المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
يقع كتاب المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني ضمن نطاق تخصص علوم اللغة ووثيق الصلة بالفروع الأخرى مثل الشعر، والقواعد النحوية، والصرف، والأدب، والبلاغة، والآداب العربية. تأليف إنعام فوال عكاوي
الجذور
- التَّصْرِيعُ النَّاقِصُ
النَّقْصُ لُغَةً: مِنْ نَقَصَ يَنْقُصُ الشَّيْءَ: ذَهَبَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَرَدٌّ نَاقِصٌ: خَفِيفٌ تَامٌّ. التَّصْرِيعُ النَّاقِصُ كَمَا حَدَّهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ «الْمَثَلِ السَّائِرِ» يَقُولُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمِصْرَاعُ الْأَوَّلُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَلَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ إِلَّا بِالثَّانِي، وَيُسَمَّى «التَّصْرِيعَ النَّاقِصَ». وَلَيْسَ بِمَرْضِيٍّ وَلَا حَسَنٍ، كَقَوْلِ الْمُتَنَبِّي: [الْوَافِرُ] مُتَعَبِّ النَّقْدِ طِبًّا فِي الْمَعَانِي يَجْزِؤُهُ الرُّجُوعُ مِنَ الزَّمَانِ فَإِنَّ الْمِصْرَاعَ الأَوَّلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فِي هٰذَا الْبَيْتِ فِي فَهْمِ مَعْنَاهُ دُونَ أَنْ يُذْكَرَ الْمِصْرَاعُ الثَّانِيِ.
- التَّصَنُّعُ وَالتَّصْنِيعُ
التَّصَنُّعُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ صَنَعَ يَصْنَعُ الشَّيْءَ: عَمِلَهُ، وَصَنَعَ الشَّيْءَ: زَيَّنَهُ وَحَسَّنَهُ بِالصِّنَاعَةِ. التَّصَنُّعُ وَالتَّصْنِيعُ هُمَا فِي الْأَدَبِ: الِابْتِعَادُ عَنِ الطَّبِيعَةِ وَالسَّلِيقَةِ بِاسْتِخْدَامِ الْمُحَسِّنَاتِ اللَّفْظِيَّةِ بِتَكَلُّفٍ وَإِفْرَاطٍ. وَقَدِ اشْتُهِرَ أَدَبُ عَصْرِ الِانْحِطَاطِ بِهِمَا. اُنْظُرْهُمَا فِي بَابِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّرْبِيطِ.
- التَّضَادُّ
التَّضَادُّ: ضِدُّ التَّوَافُقِ، وَقَدْ يُسَمَّى مُتَضَادَّيْنِ، يُقَالُ: ضَادَّنِي فُلَانٌ إِذَا خَالَفَنِي. وَالتَّضَادُّ عِنْدَ الطِّيْبِيِّ عِنْدَ أَسَامَةَ بْنِ مُنْقِذٍ، عَرَّفَهُ فِي كِتَابِهِ «الْبَيَانِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ»، فَقَالَ: «التَّضَادُّ هُوَ أَنْ تُذْكَرَ الْكَلِمَةُ ضِدَّ الأُخْرَى». وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾(١)، وَمِمَّا أَيْضًا قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى: [البَسِيطُ] لَيْسَ يُخْفَى صِفَاتُ الرِّجَالِ إِذَا مَا الْبَيْتُ كَثُرَ فِيهِمُ سَعَدَا وَقَدْ تَقَدَّمَهُ عُرْوَةُ الْخَلِيلِ بْنُ أَحْمَدَ، فَقَالَ: «يُقَالُ طَلَبْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا جَمَعْتَهُمَا عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ». وَمِثَالُ ذٰلِكَ قَوْلُ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ: «إِنَّكُمْ لَتُكْثِرُونَ عِنْدَ الْفَرَاغِ وَتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ». وَهٰذَا مِثْلُ قَوْلِ حَسَّانِ بْنِ حَمْزَةَ الْمَرْعِيِّ، إِذَا قَالَ فِي كِتَابِهِ «الطَّرَفِ»، وَقَدْ عَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: «وَلَهُ التَّضَادُّ، وَالِاتِّكَاءُ، وَالطِّبَاقُ، وَالْمُطَابَقَةُ، وَهُوَ أَنْ يُؤْتَى بِالشَّيْءِ وَضِدِّهِ فِي الْكَلَامِ». وَهٰذَا النَّوْعُ مُحَقَّقٌ فِي تَسْمِيَةِ الطِّبَاقِ وَالْمُطَابَقَةِ وَالتَّطْبِيقِ، وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بِالطِّبَاقِ وَالْمُطَابَقَةِ، وَهٰذِهِ الْمُطَابَقَةُ لَيْسَتْ هِيَ الْمُطَابَقَةَ إِلَّا عِنْدَ قُدَامَةَ بْنِ جَعْفَرَ الْكَاتِبِ الَّذِي سَمَّاهَا «الْمُتَكَافِئَانِ»، فَإِنَّهُ قَالَ: لُقِّبَتْ الْمُطَابَقَةُ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ مُطَابَقَةِ الْفَرَسِ وَالْمِيعَادِ لِوَضْعِ رِجْلِهِ مَكَانَ يَدِهِ عِنْدَ السَّرْيِ، وَلَيْسَ هٰذَا مِنْهُ. وَهٰذَا التَّعْرِيفُ عِنْدَهُ تَعْرِيفُ الأَصْمَعِيِّ، وَسَمَّاهُ جَوَالِسُونَ «الطِّبَاقَ»، وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: هُوَ أَنْ يُجْمَعَ مَا بَيْنَ ضِدَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْمُشَاكَلَةِ بَيْنَهُمَا حَتَّى لَا يَكُونَ أَحَدُهُمَا اسْمًا وَالآخَرُ فِعْلًا أَوْ حَرْفًا، بَلْ يَكُونَانِ إِمَّا مِنْ أَسْمَاءٍ أَوْ مِنْ فِعْلَيْنِ أَوْ مِنْ حَرْفَيْنِ. فَإِمَّا مِنْ أَسْمَاءٍ، كَقَوْلِهِ: «قَدْ يَكُونَانِ إِمَّا مِنْ أَسْمَاءِ ضِدَّيِ الضِّدِّ، تَحَرَّكَ شَيْطَانُ الشَّرَابِ وَرَئِيسُهُ إِذَا نَحْنُ سِرْنَا بَيْنَ شَرْقٍ وَمَغْرِبٍ». وَأَمَّا مِنْ فِعْلَيْنِ، فَشَاهِدُهُ قَوْلُ الْعُزِّيِّ: [الطَّوِيلُ] تَقَسَّمْتُ فِصَالًا إِنْ تَأَخَّرْتُ سَاعَةً فَغَادِي الْحَيَا ظَلٌّ وَغَيْمُهُ أَبَلُ وَإِمَّا مِنْ حَرْفَيْنِ، كَقَوْلِ مَجْنُونِ لَيْلَى الْعَامِرِيِّ: [الطَّوِيلُ] عَلَى أَنَّنِي رَاضٍ بِأَنَّ أَجْمَلَ الْهَوَى وَأُخْلِصَ مِنْهُ لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَا وَهٰذَا هُوَ عَيْنُ تَعْرِيفِ الْحَلَبِيِّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنُ التَّوَسُّلِ»، وَتَعْرِيفُ النُّوزِرِيِّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةُ الأَرَبِ»، وَالتَّوْحِيدِ الْبَطْلَوْطِيِّ فِي كِتَابِهِ «الْفَوَائِدُ»، وَكَذٰلِكَ تَعْرِيفُ السُّيُوطِيِّ فِي كِتَابِهِ «الإِتْقَانِ» وَ«مُعْتَرَكِ الأَقْرَانِ»، وَكَذٰلِكَ عَرَفَهُ الْحَاتِمِيُّ فِي كِتَابِهِ «حِلْيَةُ الْمُحَاضَرَةِ».
- الْمُطَابَقَةُ
بَابُ الْمُطَابَقَةِ، فَقَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَخْفَشِ: أَجِدُ قَوْمًا يَخْتَلِفُونَ فِي الْمُطَابَقَةِ، مُطَابِقَةً نَزْعُمُ، وَهِيَ الْأُخْرَى؛ أَنَّهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ فَيَجْتَمِعَانِ فِي اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، وَمُطَابِقَةٌ تُخَالِفُ ذٰلِكَ، نَقُولُ: هُوَ اشْتِرَاكُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ زَيْدِ الْأَعْجَمِ: [الطَّوِيلُ] يُرَبِّبُهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ بِكَاهِلٍ *** وَلَئِنْ لَهُمْ كَاهِلٌ بِهِمْ كَاهِلٌ وَيُسْتَسْلَمُ فَقَوْلُهُ «كَاهِلٌ» لِلْقَبِيلَةِ، وَكَذٰلِكَ «كَاهِلٌ» لِلْعَضُدِ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمُطَابَقَةُ. أَمَّا ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ فَرَقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: «لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ مَعْنَى الْمُطَابَقَةِ لُغَةً وَمَعْنَاهَا اصْطِلَاحًا»، فَإِنَّهَا فِي اللُّغَةِ الْمُوَافَقَةُ، يُقَالُ طَابَقْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا جَعَلْتَ أَحَدَهُمَا عَلَى حُذُو الْآخَرِ، وَوَاطَأَ الْفَرَسُ فِي جَرْيِهِ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ مَكَانَ يَدِهِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ لَيْسَ مُوَافَقَةً. وَنَقَلَ ابْنُ الْأَثِيرِ قَوْلَهُ: «إِنَّهُمْ سَمَّوْا هٰذَا الضِّرْبَ مِنَ الْكَلَامِ مُطَابِقًا لِأَنَّهُ اشْتِقَاقٌ وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسَمَّاهُ، هٰذَا الظَّاهِرُ لَنَا مِنْ هٰذَا الْقَوْلِ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا لِذٰلِكَ مُنَاسَبَةً لَطِيفَةً لَمْ نَعْلَمْهَا نَحْنُ»، وَعَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «شَرْحِ الْمِفْتَاحِ» فَقَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ هٰذَا النَّوْعُ مُطَابَقَةً لِأَنَّ فِي ذِكْرِ الْمُتَضَادَّيْنِ مَعًا تَوَافُقًا وَابْتِغَاءَ تَوَافُقٍ بَيْنَ مَا هُوَ فِي غَايَةِ الِاخْتِلَافِ، ذِكْرُ الْأَحْيَاءِ مَعَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَكْمَهِ مَعَ الْفَصِيحِ»، وَنَحْوُ ذٰلِكَ. أَمَّا الأَمْدِيُّ فَسَمَّاهَا الْمُطَابَقَةَ، وَقَالَ: «هُوَ مُقَابَلَةُ الْحَرْفِ بِضِدِّهِ أَوْ مَا يُقَارِبُ الضِّدَّ، وَإِنَّمَا قِيلَ مُطَابِقٌ لِمُسَاوَاةِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ صَاحِبَهُ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَعْنَى»، وَأَضَافَ: «إِنَّمَا هُوَ مُقَابَلَةُ الشَّيْءِ بِمِثْلِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، ثُمَّ سُمِّيَ الضِّدَّانِ إِذَا تَقَابَلَا مُطَابِقَيْنِ». وَبِمِثْلِ هٰذَا عَرَّفَهُ التِّبْرِيزِيُّ فِي كِتَابِهِ «الدَّقَائِقِ»، فَقَالَ: «أَطْلَقَ الْقَوْلَ أَنَّ الشَّاعِرَ يَأْتِي بِالشَّيْءِ وَضِدِّهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الضِّدِّ»، وَجَعَلَ الْمُطَابَقَةَ ابْنُ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيُّ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُطَابَقَةَ ضَرْبٌ مِمَّا يَأْتِي بِالأَلْفَاظِ الْحَقِيقَةِ، وَضَرْبٌ يَأْتِي بِالأَلْفَاظِ الْمَجَازِيَّةِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ سُمِّيَ طِبَاقًا، وَمَا كَانَ مِنْهُ بِلَفْظِ الْمَجَازِ سُمِّيَ تَكَافُؤًا»، وَمِثَالُهُ: [التَّكَامُلُ] حُلْوُ الشَّمَائِلِ، وَفِظُّهُ بَاسِلٌ *** يَحْمِي السِّمَارَ صَبِيحَةَ الإِزْهَاقِ فَقَوْلُهُ «حُلْوٌ، مُرٌّ» يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِعَارَةِ، إِذْ لَيْسَ فِي الإِنْسَانِ وَلَا فِي شِمَالِهِ مَا يُلْحِقُهُ بِحَلَاوَةِ الذَّوْقِ، وَأَدْرَجَهُ السَّكَاكِيُّ فِي كِتَابِهِ «مِفْتَاحِ الْعُلُومِ»، وَالْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ مَا يَلْحَقُ بِبَحْثِ الذَّوْقِ. « التَّلْخِيصُ »، وَشَرَحَهُ أَيْضًا ابْنُ مَالِكٍ فِي « الْمِصْبَاحِ »، وَقَالُوا: الْمُضَادُّ مِنَ الْمُحَسِّنَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَأَصْبَحَتْ مِنْ فُنُونِ الْبَدِيعِ. وَقَدْ قَسَّمَ الطِّبَاقَ الْمِصْرِيُّ كَمَا نَقَلَهُ جِرْمَانُوس فَرْحَاتٌ نَقْلًا عَنْ مُعَاصِرِهِ، إِلَى طِبَاقٍ حَقِيقِيٍّ وَطِبَاقٍ مَجَازِيٍّ، إِلَّا أَنَّ الطِّبَاقَ الَّذِي يَأْتِي بِأَلْفَاظِ الْحَقِيقَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ: طِبَاقُ الإِيجَابِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ. وَالثَّانِي: طِبَاقُ السَّلْبِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ فِعْلَيْ مُصْدَرٍ وَاحِدٍ مُثْبَتٍ وَمَنْفِيٍّ، أَوْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾(١). وَالثَّالِثُ: طِبَاقُ التَّرْدِيدِ، وَهُوَ أَنْ يَرُدَّ آخِرُ الْكَلَامِ الْمُطَابِقِ عَلَى أَوَّلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مُطَابِقًا فَهُوَ « رَدُّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ ». وَمِنْهُ نَوْعٌ يُسَمَّى الطِّبَاقَ الْخَفِيَّ، وَالْمَلْحَنَ بِالطِّبَاقِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ يَتَعَلَّقُ أَحَدُهُمَا بِمَا يُقَابِلُ الآخَرَ نَوْعَ تَعَلُّقٍ، مِثْلُ السَّبَبِيَّةِ وَاللُّزُومِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾(٢)، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقَابِلَةً لِلشَّدَّةِ، لَكِنَّهَا مُسَبَّبَةٌ عَنِ اللِّينِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الشِّدَّةِ. وَسَمَّاهُ أَيْضًا ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ « الْمُطَافَحَةَ »، وَعَرَّفَهَا، فَقَالَ: « إِنَّ الْمُطَابَقَةَ الَّتِي يَأْتِي بِهَا النَّاظِمُ مُجَرَّدَةً لَيْسَ تَحْتَهَا كَبِيرُ أَمْرٍ، وَنِهَايَةُ ذٰلِكَ أَنْ يُطَابِقَ الضِّدَّ بِالضِّدِّ، وَهُوَ شَيْءٌ سَهْلٌ، إِلَّا أَنْ تَرْتَفِعَ فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ وَتُشَارِكَهُ فِي الْبَهْجَةِ وَالرَّوْنَقِ ». وَمِثْلُ ذٰلِكَ يَقُولُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: [الطَّوِيلُ] مُكَرٌّ مُفَرٌّ مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ مَعًا *** كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ فَالْمُطَابَقَةُ فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ، لَكِنَّهُ لَمَّا قَالَ « مَعًا »، زَادَهَا تَكْمِيلًا فِي غَايَةِ الْكَمَالِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا قُرْبُ الْحَرَكَةِ فِي حَالَتَيْ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ، وَحَالَتَيْ الْكَرِّ وَالْفَرِّ. وَقَدْ عُنِيَ الْجُرْجَانِيُّ عِنَايَةً نَافِقَةً بِالْمُطَابَقَةِ، وَقَالَ: « وَإِنَّمَا الْمُطَابَقَةُ فِيهَا شُعْبَةٌ خَفِيَّةٌ، وَفِيهَا مَكَانٌ مَغْمُوصٌ، وَرُبَّمَا الْتَبَسَتْ بِهَا أَشْيَاءُ لَا تَتَمَيَّزُ إِلَّا لِلنَّظَرِ الثَّانِي وَالْفِطْنَةِ اللَّطِيفَةِ ». (١) سُورَةُ الرُّومِ، الآيَتَانِ (٧،٦). (٢) سُورَةُ الْفَتْحِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٩).
- التَّصْحِيحُ
التَّصْحِيحُ: لُغَةً: الْقُعُودُ عَنِ الأَمْرِ وَالتَّقْصِيرُ فِيهِ؛ لأَنَّهُ مَصْدَرُ «تَصَحَّحَ فِي الأَمْرِ» إِذَا تَثَاقَلْتَ وَلَمْ تَقُمْ بِهِ. وَالْإِضْجَاعُ فِي الْقِرَاءَاتِ الأَصْوَاتُ، وَالْإِضْجَاعُ فِي بَابِ الْحَرَكَاتِ، مِثْلُ: الْإِمَالَةِ وَالْخَفْضِ، وَقَدْ سَمَّى د. شَايِم رَابِين Chaim Rabin «التَّصْحِيحَ» التَّرَاخِيَ الصَّوْتِيَّ (drawl) الصَّوْتِيَّ، وَيُنْسَبُ «التَّصْحِيحُ» لِلَّيْلَةٍ وَقَسٍّ. أَمَّا التَّصْحِيحُ الْمَنْسُوبُ فِي رِوَايَةِ الرَّجُلِ الْجَرْمِيِّ لِقَبِيلَةِ قَسٍّ، وَهَلْ هُوَ لُغَةٌ أَوْ لَهْجَةٌ أَمْ أَنَّهُ نَبْرَةٌ صَوْتِيَّةٌ، فَلَمْ تُفَصِّلْ لَنَا كُتُبُ اللُّغَةِ الْمَقْصُودَ بِـ «تَصْحِيحِ قَسٍّ» فِي نَبْرِ اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ وُرُودُهُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الْإِضْجَاعَ هُوَ الْإِمَالَةَ وَالْخَفْضَ، لِأَنَّ الْإِمَالَةَ ظَاهِرَةٌ صَرْفِيَّةٌ تَفْتَرِقُ فِيهَا قَبَائِلُ عِدَّةٌ، مِنْهَا تَمِيمٌ وَأَهْلُ نَجْدٍ وَأَسَدٌ وَقَيْسٌ، وَلَا نَدْرِي إِنْ كَانَتْ هٰذِهِ الصِّفَةُ مِنْ تَلْقِيبِ ذٰلِكَ «الْجَرْمِيِّ» الَّذِي أَرَادَ اسْتِرْضَاءَ مُعَاوِيَةَ وَالتَّقَرُّبَ مِنْهُ . . . إِلَى آخِرِهِ.
- التَّضْمِينُ
التَّضْمِينُ مِنَ الضَّمِّ، وَالتَّضْمِينُ نَقِيضُ السَّبْغِ، وَقِيلَ: ضَمَّنْتُ عَلَيْهِ الْمَوْضِعَ، ذَكَرَ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ»، وَكَذٰلِكَ النُّوِيرِيُّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الأَرَبِ»، وَابْنُ جِنِّي فِي كِتَابِهِ «الْفَوَائِدِ»، وَابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «خِزَانَةِ الأَدَبِ»، أَنَّ التَّضْمِينَ يَسْتَعْمِلُ لِزُومِ مَا لاَ يَلْزَمُ؛ إِلَّا أَنَّ أَسْمِيَّةً فِي مَعْقَدِ أُفْرِدَ لَهُ بَابًا سَمَّاهُ: «بَابُ التَّضْمِينِ وَالتَّوْسِيعِ وَالْمُسَاوَاةِ»، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «أَعْلَمْ أَنَّ اقْتِصَادَ ذَوِي الْبَلاَغَةِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ عَلَى قَدْرِ الْمَعْنَى، وَلاَ يَكُونَ أَطْوَلَ مِنْهُ وَلاَ أَقْصَرَ، وَلِذٰلِكَ قَالُوا: خَيْرُ الْكَلَامِ مَا كَانَتِ الْفَظَاظَةُ فِيهِ لِمَعَانِيهِ، فَمَتَى كَانَ اللَّفْظُ أَكْثَرَ مِنَ الْمَعْنَى كَانَ الْكَلَامُ إِسْهَابًا، وَضَاعَ الْمَعْنَى فِيهِ، مِثْلَ قَوْلِ بَشَّارٍ يُضَمِّنُ [الطَّوِيلَ]: وَلَيْلًا قَطَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ حَاجَةٍ *** وَمَسَّحْنَا الأَرْكَانَ مِنْ هَمِّ مُسْتَبَاحِ وَنَاظَرْنَا وُجُوهَ الصُّبْحِ مِنْ كُلِّ وَجْهَةٍ *** وَلَمْ يَنْظُرِ الْفَانِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الأَحَادِيثِ بَيْنَنَا *** وَسَائَلْنَا بَعْضَنَا الْمُحِبَّ الأَطَايِبَ وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْمَعْنَى ضَائِعٌ فِي اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ لَفْظٌ بِمَعْنًى لَمَّا حَجَبْنَا بَيْنَنَا وَاحْتَمَدْنَا فِي الطَّرِيقِ، لَكِنْ عَلَيْهِ حَلاَوَةٌ وَطَلاوَةٌ، وَسَمَاهُ بَعْضُهُمْ الْالْتِزَامَ، وَالإِغْلاَقَ وَالتَّشْدِيدَ. وَهٰذَا اللَّوْنُ الْبَلَاغِيُّ مِنِ اخْتِرَاعِ الْبُسْتِيُولِيِّ، فَقَدْ عَرَفَهُ فِي كِتَابِهِ «شَرْحِ عُقُودِ الْجُمَانِ» فَقَالَ: هٰذَا النَّوْعُ مُخْتَرَعَتُهُ وَسَمَّيْتُهُ بِالتَّضْمِينِ؛ بِأَنْ يَلْتَزِمَ فِي الرَّوِيِّ أَمْرًا لاَ يَلْزَمُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرُوهُ لِفَظِهِمْ أَنَّ الرَّوِيَّ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ فَلاَ يُجْعَلُ فِيهَا الْتِزَامُ مَا لاَ يَلْزَمُ .
- تَضْمِينُ الْمُزْدَوِجِ
عَرَّفَ الرَّشِيدُ الْوَطْوَاطُ فِي كِتَابِهِ «حَدَائِقِ السِّحْرِ» التَّضْمِينَ الْمُزْدَوِجَ، فَقَالَ: «وَيَكُونُ بِأَنْ يُورِدَ الشَّاعِرُ أَوِ الْكَاتِبُ فِي عِبَارَاتِهِ أَوْ أَبْيَاتِهِ لَفْظَتَيْنِ أَوْ مَرْدُوجَيْنِ، وَذٰلِكَ بِمُرَاعَاتِهِ لِحُدُودِ الْإِسْجَاعِ وَالْقَوَافِي. وَيُعْتَبَرُ تَعْرِيفُ الآزَرِيِّ شَبِيهًا بِتَعْرِيفِ الرَّشِيدِ الْوَطْوَاطِ مَعَ بَعْضِ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ بَعْدَ مُرَاعَاةِ الْإِسْجَاعِ يَجْمَعُ فِي أَثْنَاءِ الْقَرَائِنِ بَيْنَ لَفْظَيْنِ مُتَشَابِهِينِ الْوَزْنِ وَالْوَقْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ» (١). وَعَرَّفَهُ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ بِقَوْلِهِ: هُوَ أَنْ يَقَعَ فِي أَثْنَاءِ قَرَائِنِ النَّثْرِ أَوِ النَّظْمِ لَفْظَانِ مُتَقَارِبَانِ مَعَ مُرَاعَاةِ حُدُودِ الْإِسْجَاعِ الْأَصْلِيَّةِ. وَنَقَلَ ابْنُ فِيهَا الْجُرْزِيَّ هٰذَا التَّعْرِيفَ مَعَ الْأَمْثِلَةِ، وَأَشَارَ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ فِي كِتَابِهِ «أَنْوَارِ الرَّبِيعِ» إِلَى أَنَّ هٰذَا الْفَنَّ الْبَدِيعِيَّ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ صَاحِبِ «الْمِعْيَارِ»، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَرْزِيِّ: [الْكَامِلُ] إِنَّ الْخِطَابَ غَدَاةَ سَمْحٍ مِسْعَرٌ *** هَتَّانُ حَرٍّ جَرَى وَفَرَطَ تَذَكُّرِ مِنْ كُلِّ سَاجِي الطَّرْفِ أَغْصَدَ أَجْدَبِ *** وَمُهَفْهَفٍ كَالْمِسْكِ جَسْمٌ أَحْوَرُ
- التَّطْبِيقُ
التَّطْبِيقُ مِنَ الطِّبْقِ، وَهُوَ غِطَاءُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَدْ طَابَقَ طِبَاقًا الشَّيْئَانِ تَتَابَعًا، وَالتَّطْبِيقُ ذَكَرَهُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ فِي كِتَابِهِ «الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ»، وَالْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ «أَسْرَارِ الْبَلَاغَةِ»، وَالرَّشِيدُ فِي كِتَابِهِ «الْفَوَائِدِ»، وَابْنُ الْمُؤَقَّنِيِّ فِي كِتَابِهِ «الْبَيَانِ»، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيِّ فِي كِتَابِهِ «الطِّرَازِ»، وَابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيِّ فِي كِتَابِهِ «أَنْوَارِ الرَّبِيعِ»، وَابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «خِزَانَةِ الْأَدَبِ»، بِأَسْمَاءِ: التَّكَافُؤِ، وَالطِّبَاقِ، وَالْمُطَابَقَةِ، وَالْمُمَاثَلَةِ .
- التَّطْرِيزُ
التَّطْرِيزُ مِنَ الطِّرَازِ، وَالطِّرَازُ: الْبِزَّةُ وَالْهَيْئَةُ، وَالطِّرَازُ: الْجَيِّدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. التَّطْرِيزُ هٰذَا اللَّوْنُ الْبَلَاغِيُّ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ الْعَسْكَرِيِّ، وَقَدْ عَرَّفَهُ فِي كِتَابِهِ «الصِّنَاعَتَيْنِ» فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَجِيءَ فِي أَبْيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ مِنَ الْقَصِيدَةِ كَلِمَاتٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْوَزْنِ، فَيَكُونُ فِيهَا كَطِرَازِ الثَّوْبِ، وَهٰذَا النَّوْعُ دَلِيلٌ فِي الشِّعْرِ، وَهٰذَا النَّوْعُ هُوَ التَّوْشِيحُ عِنْدَ أَبِي هِلَالٍ الْعَسْكَرِيِّ، وَمَعَهُ فِيهِ زِيَادُ الأَعْجَمِ [الْكَامِلُ]: وَمَعِي سَوَامِرُ نَفْسِي مُسْتَرِيحًا *** فِي أَنْ يَجُودَ لَدَيَّ الرَّجَاءُ بَقَلْبِ جَلْدِ أَوْ أَنْ يَبُودَ لَهُ بِنَفْسٍ نَائِلٍ *** بَعْدَ الْكَرَامَةِ وَالْحَيَاءِ يَقِلْ عَبْدُ أَوْ فِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ جُزْءٍ عَطِيَّةٍ *** لِلْمُسْتَزِيدِ مِنَ الْمُنَفَّقَاتِ يَزِدْ فَالتَّطْرِيزُ فِي قَوْلِهِ: «الرَّجَاءِ، وَالْحَيَاءِ، وَالْفَنَاءِ»، وَعَرَّفَهُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ فِي كِتَابِهِ «الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ» عَيْنَ تَعْرِيفِ أَبِي هِلَالٍ الْعَسْكَرِيِّ، وَالتَّطْرِيزُ غَيْرُ ذٰلِكَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الأَصْبَعِ الْمِصْرِيِّ فَمَعْرِفَةٌ بِقَوْلِهِ: هُوَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمُتَكَلِّمُ أَوِ الشَّاعِرُ بِذِكْرِ جُمَلٍ مِنَ الذَّوَاتِ غَيْرِ مُفَصَّلَةٍ، ثُمَّ يُخْبِرَ عَنْهَا بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُضَافَاتِ مُكَرَّرَةٍ بِحَسَبِ الْعَدَدِ الَّذِي قُدِّرَ فِي تِلْكَ الْجُمْلَةِ الأُولَى، فَتَكُونُ الذَّوَاتُ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ مُتَعَدِّدَةً تَقْدِيرًا، وَالْجُمَلُ مُتَعَدِّدَةً لَفْظًا، وَالصِّفَةُ الْوَاحِدَةُ الْمُخْبَرُ بِهَا عَنْ تِلْكَ الذَّوَاتِ مُتَعَدِّدَةً لَفْظًا، وَعَدَدُ الْجُمَلِ الَّتِي وُصِفَتْ بِهَا الذَّوَاتُ لِعَدَدِ الذَّوَاتِ عِنْدَ تَكْرَارِهَا وَاتِّحَادِ لاَ تَعَدُّدِ ضَمَائِرِهَا . وَقِيلَ اخْتَرَعَهُ ابْنُ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيُّ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يَشْتَمِلَ الصَّدْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ مُجَرَّدَةٍ، يَتَعَلَّقُ بِهِ وَيَشْتَمِلَ الْعَجُزُ عَلَى الْخَبَرِ مُقَيَّدًا بِمِثْلِهِ مَرَّتَيْنِ». وَنَقَلَهُ فِي هٰذَا التَّعْرِيفِ، وَنَقَلَ عَنْهُ كُلٌّ مِنِ ابْنِ مَالِكٍ، وَالْحِلِّيِّ، وَالْفَخْرِيِّ، وَالْعَلَوِيِّ، وَالسَّكْبِيِّ، وَالْحَصْوِيِّ، وَالسَّبْطِيِّ. غَيْرَ أَنَّ ابْنَ أَبِي الْحَرْبِيَّةِ وَافَقَ تَعْرِيفَهُ تَعْرِيفَ أَبِي هِلَالٍ الْعَسْكَرِيِّ: «وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ قَبْلَ الْقَافِيَةِ سِجْعَاتٌ مُتَتَالِيَةٌ، فَيَبْقَى فِي الْأَبْيَاتِ أَوَاخِرُ الْكَلَامِ كَالطِّرَازِ فِي الثَّوْبِ»، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ: [ الْبَسِيطُ ] وَأَكَّدَ ابْنُ تَمَّامٍ أَنَّ هٰذَا الْفَنَّ لَمْ يَعْرِفْهُ الْقُدَمَاءُ، وَإِنَّمَا اسْتَقْرَأَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَقَالَ: «هٰذَا النَّوْعُ اسْتَخْرَجَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَلَيْسَ فِي شِعْرِ الْقُدَمَاءِ شَيْءٌ مِنْهُ وَلَا فِي كَلَامِهِمْ»، وَقَدِ اسْتَقْرَأْتُهُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَأَشْعَارِ الْمُوَلَّدِينَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَا لَهُ عَلَمَانِ: عَلَمٌ فِي أَوَّلِهِ، وَعَلَمٌ فِي آخِرِهِ. الثَّانِي: مَا لَهُ عَلَمٌ فِي أَوَّلِهِ. الثَّالِثُ: مَا لَهُ عَلَمٌ فِي آخِرِهِ. وَجَمَعَ الْمَدَنِيُّ بَيْنَ رَأْيِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَعَوَّلَ الْمَدَنِيُّ فَقَالَ: «هٰكَذَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ صَفِيُّ الدِّينِ الْحِلِّيُّ فِي شَرْحِ بَدِيعِيَّتِهِ»، وَعَرَّفَهُ حَفَاوِشُ شُرَّاحِهِ، فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يَبْتَدِئَ الشَّاعِرُ بِذِكْرِ جُمَلٍ مِنَ الذَّوَاتِ غَيْرِ مُفَصَّلَةٍ، ثُمَّ يُخْبِرَ عَنْهَا بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ مُكَرَّرَةٍ بِحَسَبِ الْعَدَدِ الَّذِي قُدِّرَ فِي تِلْكَ الْجُمَلِ، فَتَكُونُ الذَّوَاتُ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ مُتَعَدِّدَةً تَقْدِيرًا، وَالْجُمَلُ مُتَعَدِّدَةً لَفْظًا، وَعَدَدُ الْجُمَلِ الَّتِي وُصِفَتْ بِهَا الذَّوَاتُ لِعَدَدِ الذَّوَاتِ عِنْدَ تَكْرَارِهَا وَاتِّحَادِ لَا تَعَدُّدِ ضَمَائِرِهَا. وَشَاهِدُهُ مِنَ الْبَدِيعِيَّاتِ قَوْلُ ابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ: [ الْبَسِيطُ ] شُغْلِي يُطَرِّزُ فِيهِ مُنْتَظَمٌ *** يَا طِيبَ مُنْتَظَمٍ، يَا طِيبَ مُنْتَظَمٍ.
- التَّطْرِيفُ
التَّطْرِيفُ: مِنْ طَرَفَ فُلَانٌ إِذَا قَاتَلَ حَوْلَ الْعَسْكَرِ، لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى طَرَفٍ مِنْهُمْ فَيَرُدُّهُمْ إِلَى الْمَجْمُوعِ، وَالتَّطْرِيفُ: أَنْ يَرُدَّ الرَّجُلُ عَنْ أَخْلاَقِ أَصْحَابِهِ. وَقَدْ عَرَّفَهُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ فِي كِتَابِهِ «الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ»، فَقَالَ: «أَعْلَمْ أَنَّ التَّطْرِيفُ هُوَ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ مُجَانِسَةً لِمَا قَبْلَهَا أَوْ لِمَا يَتْبَعُهَا، أَوْ مُتَعَلِّقَةً بِهَا بِسَبَبٍ مِنَ الأَسْبَابِ، وَمِثْلُهُ يَقُولُ أَبُو تَمَّامٍ: [الْبَسِيطُ]: السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الْكُتُبِ *** فِي حَدِّهِ الْحَدُّ بَيْنَ الْجِدِّ وَاللَّعِبِ
- التَّطْوِيلُ
التَّطْوِيلُ مِنَ الطُّولِ، وَهُوَ نَقِيضُ الْقَصْرِ، يُقَالُ: طَوِّلْ لِفَرَسِكَ، أَيْ أَرْخِ لَهُ حَبْلَهُ فِي مَرْعَاهُ. عَرَّفَهُ ابْنُ سِنَانٍ فِي كِتَابِهِ «سِرِّ الْفَصَاحَةِ»، فَقَالَ: «التَّطْوِيلُ هُوَ أَنْ يُعَبَّرَ عَنِ الْمَعَانِي بِالأَلْفَاظِ كَثِيرًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَقُومُ مَقَامَ الآخَرِ، فَأَيُّ لَفْظٍ شِئْتَ مِنْ تِلْكَ الأَلْفَاظِ حَذَفْتَهُ، وَكَانَ الْمَعْنَى عَلَى حَالِهِ، وَلَيْسَ هُوَ هُنَا مُفِيدًا لِمَعْنًى مُمَيَّزٍ خُصُوصًا كَمَا كَانَ الْحَشْوُ لَفْظًا مُمَيَّزًا خُصُوصًا». وَعَرَّفَهُ ابْنُ الأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ «الْمَثَلِ السَّائِرِ»، فَقَالَ: «التَّطْوِيلُ هُوَ زِيَادَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى لِغَيْرِ فَائِدَةٍ»، وَمِثْلُهُ يَقُولُ الشَّاعِرُ: [مَجْزُوءُ الْوَافِرِ]: ذَكَرْتُ أَحِبَّتِي فَسَاوَتْنِي *** صُدَاعُ الرَّأْسِ وَالْحَرَبِ فَإِنَّ لَفْظَ «الرَّأْسِ» حَشْوٌ لاَ فَائِدَةَ فِيهِ، لأَنَّ الصُّدَاعَ لاَ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الرَّأْسِ، وَلَيْسَ بِمُفِيدٍ لِلْمَعْنَى، وَفِي هٰذَا الْمَوْضِعِ أَقْوَالٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُوسُوعَاتِ الْبَلاَغَةِ. وَذَكَرَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ»، فَقَالَ: «وَبِعِبَارَتِهِ عَنِ التَّطْوِيلِ، وَهُوَ أَنْ لاَ يُحْتَفَظَ الزَّائِدُ فِي الْكَلَامِ»، وَمِثَالُهُ فِي الْكَلَامِ قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ فِي قَصِيدَتِهِ الأُولَى: [الْوَافِرُ]: أَسَائِلُ الْمَنَازِلِ أَمْ غَيْبًا *** يَقُولُ عَهْدُهُمْ فَقَدْ لَيْلًا وَرَأَى بَعْضُ الْبُلَغَاءِ أَنَّ «التَّطْوِيلَ» هُوَ أَنْ يَزِيدَ اللَّفْظُ عَلَى أَصْلِ الْمُرَادِ لاَ لِفَائِدَةٍ، وَلاَ يَكُونُ اللَّفْظُ الزَّائِدُ مُتَعَيِّنًا، كَقَوْلِ عُبَيْدٍ أَيْضًا: [الْوَافِرُ]: فَقَدْ شَتَّتَ الأَيَّامَ لَمَّا هَبَّتْ *** لِرَاحِلَتِي وَأَلْقَى قَلْبُهُ كَذِبًا وَمَيْنًا فَإِنَّ الْكَذِبَ وَالْمَيْنَ وَاحِدٌ، وَلاَ يُمَيَّزُ أَحَدُهُمَا لِلزِّيَادَةِ، وَلاَ يُرْجِعُ لأَنَّهَا إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَعَيِّنَةً اخْتُصَّ ذٰلِكَ بِاسْمِ «الْحَشْوِ»، وَهُوَ زِيَادَةٌ مُعَيَّنَةٌ لاَ لِفَائِدَةٍ. وَالْبَعْضُ الآخَرُ عَدَّ التَّطْوِيلَ عَيْبًا كَعُيُوبِ الرُّكَامِ فِي «الرِّسَالَةِ الْمُسَمَّاةِ». فَأَمَّا التَّطْوِيلُ فَعَيْبٌ وَعِيٌّ، لأَنَّهُ تَكَلُّفٌ فِيمَا يُكْفَى مِنْهُ الْقَلِيلُ، فَكَانَ كَالسَّالِكِ طَرِيقًا بَعِيدًا جَهْلًا مِنْهُ بِالطَّرِيقِ الْقَرِيبِ، وَنَقَلَ عَنْهُ الصِّبْيَانِيُّ تَعْرِيفَهُ هٰذَا.
- التَّظْرِيفُ
التَّظْرِيفُ: مِنَ الظُّرْفِ، وَهُوَ الْبِرَاعَةُ، وَقِيلَ: حُسْنُ الْعِبَارَةِ وَاللُّطْفُ فِي الشَّيْءِ، وَعَرَّفَ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ التَّظْرِيفَ وَسَمَّاهُ «التَّسْهِيلَ»، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّفْصِيلُ فِيهِ.
- تَعَادُلُ الأَقْسَامِ
التَّعَادُلُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ عَدَلَ، يُقَالُ: عَدَلَ يَعْدِلُ عَدْلًا السَّهْمَ وَنَحْوَهُ، وَفُلَانٌ بِفُلَانٍ: سَوَاءٌ بَيْنَهُمَا. أَشَارَ إِلَيْهِ الْمَرْزُوقِيُّ فِي كِتَابِهِ «شَرْحِ دِيوَانِ الْحَمَاسَةِ»، وَقَصَدَ بِهِ صِحَّةَ التَّقْسِيمِ ثُمَّ مُقَابَلَةَ كُلِّ قِسْمٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَحَدِّثِ عَنْهَا بِنَفْسِهِ، وَذَكَرَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ»، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «هُوَ ذِكْرُ التَّقْسِيمِ، وَهُوَ ذِكْرٌ مُتَعَدِّدٌ، ثُمَّ إِضَافَةُ مَا لِكُلِّ قِسْمٍ عَلَى التَّعْيِينِ»، وَمِثَالُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: [الْبَسِيطُ]: وَلاَ يُقِيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ *** إِلَّا الأَذَلَّانِ: عَيْرُ الْحَيِّ وَالْوَتِدُ هٰذَا عَلَى التَّقْسِيمِ مَبْسُوطًا مَرْبُوطًا بِمَا يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَقَالَ السَّكَاكِيُّ: هُوَ أَنْ نَذْكُرَ شَيْئًا ذَا جُزْئَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ نُضِيفَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ مَا هُوَ مَنْدُوبٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ: [الْمُقْتَضَبُ]: أَدِيبَانِ فِي بَلَدٍ لاَ يَتَّسِعَانِ *** إِذَا صَحِبَا الْمُسْتَرَ غَيْرَ الْكَسَلِ فَهٰذَا طَوِيلٌ كَظِلِّ السَّحَابِ *** وَهٰذَا قَصِيرٌ كَظِلِّ الْوَتِدِ وَعَرَّفَهُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ فِي كِتَابِهِ «الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ»، فَقَالَ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ: «اعْلَمْ أَنَّ التَّقْسِيمَ هُوَ أَنْ يُقَسِّمَ الْمَعْنَى بِأَقْسَامٍ يَتَسَاكَمُهَا، فَلاَ تَنْقُصُ عَنْهُ وَلاَ تَزِيدُ عَلَيْهِ»، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾(١)، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ فِي «الْكِتَابِ» فِي نَصِيبٍ: [الطَّوِيلُ]: فَقَالَ قَرِيبُ الْقَوْمِ لاَ قَرِيبَهُمْ *** نَعَمْ، وَقَرِيبٌ أَيْمَنُ اللَّهِ مَا تَدْرِي. (١) سُورَةُ الرَّعْدِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٢). وَعَرَّفَهُ عَبْدُ الْمُنْعِمِ الثَّعَالِبِيُّ فِي كِتَابِهِ «نَفْحَاتِ الأَزْهَارِ عَلَى نَسَمَاتِ الأَسْحَارِ»، فَقَالَ: [الْبَسِيطُ]: وَلَمْ يَزَلْ يَعْلَمُ النَّحْوَ حَتَّى *** هٰذَا الرُّؤْيَانُ وَفِي الأَيْنِ مِنَ الْحُلُمِ فِي الْبَيْتِ تَقْسِيمٌ يُطْلَقُ عَلَى ثَلاَثَةِ أُمُورٍ: الأَوَّلُ: اسْتِفَادَ الْمُتَكَلِّمُ أَقْسَامَ الْمَعْنَى الَّذِي أَخَذَ فِيهِ، وَعَلَيْهِ مَشَى بَعْضُ أَهْلِ الْبَدِيعِيَّاتِ بَيْتُ قَصِيدَتِي، فَإِنَّ الزَّمَانَ مُنْقَسِمٌ إِلَى مَاضٍ وَمُسْتَقْبَلٍ، وَحَالٍ لاَ غَيْرُ عَلَى كَمَالِ التَّصْرِيحِ بِبَقَاءِ نُبُوَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، خِلاَفًا لِمُنْكِرِي ذٰلِكَ، كَمَا هُوَ مُسَطَّرٌ فِي كُتُبِ الْمَقَالاَتِ. وَمِثْلُ ذٰلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: [الطَّوِيلُ]: وَأَعْلَمُ مَا فِي الْيَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ *** وَلَكِنِّي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِي وَعَرَّفَهُ جُرْجَانِيُّوسُ فَرْحَاتٌ، فَقَالَ: «هُوَ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا ذَا جُزْئَيْنِ فَصَاعِدًا، ثُمَّ تُضِيفَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ مَا هُوَ لَهُ عِنْدَكَ، وَالشَّرْطُ فِيهِ عِنْدَ الْبَدِيعِيِّينَ أَنْ تَسْتَوْفِيَ أَقْسَامَ الْقِسْمَةِ فَلاَ يُبَادَرُ مِنْهَا شَيْءٌ». وَمِثْلُهُ مَا يَقُولُ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى: [الْوَافِرُ]: فَإِنَّ الْحَقَّ مَقْطَعُهُ ثَلاَثٌ *** بِبَيْنٍ أَوْ شُهُودٍ أَوْ جَلاَءِ.
- تَعَادُلُ الأَوْزَانِ
أَشَارَ الْمَرْزُوقِيُّ فِي «شَرْحِ دِيوَانِ الْحَمَاسَةِ» إِلَى تَعَادُلِ الأَوْزَانِ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «وَأَرَادَ بِهِ تَسَاوِي سُقُوطِ الأَسْجَاعِ، وَهِيَ الْفِقَرَانِ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ الْكَلَامِ الْمَسْمُوعِ مَنْزِلَةَ الْمَصَارِيعِ لِلشِّعْرِ، فَتَعَادُلُهَا بِأَنْ تَكُونَ الْمُتَقَابِلَةُ فِي الطَّبْعِ مُعْتَدِلَةً فِيهِ، وَذٰلِكَ أَصْلُ السَّجْعِ». وَمِثَالُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾(١)، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا». وَمِنْ كَلاَمِ بَعْضِ الْبُلَغَاءِ: «أَيُّ شَيْءٍ أَطْيَبُ مِنِ ابْتِسَامِ الْغُرُورِ، وَدَوَامِ السُّرُورِ، وَبُكَاءِ الْغَمَامِ، وَنَوْحِ الْحَمَامِ». (١) سُورَةُ الْغَاشِيَةِ، الآيَتَانِ (١٣) وَ(١٤).
- التَّعْبِيرُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الْمَاضِي
هٰذَا الْفَنُّ الْبَلاَغِيُّ هُوَ مِنَ الأَلْفَنَاتِ، وَهُوَ الْمَدْلُولُ فِيهِ إِلَى الزَّمَنِ الْمَاضِي تَقْرِيرًا. وَتَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ، وَمِثَالُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾(١). وَيَتَكَلَّمُ الأَدِيبُ بِأَسَالِيبِ الزَّمَنِ الْحَاضِرِ أَوِ الْمُسْتَقْبَلِ بِالْمَاضِي، فَهُوَ مَجَازٌ لَفْظِيٌّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾(٢) بِمَعْنَى «يَقُولُ»، عَكْسُهُ لأَنَّ الْمُضَارِعَ يُرَادُ بِهِ الدَّيْمُومَةُ وَالِاسْتِمْرَارُ.
- التَّعَجُّبُ
التَّعَجُّبُ مِنَ الْعَجَبِ، وَالْحُبِّ، وَالْمَحَبَّةِ؛ إِنْكَارُ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ لِقِلَّةِ اعْتِيَادِهِ. عَرَّفَ التَّعَجُّبَ ابْنُ فَارِسٍ، فَقَالَ: «وَأَمَّا التَّعَجُّبُ فَتَفْضِيلُ شَخْصٍ مِنَ الأَشْخَاصِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى أَضْرَابِهِ بِوَصْفٍ، كَقَوْلِكَ: مَا أَحْسَنَ زَيْدًا»، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾(٣). إِلَّا أَنَّ الزَّازِيَّ أَدْرَجَهُ فِي أَقْسَامِ التَّعْظِيمِ، وَفَعَلَ مِثْلَهُ الْوَطْوَاطُ فِي كِتَابِهِ «حَدَائِقُ السِّحْرِ»، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [الْوَافِرُ]: أَبَا شَمْسٍ بَصُرْتُ بِكَ اسْتِضَاءً *** وَيَا بَدْرًا يُضِيءُ بِلَا مِحَاقِ فَأَنْتَ الْعِزُّ مَا مَعْنَى انْتِقَاصِي *** وَأَنْتَ الشَّمْسُ مَا سَبَبُ اجْتِرَائِي وَعَرَّفَهُ الْوَطْوَاطُ فَقَالَ: «تَكُونُ هٰذِهِ الصَّنْعَةُ بِأَنْ يُظْهِرَ الشَّاعِرُ فِي أَحَدِ أَبْيَاتِهِ تَعَجُّبَهُ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ».
- التَّعْدِيدُ
التَّعْدِيدُ هُوَ الأَعْدَادُ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ «سِيَاقَةَ الأَعْدَادِ» وَ«سِيَاقَةَ الْعَدَدِ» أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ عَنْهُ.
- التَّعْدِيلُ
التَّعْدِيلُ مِنْ عَدْلِ الْمَوَازِينِ وَالْمَكَايِيلِ: سَوَّاهَا، وَعَدَلَ الشَّيْءَ: وَزَنَهُ. وَعَرَّفَهُ ابْنُ شَيْثٍ الْقُرَشِيُّ فِي كِتَابِهِ «مَعَالِمِ الْكِتَابَةِ»، فَقَالَ: «هُوَ أَنْ تَكُونَ اللَّفْظَةُ الَّتِي هِيَ السَّجْعَةُ ...». الثَّانِيَةِ مُرَكَّبَةٍ مِنْ كَلِمَتَيْنِ، حَتَّى تَسَاوِيَ أُخْتَهَا»، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: [ الْبَسِيطُ ]: وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ رَدِّ أَيَّامِهِ أَخَرٌ *** سَالِفٌ كِتَابُ الْأَيَّامِ لَهُ وَعَرَّفَ ابْنُ رَشِيقٍ هٰذَا الْفَنَّ، وَمَثَّلَ بَيْتَ الشِّعْرِ السَّابِقَ، وَعَدَّهُ مِنَ التَّجْنِيسِ، وَقَالَ: «وَقَدْ أَحْدَثَ الْمُتَأَخِّرُونَ نَوْعًا مُنْفَصِلًا، يَظْهَرُ أَيْضًا فِي الْخَطِّ»، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ: [ الْكَامِلُ ]: رَأَوْكَ فِي يَوْمِ الْكُلَابِ وَتَفَرَّقُوا *** فِيهِ الْمُرَادُ بِمَحْفَلِ الْكِلَابِ كَالْكِلَابِ.
- التَّعْرِيضُ
التَّعْرِيضُ مِنْ عَرَّضَ، وَعَرَّضَ لِفُلاَنٍ وَبِهِ: إِذَا قَالَ فِيهِ قَوْلًا، وَهُوَ يَعْنِيهِ. وَقَدْ عَرَّفَهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ، فَقَالَ: «التَّعْرِيضُ خِلاَفُ التَّصْرِيحِ»، وَأَضَافَ: «إِنَّهُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ، لاَ بِالْوَضْعِ الْحَقِيقِيِّ وَلاَ الْمَجَازِيِّ»، فَقَوْلُهُ: «اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الشَّيْءِ» عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مِنْ جِهَةِ النَّصِّ، وَالظَّاهِرِ، وَالْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ، وَقَوْلُهُ: «مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ» يُخْرِجُ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّ دَلاَلَتَهُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ لاَ مِنْ جِهَةِ مَفْهُومِهِ، وَقَوْلُهُ: «لاَ بِالْوَضْعِ الْحَقِيقِيِّ وَلاَ الْمَجَازِيِّ» يُفَصِّلُ مَا تَقَدَّمَ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ لَفْظٌ يُحْمَلُ لاَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلاَ عَلَى الْمَجَازِ لِخُرُوجِهِ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَإِنَّمَا يَدُلُّ مِنْ جِهَةِ مَفْهُومِهِ دُونَ لَفْظِهِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّصْرِيحُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ نَفْسُهُ. قَالَ: «وَهٰذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى التَّعْرِيضِ». ثُمَّ قَالَ: «وَالتَّعْرِيضُ مِنْ جِهَةِ الأُصُولِيِّينَ: مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى لَيْسَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ مَا يَقْتَضِيهِ مَعْنَى اللَّفْظِ». وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾(١)، فَقَدْ بَيَّنَ الْهُدَى لَهُ دُونَهُمْ مِنْ طَرِيقِ التَّعْرِيضِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَعَرَّفَهُ فِي كِتَابِهِ «عُيُونِ الأَخْبَارِ»، وَجَمَعَ الْكِتَابَةَ فِي بَابٍ مُسْتَقِلٍّ، فَقَالَ: «وَمِنْ هٰذَا الْبَابِ التَّعْرِيضُ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ فِي كَلاَمِهَا كَثِيرًا، فَيَكُونُ إِذَا أَرَادُوهُ وُجْهًا أَلْطَفَ وَأَحْسَنَ مِنَ الْكَشْفِ وَالتَّصْرِيحِ، وَيَعِيبُونَ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ يُكَاشِفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيَقُولُونَ: لاَ يُحْسِنُ التَّعْرِيضَ إِلَّا مَنْ لاَ بَلاَغَةَ لَهُ»، وَقَدْ سَمَّاهُ تِلْمِيذُهُ فِي كِتَابِهِ «قَوَاعِدِ الشِّعْرِ» «لَطَافَةَ الْمَعَانِي الدَّالَّةِ بِالتَّعْرِيضِ عَلَى التَّصْرِيحِ»، وَعَرَّفَهُ، فَقَالَ: «وَمِنْ لُطْفِ الْمَعْنَى كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِيجَازِ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ التَّصْرِيحِ لِمَنْ يُحْسِنُ فَهْمَهُ وَاسْتِنْبَاطَهُ». إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُعْتَزِّ جَعَلَهُ مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ «التَّعْرِيضُ وَالْكِنَايَةُ»، وَكَذٰلِكَ عَبْدُ الْقَاهِرِ. (١) سُورَةُ سَبَإٍ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٤). الْجُرْجَانِيُّ، وَالتَّبْرِيزِيُّ، وَالْبَغْدَادِيُّ عَلَى عَكْسِ ابْنِ الأَثِيرِ. غَيْرَ أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ سَمَّاهُ «اللَّمْحَ»، وَقَالَ: «وَأَمَّا اللَّمْحُ فَهُوَ التَّعْرِيضُ بِالشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ عَنْهُ بِنَصِّهِ». وَأَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ جِنِّي وَلَمْ يُعَرِّفْهُ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ رِشْقٍ الْقَيْرَوَانِيَّ فِي كِتَابِهِ «الْعُمْدَةِ» أَدْرَجَهُ فِي بَابِ «الإِشَارَةِ». وَجَعَلَ السُّيُوطِيُّ الْكِتَابَةَ وَالتَّعْرِيضَ فَنَّيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ فَقَالَ: «وَمِنْ بَيْنِ الْبَيَانِ: الْكِتَابَةُ وَالتَّعْرِيضُ، وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ جِدًّا، وَرُبَّمَا الْتَبَسَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْفُضَلَاءِ أَمْرُهُمَا، فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا مِثَالًا لِلآخَرِ، وَرُبَّمَا كَانَ ذٰلِكَ لِكَوْنِ اللَّفْظِ صَالِحًا لِلْكِتَابَةِ مِنْ وَجْهٍ، وَلِلتَّعْرِيضِ مِنْ وَجْهٍ». وَجَعَلَ ابْنُ الأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ التَّعْرِيضَ وَالْكِتَابَةَ فَنًّا وَاحِدًا، وَعَرَّفَهُمَا بِقَوْلِهِ: «إِنَّ الإِلْغَازَ وَالتَّعْمِيَةَ إِذَا قَارَبَا الظُّهُورَ سُمِّيَا كِتَابَةً أَوْ تَعْرِيضًا، وَإِذَا بَعُدَا سُمِّيَا لُغْزًا أَوْ مُعَمًّى». وَاعْتَبَرَ الزَّرْكَشِيُّ التَّعْرِيضَ وَالْكِتَابَةَ فَصْلًا وَاحِدًا، وَعَرَّفَ التَّعْرِيضَ، فَقَالَ: «يُسَمَّى تَعْرِيضًا لأَنَّ الْمَعْنَى يُعْرَضُ بِهِ، فَهُوَ مِنْ عَرَضِ اللَّفْظِ أَيْ مِنْ جَانِبِهِ، وَيُسَمَّى «التَّلْوِيحَ» لأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يُلَمِّحُ لِمَنْ يَسْمَعُ مَا يُرِيدُهُ»، كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذَا﴾(١)، لأَنَّ غَرَضَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ: فَاسْأَلُوهُمْ، فَعَرَضَ لَهُمْ بِمَا مِنْ عَجْزِ كَبِيرِ الأَصْنَامِ عَنِ الْفِعْلِ، مُسْتَدِلًّا عَلَى ذٰلِكَ بِعَدَمِ إِجَابَتِهِمْ إِذَا سُئِلُوا. وَأَوْرَدَ لَهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ بَابًا خَاصًّا وَعَرَّفَهُ، وَقَالَ: «هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يَذْكُرَ الْمُتَكَلِّمُ شَيْئًا عَنْ آخَرَ لَا يُصَرِّحُ بِهِ، لِيَفْهَمَهُ السَّامِعُ لِنَفْسِهِ وَيَعْلَمَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ»، وَقَالَ مِثْلَهُ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ وَالسُّبْحَانِيُّ، وَقَسَمَ الْمَدَنِيُّ التَّعْرِيضَ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ: الْمَوْصُوفِ، وَالْمُلَاحَظَةِ، وَالِاسْتِطْنَافِ، وَالِاسْتِمَاحَةِ، وَالْعَلَامَةِ، وَالِاسْتِدْرَاجِ وَالِاحْتِرَازِ. (١) سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ، آيَةٌ رَقْمُ (٦٣).
- التَّعْرِيفُ وَالتَّنْكِيرُ
التَّعْرِيفُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ «عَرَفَ يَعْرِفُ» عِرْفَةَ الشَّيْءِ؛ عِلْمُهُ، وَالتَّعْرِيفُ ضِدُّ التَّنْكِيرِ. عَرَّفَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ التَّعْرِيفَ بِاسْمِ الْمَعْرِفَةِ فِي كِتَابِهِ «الطَّرَفِ»، فَقَالَ: «أَعْلَمْ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مَا دَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، وَالنَّكِرَةُ مَا دَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ لاَ بِعَيْنِهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى حَقِيقَةُ الْمَعْرِفَةِ بِأَمْرٍ لَفْظِيٍّ لِأُمُورٍ: أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ الْمَعَانِي، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ بَعْضَ الْمَعَارِفِ يَكُونُ فِي مَعْنَى النَّكِرَةِ. ثُمَّ إِنَّ الْمَعَارِفَ خَمْسٌ: الْمُضْمَرَاتُ، وَالأَعْلاَمُ، وَأَسْمَاءُ الإِشَارَةِ، ثُمَّ الْمَعْرِفَةُ بِالأَلِفِ وَاللَّامِ، ثُمَّ الْمُضَافُ إِلَى وَاحِدٍ؛ فِي هٰذِهِ الْمُضَافَاتِ مَعْرِفَةٌ لاَ لَفْظِيَّةٌ، بَلْ مَعْنَوِيَّةٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِي التَّعْرِيفِ. الأَوَّلُ: الإِظْهَارُ؛ يَكُونُ إِذَا كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ التَّكَلُّمِ، كَقَوْلِ بَشَّارٍ: [الْبَسِيطُ]: أَنَا الْمَعْرُوفُ لا أَخْفَى عَلَى أَحَدٍ *** ذَرَتْ بِيَ الشَّمْسُ لِلْقَاصِي وَلِلدَّانِي أَوْ كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ خِطَابٍ كَخِطَابِ كَتُولِ الْحَسَنَةِ أَمَامَ مُخَاطَبَةِ ابْنِ الْمُثَنَّى: [الطَّوِيلُ]: وَأَنْتَ الَّذِي أَخْلَفْتَنِي مَا وَعَدْتَنِي *** وَأَشْمَتَّ بِي مَنْ كَانَ فِيكَ يَلُومُ أَوْ كَانَ مَقَامُ النُّبُوَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾(١)، أَيْ الْعَدْلُ. الثَّانِي: الْعِلْمِيَّةُ؛ لِإِحْضَارِ ذٰلِكَ بِعَيْنِهِ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ ابْتِدَاءً، بِاسْمٍ مُخْتَصٍّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾(٢)، أَوْ لِلْكِنَايَةِ حَيْثُ يَكُونُ الاِسْمُ صَالِحًا لَهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾(٣) أَيْ جَمِيعِهِمْ، أَوْ لِإِيهَامِ اسْتِنْزَالِهِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [الْبَسِيطُ]: بِاللَّهِ يَا طَالِبَ الدُّنْيَا قُلْ لَنَا *** لَبَاغِي مَكْسَبِهَا أَمْ لَيْسَ مِنْ بَشَرِ أَوِ الإِشْرَاكُ بِهِ، مِثْلَ: «اللَّهُ الْهَادِي وَمُحَمَّدٌ هُوَ الشَّفِيعُ»، أَوِ التَّفَاؤُلُ، مِثْلَ: «سَعْدٌ فِي دَارِكَ»، أَوِ التَّطَيُّرُ، مِثْلَ: «السَّمَاحُ فِي دَارِ صَدِيقِكَ». الثَّالِثُ: الْمَوْصُولِيَّةُ؛ وَيَكُونُ مِنْهَا: الصِّلَةُ، وَالتَّعْظِيمُ، وَالتَّشْبِيهُ، وَالإِيمَاءُ، وَشَأْنُ الْخَبَرِ. (١) سُورَةُ الْمَائِدَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٨٨). (٢) سُورَةُ الإِخْلَاصِ، آيَةٌ رَقْمُ (١). (٣) سُورَةُ السَّجْدَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٦). الرَّابِعُ: الإِشَارَةُ؛ وَيَكُونُ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ اسْمُ الإِشَارَةِ لأَحَدِ أُمُورٍ، وَذٰلِكَ أَنْ يَقْصِدَ تَمْيِيزَهُ لِإِحْضَارِهِ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ حَتَّى تَكُونَ الإِشَارَةُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [الطَّوِيلُ]: هٰؤُلَاءِ قَوْمٌ إِنْ بَنَوْا أَحْسَنُوا الْبِنَا *** وَإِنْ عَاهَدُوا أَوْفَوا وَإِنْ عَقَدُوا شَدُّوا أَوْ لِقَصْدِ أَنَّ السَّامِعَ غَبِيٌّ لاَ يُمَيِّزُ الشَّيْءَ عِنْدَهُ إِلَّا بِالإِشَارَةِ، كَقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ: [الطَّوِيلُ]: أُولٰئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ *** إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ الْمَجَامِعُ أَوِ التَّنْبِيهِ، إِذَا ذُكِرَ قَبْلَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ مَذْكُورٌ وَعُقِّبَ بِأَوْصَافٍ مَحْمُودَةٍ عَلَى أَنْ يَرِدَ بَعْدَ اسْمِ الإِشَارَةِ لِلْمَذْكُورِ جَابِرٌ لاِكْتِسَابِهِ مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الأَوْصَافِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾(١). الْخَامِسُ: التَّعْرِيفُ بِالأَلِفِ وَاللَّامِ، وَتَكُونُ لِإِشَارَةٍ مَعْهُودٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مُخَاطَبِكَ أَوْ أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ الْحَقِيقَةِ، مِثْلُ: «الدَّمُ مِبْدَأُ كُلِّ حَيٍّ». السَّادِسُ: التَّعْرِيفُ بِالإِضَافَةِ، وَتَكُونُ لِإِحْضَارِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فِي الذِّهْنِ، أَوْ تَعْنِي إِضَافَتُهُ عَنِ التَّفْصِيلِ، أَوْ لِتَضْمِنَهَا تَعْظِيمًا أَوْ تَحْقِيرًا أَوِ اسْتِهْزَاءً. وَعَرَّفَهُ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ فِي كِتَابِهِ «الْبُرْهَانِ الْكَاشِفِ»، فَقَالَ: «وَقَدْ يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ أَجْلَى فِي نَفْسِ الذِّكْرِ أَوْلَى، وَيُخَيَّلُ عَلَيْهِ أَنَّ الإِبْهَامَ هُوَ مَوْطِنُ التَّجْلِيَةِ، وَأَنَّ سِرَّ ذٰلِكَ الإِيضَاحُ خُصُوصًا فِي مَوَارِدِ الْوَعِيدِ وَالزَّجْرِ وَالْمَدْحِ وَالذَّمِّ، لِلْمُخَاطَبِينَ الَّذِينَ مِنْ شَأْنِهِمُ التَّشْوِيشُ. وَعِلَّةُ ذٰلِكَ أَنَّ الْمَطَالِبَ مُتَعَدِّدَةُ الْمَوَارِدِ، وَالنَّكِرَةَ مُتَكَرِّرَةُ الأَشْخَاصِ، يَتَنَاقَلُ الْقَصْدُ مِنْ مَطَالِبِهَا إِلَى مَنَازِلِهَا، وَيَنْظُرُهَا بِالْبَصِيرَةِ مَنْ يُسَمِّيهَا إِلَى غَايَتِهَا، فَيَحْصُلُ فِي النَّفْسِ لَهَا فَخَامَةٌ وَتَكْسِبُ مِنْهَا وَسَامَةً، وَهٰذَا فِيمَا لَيْسَ لِمَفْرَدِهِ مِقْدَارٌ مَحْصُورٌ، بِخِلَافِ الْمَعْرِفَةِ فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ بَعْيَنِهِ، يَثْبُتُ الذِّهْنُ عِنْدَهُ وَيَسْكُنُ إِلَيْهِ». وَالتَّنْكِيرُ يَأْتِي لِمَعَانٍ، وَيُذْكَرُ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ لأَغْرَاضٍ مِنْهَا: الإِفْرَادُ، وَالتَّوْعِيَةُ، وَالتَّعْظِيمُ، وَالتَّحْقِيرُ، وَالتَّكْثِيرُ، وَالتَّقْلِيلُ، وَيُذْكَرُ الْمُسْنَدُ لأَغْرَاضٍ مِنْهَا: عَدَمُ الْحَصْرِ، وَالتَّعْظِيمُ، وَالتَّحْقِيرُ. (١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْمُ (٥).