شرح المعلقات السبع
تأليف القاضي أبي عبدالله الحسين بن أحمد الزوزني المتوفى سنة ٤٨٦ هجرية
الجذور
- معلقة لبيد بن ربيعة. ١٠- فَوَقَفْتُ أَسْأَلُهَا
فَوَقَفْتُ أَسْأَلُهَا، وَكَيْفَ سُؤَالُنَا صُمًّا خَوَالِدَ مَا يُبِينُ كَلَامَهَا الصُّمُّ: الطِّلَابُ، والواحد أَصَمُّ والواحدة صَمَّاء. خوالِد: بَواقٍ. يَبِين: يظهر، بان يَبِين بَيَاناً، وإنه قد يكون بمعنى أظهر ويكون بمعنى ظهر، وكذلك يَبِنُ ويَتَبَيَّنُ قد يكون بمعنى ظهر، وقد يكون بمعنى عَرَف، واستبان كذلك، فالأول لازم، والأربعة قد تكون لازمة وقد تكون متعدِّية، وقولهم: إنَّ الصُّبْحَ لَذِي عَيْنَيْنِ، أي ظهر، فهو هنا لازم. ويُرْوَى في البيت: ما يَبِينُ كلامها، وما يُبِينُ كلامها، وهما بمعنى ظهر. يقول: فوقفت أسأل الطُّلول عن نُزَّالها وسُكَّانها؛ ثم قال: وكيف سؤالُنا حجارةً صُمًّا، بَواقِيَ لا يظهر كلامُها؟ أي كيف يَجْدِي هذا السؤالُ على صاحبه وكيف ينتفع به السائل؟ فَلَجَأَ إلى أنَّ الداعي إلى هذا السؤال فَرْطُ الكَلَفِ والشَّغَفِ وغايةُ الوَلَه، وهذا مستحسن في النَّسيب والمَرْثِيَّة لأن الهوى والمحبَّة يبلغان(١) صاحبها. (١) يلهبان ويحيران. بَكَرْتُ من المكان أَبْكِرُ وأَبْكَرْتُ وبَكَّرْتُ بمعنى: أي سرتُ منه بُكْرَةً. المغادرة: التَّرْك، غادَرْتُ الشيءَ تركتُه وخَلَّفْتُه، ومنه الغدير؛ لأنَّه ماءٌ تركه السَّيْل وخَلَّفَه، والجمع الغُدْران والأغْدِرَة. النَّزْوِ: نهرٌ يُحْفَرُ حول البيت ليُصَبَّ إليه الماء من البيت، والجمع نُزِيّ ونُزُوّ، وتُقْلَب نُزِيَّ أحيانًا، مثل آبار وآبار، وآرام وآرام. الشَّامُ: ضربٌ من الشجر رَخْوٌ يُسَدُّ به خَلَلُ البيوت. يقول: عَرِبَ الطِّفْلُ عن ظِلالِها بعدَ كونِ جُثَمِهِمْ بها تَسارَوْا منها بُكْرَةً وترَكوا النَّزْوَ والشَّامَ، أي ما بين منازلِهم من آثارٍ إلَّا النَّزْوِيَّ والشَّامَ، وإنَّما لم يَحْمِلوا الشَّامَ لأنَّه لا يَصْلُح معهم في مَحالِّهم. الشَّأْنُ: تسكينُ العين، تخفيفُ الطَّنِّ بضمِّها، وهو جمعُ الطَّنِّ، وهو جميعُ الطَّنَّةِ، وهي المرأةُ المُطاوِعَةُ مع زوجِها، ثم يُقال لها وهي في بيتِها طَنَّةٌ. وقد يُجْمَع بالطَّنَانِ أيضًا. المَكْنَسُ: دخولُ الكِناسِ والاستكانُ به. القَطْنُ: جمعُ قَطَنٍ، وهو جماعةٌ، والقَطَلُ واحد. الصَّريرُ: صوتُ البابِ والرَّحْلِ وغيرِ ذلك. يقول: حَمَلْتُكِ على الأشواقِ والحنينِ نساءَ الحَيِّ أو مراكبَهُنَّ يومَ ارْتَحَلَ الحَيُّ ودَخَلوا في المَكْنَسِ، جَعَلَ الهَوادِجَ للنِّساءِ بمنزلةِ الكِنسِ للوَحْشِ، ثم قال: وكانت خيامُهم المحمولةُ تَصِرُّ لِحَمْلِها. وتلخيصُ المعنى: دعوتُكِ إلى الأشواقِ والنِّزاعِ وحَمَلْتُكِ عليها نساءَ القبيلةِ حين دَخَلْنَ مَواجِعَهُنَّ جَماعاتٍ في حالِ صريرِ خيامِهِنَّ المحمولةِ، أو دَخَلْنَ مَواجِعَ غَضْبَى شِبابِ القَطَنِ، والقَطَنُ من الثيابِ الفاخرةِ عندهم، والضميرُ في «كَسَوْا» للحَيِّ، والمُضْمَرُ الذي أُضيف إليه الخيالُ للطَّنَّةِ، و«قَطْنًا» منصوبٌ على الحالِ إنْ جعلتَه جمعَ قَطَنٍ، ومفعولًا به إنْ جعلتَه نَفْطًا.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ١٧- مَرِيَّةٌ خَلْفَ
مَرِيَّةٌ خَلْفَ يَفِدْ جَارَتُهَا أَهْلَ الْحِجَازِ فَإِنَّ مِنْكِ مَرَامُهَا مَرِيَّةٌ: منسوبة إلى مُرَّة. فِدًى(١): بلدة معروفة، ولم يُصْرَفْها لاجتماعها التأنيثَ والتعريفَ، وصَرَفَها سِيبَوَيْهِ أيضًا؛ لأنها مصوغة على أَخَفِّ أوزانِ الأسماء، فَعَادَلَتِ الحُقَّةَ أحدَ السَّبَبَيْن فصارَتْ كأنْ ليس فيها إلا سببٌ واحدٌ لا يَمْنَعُ الصَّرْفَ، وكذلك حكمُ كلِّ اسمٍ كان على ثلاثةِ أحرفٍ ساكنِ الأوسطِ مُسْتَجْمِعًا للتأنيثِ والتعريفِ نحو هِنْدٍ ودَعْدٍ، وأنشد النحويُّون:(٢) «لَمْ تَتَلَفَّعْ بِفَضْلِ مِئْزَرِهَا …». (١) فِدًى: اسم بلدةٍ تقع في منتصف الطريق من الكوفة إلى مكة كان يستريح فيها حُجَّاجُ العراق، ويَتَزَوَّدون. (٢) البيت: الجَرْجَر: الِاشْتِمَالُ بالثوب مثل لِبْس نساءِ الأعراب.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٢١- وأجب حوائجك
٢١- وَأَجِبْ حَوَائِجَكَ الْمُجَامِلَ بِالْجَزِيلِ جَزْلًا بَاقٍ إِذَا ظَلَمْتَ خُلَّتَهُ وَمَالَ تَوَامُهَا يقول: بكذا أجبه حياءً إذا أعطيته إيّاه. المجامل: المصانع، ويروى: المحامل، أي الذي يتحمل أذاك كما تتحمل أداه. بالجزيل: أي بالود الجزيل. الجزالة: الكمال والتمام، وأصل الضخم والملفّف، والفعل جَزُل يَجْزُل، والنعت جزل وجزيل، ومنه خَطْب جزل وجزيل وعطاءٌ جزل وجزيل، وقد أَجْزَل عطية ورفعها وكثرها. الصَّرْم: القطيعة. الظُّلَع: عَثَر(١٠) في الدواب. الزَّنْع: الميل، والإضافة الإمالة. قِوام الشيء: ما يقوم به. يقول: أجبت من حاجاتك وصِلاتك وداراك يؤدّك كامل وافر، ثم قال: وقطيعته باقية إن ظلمت خُلَّته ومال توامها، أي إن ضعفت أسبابها ودعائمها، أي إن حال المجامل عن كرم العهد فأنت نادر على صَرْمه وقطيعته، فالمضمر الذي أُضمرته إليه توأمها للخلة وكذلك الضمر في ظلمت. ٢٢- يَطْلَحْنَ أَسْفَارًا تُرْكَبُ بَقِيَّةً مِنْهَا فَأَحْقَبَ ضَلْعَهَا وَنَسَامَهَا الطِّلَحُ والطَّلِيحُ: المتن، وقد طَلَحَتِ البِعْرُ الملطَّحةُ طَلْحًا أَعْيَنَه، فطَلِيحٌ نعلٌ في معنى مفعول بمنزلة الجريح والقتيل، وطَلِيحٌ نعل في معنى مفعول بمنزلة الذبيح والطَّحِين بمعنى المذبوح والمطحون. أسفار: جمع سفر. الإحقاق: الضمر. الباء في قوله (بطلِيحها) من صلة (صُوَرِمَه). يقول: إذا زال قوام خَلْقِهَا فأنت تقدر على قَطِيعَتِهَا بركوب ناقة أعيَيَتْهَا الأسفار وتركت بقية من لحمها وقرونها فَنَقَصَ صَلْبُهَا وسنامها؛ وتلخيص المعنى: فأنت تقدر على قطيعة بركوب ناقة قد أعْيَتْهَا الأسفار ومَرِنَتْ عليها.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٢٦- يعلو بها
يَعْلُو بِهَا عُكْبَ الأَكَامِ مُسْتَحِجٌّ قَدْ رَأَيْتُ صُبَابَهَا وَرُحَامَهَا الأكام: جمع أَكَم، وكذلك الأُكُم والأَكَام، جمع أَكَمَة، ويجمع الأَكَام على الأَكَام. حِبالها: ما احتقن منها. السَّحْج: القشر والخدش العنيف، والتَّسْحِيح: حالة السَّحْج. الرِّحام: الرَّحِم، والرُّحْم والرِّحام: انتهاء حَدِّ الشيء، والفعل وجمع تُرْحُم وتارِم وتَرْحِم، وهذا القياس مطَّرِدٌ في فعل يَفْعَل من مثل الفاء. يقول: يعلو هذا الفحل الأتانَ الإكامَ إتيابًا لها وإبعادًا بها عن الفحول، وقد شكَّكته في أمرها عصيانُها إياه في حال حملِها واشتهاؤها إياه قبلَه. والمُسْتَحِجّ: العيرُ المُعَضَّض.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٢٧- بأحزة القليب
بِأَحْزَةِ الْقَلِيبِ تَرَى نُؤَيَّيْهَا قَفْرَ السَّرَائِبِ حَوْلَهَا آرَامُهَا الأحْزَة: جمعُ حَزيز، وهو مثل النَّفَف(٣). نَبْتُ: موضعٌ بعينه. رَبَات ... القوم وَرَبَاتٌ لهم أريا رَبَّةً(١) لهم: الفَقَرُ، الخالي، الجمع الفُقَار. الكاهل: جمع مُرْقَبَة، وهو الموضع الذي يقوم عليه الرَّكِيب، ويريد بالمراقب الأماكن المرتفعة. الأَرَام: أعلام الطريق، الواحد أَرَم. يقول: يعلو العير بالأَذَان الأكام في قِفَاف هذا الموضع، ويكون رأساً لها فوقها في موضع خالٍ الأماكن المرتفعة، وإنما يخاف أعلامها، أي يخاف استتار الصيادين بأعلامها، وتلخيص المعنى: إنهما بهذا الموضع والعير يعلو أكامه لينظر إلى أعلامها هل يرى صائداً أَسْتَرَ بعَلَمٍ منها يريد أن يرميها.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٢٨- حتى إذا
حَتَّى إِذَا سَلَخَتْ جُمَادَى سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَسَنَةً طَالَ صِيَامُهَا وَصِيَامُهَا سَلَختَ الشهرَ وغيرَه، أَسْلَخُه سَلْخًا: مَرَّ عليه، وانْسَلَخَ الشهرُ نفسُه. جُمَادَى: اسمٌ للشتاءِ؛ سُمِّيَ بها لجمود الماء فيه، ومنه قول الشاعر: البيت: في ليلةٍ من جُمَادَى ذاتِ أَنْدِيَةٍ لا يُبْصِرُ الكلبُ من ظُلْمَائِهَا الطَّنَبَا أي من العَشَا. جَزْءًا الوحشُ بجَزْءٍ جُزْءًا: اكْتَفَى بالرَّطْب عن الماء. الصِّيَام: الإمساك في كلام العرب، ومنه الصوم المعروف لأنه إمساك عن المُفْطِرات. يقول: أما العيرُ والأَتانُ حتى مرَّ عليهما الشتاءُ، ستةُ أشهرٍ وجاء الربيع فاكْتَسَيَا بالرَّطْبِ من الماء، وطال إمساكُ العيرِ وإمساكُ الأتانِ عنه، وسَنَةٌ بدلٌ من جُمَادَى؛ لذلك نُصِبَتْ، وأراد ستةَ أشهرٍ حَذَفَ «أشهر» لدلالة الكلام عليه.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٢٩- رجعا بأمرهما
رَجَعَا بِأَمْرِهِمَا إِلَى ذِي مِرَّةٍ حَصِيدٍ وَنَفْجٍ ضَرِيبَةِ إِرْهَامِهَا الباء في بأمرهما زائدة، إن جعلت رجعا من الرَّجْعِ، أي رَجَعَا أَمْرَهُمَا أي أَسْنَدَاه، وإن جعلته من الرجوع كانت الباء للتعدية. المِرَّة: القُوَّة، والجمع المِرَر. يقول: رجعا بأمرهما إلى ذي قوةٍ حَصِيدٍ، ونَفْجٍ ضريبةِ إِرْهَامِها. الدُّرَر، وأصلها قور النبل، والإمرار إحكام الفتل، التَّحْصِيد: المُحْكَم، والفعل حميد بحمده، وقد أَحْكَمْتُ الشيءَ إحكامه. النَّحْج والنجاح: حصول المراد. المصرّمة: العزيمة التي أمرَها صاحبُها عن ساتر عزائمه بالجدِّ في إمضائها، والجمع الصرائم. الإبرام: الإحكام. يقول: أسند العيرُ والأتانُ أمرَهما إلى عزمٍ أو رأيٍ محكمٍ ذي قوَّة، وهو عزمُ العِبْرِ على الورود أو رأيه فيه، ثم قال: وإنما يحصل المرام بإحكام العزم.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٣٠- وَرَأَى دَوَائِرَهَا
وَرَأَى دَوَائِرَهَا السُّفَا وَتَهَبَّجَتْ رِيحُ المَصَابِفِ سَوْهَمًا وَسُمَامُهَا الدَّوَابر: تأخُّر الجوائز. السُّفَا: شَرَكُ البُهْمَى، وهو ضَرْبٌ من الشَّرَك. ماجَ الشيءُ يهيجُ هيجانًا، وامّاحَ امّيَاحًا، وتَهَبَّجَ تَهَبُّجًا: تحرَّك ونشأ. المصايف: جمع المصيف، وهو الصيف. السُّمام: السمُّ، والفعل سامَ يسمُّ. السِّهام: شدَّة الحرِّ. يقول: وأصابَ شَرَكَ البُهْمَى مآخِرَ جوازِرِها، وتحرَّكت ريحُ الصيفِ بمرورها وشدَّة حرِّها، يُشير بهذا إلى انقضاءِ الربيع ومجيءِ الصيف واحتجامِهما إلى ورود الماء.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٣١- فَكَأَنَّهَا سَيْطٌ
فَكَأَنَّهَا سَيْطٌ يُطَيِّرُ ظِلَالَهُ كَدُخَانِ مُشْعَلَةٍ يُثِيبُ ضِرَامُهَا التنازُع: مثل التجاذُب. السَّيْطُ: المُمتَدُّ الطويل. كدُخَانِ مُشْعَلَةٍ: كدخان نارٍ مُشْعَلَة، أي نارٍ مُوقَدةٍ شُعْلَة. يُثِيبُ: نَعَتُ المرصود، شَبَّتِ النارُ واضطربَ لهبُها واحدًا. والفعل منه شَبَّ يَشِبُّ. الضِّرَام: ذَاتُ الحطب، وأحدها ضِرَمٌ، وواحد الضِّرَمِ ضِرْمَة، وقد ضَرَمَتِ النارُ واضطربتْ وتقوَّمتِ اللهبُ، وأضرمتها وضَرَمَتْها أنا. سَيْطًا: أي غبارًا سابِطًا، نعتُ المرصود. يقول: تتجاذبُ العيرُ والأتانُ في عدوهما نحو الماء غبارًا ممتدًّا طويلًا كدخان نارٍ موقدةٍ تَشْعَلُ النارَ في دِقَاقِ حَطَبِها، وتلخيصُ المعنى: أنَّه جعل الغبارَ الساطعَ بينهما بعدوِهما كَتُوبٍ يتجاذبانِه، ثم شبَّهَه في كثافتِه وظُلمته بدخانِ نارٍ موقدة.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٣٢- مَشْمُولَةٌ لُفِتَّتْ
٣٢ - مَشْمُولَةٌ لُفِّتَّتْ يَدَيْهِ زُرُوحُهُ كَدُخَانِ نَارٍ سَاطِعٍ اشْتِعَالُهَا مشمولة: هبّت عليها ريح الشمال، وقد شمل الشمالُ: أصابته ريحُ الشمال. الملتفّ والمُشْتَمِل: الخلط، والفعل غَلَتْ يَغْلِتُ، بالنون والعين جميعاً. النبات: الغثّ، ومنه قول الشاعر(١): (الكامل): وَطَرَّقْنَا وَطًّا عَلَى حَتَنٍ وَقَدْ السَّفْحِ نَابِتُ الهَرَمِ أي غثّه. المزنج: ضرب من الشجر، ويُروى: غَليثُ نباتٍ، أي وُضع فوقها. الأَسْنام: جمع سنام، ويُروى: نابتُ أَسْنامِها، وهو الارتفاع والرفع جميعاً. يقول: هذه النار قد أصابتها الشمال، وقد خُلِطت بالحطب اليابسِ والرطبِ المغثّ، كدخان نارٍ قد ارتفع أعاليها، وسنامُ الدخانِ أعلاه، شبَّه الذُّبالَ الساطعَ من قِوامِ الجمر، والأَثافيَّ ناراً ارتدتْ بحطبٍ يابسٍ تُسرِع فيه النارُ وحطبٍ غثّ، وجعلها كذلك ليكون دخانُها أكثفَ، شبَّهه بالدخان الكثيف، ثم جعل هذا الدخانَ الذي شبَّه الغبارَ به كدخان نارٍ قد سطع أعاليها في الاضطرام والالتهام ليكون دخانُها أكثر، وجعل «مشمولة» صفةً لمشمولة، وقوله: كدخان نارٍ ساطعٍ اشتعالُها صفةٌ أيضاً، إلا أنه كرّر قوله «كدخان» لتضخيم الشأن وتعظيم القصة، كقوله من مثل(٢): (الطويل): أَرَى المَوْتَ لا يُبْقِي مِنَ المَوْتِ هَارِبًا وهو أكثر من أن يُحصى. (١) القائل هو الحارث بن وَعْلة الشيباني، الهَرَم: نبات ضعيف. (٢) البيت لأيّ الشُّعَث النَّهشلي، وصدره: نَحْنُ قَتَلْنَا ابْنَ الأَفَاعِي كَرِيمَهَا، نَزَاعِي.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٣٣- كَمُثْقًى وَقَدَّمْنَهَا
٣٣ - كَمُثْقًى وَقَدَّمْنَهَا وَكَانَتْ حَادَّةً بِنَفْسٍ إِذَا هِيَ صَرَّتْ أَغْلالُهَا التعريب: التأخيرُ والحبس. الإقدامُ هنا بمعنى التقدُّم؛ لذلك أنتَ تجعلها فقدَّمها، فقال: «وكانت»، أي وكانت تقدمةُ الأَثافيِّ عادةً من العِير، وهذا مثلُ قول الشاعر: [الطويل]. (١) القاتل هو الحارث بن وَعْلة الشيباني، الهَرَم: نبات ضعيف. (٢) البيت لأيّ الشعث النَّهشلي، وصدره: نَحْنُ قَتَلْنَا ابْنَ الأَفَاعِي كَرِيمَهَا نَزَاعِي.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٣٩- صادَفْتُ منها
صَادَفْتُ مِنْهَا غِرَّةً فَأَصَبْتُهَا إِنَّ السِّهَامَ لَا تُطِيشُ سِهَامُهَا الغِرَّة: الغفلة. الطَّيْش: الانحراف والعدول. يقول: صادفتِ الكلابُ أو الذِّئابُ غِرَّةً من البقرة فاغتنمت تلك الغِرَّة، أي وجدتها غافلةً عن ولدِها فاصطادتْه، ثم قال: وإنَّ الموتَ لا يَطِيشُ سِهامُه، أي لا مخلِّص من هجومه، واستعار له سهامًا، واستعار للأخطاء لفظَ الطَّيْش؛ لأن السهم إذا أخطأ الهدفَ فقد طاش عنه.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٤٠- يَبِيتُ كَأَنَّهُ
يَبِيتُ كَأَنَّهُ مِنْ دِيبَةٍ يَرْوِي الحَمَائِلَ دَائِمًا تَسْجُمُهَا الوَكَفُ والوُكْفَانِ واحد، والفعلُ منهما وَكَفَ يَكَفُّ أي قَطَر. الدِّيمَة: مطرٌ تدوم، وأيامُها نصفُ يومٍ وليلةٍ، والجمع دِيَم، وقد دَوَّتِ السحابةُ إذا كان مطرُها دِيَمًا، وأصلُ دِيمة دَيْوَة فقُلِبَت الياءُ واوًا للاكتِسار على فِعْلَة، ثم قُلِبَت في الدِّيَم حَمْلًا على القلب في الواحد. الحَمَائِل: جمع حَمِيلة، وهي كلُّ رِمَّةٍ ذاتِ نَبْتٍ عند الأكمِ من الألَمَة، وقال جماعةٌ منهم: هي أرضٌ ذات شجر. السَّجْم: في معنى السَّحُوق أو السَّحْج، يُقال: سَجَمَ الدَّمعُ وغيرُه يَسْجُمُه سَجْمًا، فهو يَسْجُمُ سُجُومًا أي صَبَّ فانْصَبَّ. يقول: باتت البقرةُ بعد فقدِها ولدَها وقد أصابَها مطرٌ ووافَقَه من مطرٍ دائمٍ يروي الرِّمالَ المتينةَ والأراضينَ التي بها أشجارٌ في حالِ دوامِ سَيْلِها الماء؛ أي باتت في مطرٍ دائمِ الهَطَلان، ووافَقَه يجوز أن يكون صفةَ مطرٍ ويجوز أن يكون صفةَ سحابٍ.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٤١- يَغْلِي طريقَتَها
يَغْلِي طَرِيقَتَهَا مَتْنُ مَتَاوِرٍ فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا الفاحل، والأزام: توائمها. جعلها أزلاماً لاستوائها، ومنه سميت القداح أزاماً، والتزمير النسرية، وواحد الأزام زَلَمٌ وزُلَمٌ، والزُّلْمَة والزَّلْمَة القدح، ومنه قولهم: هو العبد زُلْمَة وزُلْمَة، أي قِدْح قد العبد. يقول: حتى إذا انكشف وانجلى ظلام الليل وأضاء، بكرت هذه البقرة من مأواها، تنزل توائمها عن التراب الندي لكثرة المطر الذي أصابه ليلاً.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٤٥- علفت تروَّح
نص البيت في هذه الصورة غير واضح بما يكفي لقراءته بدقة. العلف والملج: الانهماك في الجزع والضجر، ويروى «تلتد»، أي تتحير وتَتَمَهَّم. النهاية: جمع نَهْيٍ رِبْوٍ، يفتح النون وكسرها، وهما الغدير، وكذلك الأنهاء: مصاد، موضع بيعه. التوأم: جمع توأم. يقول: أمعنت في الجزع وترددت متحيرة في مَهاد هذا الموضع ومواضع غدرانه سبع ليالٍ تمام الأيام، وقد كملت أيام تلك الليالي، أي ترددت في طلب ولدها سبع ليال بتمامها، وجعل أيامها كاملة إشارة إلى أنها كانت من أيام الصيف وشهور الحر.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٤٦- حتى إذا
نص البيت في هذه الصورة غير واضح بما يكفي لقراءته بدقة. الإسحاق: الإخلاد، والسَّحْقُ الحَلْقُ. الحالِق: الفَرَعُ المعلى لبناً. يقول: حتى إذا يبست البقرة من لبنها، وصار ضرعها المعلف لبناً خَلِقاً لانقطاع لبنها لها؛ ثم قال: ولم يَبِلْ ضرعَها إرضاعُها ولدَها ولا نِطامُها إياه، وإنما أبلَّه فقدُها إياه.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٤٧- فتوجَّست زرءَ
نص البيت في هذه الصورة غير واضح بما يكفي لقراءته بدقة. الزَّرْء: الضَّرْبة الخفيَّة، الأُنْس والإيناس والإنْس والإنْس واحد. راعَها: أفزعها. السَّقام والسُّقْم واحد، والفعل سَقِم يَسْقَم، والنعت سَقيم، وكذلك السُّقْم مما كان من أفعال «فَعِل يَفْعَل» من الأدواء، والدَّلَل نحو مريض. يقول: فَنَسِمَتِ البقرةُ صَوْتَ الناس، نازعَها ذلك، وإنما سَمِعَتْه من ظهر غيب؛ أي لم تر الأنس، ثم قال: والناس سَقَام الوحش وداؤها لأنهم غَيْب. يصدرونها وينقصون منها نقص السِّمِّ من الجسد، وتحرير المعنى: أنها سمعت صراخًا ولم ترَ صاحبه فخافت، ولا غرو أن تخاف عند سماعها صوت الناس لأن الناس يبدو لها ويهلكها، والتقدير: فسمعت ردَّ الإنس عن ظهر غيب فرَاعَها والإنسُ سقامُها.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٤٨- فكأن كل
فَكَأَنَّ كُلَّ الفَرْجَتَيْنِ تَحْسِبُ أَنَّهُ مَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفَهَا وَأَمَامُهَا الفَرْج: موضع المخافة، والفَرْج ما بين توائم الدواب، فما بين اليدين فَرْج، وما بين الرِّجلين فَرْج، والجمع فُرُوج. وقال ثعلب: إنَّ المَوْلَى في هذا البيت بمعنى الأَوْلَى بالشيء، كقوله تعالى: «فَأُولَٰئِكَ النَّارُ هِيَ مَوْلَاهُمْ» أي أَوْلَى بهم. يقول: نَفِدَتِ البقرةُ وهي تحسب أن كُلَّ فَرْجٍ من فَرْجَيْها مَوْلَى المخافة، أي موضعها وصاحبها، أو تحسب أن كلَّ فَرْجٍ من فرجيها هو الأَوْلى بالمخافة منه، أي أن يُخاف منه؛ وتحرير المعنى: أنها لم تدرِ أصاحبُ الرِّزْق خلفَها أم أمامها، فذهبت ذَعِنَةً مذعورةً لا تعرف مَنْجَاهَا من مَهْلَكِهَا. وقال الأصمعي: أراد لمخافة الكلاب يبول لها صاحبُها، أي تعدَّت وهي لا تعرف أن الكلاب خلفها أو أمامها، فهي تَقلَق كلَّ جهةٍ من الجهتين، مُضَمِّنًا للكلاب، والكلابِ، والضميرُ الذي هو اسم «أنَّ» عائدٌ إلى «كُلًّا»، وهو مفرد اللفظ وإن كان يضمِّن معنى التثنية، ويجوز حمل الكلام بعده على لفظه مرةً وعلى معناه أُخرى، والحملُ على اللفظ أكثر، وتمثيلهما: كِلَا أَخَوَيْكَ سَيِّبٌ، وقال الشاعر: [البيت]. ثم يُحْمَل الكلام بعده على معنى اللفظ، ويحمل مرةً على معناه، وكِلاهُما كثير؛ قال الله تعالى: «كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا» حَمْلًا على لفظه، وقال تعالى: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ» فَهَذَا محمولٌ على المعنى. ٥٠- فَلَحِقْنَ وَاْفْتَكَرَتْ لَهَا مَزْيَةً كَالسِّفْهَرِيَّةِ خَلْفَهَا وَمُقْدَمُهَا عَكَرٌ واعمِكَرُ: أي عَطَفٌ. المُدْيَةُ: طرف قرنها. السُّمْهَرِيَّةُ من الرِّماح: منسوبةٌ إلى سُمُهْر، رجل كان بنَقْيَةٍ تُسَمَّى خَطًّا من قرى البحرين، وكان مِقْنَةً ماهرًا نُسبت إليه الرِّماح الجَيِّدَة. يقول: فلَحِقَتِ الكلابُ البقرةَ وعَطَفَتْ عليها، ولها قرنٌ شِبْهُ الرُّماح في حِدَّتِها وتَمامِ طولِها؛ أي أَلْبَتِ البقرةَ على الكلاب وطعنتْها بهذا القرن الذي هو كالرُّمح.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٤٩- حتى إذا
حَتَّى إِذَا يَبِسَ الرِّمَاءُ وَازْمَأَلَّتْ خِضْفًا دَوَاجِرُ نَابِلٍ أَفْصَامُهَا الخِضْفُ من الكلاب: المسترخيةُ الأذانِ، والخِضْفُ استرخاءُ الأذانِ، يقال: كلبٌ أَخْضَفُ وكلبةٌ خَضْفَاء، وهو مستعملٌ في غير الكلاب استعمالَهُ فيها. الدَّوَاجِرُ: المُعَلَّماتُ. الفَقُولُ: البِسْطُ. أَعْصَامُهَا: بطونُها، وقيل بل سَواجِرُها وهي ثلاثتُها من الحديد والجلود وغير ذلك.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٥٠- حتى إذا
حَتَّى إِذَا يَبِسَ الرِّمَاءُ مِنَ الرِّمَاءِ، وَعَلِمُوا أَنَّ سِهَامَهُمْ لَا تَنَالُهَا، وَأَرْسَلُوا كِلَابًا مُسْتَرْخِيَةَ الْآذَانِ مُعَلَّمَةً ضِرَارَ الْمُطْلِ فِي بَائِسَةِ السَّوَاجِرِ. يقول: حتى إذا يَبِسَ الرِّمَاءُ من المرْمَاةِ، وعلموا أن سهامهم لا تنالها، وأرسلوا كلابًا مسترخيةَ الآذانِ مُعَلَّمَةً ضِرارَ المَطْلِ في بائسةِ السَّوَاجِرِ. نكلت له لا تبكِ عينُك إنَّما نُحاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا أي: إلا أن نموت.