شرح المعلقات السبع
تأليف القاضي أبي عبدالله الحسين بن أحمد الزوزني المتوفى سنة ٤٨٦ هجرية
الجذور
- معلقة امرئ القيس. ١- قفا نبك
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ [الطويل] قيل: خاطب صاحبيه، وقيل: بل خاطب واحداً، وأخرج الكلام مخرج الخطاب مع الاثنين، لأن العرب من عادتهم إجراء خطاب الاثنين على الواحد والجمع، فمن ذلك قول الشاعر:(١) [الدليل]: فَإِنْ تَزْجُرَانِي يَا بْنَ عَفَّانَ أَنْزَجِرْ وَإِنْ تَرْعَيَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُصَوَّنَا خاطب الواحد خطاب الاثنين، وإنما فعلت العرب ذلك لأن الرجل يكون أدنى أعوانه اثنين: راعي إبله وراعي غنمه، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى خطاب الاثنين على الواحد لمرون الاستعمال عليه، ويجوز أن يكون المراد به: قف أنت، فقف؛ فإلحاق الألف آيةٌ دالَّةٌ على أن المراد تكرير اللفظ، كما قال أبو عثمان المازني في قوله تعالى: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ}(٢): جعلت الهاء علماً مشعراً بأن المعنى تكرير اللفظ مراراً، وقيل: أراد تَثْقِيلَ الصوت على جهة التأكيد فقُلِبَتِ النونُ ألفاً في حال الوصل، لأن هذه النون تُقْلَبُ ألفاً في حال الوقف، فحُمِلَ الوصلُ على الوقف، ألا ترى أنك لو وقفت على قوله تعالى: {إِنْ تَشَأْ}(٣) قلت: "تَشَأْا"؟ ومنه قول الأعشى:(٤) [الدليل]: وَصَلَّى عَلَى حِينِ الْعَشِيَّاتِ وَالضُّحَى وَلَا تَحْمَدِ الْمِثْرِينَ إِلَّا فَأَحْمِدَا وصلى على خير البريات والفصحى، ولا تحمد المثرين والله فاحمدا.
- معلقة امرئ القيس. ٢- فتوضح فالمقرات
فَتُوضِحَ فَالْمِقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ توضحُ والمقرَاةُ موضعان، وسقطُ الثرى بين هذه المواضع الأربعة. قوله: لم يَعْفُ رَسْمُهَا، أي لم يذهب أثرُها. الرَّسْم: ما لصق بالأرض من آثار الدار مثل الدار والدار وغيرِهما، والجمع أَرْسُمٌ ورُسوم. قوله: وشَمْأَل، فيها ست لغات: شَمال وشِمال وشُمَال وشَمَل وشَمْأَل وشَمأل. نسيجُ الريحين: اختلافُهما عليها، سترُ إحداهما إياها بالتراب وكشفُ الأخرى الترابَ عنها. يقول: لم يُمْحَ رسمُها ولم يذهبْ أثرُها، لأنه إذا غطَّتها إحدى الريحين بالتراب كشفت الأخرى الترابَ عنها؛ وقيل: بل معناه لم يقتصر سببُ محوِها على نسج الريحين، بل كان له أسبابٌ، منها هذا السببُ ومرورُ السنين وتراكُمُ الأمطار وغيرها؛ وقيل: بل معناه لم يَعْفُ رسمُ حبِّها من قلبي وإن نسجتها الريحان.
- معلقة امرئ القيس. ٣- تُرَى بَعَرَ
تُرَى بَعَرَ الْأَرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَا وَقِيعَانِهَا كَأَنَّهُ حَبُّ فِلْفِلِ الأرآم: الظباء الخالصة البياض، وأحدها أَرْأَمُ، بالكسر، وهي تسكن الرمل، عَرَصاتٍ، في «المصباح»(١): «عرصة الدار ساحتها»، وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء، والجمع عَرَصٌ مثل كِلية وكلاب، وعرصات مثل سجدة وسجدات. وعن الأصمعي(٢): كل بقعة ليس فيها بناء فهي عرصة، وفي «التهذيب»(٣): «سُمِّيَت ساحةُ الدار عَرْصَةً لأن الصبيان يَعْرَصونَ بها» أي يلعبون ويمرحون. وقِيعان جمع قاع: وهو المستوي من الأرض، ونقمة مثل الفَناء، وبعضهم يقول: هو مجمع، وساحة الدار: ساحتها. الفلفل قال في «القاموس»(٤): (كمَهْدٍ وزِبْرِجٍ، حَبٌّ هِنْدِيٌّ). ونسب الصاغاني(٥) الكسر للعلماء، وفي «المصباح» (الفُلْفُلُ، بضم الفاءين، من الإوزار، قالوا: لا يجوز فيه الكسر). يقول: انظر بعينيك ترَ هذه الديار التي كانت آهلة بأهلها مأنوسة بهم خصبة الأرض، وكيف غادرها أهلها وأقْفَرَتْ من بعدهم أرضها، وسكنت رملها الظباء، ونثرت في ساحاتها بعَرَها حتى تراَه كأنه حب الفلفل في مستوى رمالها. (هذا الشرح ليس للزوروني).
- معلقة امرئ القيس. ٤- كَأَنِّي غَدَاةَ
كَأَنِّي غَدَاةَ الْبَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا لَدَى سَمُرَاتِ الْحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ غداة في الصحاح(١): (والعَنَدَةُ الضَّخْمَةُ، وهي مؤنثة، قال ابن الأنباري(٢): ولم يُسْمَع تذكيرُها، ولو حملها حامل على معنى أوَّلِ النَّهْدِ جاز له التذكير، والحُبْحُب غَرَوات). البَيْن: الفُرقة، وهو المراد هنا، وفي القاموس(٣): (البَيْن يكون فُرقةً وصِلاً). قال الشارح: بأنْ بَيْنَ بَيْنًا بَيِّنًا، وهو من الأضداد. اليوم: معروف، مقدارُه من طلوع الشمس إلى غروبها، وقد يُزاد باليوم الوقت مطلقًا، ومنه الحديث: (تِلْكَ أَيَّامُ الْهَرْجِ)(٤)، أي وقته، ولا يختص بالنهار دون الليل. تَحَمَّلوا واحتملوا بمعنى: أيِ ارْتَحَلوا. لَدَى بمعنى عند. شَجَرات جمع شَجَرة، يُضَمّ الشين: من شجر الطَّلْح. الحَيّ: القبيلة من الأعراب، والحُبْحُب أحياء. تَقَفُّ الحنظل: شَقُّه عن البيد، وهو الحَبُّ، كاللُّقانق والانتفاخ، وهو، أي الحنظل، تَقِفُ ومِغْرَف، وناقته الذي يبقة. yقول: كأني عند سُمُرات الحيّ يوم رحيلهم نافِقُ حَنْظَلٍ، يريد وقفت بعد رحيلهم في جِيرة وقفةِ جاني الحنظلة يَتَفَّهَا بِظُفْرِهِ ليستخرج منها حبَّها. (هذا الشرح ليس للزوزني). ٥- وَقَالُوا بِهَا ضُحَيًّا عَلَى مُتُونِهِمْ يَقُولُونَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّلِ نَصْبُ «ضُحَيًّا» على الحال، يريد ثَقَاكَ في حالِ وَقْفِ أصحابِه مطعمٍ، وعَلِي، والرُّفُوف جمع واقِفٍ بمنزلة الشُّهُود والرُّكُوع في جمع شاهد وراكع. الصُّحْب: جمع صاحب، ويُرجِّح الصاحبُ على الأصحاب والصُّحْب والصِّحَاب والصَّحَابة والصَّحِيبَة والصِّحْيَان، ثم يجمع الأصحاب على الأصاحب أيضًا ثم يُخَفَّف فيقال: الأَصاحِب. المَطِيُّ: المراكب، واحدتها مَطِيَّة، وتُجِيح المطيَّةُ على الخطايا والمَطْوِ والطِّيَان، سُمِّيَت مطيَّةً لأنه يُركَب مَطاها أي ظهرها. وقيل: بل هي مشتقة من المطو، وهو المدَّة في السير، يقال: مَطاهُ يَمْطُوه، فسمِّيَت به لأنها تَمُدُّ في السير. نَصْبُ «أَسًى» لأنه مفعولٌ له. (١) المصباح: مادة (غ د و). (٢) في كتاب الأذكار والمئون. (٣) القاموس: مادة بين. (٤) رواه أبو داود كتاب الفتن والملاحم، رقم ٤٢٥٨. يقول: قد وقفوا عليّ، أي لأجلي، أو على رأسي وأنا قاعد عند رِحالهم ومراكبهم، يقولون لي لا تَهْلِك من فَرْط الحزن وشِدَّة الجزع وتَحَمَّل بالصبر. وتلخيص المعنى: أنهم وقفوا عليه وراحوا يلومونه بالصبر ويَعِدونه عن الجزع.
- معلقة امرئ القيس. ٦- وإن يشفِ
وَإِنْ يَشْفِ غَيْظِي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ المُهْرَاقَةُ: المصبوبة. وقد أَرْخَتُ الدمع، وأَرْقَتْه، ومَرَقَتْه: أي صَبَبْتُه. المعوَّل: البكاء، وقد أَعْوَل الرجل وعَوَّل إذا بكى رافعاً صوته به، والمعوِّل: المعتمد والمتكل عليه أيضاً. العَبْرَة: الدمع، وجمعها عَبَرات، وحكى ثَعْلَبٌ(١) في جمعها العِبَر مثل بِدْرَة وبِدَر. يقول: وإن يَرْوِ من دائي وما أصابني وتخلّصي مما دهَتْني يكون بدِيعُ أصْبِ، ثم قال: وهل من معتمد ومَنَفْع عند رسم قد دَرَس، أي: هل موضع بكاء عند رسم دارس؟ وهذا استهام يقتضي معنى الإنكار، والمعنى عند التحقيق: ولا طائل في البكاء في هذا الموضع لأنه لا يرد حبيباً ولا يجدي على صاحبه بخير، أو لا أحد يعوِّل عليه ويُفْرِج إليه في مثل هذا الموضع. وتلخيص المعنى: إنّ مُتَخَلِّصي مما بي بكائي، ثم قال: ولا ينفع البكاء عند رسم دارس، أو ولا معتمد عند رسم دارس. (١) هو أحمد بن يحيى، أبو العباس، شيخ نحاة الكوفة من كتبه «المجالس» و«التصحيح» (ت ٢٩١).
- معلقة امرئ القيس. ٧- كدأبك من
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا وَجَارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسِلِ الدَّأْبُ والْدُؤُبُ: بتسكين الهمزة وفتحها: العادة، وأصلها متابعة العمل والجدّ في السعي. أَدَبْتُ أَدْأَبُ دَأْباً ودُؤُوباً، وأدْأَبْتُ السَّيْرَ: تابعته. مَأْسِل: جبل بعينه. وماسِل، بكسر السين: ماء بعينه. والرواية فتح السين. يقول: عادتك في حب هذه كعادتك من تَيْنِكَ، أي قلَّة حَفْلك من وصال.
- معلقة امرئ القيس. ٨- إذا قامت
إِذَا قَامَتْ تُضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهَا نَسِيمُ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا الْقَرَنْفُلِ ضَاعَ الطِّيبُ وتَفَوَّحَ إذا انتشرت رائحته. الرَّيَا: الرائحة الطيبة. يقول: إذا قامت أمُّ الحُوَيْرِث وأمُّ الرَّبَاب فاحت ريحُ المسكِ منهما كنَسيمِ الصَّبَا إذا جابت عَرْفَ القَرَنْفُلِ ونشره. شبَّه طيبَ ريحهما بطيب نسيمٍ هبَّ على قرنفلٍ وأتى برياه، ثمَّ لمَّا وصفهما بالجمال وطيب النَّشْر وصف حالَه بعد بعدِهما.
- معلقة امرئ القيس. ٩- ففاضت دموع
فَفَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِي مِحْمَلِي الصَّبَابَةُ: رِقَّةُ الشَّوْقِ، وقد صبَّ الرَّجُلُ يَصِبُ صَبَابَةً فهو صَبٌّ، والأصلُ صَبِيبٌ فسُكِّنَتِ الياءُ وأُدْغِمَتْ في اللَّام. المِحْمَلُ: حَمَّالَةُ السَّيْفِ، والجمعُ المَحَامِلُ، والحَمَائِلُ جمعُ الحَمَّالَةِ. يقول: تسالت دموعُ عيني من فَرْطِ وَجْدي بهما وشدَّةِ حنيني إليهما حتَّى بلَّ دمعي مِحْمَلَ سَيْفي، ونُصِبَ صَبَابَةً على أنَّه مفعولٌ له كقولِك: زُرْتُكَ طَمَعًا في بَرِّكَ، وكذلك زُرْتُكَ رَغْبَةً في بَرِّكَ، وفاضت دموعُ العين من الصَّبَابَةِ.
- معلقة امرئ القيس. ١٠- الا رب
أَلا رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِحٍ وَلَا سِيَّمَا يَوْمٌ بِدَارَةِ جُلْجُلِ في «رُبَّ» لُغاتٌ، وهي رُبَّ ورُبَّ ورُبْ ورُبَتْ، ثم تُلْحَقُها التَّاءُ، فتقول: رُبَّتَ ورُبَّتْ. ورُبَّ موضوعٌ في كلام العرب للتَّقليل، و«كَمْ» موضوعٌ للتَّكثير، ثمَّ رُبَّما حُمِلَتْ «رُبَّ» على «كَمْ» في المعنى فيُرادُ بها التَّكثير، ورُبَّما حُمِلَتْ «كَمْ» على «رُبَّ» في المعنى فيُرادُ بها التَّقليل. ويُرْوَى: «أَلا رُبَّ يَوْمٍ كانَ مِنْهُنَّ صَالِحٍ»(١). (١) نَمِيلُ أنَّ هذه الرِّوايةَ موضوعةٌ للخلاص من زِحافِ الكَفِّ، وهو إسقاطُ السَّاكِنِ السَّابعِ من التَّفْعِيلَةِ. والسِّيُّ: البَعْلُ، يُقال: هما سِيَّانِ أي مِثْلان، ويجوز في «يومِ» الرَّفْعُ والجرُّ؛ فمن رَفَعَ جعل «ما» موصولةً بمعنى الذي، والتقدير: ولا سِيَّ يومٌ الذي هو بداءةُ جَلْجَلٍ، ومن خفَضَ جعل «ما» زائدةً وخفَضَهُ بالإضافة، أي بالإضافة إلى «ما»، ولا سِيَّ يومٍ أي لا مثلَ يومٍ، دارةُ جَلْجَلَ جَلْجَلَ غيرُ بعيدةٍ. يُقال: هو يومٌ نُعِمَ فيه بوصالِ النساء، ونُظِرَ بعَيْنٍ صالِحٍ ناعِمٍ منه، ولا يومَ من تلك الأيام مثلُ يومِ دارةِ جَلْجَلَ؛ يُريد أن ذلك اليوم كان أحسنَ الأيام وأتمَّها، فأفادت «لا سِيَّ» التفضيلَ والتخصيص.
- معلقة امرئ القيس. ١١- ويومَ عَقَرْتُ
وَيَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذارَى مَطِيَّتِي فَيَا عَجَبًا مِنْ كُورِهَا الْمُتَحَمَّلِ العَذْراءُ من النساء: البِكْرُ التي لم تُفْتَضَّ، والجمعُ العَذارَى. والكُورُ: الرَّحْلُ بأداتِه، والجمعُ الأَكْوَارُ والكِوَران؛ ويُرْوَى: «مِن رَحْلِها المُحْتَمَلِ»، والمُحْتَمَلُ: الحِمْلُ. و«يومَ» مَنْصوبٌ مع كونه معطوفًا على ما قبله من المجرور أو المرفوع من نحو قوله قبلُ: «ويومَ دَخَلْتُ الخِدْرَ»، و«يومِ بدارَةِ جَلْجَلَ»، لأنَّهُ تَبِعَ في الفتح لما أُضيفَ إلى مَبْنِيٍّ، وهو الفعلُ الماضي «عَقَرْتُ»، وقد يُبَيِّنُ النُّحاةُ أنَّ المضافَ إلى المبنيِّ يُبْنَى، ومنه قولهم في النحو: «هذا يومَئِذٍ»، بِنَوْا «يومَ» على الفتح لما أُضيف إلى «إذْ» وهي مبنيَّة، ومِثْلُهُ قولُ النابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ(١): على حينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبا فَقُلْتُ ألَمَّا تَصْحُ والشَّيْبُ وَازِعُ(٢) فإنَّ «حينَ» مبنيٌّ على الفتح لمَّا أُضيفَ إلى الفعلِ الماضي. وقولُه: «فيا عَجَبًا»، الألفُ فيه بدلٌ من ياءِ الإضافة؛ وكان الأصلُ «فيا عَجَبِي»، وياءُ الإضافة يجوز قلبها ألفاً في النداء نحو يا غلامَ في يا غلامي، فإن قيل: كيف نادى الحبيب وليس مما يعقل؟ قيل في جوابه: إن المنادى محذوف والتقدير: يا هؤلاء، أو يا قوم اشهدوا عجبي من كرمها المحتمل، فنعجبوا منه، فإنه قد جاوز المدى والنهاية القصوى؛ وقيل: بل نادى المحب اتساعاً ومجازاً، فكنى فقال: يا عجبي تعال واحضر فإن هذا أوان إثباتك وحضورك.
- معلقة امرئ القيس. ١٢- فظل
فَظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِينَ بِلَحْمِهَا وَشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ يقال: ظلَّ زيدٌ قائماً إذا أتى عليه النهار وهو قائم، وبات زيد نائماً إذا أتى عليه الليل وهو نائم، وطفِق زيد يقرأ القرآن إذا أخذ في ليلاً نهاراً، والهُدَّاب والهُدْب: اسمان لما استرسل من الشيء، نحو ما استرسل من الأشفار من الشعر ومن أطراف الأثواب، الواحدة هُدْبَة وهَدَبَة، ويجمع الهُدْب على الأهداب. الدِّمَقْس والمِدْمَقْس: الإبريسم، وقيل: هو الأبيض منه خاصة. والقَزُّ: السمن.
- معلقة امرئ القيس. ١٣- ويوم
وَيَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ فَقَالَتْ لَكَ الوَيْلَاتُ إِنَّكَ مُرْجِلِي الخِدر: الهودج، والجمع الخُدور، ويستعار للسِّرِّ والحَجَلة(١)، وغيرها، ومنه قولهم: خدرات الجارية، وجاريةٌ مخدَّرة، أي مقصورة في خدرها لا تبرز منه، ومنه قولهم: خدر الأسدُ يَخْدِرُ خَدْراً وأخدر إخداراً إذا لزم عرينه، ومنه قول ليلى الأخيلية:(٢) [الطويل]: فإن كان أحيا من فتاةٍ حَيِيَّةٍ وأبْهَجَ من ليثٍ يُخْضِيانِ خَادِرِ وقال الشاعر: [الرجز]: كالأسدِ الوَرْدِ غَداً من مَخْدَرِه. الحَجَلة: سِتارٌ مثل القبة، يزيَّن بالستائر للعروس. (٢) الديوان: ٨٠، وفي الديوان روايةٌ غير هذه حذفت: اسم موضع تُكْنَى فيه الأسود.
- معلقة امرئ القيس. ١٤- تقول وقد
تَقولُ وَقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِنا مَعًا عَقَرْتَ بَعِيرِي يا امْرَأَ القَيْسِ فَانْزِلِ تقول: ضَرْبٌ من الرِّحال، وقيل: بل ضَرْبٌ من الهوادج. والباء في قوله «بِنَا» للعدية، وقد أمالا النَّبِيطُ جميعاً. «عَقَرْتَ بَعِيرِي» أي أدبرتَ ظهره، من قولهم: سَرْجٌ مُغَفَّرٌ وَعُفْرٌ وَعُفْرَةٌ، بِقَرِ الظَّهْرِ، ومنه قولهم: كَلْبٌ عَقُورٌ، ولا يقال في ذي الرُّوحِ إلّا عَقُور. يقول: كانت هذه المرأة تقول لي في حال إمالة الهودج أو الرحل إيانا: قد أَدْبَرَتْ ظَهْرَ بَعِيرِي فَانْزِلْ عَنِ البَعِيرِ.
- معلقة امرئ القيس. ١٥- فقلت لها
فَقُلْتُ لَهَا سِيرِي وَأَرْخِي زِمَامَهُ وَلَا تُبْعِدِينِي مِنْ جَنَاكِ الْمُعَلَّلِ جعل المحبوبة بمنزلة الشجرة، وجعل ما نال من عناقها وتقبيلها بمنزلة الثمرة ليناسب الكلام. المعلَّل: المكرَّر، من قولهم: علَّه يَعُلُّه إذا كرَّر سقيَه، وعِلَّة للتكثير والتكرُّر. والمعلَّل: المُلهِي، من قولك: علَّلْتُ الصبيَّ بفاكهةٍ أي أَلْهَيْتَه بها، وقد رُوي في البيت بكسر اللام وفتحها، والمعنى على ما ذكرنا. يقول: فقلتُ للمحبوبة بعد أمرِها إيايَ بالنزول عن بعيري: سِيرِي وأرخِي زمام البعير، ولا تُبْعِدِينِي ممَّا نِلْتُ من عِناقِكِ وتقبيلِك الذي يُلْهِينِي. ويقال لمن على الدابة سار يسير كما يقال للماشي كذلك، قال: «سِيرِي» وهي راكبة. والجَنَى: اسمٌ لما يُجتْنَى من الشجر، والجَنِيُّ المصدر، يقال: جَنَيْتُ الثَّمَرَةَ وَاجْتَنَيْتُهَا.
- معلقة امرئ القيس. ١٦- فهبلك حبلى
فَهَبْلَكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ يقول: فَهَبْلَكِ بِحُبْلَى بإضمار «رُبَّ»، أراد: رُبَّ امرأةٍ حُبْلَى. المَطْرُوق: الإتيان ليلًا، والفعل طَرَقَ يَطْرُقُ. المُرْضِع: التي لها ولدٌ رضيع، إذا بُنِيَتْ على الفعل قيل: أَرْضَعَتْ فهي مُرْضِعٌ، وإذا حُمِلَتْ على أنَّها بمعنى ذاتِ إرضاعٍ أو ذاتِ رضيعٍ لم تلحقها تاءُ التأنيث، ومثلُها حائِضٌ وطالِقٌ وحامِلٌ، لا فَصْلَ بين هذه الأسماء وبين ذِكْرِها. وإذا حُمِلَتْ على الفعل لَحِقَتْها علامةُ التأنيث. ومعنى المنسوب في هذا الباب أن يكون الاسم بمعنى ذي كذا أو ذاتِ كذا، والاسم إذا كان من هذا القبيل غُلِبَتْه العربُ عن علامة التأنيث كما قالوا: امرأةٌ لَبِنٌ وتامِرٌ أي ذو لَبَنٍ وذو تَمْرٍ، ومنه قولُه تعالى: «ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌۢ بِهِ» على أنَّ المعنى: السماءُ ذاتُ انفطارٍ به. انفطار، به، لذلك تجرّد عن علامة التأنيث، وقوله تعالى: {لَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} [الأنعام: ٢٧] أي لا ذات فَرْض، وتقول العرب: جملٌ ضامر وناقةٌ ضامرة، وجملٌ شائل(١) وناقةٌ شائل، ومنه قول الأعشى: «السريع»: عهدي بها في الحَيِّ قد سَرْبَلَتْ بيضاءَ مثلَ المَهْرَةِ الضامِرِ(٢) أي: ذات الضمور، وقول الآخر(٣): «الرجز»: وَغَرَّرْتِني وزَعَمْتِ أنَّكِ لابْنٌ في السُّوَيْقِ تُسامِرُ أي: ذات لَبَنٍ وذاتُ تَمْرٍ، وقول الآخر(٤): «الرجز»: ورابَطَني تحتَ ليلٍ ضارِبٍ بِساعِدٍ فَقِيمٍ وكَفٍّ خاضِبِ(٥) أي: ذات خِضاب، وقال أيضًا(٦): «الرجز»: يا لَيْتَ أُمَّ العُمْرِ كانت صاحبي مَكانَ مَنْ أمْسَى على الرُّكْبانِ أي: ذاتُ صُحْبَة، وأنشد النحويّون(٧): «الطويل»: وقد تَخَيَّرَ رَحْلي لدى جَنْبِ غَرْزِها نَسيفًا كأَنْحوصِ القَطاةِ المَطْرِقِ أي: ذات الطريق. والمعوَّل في هذا الباب على السماع؛ إذ هو غيرُ منقادٍ للقياس. لَهِبْتُ عن الشيء، أَلْهَبُ عنه لَهَبًا إذا شُغِلْتَ عنه ومَلِلْتَ، واللَّهْيَة: إلهاء. مصدره في المعنى كمعنى كَمَلَه في مصدره، نحو قولهم: إني لأشتهيه(١) بغضاً، وإني لأبغضه كرامة. يقول: وقد تشددت المشيئة والكره، وساءت عشرتها يوماً على ظهر الكثيب المعهود، وحلفت حَلِفاً لم تستحن فيه أنها تصارمني وتهاجرني. هذا ويحتمل أن يكون صفة حال اتفقت له مع عنيزة؛ ويحتمل أنها اتفقت مع المرضع التي وصفها.
- معلقة امرئ القيس. ١٩- فاطم مهلا
فَاطِمَ مَهْلًا بَعْضَ هَذَا التَّذَلُّلِ وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي يقول: يا فاطمة دَعي بعض دلالك وإن كنت وطنت نفسك على فراقي فأجملي في الهِجران. نصب بعض لأن مَهْلًا ينوب مناب دعْ. الصرم: المصدر. يقال: صرمت الرجل أصرمه صرماً إذا قطعت كلامه، والصرم الاسم. فاطمة: اسم المرضع أو اسم عنيزة، وعنيزة لقب لها فيما قيل.
- معلقة امرئ القيس. ٢٠- أغرّك مني
أَغَرَّكِ مِنِّي أَنَّ حُبَّكِ قَاتِلِي وَأَنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ يقول: قد غرَّك مني كون حبك قاتلي وكون قلبي منقاداً لك مهما أمرته بشيء، فعله، وألف الاستفهام حُذِفَت على هذا القول للتقرير لا للاستهزاء والاستخبار، ومنه قول جرير(٢): السَّمْتُ خَيْرٌ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بَطْرًا رَاحَ يريد أنهم خير هؤلاء. وقيل: بل معناه قد غرَّك مني إنك علمت أن حبك مُنْزِلِي، والقتل التذليل، وأنك تملكين فؤادي، فَمهْمَا أمرتِ قلبك بشيء أسرع إلى مرادك لتحسبين أني أملك عنان قلبي كما ملكتِ عِنانَ قلبك حتى يَسْهُل عليّ فِراقك كما يَسْهُل عليك فراقي، ومن الناس من حمله على مقتضى الظاهر. (١) أشتهيه: أكرهه، وأبغضه بغضاً شديداً. (٢) الديوان: ٧٧. وقال: معنى البيت: اترمّت وحسبت أن حبك يقتلني أو أنك مهما أمرت قلبي يمش، يفعله؟ قال: يريد أن الأمر ليس على ما تَخَيَّل إليك فإنّي مالك زمام قلبي والوجه الأمثل هو الوجه الأول، وهذا القول أردأ الأقوال، لأن مثل هذا الكلام لا يُستحسن في النسيب بالحبيب.
- معلقة امرئ القيس. ٢١- وَإِنْ تَكُ
وَإِنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسَلِ من الناس من جعل الثياب في هذا البيت بمعنى القلب، كما حُمِلَت الثياب على القلب في قول عنترة: (الكامل): فَشَكَكْتُ بالرمحِ الأَصَمِّ ثِيابَهُ ليس الكريمُ على القَنا بمُحَرَّمِ. وقد حُمِلَت الثياب في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] على أن المراد به القلب. فالمعنى على هذا القول: إن ساءتك خَليقةٌ من أخلاقي وكرهت خَصلةً من خِصالي فردِّي عليَّ ثيابي أثوابَك، والمعنى على هذا القول: استخرجي قلبي من قلبك بمفارَقَته. النَّسْل: سقوط الريش والوبر والصوف والشعر، يقال: نَسَلَ ريشُ الطائرِ نَسْلًا ونُسولًا، واسم ما سقط النَّسيل والنَّسال، ومنهم من رواه «تَسْلِي»، وجعل الانسلال بمعنى التسلِّي، والرواية الأولى أولاها بالصواب، ومن الناس من حَمَلَ الثياب في البيت على الثياب الملبوسة وقال: كأنّي ببيان الثياب وتباعدها عن تباعدها؛ وقال: إن ساءك شيء من أخلاقي فاستخرجي ثيابي من ثيابك أي فارقيني وصارميني كما تَحِين؛ فإنّي لا أُؤْثِرُ إلَّا ما آثرتِ ولا أختار إلَّا ما اخترتِ لانقيادي لك وميلِ قلبي إليك، فإذا آثرتِ فِراقي آثرتُه وإن كان سببَ مَلاكي وجالبَ موتي.
- معلقة امرئ القيس. ٢٢- وَمَا ذَرَفَتْ
وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إِلَّا لِتَضْرِبِي بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ ذَرَفَ الدمْعُ يَذْرِفُ ذَرْفًا، وذَرَفانًا وذِرْفانًا إذا سال، ومنه يقال: ذَرَفَتْ [عينه] كما يقال: دمعت عينه، وللدامعة في البيت قولان، قال الأخفش: استُعير للسَّهْمِ اسمُ السَّهْمِ لتأثيرها في القلب وجرحها إيّاه كما أن السهامَ ... (١) (١) انظر البيت (٤٩) من معلقة عنترة.
- معلقة امرئ القيس. ٢٣- وبيضة خدر
وَبِيضَةِ خِدْرٍ لَا يُرَامُ خِبَاؤُهَا تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعَجَّلِ أي وربة بيضة خدر، يعني: وربّ امرأة لزمت خدرها، ثم شبّهها بالبيض، والنساء يُشبَّهْنَ بالبيض من ثلاثة أوجه: أحدها بالصحة والسلامة عن البياض، الطَّلَب، ومنه قول الفرزدق(١): (الراء): خَرَجْنَ إِلَيَّ لَمْ يَطْمِثْنَ قَبْلِي وَمَنْ أَصَحُّ مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ ويروى: دَنِينَ إِلَيَّ، ويروى: يَبْرُزْنَ إِلَيَّ؛ والثاني في الصيانة والسِّرِّ لأن الطائرَ يَصُونُ بَيْضَهُ ويَحْضُنُه، والثالث في صفاءِ اللونِ ونَقَائِهِ لأن البيضَ يكونُ صافيَ الدُّرَّةِ نقيةً إذا كان تحت الطائر، وربما شُبِّهَتِ النساءُ ببيضِ النعام، وأُريد أنهنَّ بيضُ ثيابِ الرَّهْنَيْنِ صَفْرَاءُ بِسُمْرَةٍ وكذلك لونُ بيضِ النعام، ومنه قولُ ذي الرُّمَّة(٢): [البيت]: كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا الذَّهَبُ الرَّوْمُ: الطَّلَب، والفعلُ منه يَرُوم. الخِبَاءُ: البيتُ إذا كان من قَطَنٍ أو وَبَرٍ أو صُوفٍ أو شَعْرٍ، والجمع: الأَخْبِيَة. المُتْنُ: الارتفاع، وأَغْبَرَ: يُرْوَى بالنَّصْبِ والجرِّ، فالجرُّ على صِفَةٍ لَهُ والنصبُ على الحالِ من المتن في تَمَتُّعٍ. يقول: وَرِثْتُ امرأةً كالبيضِ في سلامتها من الاضْطِراب، أو في الصَّوْنِ والسِّتْرِ أو في صفاءِ اللونِ ونقائه، أو في بياضِها المشوبِ بصُفْرَةٍ بِسُمْرَةٍ بلَوْنِ خُدَرِها غيرُ خَرَّاجَةٍ، ولاجَةٍ انتفخت باللَّهوِ بها على تَمَكُّنٍ وتَلَبُّثٍ لم أَعْجَلْ عنها ولم أَشْتَغِلْ عنها بغيرِها.