شرح المعلقات السبع
تأليف القاضي أبي عبدالله الحسين بن أحمد الزوزني المتوفى سنة ٤٨٦ هجرية
الجذور
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٥٥- ألم تكن
أَلَمْ تَكُنْ تَدْرِي نَوَارُ بَعْدِي وَصَالًا عَقْدَ جِيالٍ جُذَّامِهَا الجِيال: جمع الجِيالة، وهي مستعارة للعهد والمودة هنا. الجَذْم: القطع، والفعل جَذَمَ يَجْذِم، والجُذاذ مبالغة الجازم. ثم رجع إلى التشبيه بالعشيرة فقال: أوَلم تكن تعلم نوار أني وصال عقد العهد والمودات وقطعها، يريد أنه يصل من استحق الصلة ويقطع من استحق القطيعة.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٥٦- قرارة أهلك
قَرَارَةَ أَهْلِكِ إِنْ لَمْ أَرْضَهَا أَوْ يَعْتَلِقْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامُهَا يقول: إني أترك أماكن إذا لم أرضها إلا أن يرتبط نفسي حِمامُها فلا يمكنها الفِرَاج، وأراد ببعض النفوس هنا نفسه، هذا أوجه الأقوال وأحسنها، ومن جعل بعض النفوس بمعنى كل النفوس فقد أخطأ، لأن بعضها لا يفيد العموم والاستيعاب، وتحرير المعنى: إني لا أترك الأماكن التي أَرِدُها وأجوبها إلا أن أموت.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٥٧- بل أنت
بَلْ أَنْتِ لا تَدْرِينَ كَمْ مِنْ لَيْلَةٍ طَلْقٍ سَاكِنَةٍ لَا حَرَّ فِيهَا وَلَا قَرُّهَا ليلة طَلْقٍ وطَلْقة: ساكنة لا حرَّ فيها ولا قرّ(٢). الندام: جمع نديم، مثل الكرام في جمع كريم، والندام أيضًا الشمامة مثل الجدال والمجادلة، والندام في البيت يحتمل الوجهين. قال: بل أنت يا نوار في البيت يحتمل الوجهين: أضرب عن الإخبار للمخاطَبة فقال: بل أنت يا نوار لا تعلمين كم من ليلة ساكنة غير مُوذِيَة بحرٍّ ولا برد، لذيذة اللهو والندماء أو المدامة، وتحرير المعنى: بل أنت تجهلين كثرة الليالي التي طابت لي واستلذذت لهوي وندماني فيها أو مآدِبِي الكرام فيها.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٥٨- قد بت
قَدْ بِتُّ سَامِرَهَا وَضَافِيَةً نَاجِرًا وَأَجْبَبْتُ أَوْ رُدِدْتُ وَصِرْتُ شَذَّامَهَا أَجْبَبْتُها: أَكْرَهُها(١). ناجِر: تاجر(٢). يقول: قد بتُّ في هذه الليالي سامرَها وضيفانَها من التجار وغيرهم، ومرّة أُجْبِبتُ – أي كُرِهَ مَقامي – أو رُدِدت، أي لم أُقْبَل، وصرتُ شذّامها؛ أي المنقطعَ عنها أو المُبعد عن نديمها ومجالسها. المُرْتَقَبُ: المكانُ المُرْتَفِعُ الذي يقومُ عليه الرقيبُ. الهَوَّةُ: الحُفْرةُ. النَّجَرُ: الضِّيقُ جدّاً. الأعلامُ: الجبالُ والراياتُ. القَتامُ: الغُبارُ. يقولُ: تَطَلَّعْتُ عندَ حمايةِ الحَيِّ مكاناً عالياً، أي كنتُ رَبِينَةً لهم على ذي هَوَّةٍ، أي على جبلٍ ذي هَوَّةٍ، وقد قرُب قَتامُ الهَوَّةِ إلى أعلامِ فِرَقِ الأعداءِ وبيانِهم، أي رَبَأْتُ لهم على جبلٍ قريبٍ من جبالِ الأعداءِ ومن رُبايَاهُم.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٦٥- حتّى إذا
حَتّى إِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ بُدَّها فِي كَافِرٍ وَأَجَنَّ غَوْرَاتِ الشُّغُورِ ظِلَالُهَا الكافِرُ: اللَّيلُ، سُمِّيَ به لِكَثْرَةِ الأشياءِ، أي لِسَتْرِهِ، والكُفْرُ: السَّتْرُ، والإذْعانُ السِّرُّ أيضاً. الغَوْرُ: موضِعُ المُخافَةِ، والجَمْعُ الغُوَرُ، وعَوْرَةٌ أشدُّ مُخافَةً. يقولُ: حتّى إذا أَلْقَتِ الشَّمْسُ بُدَّها في اللَّيلِ، أي ابْتَدَأَتْ في الغُروبِ، وعُبِّرَ عن هذا المعنى بإلْقاءِ البُدِّ، لأنَّ مَن ابْتَدَأَ بالشيءِ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَ بِيَدِهِ. وسَتَرَ الظَّلامُ مواضِعَ المُخافَةِ، والضَّميرُ الذي بعدَ ظِلالِها للمَغُورَاتِ، وتحريرُ المعنى: حتّى إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وأظْلَمَ اللَّيلُ.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٦٦- اسهلّت
اسْهَلَّتْ وَانْتَصَبَتْ كَجِذْعِ مُنِيفَةٍ جَرْدَاءَ يُحْصَرُ دُونَهَا جِرَارُهَا اسْهَلَّ: أتى السَّهْلَ من الأرضِ. المُنِيفَةُ: المُشْرِفَةُ، العاليةُ الطويلةُ. الجَرْداءُ: القَليلَةُ السَّعَفِ واللِّيفِ، مُسْتَعارةٌ من الجَرْداءِ من الخَيْلِ. الحَصَرُ: ضِيقُ الصَّدْرِ، والفِعْلُ حَصَرَ يَحْصِرُ. الجِرَارُ: جمعُ الجِرَارَةِ، وهو الحَبْلُ الذي يُحْزَمُ به الحِمْلُ. يقولُ: لمّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وأظْلَمَ اللَّيلُ نَزَلْتُ منَ المُرْتَقَبِ وأتَيْتُ مكاناً سَهْلاً، وانْتَصَبَتِ الفَرَسُ، أي رَفَعَتْ عُنُقَها، كجِذْعِ نَخْلَةٍ طويلةٍ عاليةٍ تَضْمَنُ صُدورَ الذينَ يُرِيدونَ قَطْعَ حَمْلِها لحَزْمِهِمْ وضَفْرِهِمْ من ارْتِفاعِها، شَبَّهَ عُنُقَها في الطُّولِ بجِذْعِ هذه النَّخْلَةِ، وقوله: كجِذْعِ مُنِيفَةٍ، أي كجِذْعِ نَخْلَةٍ مُنِيفَةٍ.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٦٧- ورَفَّعْنها
وَرَفَّعْنَهَا كَرَوْةِ النَّعَامِ مُثَلَّةً حَتَّى إِذَا اسْتَجْنَتْ وَحَتَّ ظِلَالُهَا رَوَاغِعُها، مِثْلَةُ رَفْعٍ، القَرْدِ والقِرْدِ(١) بفتح الراء وتسكنها لغتان جيدتان، والشَّمَلُ والمُشْمَلُ الطَّرْدُ أيضًا. يقول: حَمَلْتُ فَرَسِي وكَلَّفْتُهَا عَدْوًا مثل عَدْوِ النَّعَامِ، أو كلَّفْتُهَا عَدْوًا يَصْلُحُ لاصْطِيادِ النَّعَامِ، حتى إذا جَاءَتْ في الجَرْي وخَفَّتْ عِظَامُهَا في السَّيْرِ. ٦٨- فَلْتَفِتْ رَاحِلُهَا وَامْتَثِلْ نَحْرَهَا وَأَسِلْ مِنْ زَيْدِ الحَمِيمِ جَزَارَهَا العَتَلُ: سرعة الحركة. الرِّحال: شبه سرج يتخذ من جلود النَّعَمِ بأصوافها ليكون أخفَّ في الطَّلَبِ والهَرَبِ، والجمع الرحال. أَسِلْ: أَمْطِرْ. الحَمِيمُ: المطر. يقول: اضْطُرَّتْ رِحالَتُها على ظهرها من إِسْراعِها في عَدْوِهَا ومَطَرِ نَحْرِهَا عَرَقًا، وَابِلِ حِزَامِهَا من زَبَدِ عُرْفِهَا، أَي من عَرَقِهَا. ٦٩- تُوَلِّي وَتَنْتَجِي في البَيَانِ وَتَنْتَحِي وَرْدَ الحَمَامَةِ إِذْ أَجَدَّ حِمَامُهَا تُوَلِّي: تُدْبِرُ. البَيَان: صَفَاءُ المَوْضِعِ واتِّسَاعُه. الانْتِحَاء: الاعتماد. الحَمَام: ذَوَاتُ الأَطْوَاقِ من الطَّيْرِ، وواحدتها حمامة، وتجمع الحمامة على الحمامات والحمائم أيضًا. يقول: تَرْمِي غَضْبَهَا نشاطًا عَدْوَهَا حتى كأنها تُغْلِظُ بعُنُقِهَا في عِنَانِهَا، وتَعْتَمِدُ في عَدْوِهَا الذي يُشْبِهُ وِرْدَ الحَمَامَةِ حين جَدَّ الحَمَامُ التي هي في جُمْلَتِهِ في الطَّيَرَانِ لمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِا العَطَشُ؛ شَبَّهَ سُرْعَةَ عَدْوِهَا بسُرْعَةِ طَيَرَانِ الحَمَامِ إذا كانت عَطْشَى، ووِرْدُ الحَمَامَةِ نَصْبٌ على المَصْدَرِ من غير لَفْظِ الفِعْلِ، وهو تَرْوِي أو تَرْتَعِي أو تَنْتَجِي.(٢) ٧٠- وَكَبِيرَةٍ قُرْبَاهَا جُبْهُمُولَةٍ تُرَجِّي تَوَارِبَهَا وَيُخْشَى دَائِمُهَا النَّدَمُ واللَّوْمُ: العَيْبُ. (١) الطَّرْد: الصيد، ومِثْلُه الشَّمَل. (٢) تَنْتَجِي: تُسْرِع في جَرْيِهَا. يقول: ورب جزور أصحاب يسير تستمر دعوت نداماي لنحرها وعقرها بلا(٢) متشابهة الأجسام، وسهام الميسر شبه بعضها ببعض، وتحرير المعنى: ورب جزور أصحاب ميسر كانت تصلح لاقتراع الأيسار عليها، دعوت نداماي لإهلاكها أو لنحرها سهام متشابهة؛ قال الأئمة: ينحر بنحره أيامها من صلب مال لا من كسب ثماره، والآيات التي بعده تدلّ عليه، وإنما أراد السهام ليردح بها بين إبلها بنحر للندامى. ٧٤- المُعَاوِلُ التي لا تلد. المَطْفِل: التي معها ولدها. اللَّحْم: جمع لحم. يقول: أدعو للفذاذ تُنحر ناقة عائر، أو ناقة مُطْفِل تظلّل تُنحر لحومها لجميع الجيران، أي إنما أطلب الفذاذ لنحر مثل ما تين، وذكر العائر لأنها أسمن، وذكر المطفل لأنها أَنَس. ٧٥- القَضِيب: الغريب. تَبَالَة: وادٍ مخصِب من أودية اليمن. الهَضِيم: المطمئن من الأرض، والجمع الأَضْماء والهُضُم. يقول: فالأضياف والجيران الغرباء عندي كأنهم نازلـون هذا الوادي في حال كثرة نبات أماكنه المطمئنة؛ شبه ضيفه وجاره في الخصب والسعة بنبات هذا الوادي أيام الربيع. ٧٦- تَأْوِي إلى الأَطْنَابِ: جِمالُ البيت، وواحدها طَنَب. الرَّئِثَة(٣): الناقة التي تَرْتَدي في ... السفر، أي تخلفت لفرط ملالها و«كلالها»، والجمع الزَّنْآنَى، استعارها للفقر. اللبة: الخَاتَة التي تُشدُّ على قبر صاحبها حتى تموت، والجمع اللُّباب. الأفنام: الأخلاف من الثياب، وواحدها فَنَم، تقولهم: قصرها. يقول: وتأوي إلى أطباب يبني كل مسكنة ضعيفة قصيرة الأخلاق التي عليها لما بها من الفقر والمسكنة، ثم شبهها باللبة في قلة تصرفها وعجزها عن الكسب وامتناع الرزق منها. ٧٧ - ... تناوحت: تقابلت، ومنه قولهم: الجبلان متناتحان، أي متقابلان، ومنه النواطح لتقابلها. الخُلْج: جمع خُلْج، وهو نهر صغير يَخْلُج من نهر كبير أو من بحر، والخلج الجذب. تَمُدُّ: تزداد. شَرِب في الماء: خاضه. خاصّة. يقول: وكلّل **(١)** للفقراء والمساكين والجيران إذا تناوحت الرياح، أي في الشتاء واختلاف هبوب الرياح، جفانًا تحكي بكثرة مرقها أنهارًا يَشْرَعُ فيها أبناء المساكين، وقد كُلِّلَت بكسور اللحم؛ وتلخيص المعنى: يُنْزِل للمساكين والجيران جفانًا عظامًا مملوءة مرقًا مكلَّلة بكسور اللحم في كَلْب **(٢)** الشتاء وضنك المعيشة. ٧٨ - ... رجل لِزَازُ الخصوم: يصلح لأن يَلِزَّ بهم، أي يُقْرَن بهم لِيَفْخَرَهم، ومنه لِزَاز **(٣)** الباب ولِزَاز الجدار. يقول: إذا اجتمعت جماعات القبائل فلم يزل يسودهم رجل منا يُفْضِي الخصوم عند الجدال ويتحشَّم عظام الخصام، أي لا تخلو المجامع من رجل منا يقوم بقمع الخصوم وتكلف الخصام. (١) نكلل: ما يُجْعَل فوق اللحم في الجفنة كالأكاليل. (٢) كَلْب الشتاء: شدته. (٣) لِزَاز الباب: الخشبة يُحْرَس بها.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٨١- مِنْ مَعْشَرٍ
مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ هُمْ رَأْسُهَا يقول: هو من قوم سَنَّتْ لهم أسلافهم كَسْبَ رغائب المعالي واغتنامها، ثم قال: ولكل قوم سُنَّةٌ إمامٌ سُنَّةٌ يُقْتَدَى به فيها. تبدأ هذه الصفحة بمتابعة شرح الأبيات السابقة من معلقة لبيد بن ربيعة، ثم تورد الأبيات المرقمة ٨٣ و٨٤ و٨٥ و٨٦ مع شروحها. غير أن دقة الصورة المتاحة لا تسمح بقراءة نص الأبيات نفسها قراءةً يقينية؛ فالحروف غير واضحة بما يكفي لنسخها نسخًا مضبوطًا مع المحافظة على الرسم والتشكيل. وبما أن المطلوب في هذا السياق هو الاستخراج الحرفي الدقيق للبيت الكامل، فلا أستطيع أن أُدرج الأبيات في صيغة البيانات المطلوبة دون تعريضها للتحريف أو التخمين، وهو ما لا يجوز في نقل نصوص الشعر العربي القديمة.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٨٧- وَهُمْ رَبِيعٌ
وَهُمْ رَبِيعٌ لِلْمُجَاوِرِ يُنْهِمُهُمْ وَالْمُغْرِبَاتِ إِذَا تَقَطَّلَ عَيْشُهَا أرمل القوم: إذا نفدت أزوادهم. يقول: هم لمن جاورهم ربيع لعموم نفعهم وإحيائهم إياه بجودهم كما يحيي الربيع الأرض، وتحرير المعنى: هم لمن جاورهم، وللنساء اللواتي نفدت أزوادهن، بمنزلة الربيع إذا تطاول عامه لسوء حالها، لأن زمان الشدة يستطال.
- معلقة لبيد بن ربيعة. ٨٨- وَهُمْ المَشَارِبَةُ
وَهُمْ المَشَارِبَةُ أَنْ يَبْطِئَ حَاسِدٌ أَوْ أَنْ يَبِيلَ نَحْوَ العَدُوِّ لِجَانِبِهَا قوله: أَنْ يَبْطِئَ، حاسد، معناه على قول البصريين: كراهية أن يبطئ حاسد، وكراهية أن يَبِيلَ، وعند الكوفيين: أن لا يبطئ حاسد وأن لا يَبِيلَ. وتحرير المعنى: أنهم يتنافرون ويتضامضون كراهية أن يبطئ الحساد بعضهم عن نصر بعض وميلِ بعضهم إلى الأعداء أو مظاهرتِهم إياهم على الأقارب.
- معلقة عمرو بن كلثوم. ١- أَلا هُبِّي
أَلَا هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِينَا وَلَا تُبْقِي خُمُورَ الْأَنْدَرِينَا هُبِّي من نومه يَهُبُّ هَبًّا: إذا استيقظ. الصَّحْن: القَدَح العظيم، والجمع الصحون. المِصْبَح: سَقْيُ الصبح، والفعل صَبَحَ يَصْبَحُ. أَبْقَيْت الشيءَ وبَقَيْتُه بمعنى. الأَنْدَرُون: قرى بالشأم. يقول: أَلَا استيقظي من نومك أيتها الساقية، واسقيني الصبح بقدحك العظيم، ولا تَدَّخِري خمر هذه القرى.
- معلقة عمرو بن كلثوم. ٢- مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ
مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فِيهَا إِذَا مَا المَاءُ خَالَطَهَا سَخِينَا مُشَعْشَعَةُ الشَّرَاب: مُزَجَتْ بالماءِ. الحُصّ: الدُّرْس، نَبْتٌ له ثِمارٌ أحمر يشبه الزَّعْفَرَان. ومنهم من جعل سَخِينًا صفةً، ومعناه الحارُّ، من سَخَنَ يَسْخُنُ سُخُونَةً، ومنهم من جعله فعلًا من سَقَى يَسْقِي سِقَاءً، وفيه ثلاث لُغَات: إحداهن ما ذكرنا، والثانية سَخَرَ يَسْخَرُ، والثالثة سَخا يَسْخُو سَخَاءً. يقول: استُعْذِبَتْ مَمْزُوجَةً بالماءِ، كأنها من شدة حمرتها بعد امتزاجها بالماء الذي فيها نورُ هذا النبات الأحمر، وإذا خالطها الماء وشربناها وسَكِرْنَا جُدْنَا بأموالِنا وسماحتِنا نُخَاطِرُ أَعْلَاتِنَا. هذا إذا جعلنا سَخِينًا فعلًا، وإذا جعلناه صفةً كان المعنى: كأنها حالَ امتزاجِها بالماءِ، وكونِ الماء حارًّا، نورُ هذا النبات. ويُرْوَى سَخِينًا بالسين المعجمة، أي إذا خالطها الماءُ مملوءةً به. (١) عِقَالُ الأموال: التي يُحْتَفَظُ بها صاحبُه. (٢) أَعْلَاتُنَا: بن علي: النفسُ من كلِّ شيء.
- معلقة عمرو بن كلثوم. ٣- تجور به
تَجُورُ بِهِ اللُّبَانَةُ عَنْ مُرَادٍ إِذَا مَا ذَاقَهَا حَتَّى تَلِينَا يمدح الخمر، ويقول: تميل صاحب الحاجة عن حاجته، ومروءه إذا ذاقها حتى يلين، أي في نسي الهموم والحَوَائِجِ أصحابها، فإذا شربوها لانوا ونسوا أحزانهم وحوائجهم.
- معلقة عمرو بن كلثوم. ٤- ترى اللجز
تَرَى اللَّجْزَ الشَّحِيحَ إِذَا أُثِيرَتْ عَلَيْهِ لِمَالِهِ فِيهَا مَهِينَا اللَّجْزُ: الضَّيِّقُ الصدر. الشَّحِيحُ: البخيل الحريص، والجميع الأَشِحَّةُ، وَالأَشَحَّةُ، وَالشُّحَاحُ أيضًا مثل الشحيح، والفعل شَحَّ يَشُحُّ، والمصدر الشُّحُّ، وهو البخل مع حرص. يقول: ترى الإنسان الضَّيِّق الصدر البخيل الحريص لماله فيها، أي في شربها، فإذا أَدَارَتِ الخمرُ عليه، أي إذا أَدْبَرَتْ عليه.
- معلقة عمرو بن كلثوم. ٥- صرفنا الكأس
صَرَفْنَا الكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْرٍو وَكَانَ الكَأْسُ مَجْرَاهَا اليَمِينَا الصَّرْفُ: التحويل، والفعل صَرَفَ يَصْرِفُ. يقول: صَرَفْنَا الكأس عنَّا يا أُمَّ عمرو، وكان مجرى الكأس على اليمين، فأَجْرَيْنَاهَا على اليسار.
- معلقة عمرو بن كلثوم. ٦- وما شر
وَمَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ أُمَّ عَمْرٍو بِصَاحِبِكِ الَّذِي لا تُصْبِحِينَا يقول: ليس شرُّ الثلاثة صاحبَكِ الذي لا تسقيه الصبوحُ شرَّ هؤلاء الثلاثة الذين تُسْقِينَهُمْ، أي لستُ شرَّ أصحابي، فكيف هجرتِني وتركتِ سَقْيَ الصبوح؟
- معلقة عمرو بن كلثوم. ٧- وكأس قد
وَكَأْسٍ قَدْ شَرِبْتُ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ وَأُخْرَى فِي بِلْدَةٍ وَبَلْدَتَيْنَا يقول: ورُبَّ كأس شربتها بهذه البلدة، ورُبَّ كأس شربتها ببلدةٍ أخرى، ورُبَّ كأس شربتها ببلدتَيْنِ. من الغرور وهو الماء البارد، ورد عليه أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب هذا القول، وقال: الدمع كله حارٌّ جِبِلَّةً نَزْحٌ أو مِزْحٌ(١)، وقال أبو عمرو الشيباني(٢): معناه: أنام الله عينك وأزال سهرها لأن استيلاء الحزن داعٍ إلى السهر، فالاقرار على قوله أفعال من قرَّ يُقِرُّ قراراً، لأن العيون تقر في النوم وتطرف في السهر. وحكى ثعلب عن جماعة من الأئمة أن معناه: أعطاك الله مناك ومنيتك حتى تقر عينك عن الطموح إلى غيره، وتحرير المعنى: أرضاك الله، لأن المرتقب للشيء يطمع ببصره إليه فإذا ظفر به قرَّت عينه من الطموح إليه. يقول: تَحْرِكُ يَوْمَ حَرْبٍ كَثِيرٌ فِيهِ الضَّرْبُ والطَّعْنُ، فَأَثْبَتَ بَنُو أَعْمَامِك عُيُونَهُمْ في ذلك اليوم، أي نازَلُوا بِسُيُوفِهِم ونَظَرُوا بِمَقَاتِلِهِم مِنْ نَهْرِ الأَعْدَاءِ. ١٢- ... أي بما نلا من الهول من الحوادث. يقول: فإن الأيام من بنا لا يَحْبِطُ عملك به أي ملازمة له. ١٣- ... الكاشح: المظهر العداوة في كشحه(٣)، وخَصَّتِ العرب الكَشْحَ بالعداوة لأنه موضع الكَبِد، والعداوة عندهم تكون في الكَبِد، وقيل: بل سُمِّيَ العدو كاشحاً لأنه يكْشَح عن عدوه أي يُعْرِض عنه مولِّيَه كشحه، يقال: كَشَحَ عنه يَكْشَحُ كَشْحاً. يقول: تترك هذه المرأة إذا أتتها خالية وأمنت عيون أعدائها. ١٤- ... العطل: الطويلة العنق من النَّعَم، الأدماء: البيضاء، منها، والأدمة. (١) نَزْح: حزن. (٢) صاحب كتاب النوادر (ت ٢٠٦ هـ). (٣) الكشح: ما بين الخاصرة والضلَع. البياض في الإبل. البِكْر: الناقة التي حملت بطناً واحداً، ويروى بكر، يفتح الباء، وهو الغني من الإبل، ويكسر الباء، أعلى الروايتين. ويروى: تربّت الأَجْراع والمتونا. تربت: رعت ربيعاً. الأَجْراع: جمع الأَجْرَع، وهو المكان الذي فيه جَرْع، والجرع: جمع جرعة، وهي دَعْصٌ من الرمل غير مثبت شيئاً. المتون: جمع متن وهو الظهر من الأرض. الهُجَان: الأبيض الخالص البياض، يستوي فيه الواحد والجمع، ومنعت به الإبل والرجال وغيرهما. لم تقرأ جنيناً أي لم تضم في رحمها ولداً. يقول: تركت ذراعين ممتلئين لحماً كذراعي ناقة طويلة المتن لم تلد بعد أو رعت أيام الربيع في مثل هذا الموضع. ذكر هذا مبالغة في سمنها، أي ناقة سمينة لم تحمل، ولداً قط بيضاء اللون. رحمًا: لبنًا. حماتًا: عفيفة. اللُّدْن: اللِّين، والجميع لُدْن، أي ومعنى قامة لَدْنَة. الشُّمُوق: الطول، والفعل شَمُقَ يَشْمُق. الرَّدَفَان والرَّدفَتان: فخذا الأَلْيَتَيْن، والجمع الرَّوَادِف والرَّوَافِد. الثُّؤَيَّة: النهوض في تثاقل. الزُّؤْلِيّ: القريب، والفعل ولي يلي. يقول: وتركت منتي قامت طويلة لينة تَقِلُّ أردافها مع ما يقرب منها، وصفها بطول القامة وقلة الأرداف. الدِّعْص: قطعة مستديرة من الرمل. حُقًّا: وعاء صغير ذو غطاء. الماكئة والماكئة: رأس الورك، والجمع الماك. يقول: وتريك وركاً يضربن الباب عنها ليُعظِّمها وضَخَمَها وامتلاءها باللحم، وكَسَماً قد جُنِبَتْ بحُسْنِ جَزْنَا. ١٨ - (بيت شعري غير مقروء تمامًا في الصورة) البَلَط: العاج. السارية: الأُسْطوانة، والجمع السَّواري. الرُّخَام: الرُّزين: الصوت. يقول: وتريك ساقين كاسطوانتين من عاج أو رخام بياضاً وضخماً بصوت حليهما، أي خلاخيلهما، تصرُّماً. ١٩ - (بيت شعري غير مقروء تمامًا في الصورة) قال القاضي أبو سعيد السِّيرافي: العِبْر بمنزلة الإنسان، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والشَّثْنُ(١) بمنزلة الصبيّ، والحائل بمنزلة الصبية، والحوار(٢) بمنزلة الولد، والبكر بمنزلة الغني، والفَطيم(٣) بمنزلة الجارية. والرَّحَل: الحزن، والفعل وَجَدَ يَجِدُ. الترجيع: ترديد الصوت. الحنين: صوت المتوجِّع. يقول: فما حزنت حزناً مثل حزنِ ناقةٍ أُصْلِتْ ولداً فرددت صوتها مع ترجُّعها في طلبه، يريد أن حزن هذه الناقة دون حزنه لفراق حبيبته. ٢٠ - (بيت شعري غير مقروء تمامًا في الصورة) السَّقْط: يابس الشجر. الجنين: المستور في القبر هنا. يقول: ولا حزنت كعجوزٍ لم يترك شفاءَ جِلْدِهَا(٤) لها من تسعة بنين. (١) الشَّثْن: ولد الناقة الذكر ساعةَ ولادته. (٢) الحوار: ولد الناقة من الولادة إلى الفِطام. (٣) الفَطيم: النِّتاج من الإبل من لَدُن تُرْكِهِ إلى التاسعة من عمره. (٤) جِلْدِها: بطنها. النص في هذه الصفحة غير مقروء بوضوح في الصورة المتاحة، ولذلك يتعذر عليَّ استخراج الأبيات وشرحها بدقة دون افتراضات أو استكمال من مصادر خارجية. ٣٤- نَهُمُّ أَنَاسًا وَنَحْمِلُ ضَيْمَهُمْ وَنَحْمِلُ عَنْهُمْ مَا تَحَمَّلْنَا يقول: «تَتِمُّ حَمَائِلُنَا بِنُزُولِنَا وَسِيْبِنَا»، ونعتق عن أموالهم، ونحمل عنهم ما حملونا من أثقال حقوقهم ومننهم، والله أعلم. ٣٥- فَنُطَاعِنُ مَا تَرَاخَى النَّاسُ عَنَّا وَنَضْرِبُ بِالسُّيُوفِ إِذَا غَضِبْنَا التراخي: البعد. النسيان: الإتيان. يقول: نطاعن الأبطال ما تباعدوا عنا، أي وقت تباعدهم عنا، ونضربهم بالسيوف إذا أغضبونا، أي أتونا، فقرّبوا منا؛ يريد أن شأننا طعنُ من لا تناله سيوفُنا. ٣٦- يُسَمِّرُ مِنْ كَفِّ الحَقِّ لَدْنٌ ذَوَائِلُ أَوْ يُبَيِّضْنَ بِالتَّخَضُّبِنَا اللَّدن: اللِّين، والجمع لَدْن. يقول: نطاعنهم برماح سُمْر لَيِّنَة من رماح الرجل الخَطِّيّ، يريد سُمْرًا؛ أي نصابرهم بسيوف بِيض يقطعن ما ضربن به. توصف الرماح بالسُّمرة لأن سُمْرَتَها دالَّةٌ على نَفَاذِهَا في مَنَابِتِهَا. ٣٧- كَأَنَّ جَمَاجِمَ الأَبْطَالِ فِيهَا وَسُوقٌ بِالأَمَازِيرِ يَرْتَكِبْنَا الأبطال: جمع بطل وهو الشجاع الذي يُبْطِلُ دماء أقرانه. الوسوق: جمع وسق، وهو حِمْلُ بعير. الأمازير: جمع الأَمْرَز، وهو المكان الذي تكثر حجارته. يقول: كان جماجم الشجعان منهم أحمالَ إبلٍ تسقط في الأماكن الكثيرة الحجارة.
- معلقة عمرو بن كلثوم. ٤٨- حُبَيْنَا النَّاسِ
٤٨- حُبَيْنَا النَّاسِ كُلَّهُمُ جَمِيعًا مُشَارَكَةً يَنْبِئُهُمْ عَنَّا نَبِينَا حُبَيْنَا حُبَيْنَا: اسم جاء على صيغة التصغير مثل ثُرَيَّا وحُمَيَّا، وهي بمعنى الحدثي. يقول: نعدو الناس كلهم مثل مجدنا وشرفنا، وتفاخُر أبناء أبنائنا عن أبنائنا؛ أي نضاربهم بالسيوف حمايةً للحُرَمِ ودفعًا عن الحوزة.
- معلقة عمرو بن كلثوم. ٤٩- فَإِنَّا يَوْمَ
٤٩- فَإِنَّا يَوْمَ نَخْشَى عَلَيْهِمْ تَخْشَى خَيْلُنَا عَصَبًا ثُبَيْنَا المُصَبُّ: جمع عصبة، وهي ما بين العشرة والأربعين. اللِّبَةُ: الجماعة، والجمع اللَّبَات، والشَّثْنُ في الرفع، والشَّثْنِ في النصب والجر. يقول: فما يومٌ نخشى على أبنائنا وحَرَمِنا من الأعداء تصبح خيلنا جماعات، أي تتفرق في كل وجه لذَبِّ الأعداء عن الحُرَم.
- معلقة عمرو بن كلثوم. ٥٠- وَإِنَّا يَوْمَ
٥٠- وَإِنَّا يَوْمَ نَخْشَى عَلَيْهِمْ تَفْتَحُ خَيْلُنَا غَارَةً شُبَيْنَا الإمعان: الإسرَاع والمبالغة في الشيء. الثَّبَتُ: ليس السلاح. يقول: وأما يوم لا نخشى على حَرَمِنا من أعدائنا فنعمد إلى الإغارة على الأعداء لا نبقي أسلحتنا.