من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الْمُطَابَقَةُ
المعنى
بَابُ الْمُطَابَقَةِ، فَقَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَخْفَشِ: أَجِدُ قَوْمًا يَخْتَلِفُونَ فِي الْمُطَابَقَةِ، مُطَابِقَةً نَزْعُمُ، وَهِيَ الْأُخْرَى؛ أَنَّهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ فَيَجْتَمِعَانِ فِي اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، وَمُطَابِقَةٌ تُخَالِفُ ذٰلِكَ، نَقُولُ: هُوَ اشْتِرَاكُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ زَيْدِ الْأَعْجَمِ: [الطَّوِيلُ]
يُرَبِّبُهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ بِكَاهِلٍ *** وَلَئِنْ لَهُمْ كَاهِلٌ بِهِمْ كَاهِلٌ وَيُسْتَسْلَمُ
فَقَوْلُهُ «كَاهِلٌ» لِلْقَبِيلَةِ، وَكَذٰلِكَ «كَاهِلٌ» لِلْعَضُدِ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمُطَابَقَةُ.
أَمَّا ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ فَرَقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: «لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ مَعْنَى الْمُطَابَقَةِ لُغَةً وَمَعْنَاهَا اصْطِلَاحًا»، فَإِنَّهَا فِي اللُّغَةِ الْمُوَافَقَةُ، يُقَالُ طَابَقْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا جَعَلْتَ أَحَدَهُمَا عَلَى حُذُو الْآخَرِ، وَوَاطَأَ الْفَرَسُ فِي جَرْيِهِ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ مَكَانَ يَدِهِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ لَيْسَ مُوَافَقَةً.
وَنَقَلَ ابْنُ الْأَثِيرِ قَوْلَهُ: «إِنَّهُمْ سَمَّوْا هٰذَا الضِّرْبَ مِنَ الْكَلَامِ مُطَابِقًا لِأَنَّهُ اشْتِقَاقٌ وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسَمَّاهُ، هٰذَا الظَّاهِرُ لَنَا مِنْ هٰذَا الْقَوْلِ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا لِذٰلِكَ مُنَاسَبَةً لَطِيفَةً لَمْ نَعْلَمْهَا نَحْنُ»، وَعَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «شَرْحِ الْمِفْتَاحِ» فَقَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ هٰذَا النَّوْعُ مُطَابَقَةً لِأَنَّ فِي ذِكْرِ الْمُتَضَادَّيْنِ مَعًا تَوَافُقًا وَابْتِغَاءَ تَوَافُقٍ بَيْنَ مَا هُوَ فِي غَايَةِ الِاخْتِلَافِ، ذِكْرُ الْأَحْيَاءِ مَعَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَكْمَهِ مَعَ الْفَصِيحِ»، وَنَحْوُ ذٰلِكَ.
أَمَّا الأَمْدِيُّ فَسَمَّاهَا الْمُطَابَقَةَ، وَقَالَ: «هُوَ مُقَابَلَةُ الْحَرْفِ بِضِدِّهِ أَوْ مَا يُقَارِبُ الضِّدَّ، وَإِنَّمَا قِيلَ مُطَابِقٌ لِمُسَاوَاةِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ صَاحِبَهُ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَعْنَى»، وَأَضَافَ: «إِنَّمَا هُوَ مُقَابَلَةُ الشَّيْءِ بِمِثْلِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، ثُمَّ سُمِّيَ الضِّدَّانِ إِذَا تَقَابَلَا مُطَابِقَيْنِ».
وَبِمِثْلِ هٰذَا عَرَّفَهُ التِّبْرِيزِيُّ فِي كِتَابِهِ «الدَّقَائِقِ»، فَقَالَ: «أَطْلَقَ الْقَوْلَ أَنَّ الشَّاعِرَ يَأْتِي بِالشَّيْءِ وَضِدِّهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الضِّدِّ»، وَجَعَلَ الْمُطَابَقَةَ ابْنُ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيُّ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُطَابَقَةَ ضَرْبٌ مِمَّا يَأْتِي بِالأَلْفَاظِ الْحَقِيقَةِ، وَضَرْبٌ يَأْتِي بِالأَلْفَاظِ الْمَجَازِيَّةِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ سُمِّيَ طِبَاقًا، وَمَا كَانَ مِنْهُ بِلَفْظِ الْمَجَازِ سُمِّيَ تَكَافُؤًا»، وَمِثَالُهُ: [التَّكَامُلُ]
حُلْوُ الشَّمَائِلِ، وَفِظُّهُ بَاسِلٌ *** يَحْمِي السِّمَارَ صَبِيحَةَ الإِزْهَاقِ
فَقَوْلُهُ «حُلْوٌ، مُرٌّ» يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِعَارَةِ، إِذْ لَيْسَ فِي الإِنْسَانِ وَلَا فِي شِمَالِهِ مَا يُلْحِقُهُ بِحَلَاوَةِ الذَّوْقِ، وَأَدْرَجَهُ السَّكَاكِيُّ فِي كِتَابِهِ «مِفْتَاحِ الْعُلُومِ»، وَالْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ مَا يَلْحَقُ بِبَحْثِ الذَّوْقِ. « التَّلْخِيصُ »، وَشَرَحَهُ أَيْضًا ابْنُ مَالِكٍ فِي « الْمِصْبَاحِ »، وَقَالُوا: الْمُضَادُّ مِنَ الْمُحَسِّنَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَأَصْبَحَتْ مِنْ فُنُونِ الْبَدِيعِ.
وَقَدْ قَسَّمَ الطِّبَاقَ الْمِصْرِيُّ كَمَا نَقَلَهُ جِرْمَانُوس فَرْحَاتٌ نَقْلًا عَنْ مُعَاصِرِهِ، إِلَى طِبَاقٍ حَقِيقِيٍّ وَطِبَاقٍ مَجَازِيٍّ، إِلَّا أَنَّ الطِّبَاقَ الَّذِي يَأْتِي بِأَلْفَاظِ الْحَقِيقَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
الأَوَّلُ: طِبَاقُ الإِيجَابِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ.
وَالثَّانِي: طِبَاقُ السَّلْبِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ فِعْلَيْ مُصْدَرٍ وَاحِدٍ مُثْبَتٍ وَمَنْفِيٍّ، أَوْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾(١).
وَالثَّالِثُ: طِبَاقُ التَّرْدِيدِ، وَهُوَ أَنْ يَرُدَّ آخِرُ الْكَلَامِ الْمُطَابِقِ عَلَى أَوَّلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مُطَابِقًا فَهُوَ « رَدُّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ ».
وَمِنْهُ نَوْعٌ يُسَمَّى الطِّبَاقَ الْخَفِيَّ، وَالْمَلْحَنَ بِالطِّبَاقِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ يَتَعَلَّقُ أَحَدُهُمَا بِمَا يُقَابِلُ الآخَرَ نَوْعَ تَعَلُّقٍ، مِثْلُ السَّبَبِيَّةِ وَاللُّزُومِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾(٢)، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقَابِلَةً لِلشَّدَّةِ، لَكِنَّهَا مُسَبَّبَةٌ عَنِ اللِّينِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الشِّدَّةِ.
وَسَمَّاهُ أَيْضًا ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ « الْمُطَافَحَةَ »، وَعَرَّفَهَا، فَقَالَ: « إِنَّ الْمُطَابَقَةَ الَّتِي يَأْتِي بِهَا النَّاظِمُ مُجَرَّدَةً لَيْسَ تَحْتَهَا كَبِيرُ أَمْرٍ، وَنِهَايَةُ ذٰلِكَ أَنْ يُطَابِقَ الضِّدَّ بِالضِّدِّ، وَهُوَ شَيْءٌ سَهْلٌ، إِلَّا أَنْ تَرْتَفِعَ فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ وَتُشَارِكَهُ فِي الْبَهْجَةِ وَالرَّوْنَقِ ». وَمِثْلُ ذٰلِكَ يَقُولُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: [الطَّوِيلُ]
مُكَرٌّ مُفَرٌّ مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ مَعًا *** كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
فَالْمُطَابَقَةُ فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ، لَكِنَّهُ لَمَّا قَالَ « مَعًا »، زَادَهَا تَكْمِيلًا فِي غَايَةِ الْكَمَالِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا قُرْبُ الْحَرَكَةِ فِي حَالَتَيْ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ، وَحَالَتَيْ الْكَرِّ وَالْفَرِّ.
وَقَدْ عُنِيَ الْجُرْجَانِيُّ عِنَايَةً نَافِقَةً بِالْمُطَابَقَةِ، وَقَالَ: « وَإِنَّمَا الْمُطَابَقَةُ فِيهَا شُعْبَةٌ خَفِيَّةٌ، وَفِيهَا مَكَانٌ مَغْمُوصٌ، وَرُبَّمَا الْتَبَسَتْ بِهَا أَشْيَاءُ لَا تَتَمَيَّزُ إِلَّا لِلنَّظَرِ الثَّانِي وَالْفِطْنَةِ اللَّطِيفَةِ ».
(١) سُورَةُ الرُّومِ، الآيَتَانِ (٧،٦).
(٢) سُورَةُ الْفَتْحِ، آيَةٌ رَقْمُ (٢٩).
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.