شرح المعلقات السبع
تأليف القاضي أبي عبدالله الحسين بن أحمد الزوزني المتوفى سنة ٤٨٦ هجرية
الجذور
- معلقة امرئ القيس. ٢٤- تجاوزت أحراساً
تَجاوَزْتُ أَحْرَاساً إِلَيْهَا وَمَعْشَراً عَلَى حِراضٍ لَوْ يُسِرْنَ مُقْلَتِي الأَحْرَاسُ يجوز أن يكون جمعَ حَارِسٍ بمنزلةِ صاحِبٍ وأَصْحَابٍ، وناصرٍ وأَنْصَارٍ، وشاهِدٍ وأَشْهَادٍ، ويجوز أن يكون جمعَ حَرَسٍ بمنزلةِ جَبَلٍ وأَجْبُلٍ، وحَجَرٍ وأَحْجَارٍ، ثم يكون الحَرَسُ جمعَ حَارِسٍ بمنزلةِ خَادِمٍ وخَدَمٍ، وغَائِبٍ وغَيْبٍ، وطَالِبٍ وطَلَبٍ، وعَبْدٍ وعَبِدٍ. المَعْشَرُ: القَوْمُ، والجميعُ المَعَاشِرُ. الحِراضُ: جمعُ حَرِيصٍ، مثلُ ظَرَفٍ وكِرَامٍ ولِئَامٍ في جمعِ ظَرِيفٍ وكَرِيمٍ.
- معلقة امرئ القيس. ٢٥- إذا ما
إِذَا مَا الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ تَعَرَّضَ أَثْنَاءِ الوِشَاحِ الْمُفَصَّلِ التعرُّض: الاستقبال، والتعرُّض إبداء العرض، وهو من الناحية، والتعرُّض الأخذ في الذهاب عرضاً. الأثناء: النواحي، والأثناء: الأوساط، وأحدهما ثَنًى مثل عَصًا يُثْنَى مثل يَحْيَى (١)، وكذلك الأَلاَء، بمعنى الأوقات، والأَلاء، بمعنى النِّعَم في واحدها. هذه اللغات الثلاث ذكرها كلها ابن الأنباري (٢). المُفَصَّل: الذي فُصِل بين خَرَزِه بالذهب أو غيره. يقول: تَجَاوَزَتْ إليها في وقت إبداءِ الثريا عَرْضَها في السماء كَبَدَاءِ الوشاح الذي فُصِل بين جواهره، وخَرَزِه بالذهب أو غيره عَرْضَةً. يقول: أَتَتْهَا عند رؤية كواكب الثريا في الأفق الشرقي، ثم شَبَّه نواحيها بنواحي جواهر الوشاح، هذا أحسن الأقوال في تفسير البيت. ومنهم من قال: شَبَّه كواكب الثريا بجواهر الوشاح، لأن الثريا تأخذ وسط السماء، كما أن الوشاح يأخذ وسط المرأة المتوشِّحة، ومنهم من زعم أنه أراد الجزاء فغَلِط، وقال: الثُّرْيَا لأن التعرُّض للجزاء دون الثريا، وهذا قول محمد بن سلاَم الجُمَحِيِّ (٣). وقال بعضهم: تعرُّضُ الثريا أنها إذا بلغت كَبِدَ السماء أَخَذَتْ في العَرْض دائمةً ساعةً كما أن الوشاح يقع مائلاً إلى أحد شِقَّي المتوشِّحة به.
- معلقة امرئ القيس. ٢٧- فقالت
فَقَالَتْ يَمِينُ اللَّهِ مَا لَكَ حِيلَةٌ وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ العَقَاوِيَ تَنْجَلِي اليمين: الحَلِف. الجَرَأة، والغي: الضلالة، والفعل غَوِيَ يَغْوَى غَيًّا. ويُرْوَى: العَماية، وهي العمى. الانجلاء: الانكشاف. و«ما إن» في قوله: «وما إن أرى» زائدة، وهي تُزاد مع «ما» النافية؛ ومنه قول الشاعر الفرزدق: «وما إن طِبْنَا ولكن منايانا دُوَلٌ ...» إلى آخر البيت. يقول: قالت الحبيبة: أَحْلِفُ بالله ما لك حيلة، أي ما لي لدفعك عني حيلة، وقيل: بل معناه ما لك حُجَّة في أن تُغضِبَني بطُرُوقِك إياي وزيارتِك ليلاً؛ يقال: ما له حيلة، أي ما له عُذْر وحُجَّة. ومعنى قوله: «وما إن أرى عنك العقاوي تنجلي»: ما أرى ضلال العشق وعماياته منكشفًا عنك. وتحرير المعنى أنها قالت: ما لي سبيل إلى دفعك، ولا لي عنك عُذْر في زيارتك، وما أراك نازعًا عن هواك ومَيْلِك. ونُصِبَتْ «يمينَ الله» على إضمار الفعل. وقال الرواة: هذا أمدحُ بيتٍ في الشعر.
- معلقة امرئ القيس. ٢٨- خرجتُ
خَرَجْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَا عَلَى أَسْرَتِنَا ذَيْلُ مِرْطٍ مُرَحَّلِ الأَزْرَةُ: هَيْئَةُ الإِزْرَةِ، والرَّدْيَةُ: هَيْئَةُ الِارْتِدَادِ. وقد نُسِبَ هذا البيتُ لِقُرَّةَ بْنِ سُمَيْرٍ ولغيره، انظر «معاني النابغة الليبي»، ص ٢٨/١، الطبعة العادة.
- معلقة امرئ القيس. ٢٩- فقلنا أجزنا
فَقُلْنَا أَجِزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وَانْتَجِ بِنَا بَطْنَ خَبْتٍ ذِي حَفَافٍ مُعَقَّلِ يقال: أَجَزْتُ المكانَ وجُزْتُه إذا قطعتَه إجازةً وجوازًا. السَّاحَة: تُجمع على السَّاحات، والسِّياح، والسُّوَّح مثل قارة، وقارات، وقار، وقور، والقارة: الجبل الصغير. الحَيُّ: القبيلة، والجمع الأحياء، وقد تُسمَّى الحِلَّة. والانتجى: الاعتماد على الشيء، ذكره ابن الأعرابي. البَطْن: مكانٌ مُطْمَئِنٌّ حوله أماكنُ مرتفعة، والجمع بَطْن وبُطون وبِطان. الخَبْت: أرض مطمئنة. والجَخْف: رملٌ مُشرِفٌ مَوْجٌ، والجمع أَخَاف وحَفَاف، ويُروى: ذي قِفَاف، وهي جمع قَفٍّ، وهو ما غَلُظ وارتفع من الأرض ولم يَبلُغ أن يكون جبلًا. المُعَقَّل: الرملُ المُنعقدُ المُتلبِّد، وأصلُه من العَقْل، وهو الشَّدُّ، وزعم أبو عُبيدة، وأكثر الكوفيِّين أن الواو في (وَانْتَجِ) متصلةٌ زائدة، وعندهم جوابٌ لِما، وكذلك قولهم في الواو في قوله تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ} [الحشر: ١٢]، والواوُ لا تُقْحَمُ زائدةً في جواب لما عند البصريِّين، والجواب. (١) الفرند: صفةٌ للسيف، أو ما يلمع في صفحته من أثر تموُّج الفولاذ. (٢) المَرْعَزِيُّ: نوعٌ من صوف. (٣) الحِلَّة: مجمعُ البيوت. (٤) أبو عُبَيْدة: معمر بن المثنَّى، صاحب كتاب مجاز القرآن (ت ٢١٠هـ).
- معلقة امرئ القيس. ٣٠- مُصَرَّتْ بفَوْذَي
٣٠- مُصَرَّتْ بِفَوْذَي رَأْسِهَا تَمَايَتْ عَلَى مَضِيمِ الْكَشْحِ رِبْئَةِ الْمُتَخَلْخِلِ يقول: مُصَرَّتْ بِفَوْذَي رَأْسِهَا تَمَايَتْ عَلَى مَضِيمِ الْكَشْحِ رِبْئَةِ الْمُتَخَلْخِلِ. المِصْر: شَعْرُ الرَّأْسِ، والفعل مَصَرَ يَمْصِرُ، الفَوْذَانِ: جانبا الرَّأْس، تَمَايَتْ: أي مَالَتْ. وبُورِي: يَنْصِبُ دَوْمَةً، والدُّومُ: شَجَرُ النَّخَلِ (١)، واحِدَتُهَا دَوْمَة، شَبَّهَهَا بِشَجَرَةِ الدُّومِ وَشَبَّهَ ذَوَائِبَهَا (٢) يَنْضِينَ وَجَعَلَ مَا نَالَ مِنْهَا كَالطَّلْعِ الَّذِي يُجْتَنَى مِنَ الشَّجَرِ. ويُرْوَى: (إِذَا قُلْتِ هَاتِي نَاوَلْتِنِي تَمَايَتْ)، وَالتَّمَايُلُ: الِانْتِقَالُ وَالتَّنَقُّلُ. الْمَضِيمُ: الْعَطَاءُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَطِيَّةِ نَوَالٌ. مَضِيمُ الْكَشْحِ: ضَامِرُ الْكَشْحِ، وَالْكَشْحُ: مَقْطَعُ الْأَضْلَاعِ، وَالْجَمْعُ أَكْشَاحٌ، وَأَصْلُ الْمَضِّ: الْهَضْمُ وَالْكَسْرُ، وَالْفِعْلُ هَضَمَ يَهْضِمُ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِأَضْمَارِ الْبَطْنِ مَضِيمُ الْكَشْحِ لِأَنَّهُ يَلِيقُ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ جَسَدِهَا نُكْرَةُ هَضْمٍ عَنْ قَرَارِ الرَّدْفِ وَالْجَنْبَيْنِ وَالْوِرْكَيْنِ. رِبْئَةُ: ثَابِتَةُ الرِّيَانِ، وَالْمُتَخَلْخِلُ: مَوْضِعُ الْخَلْخَالِ مِنَ السَّاقِ، وَالْمِسْتَرُ: مَوْضِعُ السِّوَارِ مِنَ الذِّرَاعِ، وَالْمُقَلَّدُ: مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنَ الْعُنُقِ، وَالْمُقْرَطُ: مَوْضِعُ الْقُرْطِ مِنَ الْأُذُنِ، عَبَّرَ عَنْ كَثْرَةِ لَحْمِ السَّاقَيْنِ وَامْتِلَائِهِمَا بِالرِّيِّ. مَصَرَّتْ جَوَابٌ لِمَا فِي هَذَا الْبَيْتِ الْأَوَّلِ مِنَ السُّؤَالِ عَنْ كَيْفِيَّةِ حَالِهَا، فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ مَجْمَعِ بُيُوتِ الْقَبِيلَةِ وَصِرْنَا إِلَى مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ طَابَ حَالُنَا وَرَاقَ عَيْشُنَا. (١) نَبَاتٌ شَبِيهٌ بِالنَّخْلِ. (٢) الذَّوَائِبُ: الشَّعْرُ فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ.
- معلقة امرئ القيس. ٣١- مهفهفة بيضاء
مُهَفْهَفَةٌ بَيْضَاءُ غَيْرُ مُفَاضَةٍ تَرَائِبُهَا تَمْتَدُّ كَالسِّجْنِجَلِ المُهَفْهَفَةُ: اللطيفةُ الخَصْرِ الضَّامِرَةُ البَطْنِ، غيرُ عظيمةِ البطن ولا مسترخِيَتِهِ. التَّرائِبُ: جمعُ تَرِيبَة، وهي موضعُ القِلادَةِ من الصَّدر. السِّجْنِجَلُ: قيل هو ما صُقِل من الزجاج ونحوه فصار صافياً يلمع، وقيل هو قطعُ الذهب والفضَّة. يقول: هي امرأة دقيقةُ الخصر، ضامرةُ البطن، مستويةُ الأعضاء، تلمعُ ترائِبُ صدرِها في صفائها وبريقها كصفاءِ السِّجْنِجَلِ وضيائِه.
- معلقة امرئ القيس. ٣٢- كجرع المغناة
كَجَرْعِ المُغَنَّاةِ البَيَاضِ بِصَفْرَةٍ غَذَاهَا نُمَيْرُ المَاءِ غَيْرَ المُحَلَّلِ الكَجْرُ من كلِّ شيءٍ: أَوَّلُه وأطيبُه. والمُغَنَّاةُ: الخليط، وقيل ما اختلط بعضُه ببعض. والمراد هنا: الشيءُ الذي خالط بياضَهُ صُفْرَةٌ. النُمَيْرُ: الماءُ الطيِّبُ العَذْبُ. غَيْرُ المُحَلَّلِ: غيرُ الممزوجِ بشيءٍ يغيِّرُ طَعْمَه. يقول: لونُ شحمتِها في بياضه المختلطِ بصُفرةٍ يسيرةٍ كجرع الخليطِ الأبيضِ المشوبِ بصُفرة، وقد غذَّتْها مياهٌ عذبةٌ صافيةٌ لم تُخالِطْها شَوَائِب، فحَسُنَتْ بِذلك بَشْرَتُها ولَوْنُهَا.
- معلقة امرئ القيس. ٣٥- وفرع
وَفَرْعٍ يُزِينُ المَتْنَ أَسْوَدُ فَاحِمٌ أَثِيثٌ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ الْمُتَعَثْكِلِ الفرع: الشعر التام، والجمع فروع، ورجل أفرع وامرأة فرعاء. الفاحم: الشديد السواد مشتق من الفحم؛ يقال: هو فاحم بين الفحومة. الأثيث: الكثير، والأثاثة الكثرة؛ يقال: أثَّ الشعر والنبت. القنو: العنقود، والجمع أقناء وقنوان. المعكول والمكلكل قد يكونان بمعنى القتر وقد يكونان بمعنى قطعة من القتر(١)، والنخلة المتعككلة: التي خرجت عذائقها أي نثائلها. (١) القتر: عنقود التمر. يقول: وتبدي عن شعر طويل ناعم يزين ظهرها إذا أرسلته عليه، ثم شبّه ذوائبها بغصن نخلة أخرجت قنوانها، والذوائب تشبه بالعذَاق، والقنوان أراد به تجمعها وأثاثها.
- معلقة امرئ القيس. ٣٦- غدائرها مستشزرات
غَدَائِرُهَا مُسْتَشْزِرَاتٌ إِلَى العُلَا تَضِلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنًّى وَمُرْسَلِ الغدائر: جمع الغديرة، وهي الخصلة من الشعر. المستشزرات: الارتفاع والرفع جميعًا، فيكون الفعل منه مرة لازمًا ومرة متعدّيًا؛ فمن روى «مستشزرات» بكسر الزاي جعله من اللازم، ومن روى بفتح الزاي جعله من المتعدّي. العِقاص: الخصلة المجموعَة من الشعر، والجمع عُقَص وعقائص. والعِقاص من الضفائر، والضفائر ضَفْرُ الشعر وجَمْعُه، يريد أن عِقاصه يضلّ ويختلط في مُثنّى الشعر ومرسله جميعًا.
- معلقة امرئ القيس. ٣٧- وكشح لطيف
وَكَشْحٍ لَطِيفٍ كَالْجَدِيلِ مُخَضَّرٍ وَسَاقٍ كَأَنْبُوبِ السِّقِيِّ المُذَلَّلِ الجديل: خطام(١) يُعقد من الأدم، والجمع جُدُل. المخضَّر: الملوَّن بلونٍ أخضر، يقال: نعل مخضَّرة أي مصبوغة. الأنبوب: ما بين العقدتين من القصب ونحوه، والجمع الأنابيب. السِّقِيّ هنا: بمعنى المسقي، كالجريح بمعنى المجروح، والمتبي بمعنى المحني؛ شبه ساقها بأنبوب من قصب السِّقِيّ في صفاء لونه واستوائه ونعومته، على شرط أن يكون ذلك الأنبوب أصفى لونًا وأرقى رونقًا. (١) الخطام: ما يجعل في أنف البعير لِيُقاد به. والأمكنةُ النَّديَّةُ، تُشَبَّه أَنَامِلُ النِّسَاءِ بِهِ، والجمعُ الأَسَارِيعُ واليَسَارِيعُ. ظَبْيٌ: موضعٌ بِعَيْنِهِ. المَسَارِكُ: جمعُ المِسْرَاكِ. السَّحْلُ: شَجَرَةٌ تَبْسُقُ أَغْصَانُهَا فِي اسْتِوَاءٍ، تُشَبَّهُ الأَصَابِعُ بِهَا فِي الدِّقَّةِ وَالاسْتِوَاءِ. يقول: وتتناولُ الأشياءَ بِنَانٌ رَخْصٌ لَيِّنٌ نَاعِمٌ غيرُ غَلِيظٍ ولا كَزٍّ، كأنَّ تلك الأَنَامِلَ تُشْبِهُ هَذَا الصِّنْفَ مِنَ السَّحْلِ أَوْ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ المَسَارِكِ، وهو المُخَضَّدُ من أغصانِ هذا الشجرِ المَحْضُوضِ المتينِ.
- معلقة امرئ القيس. ٤٠- تُضِيءُ الظَّلاَمَ
تُضِيءُ الظَّلاَمَ بِالعَشَاءِ كَأَنَّهَا مَنَارَةُ مُمْسًى رَاهِبٍ يَتَبَتَّلُ الإضاءةُ: قد يكون الفعلُ المتعدِّي منها لازماً وقد يكون متعدِّياً، تقول: أضاءَ اللهُ الصبحَ فأضاءَ، والضَّوءُ والضِّياءُ واحدٌ، والفعلُ ضاءَ يَضُوءُ ضَوْءاً، وهو لازمٌ. المنارةُ: المَنَارَةُ، والجميعُ المنارُ والمَنَائِرُ. المُمْسَى: يعني المساءَ والوقتَ جميعاً، ومنه قولُ أُمَيَّةَ(١): «الحمدُ للهِ مُمْسَانَا وَمُصْبَحَنَا بالخيرِ صَبَّحَنَا رَبِّي وَمَسَّانَا». الراهبُ: يُجمع على الرُّهْبَانِ، مثلُ راكبٍ ورُكْبَانٍ، وراغبٍ ورُغْبَانٍ، وقد يكون الرُّهْبَانُ واحداً، ويُجمع حَبْرٌ على الرُّهْبَانِ، والرَّهَابِين كما يُجمع السُّلْطَانُ على السَّلَاطِين، أنشد الفَرَّاءُ(٢): «لو أبصَرَتْ راهباً دَيْرٍ في جَبَلٍ لانحدارِ الرُّهْبَانِ يَسْعَى ويَضْطَرِبُ». جَعَلَ الرُّهْبَانَ واحداً، لذلك قال: يَسْعَى ولم يقل يَسْعَوْنَ. المتبتِّلُ: المنقطعُ إلى اللهِ بعبادتِهِ وعملِهِ، والبَتْلُ: القَطْعُ، ومنه قيل لمريمَ البَتُولِ لانقطاعِها عن الرجالِ واختصاصِها بطاعةِ اللهِ تعالى، فالتبتيلُ إذنِ الانقطاعُ عن الخَلْقِ والاختصاصُ بطاعةِ اللهِ تعالى، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. يقول: تُضِيءُ المَشِيقَةُ بِنُورِ وَجْهِهَا ظَلامَ الليلِ كأنَّها مِصْبَاحُ راهبٍ منقطعٍ. (١) هو أميَّةُ بنُ أبي الصَّلْتِ. (٢) الفَرَّاءُ: أبو زَكَرِيَّا يَحْيَى بنُ زِيَادٍ، من أئمَّةِ النَّحْوِ، من آثاره «معاني القرآن» (ت ٢٠٧ هـ). عن الناس، وخصَّ مِصباحَ الراهبِ لأنه يُوقَدُ ليهتدي به عندَ الضَّلالِ فهو أضوَأُ للإضاءة؛ يريد أنَّ نورَ وجهِها يغلِبُ ظلامَ الليل كما أنَّ نورَ مِصباحِ الراهبِ يغلِبُه.
- معلقة امرئ القيس. ٤١- إلى مثلها
إِلى مِثْلِها يَذْهُو الحَليمُ صَبابةً إِذا ما اسْتَبْكَرَتْ بَيْنَ دِرْعٍ وَمِجْوَلِ الاسْتِبْكار: الطولُ والامتداد. الدِّرع: هو قميصُ المرأة، وهو مذكَّر، ودرعُ الحديد مُؤنَّثة، والجمع أَدْرُع ودُروع؛ المِجْوَل: ثوبٌ تلبَسُه الجواري الصغيرة. يقول: إلى مثلِها يَنبَغي أن ينظرَ العاقلُ كَلَفاً بها وحُبّاً إليها إذا طال قدُّها وامتدَّت قامَتُها بين مَن تلبس الدِّرعَ ومَن تلبس المِجْوَل؛ أي بين من أدرَكن الحُلمَ وبين من لم يُدرِكْنه، يريد أنَّها طويلةُ القَدِّ شديدةُ القامة، وهي بعدُ لم تدرِكِ الحلم وقد ارتفعت عن سنِّ الجواري الصِّغار. قوله: بين دِرعٍ ومِجْوَل، تقديرُه: بين لابِسةِ دِرعٍ و لابِسةِ مِجْوَل.
- معلقة امرئ القيس. ٤٢- تسلّت عمايات
تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجالِ عَنِ الصِّبَا وَلَيْسَ فُؤَادِي عَنْ هَوَاكِ بِمُنْسَلِ تَسَلَّتْ عن حبيبٍ يَسْلُو سُلُوّاً، وَسَلَّى يُسَلِّي سِلًى، وتَسَلَّى تَسَلِّياً، وانْسَلَّى انْسِلَالاً، أي زال حُبُّه من قلبِه أو زال حُزْنُه. والعَمايَةُ والعَمَى واحد، والفِعْلُ عَمِيَ يَعْمَى. زَعَمَ أَكْبَرُ الأئمَّةِ أن في البيت تقديرَ: تَسَلَّتِ الرِّجالُ عن عماياتِ الصِّبَا، أي خرجوا من ظُلُماتِه، وليس فُؤادي بخارجٍ من هواها. وزَعَمَ بعضُهم أن «عن» في البيت بمعنى «بعد»، تقديرُه: انكَشَفَت وبَطَلَت ضلالاتُ الرجال بعد مَضِيِّ صِبَاهم، ونفَذُوا بعد في ضَلالةِ هواها؛ وتلخيصُ المعنى: أنَّه زَعَمَ أنَّ عشقَ العُشَّاقِ قد بَطَل وزال، وعِشْقَهُ إيَّاها باقٍ ثابتٌ لا يَزُولُ ولا يَبْطُل.
- معلقة امرئ القيس. ٤٤- وليلٍ كموجِ
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلِي شَبَّهَ ظَلامَ اللَّيْلِ في هَوْلِهِ وَصُعُوبَتِهِ وَنُكَارَةِ أَمْرِهِ بِأَمْوَاجِ البَحْرِ. السُّدُول: السُّتُور، الواحِدُ مِنْهَا سَدْلٌ. الإِزْجَاء: إِرْسَالُ السَّيْرِ وَغَيْرِهِ. الِابْتِلَاء: الِاخْتِبَار. الهُمُوم: جَمْعُ الهَمِّ، يَعْنِي الحُزْن، وَبِمَعْنَى الهِمَّة. الباءُ في قَوْلِهِ: بِأَنْوَاعِ الهُمومِ بِمَعْنَى مَع. يَقُولُ: زُرْتُ لَيْلًا يُحَاكِي أَمْوَاجَ البَحْرِ في تُوحُّشِهِ وَنُكَارَةِ أَمْرِهِ، وَقَدْ أَرْخَى عَلَيَّ سُتُورَ ظَلامِهِ مَعَ أَنْوَاعِ الأَحْزَانِ، أَوْ مَعَ فُنُونِ الهَمِّ، لِيَخْتَبِرَنِي الصَّبْرَ عَلَى ضُرُوبِ الشَّدَائِدِ وَفُنُونِ النَّوَائِبِ أَمْ أَجْزَعُ مِنْهَا. لَمَّا أَمِنَ في النَّسِيبِ مِنْ أَوَّلِ القَصِيدَةِ إِلَى هُنَا انْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى التَّمَدُّحِ بِالصَّبْرِ وَالجَلَدِ.
- معلقة امرئ القيس. ٤٥- فقلتُ لهُ
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلكَلِ تَمَطَّى: أَي تَمَدَّدَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّمَطِّي مَأْخُوذًا مِنَ المَطَا، وَهُوَ الظَّهْرُ، فَيَكُونُ التَّمَطِّي مَدَّ الظَّهْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَمَطِّي مِنَ المَطْطِ فَقُلِبَتْ معلقة امرئ القيس إحدى الطالبين بها، كما قالوا: تَنقضي تَنقِياً، والأصل تَنطِن تَنطِناً، وقالوا: تَقضَى (١) البازي تَقضِياً، أي تَقبِض تَقبِضاً، والتَّنقُط التَّنقِط من المطر، وهو المد. وفي الصُّلب ثلاث لغات مشهورة، وهي: الصُّلْبُ، بضمِّ الصاد وسكون اللام، والصَّلَبُ بفتحهما، والصُّلُبُ بضمِّهما؛ ومنه قول العجّاج يصف جارية: (٢) الجرزة: رثا العظام فخمة السَّحْمِ في صُلْبٍ مثل العِنانِ المُزمِ ولغة غريبة، وهي الصُّلاب. وقال العبّاس عمُّ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يمدح النَّبيَّ، عليه السلام: (٣) التَّسريع: تنتقل من صالبٍ إلى رحمٍ إذا مضى عالمٌ بدا طَبَقُ الإرداف: الإتباع والأتباع، وهو بمعنى الأوّل ها هنا. الأمعاز: المتأخِّر، الواحد عَجُزٌ وعَجْزٌ، وعُجْزٌ: ناءٍ، مقلوب نأى بمعنى بَعُدَ؛ كما قالوا: راءٍ بمعنى رأى، وشاءٍ بمعنى شاء. الكَلكَل: الصدر، والجمع كلاكل. الباء في قوله ناءَ بكَلْكَلِ المعدِّيَةِ، وكذلك هي في قوله تعطي بصلبه. استعار لليل صُلباً، واستعار لطوله لفظ المعطَى لِلَيالٍ صُلاب، واستعار لأوائله لفظ الكَلكَل ولِمُتأخِّرِه لفظ الأمعاز. يقول: فقلتُ لليلِ لمّا مدَّ صُلبَه، يعني لمّا أفرط طوله، وأردفت أعجازَه، يعني ازدادت أواخرُه امتداداً وتطاولاً، وناءَ بكَلْكَلٍ يعني أبعد صدرَه، أي يَبْعُدُ العهدُ بأوَّله؛ وتلخيص المعنى: قلتُ لليلِ لمّا أفرط طوله، وناءت أوائلُه، وازدادت أواخرُه تطاولاً، وطولُ الليلِ يعني عن مُقاساةِ الأحزان والشدائد والسَّهَر المتولِّد منها؛ لأنَّ المهموم يَسْتَطيلُ ليلَه، والمسرور يَسْتَقْصِرُ ليلَه. (١) تَقضى: مضى لِفِعْلٍ. (٢) أشهر رَجّاز في العصر الأموي (ت ٩٧ هـ). «المعجم»: وَضْعُ الخَلْخال، الموضع من الأدمة، الجلد. (٣) شانٍ ثلاثاً: أي سَبَّه، وشانَ الشيءَ ثلاثاً أعجبه.
- معلقة امرئ القيس. ٤٦- ألا أيها
٤٦- أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِ بِصُبْحٍ وَمَا الْإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ الانجلا: الانكشاف، يقال: جَلَوْتُهُ فَانْجَلَى أَيْ تَكَشَّفَ فَانْكَشَفَ. الأمثل: الأفضل، والمثل الفضل، والأمثال الأفاضل. يقول: قلتُ له أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ انْكَشِفْ وَتَنَحَّ بصبح؛ أي ليزُلْ ظلامُك بضِياءٍ من الصبح، ثم قال: وليس الصبحُ بأفضلَ منك عندي لأني أُقاسي الهمومَ نهارًا كما أُعانيها ليلًا، أو لأن نهاري أظلمُ في عيني لازدحام الهموم عليَّ حتى حكى الليلَ، وهذا إذا رُوِيتَ: «وما الإصباحُ منك بأمثلِ»، وإن رُوِيتَ: «فيك بأفضلِ»، كان المعنى: وما الإصباحُ في جَنْبِكَ أو في الإضافةِ إليك أفضلَ منك؛ لما ذكرنا من المعنى، لما ضَجِرَ بطولِ ليله خاطبه وسأله الانكشاف، وخِطابُهُ ما لا يعقل يدلُّ على فَرْطِ الوَلَهِ وشِدَّةِ التَّحَيُّرِ، وإنما يُستحسَن هذا الضربُ في النسيبِ والمَراثي وما يُوجِبُ حُزْنًا وكآبَةً ووَجْدًا وصَبَابَةً.
- معلقة امرئ القيس. ٤٧- فيا لك
٤٧- فَيَا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُومَهُ بِأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْدَلِ الأمراس جمعُ مِرْسٍ، وهو الحبل، وقد يكون المِرْسُ جمعَ مَرَسَةٍ، وهو الحبلُ أيضًا؛ فتكون الأمراسُ حينئذٍ جمعَ الجمع. وقوله: «بأمراسِ كتانٍ» من إضافةِ البعضِ إلى الكل؛ أي بأمراسٍ من كتانٍ، كقولهم: بابُ حديدٍ، وخاتمُ فِضَّةٍ، وتُبَّانُ خَزٍّ. الأصمُّ: الصلبُ، وثانيتُه الصَّمَاء، والجمعُ الصُّمُّ، الجندلُ: الصخرةُ، والجمعُ جَنَادِلُ. يقول مخاطبًا الليلَ: فيا عجبًا لك من ليلٍ كان نجومُهُ شُدَّتْ بحبالٍ من الكِتَّانِ إلى صخورٍ صلابٍ، وذلك أنَّهُ استطالَ الليلَ فيقول: إنَّ نُجومَهُ لا تزولُ من أماكنِها ولا تغرب، فكأنها مشدودةٌ بحبالٍ إلى صخورٍ صَلْبَةٍ، وإنَّما استطالَ الليلَ لأنَّ الدُّنيا عَلِقَتْ في مَصابِهَا. (١) هذا البيتُ زُكِبَ من بينهما: فَيَا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُومَهُ بِكُلِّ مِغَارِ الْفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ كَأَنَّ الدُّرَايَا عَلِّقَتْ فِي مَصَامِهَا بِأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْدَلِ شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات ٧٩، شرح المعلقات للزوزني ٣٨. الوادي يجمع على الأودية والأَوداية. الجوف: باطن الشيء، والجمع أجواف. القَتَر: الحمار، والجمع الأَعارب. الفَقَر: المكان الخالي، والجمع القِفار. وقيل: أَنْقَرَ المكانُ انِقارًا إذا خلا، ومنه خُبر نِقال إذا لا دام معه. الذِّئب يجمع على الذِّئاب والذُّؤبان والذِّئبان، ومنه قول ذُؤبان العرب للِّصوص المُتَلَصِّصين، وأرضٌ مَذْآب: كثيرةُ الذِّئاب. وقد تتابعتِ الرِّيحُ وتَذاءَبَت إذا هبَّت من كل ناحيةٍ كالذِّئب إذا حَذِرَ من ناحيةٍ أتى من غيرها. الخَليع: الذي قد خلعته أهله لخَنَثِه، وكان الرجلُ منهم يأتي بَيتَه إلى الموسم ويقول: ألا إنِّي قد خَلَعتُ ابني جَزْرًا(١) لم أَضْمَنْ، وإن جَرَّ جُرَّ عليه لم أُطْلَبْ. فلا يُؤخَذُ بجرائره، وزعم الأئمة أن الخليع في هذا البيت المُقامِر. العَيائل: الكثيرُ العيال، وقد عالَ يَعيلُ فهو مُعيل إذا كَثُر عيالُه. العواء: صوتُ الذِّئب وما أَشبَهَه من السِّباع، والفعلُ عَوى يَعوي عُواء. زعم صِنفٌ من الأئمة أنه شَبَّه الوادي في خَلائه من الإنس بطنَ الحمار، وهو الحمار الوحشي، إذا خلا من المَلَفِّ، وقيل: بل شَبَّهَه في قِلَّةِ الانتفاع به لوجود العِبْر، لأنه لا يُركَب ولا يكون له دَرٌّ، وزعم صنفٌ منهم أنه أراد كجوف الحمار بتغيير اللفظ إلى ما وافَقَه في المعنى لإقامة الوزن. وزعموا أن حِميرًا كان رجلًا من بقية عاد وكان متمسكًا بالتوحيد، فسافر بنوه فأصابَتْهم صاعقةٌ فأهلكتهم، فأشرَك بالله وكَفَر بعد التوحيد، فأحرَق الله أموالَه وواديه الذي كان يَسكن فيه فلم يَثبُت بعده شيءٌ، فشَبَّه امرؤُ القيس هذا الوادي بواديه في الخلاء من النبات والإنس. يقول: ورِبِّي وادٍ يشبه وادي الحمار في الخلاء من النبات والإنس أو يشبه بطن الحمار فيما ذكرنا طريقته سِرًّا وقطعتُها، وكان الذئب يَعوي فيه من فَرْط الجوع كالمُقامِر الذي كَثُر عيالُه ويُطالِبه عيالُه بالنفقة، وهو يُصبِح بهم ويتخاصم إذ لا يجد ما يُرضيهم به.
- معلقة امرئ القيس. ٥٢- وقد اغتدي
وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الْأَوَابِدِ هَيْكَلِ يقول: قد أغدو في جمع تاجر، والركب في جمع راكب. ثم يُجمع على الطير مثل: بيت وبيوت، وشيخ وشيوخ. الرُّكَنات: مواقع الطير، وأوْكِنَتُها وكُنُها، وتُقْلَبُ الواوُ همزةً فيقال: أَكِنَّة، ثم تُجمع الرُّكْنَةُ على الرُّكَنات، بضمِّ الراء والكاف، وعلى الرُّكُنات، بضمِّ الراء وسكون الكاف، ونُذَكِّر على الرُّكْن، وهكذا حكم فَعْلَة نحو: ظُلْمَة وظُلُمات وظُلَم. المنجرد: الماضي في السير، وقيل: بل هو القليل الشَّعْر. الأوابد: الوحوش، وقد أَبَدَ الوحشُ يَأْبِدُ أَبْداً، ومنه تَأَبَّدَ الموضعُ إذا توحَّشَ وخلا من الإنسان، ومنه قيل للفظ: «آبِدَة» لتحوُّشه عن الطباع. الهيكل: الضخمُ الجِسْم. قال ابن دريد(١): هو الفرس العظيم الجرم، والجمع الهياكل. يقول: وقد أغتدي والطير بعدُ مستقرة على أوكارها التي باتت عليها على فرسٍ ماضٍ في السير قليل الشعر، يَقْيِدُ الوحشَ بسرعة لحاقه إياها عِظَمُ الألواح والجرم؛ وتحرير المعنى: أنه تَمَحَّضَ بمعاناة دُجى الليل وأهواله، ثم تمحَّض يحتمل حقوق الفلاة والأعْصابِ والوزَرِ، ثم تمحَّض يَطْلِي الصفاحَ والآلِيَةَ، ثم إنما الآن يُمْتَحَنُ بالفروسية، يقول: وربما باكرتُ الصيدَ قبل نهوض الطير من أوكارها على فرسٍ هذه صفته. وقوله: قَيْدَ الأوابدِ، جُعِلَ لسرعة إدراك الصيد كأنَّه كافلٌ لها؛ لأنها لا يمكنها الفوتُ منه كما أن القَيْدَ لا يُمْكِن من الفوت والهرب.
- معلقة امرئ القيس. ٥٣- يَكْرُّ مُقَفَّلًا
يَكْرُّ مُقَفَّلًا مُذْعِرًا جَمْعًا كَجِلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ الكَرُّ: العطف. يقال: كرَّ فرسه على عَطْفه أي عطَفَه عليه، والكرُّ والكرور جميعًا الرجوع. يقال: كرَّ على قرنه بكرًّا وكَرورًا، والمَكَرُّ: مَفْعَل من كرَّ يَكُرُّ، ومَفْعِل مُنْصِبٌ مبالغةً كقولهم: فلان مَسْعَرُ حرب، وفلان يقال مصبِّح(٢)، وإنما جعلوه مُنْصِبًا مبالغةً لأن مَفْعَل قد يكون من أسماء الأدوات نحو المِجْوَل والمِكْتَل(٣) والمِجْزَرَة، فيجعل كأنه آلةٌ للكرور، وآلةٌ لسَعْرِ الحرب وغير ذلك. مُقَفَّل: مُفَعَّل من قَفَّلَ، والكلام فيه نحو الكلام في بَكَرَ. الجُلْمُود والجَلْمَد: الحجر العظيم الصُّلْب، والجمع جُلْمُود وجَلامِد. الصَّخْر: الحجر، الواحدة صَخْرَة، وجميع الصخر صُخُور. الحَطُّ: إلقاء الشيء من عُلوٍّ إلى سُفْل، يقال: حطَّه يَحُطُّه حَطًّا. وقوله: من عَلِ أي من فَوْقٍ، وفيه سبع لغات: يقال: أتيته من عَلُ، مضمومة اللام، ومن عَلٌ، ومن عَلِ، ومن عَلَ، بفتح اللام وكسرها وضمها، ومن عَلَى، بياءٍ ساكنة، ومن عالٍ مثل قاضٍ، ومن معالٍ مثل معادٍ، ولُغَةٌ ثامنة يقال من عَلا، وأنشد الفراء: (١) صاحب معجم جمهرة اللغة: (ت ٣٢١هـ). (٢) مصبِّح: مسعر في مذهب النحاة. (٣) المِكْتَل: زنبيل يُجْعَل من الخوص.