامها، لأن النعام يبيض ولا تلد.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٧- والعين ساجعة
وَالْعَيْنُ سَاجِعَةٌ عَلَى أَطْلَائِهَا غُرْدًا نَجَائِلُ بِالْقَضَاءِ بِهَامُهَا العين: وسمات العيون. الأطلاّء: الاطلاء، ولد الوحش حين يولد إلى أن يأتي عليه شهر، والجمع الأطلاء. ويستعار لولد الإنسان وغيره. العوذ: الحديثات النتاج، الواحدة عائذ، مثل عائط، وعوط وحائل وحول ويزان(٦) ونزر وفاز(٧) وفرو، وجمع الفاعل على فعل قليل مقول فيه على الحفظ. الأجل: القطع من بقر الوحش، والجمع آجال، والتناجل: صيرورتها إخلاًّ اجلاء. الفضاء: الصحراء. البهام: أولاد الضأن إذا انفردت، وإذا اختلطت بأولاد
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٨- وَجَلَّ السُّيولُ
وَجَلَّ السُّيُولُ عَنِ الطُّلُولِ كَأَنَّهَا زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَهَا أَقْلَامُهَا يقول: وكشفت السُّيولُ عن أطلال الديار فأظهرتها بعد ستر التراب إياها، فكانت الديار كتباً تجدِّد الأقلامُ كتابتها، فشبَّه كشفَ السُّيول عن الأطلال التي غطاها التراب بتجديد الكتاب سطورَ الكتاب الدارس، وظهور الأطلال بعد دروسها بظهور السطور بعد دروسها، وأقلامُ مضافةٌ إلى ضمير زبر، واسم كان ضمير الطلول. الدّواء الجرح والكحل العين، النور: النقش المتخذ من دخان السراج والنار، وقيل النيلج، الكَفَّة: جمع كِفَّة وهي الدارات، وكل شيء مستدير كُفَّة، بكسر الكاف، وجمعها كُفَف، وكل مستطيل كَنَف، بفتحها، والجمع أَكْنَاف، كذا حكى الأئمة. تَعَرَّض وأعرض: ظهر ولاح، الرَّشام: جمع وسم، شبه ظهور الأطلال بعد دُروسها بتجديد الكتابة وتجديد الرسم. يقول: كأنها زِبَرٌ أو تزاويد وامِشَةٍ وشماً قد ذَرَّت نُورَها في دارات ظهر الوِشام فيها؛ فَعَادَتْهَا كما تعبث السيول الأطلال إلى ما كانت عليه، فجعل إظهار السَّيْل الأطلال كإظهار الرَّواشم الوَشْم، وجعل دُروسها كدروس الرسم. تُذَارُها: اسم ما لم يُسَمَّ فاعله، وكَفًّا هو المفعول الثاني، يبقى على انتصابه بعد إسناد الفعل إلى المفعول، وشابها: فاعل تَعَرَّض وقد أُضيف إلى ضمير الرَّواشم.