المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
يقع كتاب المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني ضمن نطاق تخصص علوم اللغة ووثيق الصلة بالفروع الأخرى مثل الشعر، والقواعد النحوية، والصرف، والأدب، والبلاغة، والآداب العربية. تأليف إنعام فوال عكاوي
الجذور
- الذَّمُّ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ
الذَّمُّ : خِلَافُ الْمَدْحِ، الْعَيْبُ، أَذَمَّ الرَّجُلَ : أَذَمَّ مَا يُذَمُّ عَلَيْهِ. سَمَّى هٰذَا الْفَنَّ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ فِي كِتَابِهِ « أَنْوَارِ الرَّبِيعِ »، الْهِجَاءَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ، وَقَدْ نَقَلَهُ عَنْ زَكِيِّ الدِّينِ بْنِ أَبِي الْإِصْبَعِ إِذْ هُوَ مِنْ مُخْتَرَعَاتِهِ، وَعَرَّفَ الْهِجَاءَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ فَقَالَ : « هُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْمَدْحَ مُتَكَلِّمٌ مَعَ إِنْسَانٍ فَيَأْتِيَ بِلَفْظٍ مُوْجِبٍ ظَاهِرُهُ الْمَدْحُ وَبَاطِنُهُ الْفَضْحُ، فَيُوهِمُ أَنَّهُ يَمْدَحُهُ وَهُوَ يَهْجُوهُ. وَمِثَالُهُ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ السُّلَمِيِّ فِي الْحَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ : [ الْوَافِرُ ] لَهُ حَقٌّ وَرَئِيسٌ عَلَيْهِ حَقٌّ وَوَجْهُهَا قَالَ فَالْحُسْنِ الْجَمِيلُ وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ يُسْرَى حُقُوقًا عَلَيْهِ لِشَخْصِهِ وَهُوَ الرَّسُولُ فَلَوْلَا الْبَيْتُ الْأَوَّلُ لَفَرَدَ مَدْحًا صِرْفًا، وَالْبَيْتُ الثَّانِي لَوْ لَا لَفْظُهُ عَلَى مَدْحٍ أَوْ هِجَاءٍ، وَلٰكِنْ عِنْدَ اقْتِرَانِهِمَا يَتَلَاحُ عَلَى الْهِجَاءِ بِالضَّعْفِ وَالتَّوَاكُلِ. وَقَدْ ذَكَرَ جِرْجَانِيٌّ فَرَجَحَ هٰذَا التَّعْرِيفَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ « بُلُوغِ الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ »، وَكَذٰلِكَ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ « خِزَانَةِ الْأَدَبِ »، وَالْحَلَبِيُّ فِي « بَدِيعَتِهِ » فِي مَدْحِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ : [ الْبَسِيطُ ] : مَنْ مَعْشَرٍ يُرَخِّصُ الْأَعْرَاضَ جَوْهَرُهُمْ * وَيُحْصِنُونَ الْأَذَى مِنْ كُلِّ مُهْتَضَمِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْهِجَاءِ الْبَاطِنِ هُنَا فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْأَغْرَاضُ الْمُرَخَّصَةُ جَمِيعُ عَرْضٍ، وَهٰذَا يُشْبِهُ الْمُدَارَاةَ وَالْإِلْهَامَ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَقْصُودُ : يَحْصُلُونَ الْأَذَى مِنْ كُلِّ مِهْتَضِمٍ يُرِيدُ وَصْفَهُمْ بِالذُّلِّ وَقِلَّةِ الْمَنَعَةِ. وَذَكَرَ الثَّعَالِبِيُّ فِي كِتَابِهِ « نُثَحَاتِ الْأَزْهَارِ » بِاسْمِ « تَأْكِيدِ الذَّمِّ بِمَا يُشْبِهُ الْمَدْحَ »، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ : وَتَأْكِيدُ الذَّمِّ بِمَا يُشْبِهُ الْمَدْحَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا : أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ صِفَةِ مَدْحٍ مُثْبَتَةٍ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةُ ذَمٍّ لَهُ، كَقَوْلِهِ : [ الْبَسِيطُ ] : مَنْ لَيْسَ يَمْنَعُهُ لَهُ خَيْرٌ يُرْجَى يُرِيهِ يُسْرِي * وَصَفْنِي لَهُ سَائِسُ النَّاسِ كُلِّهِمُ فَقَوْلُهُ : « لَا خَيْرَ فِيهِ سِوَى وَصْفِي ... » وَوَجْهُ تَأْكِيدِهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الِاتِّصَالُ، أَيْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَعْضَ جُمْلَةٍ يَدْخُلُ فِيهَا الْمُسْتَثْنَى عَلَى تَقْدِيرِ السُّكُوتِ عَنِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَالثَّانِي : أَنْ يُثْبَتَ لِلشَّيْءِ صِفَةُ ذَمٍّ، وَتُعَقَّبَ بِأَدَاةِ اسْتِثْنَاءٍ أَوِ اسْتِدْرَاكٍ يَلِيهِ تِلْكَ صِفَةُ ذَمٍّ أُخْرَى، وَهٰذَا عَيْنُ مَا ذَكَرَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ « التَّلْخِيصُ ».
- الرَّتَّةُ
اِخْتَلَفَتِ الْآرَاءُ وَالْأَحْكَامُ الَّتِي أَصْدَرَهَا اللُّغَوِيُّونَ حَوْلَ « الرَّتَّةِ » هَلْ هِيَ لَهْجَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا أَمْ أَنَّهَا عَيْبٌ نُطْقِيٌّ يُصِيبُ بَعْضَ النَّاسِ الَّذِينَ قَدْ يَنْتَمُونَ إِلَى قَبَائِلَ مُخْتَلِفَةٍ ؟ فَالَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ « الرَّتَّةَ » أَوِ اللُّغَةَ أَوِ اللُّهْجَةَ أَوْ لَهْجَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، فَقَوْلُهُمْ : إِنَّ « الرَّتَّةَ » تَكُونُ بِقَلْبِ اللَّامِ رَاءً. وَأَمَّا الَّذِينَ يَفْهَمُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ أَنَّ « الرَّتَّةَ » عَيْبٌ نُطْقِيٌّ، فَقَدْ تَحَدَّثَ رُوَاتُهُمْ، وَبَيَّنُوا إِيجَازًا ذٰلِكَ كَمَا جَاءَ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ وَسِرِّ الْعَرَبِيَّةِ لِابْنِ الْفَارِسِ، مِنْ أَنَّ « الرَّتَّةَ » هِيَ عُقْلَةٌ فِي الْكَلَامِ، وَقِلَّةُ آتَاءِ، وَالرَّتَّةُ رِدَّةٌ قَبِيحَةٌ فِي اللِّسَانِ مِنَ الْعُيُوبِ، وَالرَّتَّةُ هِيَ الْعُجْمَةُ فِي الْكَلَامِ، وَالْمُحَاكَلَةُ فِيهِ، وَالرَّتَّةُ كَالْكَرِيجِ تَمْنَعُ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ فَإِذَا جَاءَ مِنْهُ اتَّصَلَ بِهِ، وَالرَّتَّةُ غَرِيزَةٌ، وَهِيَ تَكْثُرُ فِي الْأَشْرَافِ. وَالْأَرْتُ الَّذِي فِي لِسَانِهِ عُقْدَةٌ حِسِّيَّةٌ وَيَعْجِزُ فِي كَلَامِهِ فَلَا يُطَاوِعُهُ لِسَانُهُ. وَجَاءَ فِي « الْكَامِلِ » لِلْمُبَرِّدِ أَنَّ الرَّتَّةَ تَمْنَعُ الْكَلَامَ إِذَا أَرَادَهُ الرَّجُلُ، فَهِيَ الْآنَ مَعْرُوفَةٌ فِي وَلَدِ سُلَيْمَانَ وَوَلَدِ صَالِحٍ، وَتَكُونُ غَرِيزَةً كَمَا فِي قَوْلِ الرَّاجِزِ : يَا أَيُّهَا الْمُخْتَلِطُ الْأَرَتُّ. وَكَلَامُ الْمُبَرِّدِ هٰذَا ذُو أَهَمِّيَّةٍ كَبِيرَةٍ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ هٰذِهِ الظَّاهِرَةَ أَمْرًا قَرِيبًا يَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ دُونَ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ، أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ عَامًّا شَائِعًا، وَأَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ أَنْ يَكُونَ عُقْلَةً فِي الْكَلَامِ وَقِلَّةَ أَنَاةٍ. وَمِمَّا « الْمِرَاءُ الرَّتِّيُّ » أَيِ اللَّغْثَاءُ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : إِنَّ اللُّغَةَ الَّتِي تَقَعُ فِي اللَّامِ بَاءٌ، بَدَلَ قَوْلِهِ : « اعْتَلَلْتُ » « اعْتَبْتُ »، وَبَدَلَ « جَمَلٌ » « جَبَلٌ » أَوْ « جَحْشٌ » وَغَيْرِ ذٰلِكَ.
- الرَّتْجُ
الرَّتْجُ : مَنْعُ أَوَّلِ الْكَلَامِ، فَإِذَا جَاءَ مِنْهُ شَيْءٌ اتَّصَلَ.
- الرُّجُوعُ
الرُّجُوعُ مِنْ رَجَعَ يَرْجِعُ رُجُوعًا : انْصَرَفَ، وَعَادَ الشَّيْءُ عَمَّا أَوْ إِلَيْهِ، صَرْفُهُ وَرَدُّهُ. عَرَّفَ الرُّجُوعَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ فِي كِتَابِهِ « الْبَدِيعِ » فَقَالَ : « وَمِنْهَا الرُّجُوعُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا وَيَرْجِعَ عَنْهُ »، كَقَوْلِ بَشَّارِ بْنِ بُرْدٍ : [ الْكَامِلُ ] بَيْتٌ فَأَضْحَى أَمْرِي يَتَغَيَّبُ عِنْدَ الْأَمِيرِ وَهَلْ عَلَيْهِ أَمِيرُ. وَنَقَلَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ عَيْنَ هٰذَا التَّعْرِيفِ فِي كِتَابِهِ « الصِّنَاعَتَيْنِ ». وَذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ « حُسْنِ التَّنْبِيهِ » كَمَا سَبَقَ، وَتَحَدَّثَ عَنِ الرُّجُوعِ الْقَرِيبِ فِي كِتَابِهِ « التَّلْخِيصِ »، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ : « اعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ هٰذَا النَّوْعِ هُوَ الْعَوْدَةُ إِلَى الْكَلَامِ السَّابِقِ لِتُلَخَّصَ مِنْهُ فَائِدَةٌ أُخْرَى »، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى : [ الْبَسِيطُ ] قَدْ سَالَ سَائِلُهَا لَمْ يَبْقَهَا الْقِدَمُ بَلَى وَعَرَّفْتُ الْأَطْلَالَ وَالدِّيَمَا. فَفِي الْبَيْتِ دَلَالَةٌ عَلَى اطِّرَادِ الزَّمَنِ وَتَقَدُّمِ الْعَهْدِ، يَقُولُ : لَمْ يُبْدِهِ الْقِدَمُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَنَقَضَهُ بِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَهَا الرِّيَاحُ وَالْأَمْطَارُ لِكَثْرَةِ لُبْسِهَا، وَهُوَ مِنْ أَظْهَرِ الْكِتَابِ، وَالْحُزْنِ، وَالْحَيْرَةِ، وَالدَّهْشَةِ، حَتَّى إِنَّهُ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ، ثُمَّ عَادَ عَنْهُ إِلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ. وَذَكَرَ نَفْسَ هٰذَا التَّعْرِيفِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ « دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ »، وَأَبُو الْبَرَكَاتِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ « خِزَانَةِ الْآدَابِ »، وَنَقَلَهُ نَقْلًا كَامِلًا. وَمِنْ نَمَاذِجِ الرُّجُوعِ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ : [ الْبَسِيطُ ] وَمَا لَنَا مِنْ رُجُوعٍ عَنْ حِمَاةَ بَلَى لَنَا رُجُوعٌ عَنِ الْأَوْطَانِ وَالْحِمَى. بَيْتُ الشَّاعِرِ هٰذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِطْلَاقِ عِنَانِ الْقَلَمِ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَحَاسِنَ يَكْفِي فِيهَا مَا نَقَلَهُ أَهْلُ التَّذَوُّقِ مِنْ عُلَمَاءِ هٰذَا الْفَنِّ، وَقَدْ ذَكَرَهُ كُلٌّ مِنَ التُّنْبُكْتِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمْ فِي بَدِيعِيَّاتِهِمْ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
- رَدُّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ
رَدَّ يَرُدُّ رَدًّا عَنِ الشَّيْءِ : صَرَفَهُ ، أَرْجَعَهُ . هٰذَا الْفَنُّ الْبَلَاغِيُّ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ ، ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ « الْبَدِيعِ » فَقَالَ : « وَهُوَ رَدُّ إِعْجَازِ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَهَا » وَهٰذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ، فَمِنْ هٰذَا الْبَابِ مَا يُوَافِقُ آخِرَ الْكَلِمَةِ فِي نِصْفِهَا الْأَوَّلِ ، مِثْلُ قَوْلِ الشَّاعِرِ : [ الْكَامِلُ ] تَلْقَى إِذَا مَا الْأَمْرُ كَانَ غُمُوضُهُ فِي جَيْشِ رَأْيٍ لَا يُخَلُّ غَرَمُهُ وَمِنْهُ مَا يُوَافِقُ آخِرَ الْكَلِمَةِ مَعَ أَوَّلِ كَلِمَةٍ فِي نِصْفِهَا الْأَوَّلِ ، كَقَوْلِ الْأَشْتَرِ : [ الطَّوِيلُ ] سَرِيعٌ إِلَى ابْنِ الضَّمِّ يَسْتَرِيحُهُ وَلَيْسَ إِلَى دَاعِي النَّدَى يَسْرَعُ وَمِنْهُ مَا يُوَافِقُ آخِرَ كَلِمَةٍ فِيهِ بَعْضُ مَا فِيهِ ، كَقَوْلِ الْأَخْنَسِ السُّلَمِيِّ : [ الْوَافِرُ ] عَمِيدُ بَنِي سَلِيمٍ أَقْصَدَتْهُ سِهَامُ الْمَوْتِ وَهْيَ لَهُ سِهَامُ وَعَرَّفَهُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِ « الصِّنَاعَتَيْنِ » فَقَالَ : « أَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ تُعْلَمَهُ أَنَّكَ إِذَا قَدَّمْتَ أَلْفَاظًا تَقْتَضِي جَوَابًا تَقْتَضِي أَنْ تَأْتِيَ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ فِي الْجَوَابِ ، وَلَا تَنْتَقِلَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ » ، وَكَتَبَ بَعْضُ الْكُتَّابِ فِي خِلَافِ ذٰلِكَ : « مَنْ ارْتَكَبَ ذَنْبًا عُلِّمَ ، أَوِ اكْتَسَبَ جُرْمًا قُوصِصَ ، لَزِمَهُ مَا جَنَى ، وَحَاقَ بِهِ مَا تَوَجَّهَ » ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ : لَزِمَهُ مَا ارْتَكَبَ ، وَحَاقَ بِهِ مَا اكْتَسَبَ . هٰذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ رَدَّ الْأَعْجَازِ عَلَى الصُّدُورِ مَوْقِعٌ جَلِيلٌ مِنَ الْبَلَاغَةِ ، وَقَدْ دَخَلَ فِي الْمُقَدَّمِ مَدْخَلًا خَطِيرًا » . وَعَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ « التَّلْخِيصِ » فَقَالَ : « وَمِنْهُ رَدُّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ ، وَهُوَ فِي النَّثْرِ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ الْمُكَرَّرَيْنِ أَوِ الْمُتَلَافِقَيْنِ بِهِمَا فِي أَوَّلِ الْفِقْرَةِ وَالْآخَرُ فِي آخِرِهَا ، نَحْوَ : سَأَلَ النَّعِيمَ يَرْجِعُ دَمْعُهُ سَائِلًا » ، وَهٰذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ فِي كِتَابِهِ « تَحْرِيرُ التَّحْبِيرِ » مَعَ ذِكْرِ نَفْسِ الْأَمْثِلَةِ ، وَكَذٰلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ « خِزَانَةُ الْأَدَبِ » ، وَذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي بَدِيعِيَّتِهِ ، فَقَالَ : [ الْبَسِيطُ ] فَمَا تَحَدَّثَ عَنْ سِرِّي فَمَا ظَهَرَتْ سَرَائِرُ الْقَلْبِ إِلَّا مِنْ حَدِيثِي نَجِيِّ. وَنَفْسُ التَّعْرِيفِ ذَكَرَ جِرْجَانِيُّ فَرْحَاتٍ فِي كِتَابِهِ « بُلُوغُ الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ »، وَذَكَرَهُ الْهَمَذَانِيُّ فِي كِتَابِهِ « مَعَاهِدُ التَّنْصِيصِ » مَعَ الْأَمْثِلَةِ.
- الرَّذَالَةُ وَالْجَهَامَةُ
قَالَ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ فِي كِتَابِهِ « الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ » عَنِ الرَّذَالَةِ وَالْجَهَامَةِ : أَعْلَمُ أَنَّ الرَّذَالَةَ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا يُرَادُ وَلَا يُسْتَفَادُ، مِثْلُ قَوْلِ بَعْضِ الْعَرَبِ : [ الطَّوِيلُ ] زِيَادُ بْنُ عَمْرٍو غُصَّةٌ تَحْتَ حَاجِبٍ وَأَسْنَانُهُ بِيضٌ وَقَطٌّ طَرْفُ شَارِبِهْ. وَأَشَارَ إِلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ « الْكِتَابِ » فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، وَأَنْشَدَ : [ الْوَافِرُ ] إِذَا مَا الشَّيْبُ قَادَهُ بِسِنٍّ فَذَاكَ أَمَامَةً أَهْلِهِ الشَّرِيبَةُ. وَكَذٰلِكَ قَوْلُ أَبِي الْعَلاءِ : [ الْكَامِلُ ] مَاتَ الْخَلِيفَةُ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ فَكَأَنَّنِي أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانِ.
- الرِّشَاقَةُ
ذَكَرَهَا أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ فِي كِتَابِهِ « الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ » وَعَرَّفَهَا فَقَالَ : « فَهِيَ حَلَاوَةُ الْأَلْفَاظِ وَعَذُوبَتُهَا »، وَمِثْلُ قَوْلِ الْمُتَنَبِّي : [ الْبَسِيطُ ] لِنَفْسِي عَلَيَّ السِّنُّ مِنْ سِنٍّ إِذَا تَذَكَّرْتُ سِنِّي بَعْضَ أَصْحَابِي.
- الرَّطَانَةُ
الرَّطَانَةُ لُغَةٌ مِنْ فِعْلِ رَطَنَ يَرْطُنُ رَطْنًا، وَرَطَانَةً، وَرَطَنَهُ : كَلَّمَهُ بِالْأَعْجَمِيَّةِ، تَرَاطَنَ الْقَوْمُ : تَكَلَّمُوا بِالْأَعْجَمِيَّةِ. يُقَالُ : « مَا رَطَّنْتَكَ هٰذِهِ » أَيْ : مَا كَلَامُكَ هٰذَا الَّذِي لَا يُفْهَمُ.
- الزُّخْرُفُ
الزُّخْرُفُ مِنْ زَخْرَفَ الشَّيْءَ : حَسَّنَ وَزَيَّنَ ، وَالزُّخْرُفُ فِي الْأَدَبِ تَنْمِيقُهُ وَتَرْصِيعُهُ بِاعْتِمَادِ الْمُحَسَّنَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَاللَّفْظِيَّةِ ، وَالْمِثَالُ فِي اسْتِعْمَالِهَا إِلَى حَدِّ الْخُرُوجِ بِالْأَدَبِ مِنْ كَوْنِهِ تَعْبِيرًا جَمِيلًا عَنْ مَعَانٍ إِنْسَانِيَّةٍ إِلَى أَنْ تُصْبِحَ صِنَاعَةً بَحْتًا لِعِبًا لَفْظِيًّا تَمْوِيهِيًّا جَوْفَاءَ رَائِجَةً فِي الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ ، وَلَغَتْ ذُرْوَتَهَا فِي عُصُورِ الِاحْتِضَارِ وَامْتَلَأَتْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَدَبِ الرَّسَائِلِ وَالْمُقَامَاتِ . وَالزُّخْرُفُ مُسْتَكْرَهٌ إِذَا جَاوَزَ الْقَدْرَ الْمُلِيمَ وَصَارَ الْأَدَبُ مَعَهُ مَجْرَّدَ لَفْظِيَّاتٍ لَيْسَ غَيْرَ ، وَمُجَرَّدَ تَلَاعُبٍ بِتَرْتِيبِ الْحُرُوفِ وَالْقَوَافِي فِي الْأَبْيَاتِ الَّتِي تُقْرَأُ عَكْسًا وَطَرْدًا ، وَتَشْمَلُ حُرُوفًا وَكَلِمَاتٍ وَأَسْطُرًا مَنْقُوطَةً وَغَيْرَ مَنْقُوطَةٍ ، كَمَا فِي الْأَبْيَاتِ الرُّقْعَاءِ وَالْخَفْيَاءِ وَالْمُرَصَّعَةِ ، وَسِوَى ذٰلِكَ مِنْ زُخْرُفَاتٍ يُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهَا فِي أَمَاكِنِهَا مِنْ هٰذَا الْمُعْجَمِ وَفِي كُتُبِ الْبَيَانِ الرَّائِجَةِ .
- الزِّيَادَةُ الَّتِي يُتَمُّ بِهَا الْمَعْنَى
انْظُرْهَا فِي الِاحْتِرَاسِ ، التَّتْمِيمِ ، التَّكْمِيلِ.
- السَّابِقُ وَالأَلْحَقُ وَالتَّداوُلُ وَالتَّناوُلُ
ذَكَرَ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ هٰذَا الْفَنَّ فِي كِتَابِهِ « الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ » ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ : « وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْبَيْتَ فَيُنْقِصَ مِنْ لَفْظِهِ أَوْ يَزِيدَ فِي مَعْنَاهُ أَوْ يُجَرِّدَهُ فَيَكُونَ أَوْلَى بِهِ مِنْ قَائِلِهِ ، لٰكِنَّ الْأَوَّلَ سَابِقٌ وَالْآخَرَ لَاحِقٌ » ، وَمِثْلُ لَهُ يَقُولُ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ : [ الطَّوِيلُ ] وَكَمْ وَقَفْتُ لِلرِّيحِ دُونَ بِلادِهَا وَكَمْ غَفَتِ لِلْمُطَيِّرِ دُونَ بِلادِي أَخَذَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْعَلاءِ ، وَقَالَ : [ الْكَامِلُ ] وَسَأَلْتُ كَمْ بَيْنَ الْعَقِيقِ إِلَى الْحِمَى فَنَجَعْتُ مِنْ بَعْدِ النَّوَى الْمُتَطَاوِلِ .
- السَّبْكُ
السَّبْكُ نَوْعٌ بَلَاغِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى إِتْقَانِ نَظْمِ الْكَلِمَاتِ فِي الْبَيْتِ الشِّعْرِيِّ حَتَّى يَجِيءَ كُلُّ قِسْمٍ مِنْهُ كَأَنَّهُ قِسْمٌ مُسْتَقِلٌّ فِي مَعْنَاهُ، مَعَ تَسَاوِي الْجُمَلِ فِي الْوَزْنِ، وَيَكُونُ ذٰلِكَ فِي الْجُمَلِ الطَّوِيلَةِ وَالْمُتَوَسِّطَةِ وَالْقَصِيرَةِ، وَهِيَ أَحْسَنُهَا وَأَبْلَغُهَا مَسْلَكًا، كَمَا قَرَّرَهُ أَهْلُ الْبَلَاغَةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حِجَّةَ وَغَيْرُهُ فِي كُتُبِهِمْ.
- السَّجْعُ
السَّجْعُ طَرِيقَةٌ فِي الْإِنْشَاءِ سَارَتْ مُنْذُ الْقَدِيمِ فِي النَّثْرِ الْعَرَبِيِّ وَرَاجَتْ كَثِيرًا فِي عُصُورِ التَّنْمِيقِ مَعَ مَا رَاجَ مِنْ مُحَسِّنَاتٍ بَدِيعِيَّةٍ ، وَهِيَ تَقُومُ عَلَى اتِّفَاقِ فَاصِلَتَيْنِ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ التَّقْفِيَةِ ، وَقَدْ فَنَّنَ الْكُتَّابُ كَثِيرًا فِي اسْتِعْمَالِهِ ، فَجَعَلُوهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : ١- السَّجْعُ الْمُطَرَّفُ ، وَهُوَ مَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْفَاصِلَتَانِ وَزْنًا وَاتَّفَقْنَا فِي حَرْفِ السَّجْعِ ، كَقَوْلِ تَعَالَى : ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ٭ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ (١) . ٢- السَّجْعُ الْمُتَوَازِي ، وَهُوَ مَا اتَّفَقَتْ فِيهِ الْفَاصِلَتَانِ وَزْنًا وَرَوِيًّا ، كَقَوْلِ الْحَرِيرِيِّ أَبِي الْقَاسِمِ صَاحِبِ الْمَقَامَاتِ : « أَوْدَى فِي الْبَاطِلِ وَالصَّوَابِ ، وَرَمَى لِيَ الْحَاسِدُ وَالشَّامِتُ » . ٣- السَّجْعُ الْمُرَصَّعُ ، وَهُوَ مَا اتَّفَقَتْ فِيهِ الْفَاصِلَتَانِ وَزْنًا وَتَقْفِيَةً ، كَقَوْلِ تَعَالَى : ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٭ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ (٢) . ٤- السَّجْعُ الْمَوْزُونُ ، وَهُوَ أَنْ تَبْقَى الْفَاصِلَتَانِ فِي وَزْنٍ وَاحِدٍ دُونَ تَقْفِيَةٍ ، كَقَوْلِهِمْ : « النَّاسُ كَالْأَهْدَافِ ، لِسِهَامِ الْأَمْرَاضِ ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَعْلَمُ بِهٰذَا النَّوْعِ مِنَ السَّجْعِ » . وَقَدِ اسْتَحْسَنَ الْبَلِيغُونَ مِنَ السَّجْعِ مَا تَنَاسَبَ قُرْبًا وَتَسَاوَتْ فُقْرَاتُهُ بِعَدَدِ الْأَلْفَاظِ كَقَوْلِهِمْ : « الزَّمَانُ يُسِيءُ وَيُحْسِنُ ، وَالدَّهْرُ يَمْنَحُ وَيَمْتُعُ » ، وَإِنْ لَمْ تَتَسَاوَ الْفِقْرَتَانِ عَلَى مَذْهَبِ النَّحْوِ فَالْأَسْمَى مَا طَالَتْ فِقْرَتُهُ الثَّانِيَةُ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : « كِتَابِي إِلَى مَنْ اِنْتَهَتْ إِلَيْهِ الْمَجْدُ حُدُودُهُ ، وَثَبَتَتْ لَهُ الْفَضَائِلُ وَالْجُودُ وَعُدُودُهُ » ، وَاسْتَفْظَعُوا إِنْ كَانَتِ الْفِقْرَةُ الثَّانِيَةُ أَقْصَرَ مِنَ الْأُولَى ، كَمَا اسْتَنْكَرُوا فِي كُلِّ حَالٍ الْإِغْرَاقَ فِي التَّكَلُّفِ وَالصَّنْعَةِ وَتَكْرَارَ الْمَعَانِي وَالتَّطْوِيلَ الْمُمِلَّ فِي أَبْوَابِ اللَّفْظِ الْفَائِضَةِ عَنْ أَقْدَارِ الْمَعَانِي ، طَلَبًا لِلسَّجْعِ وَتَكَلُّفًا لَهُ .
- السَّجْعَةُ
السَّجْعَةُ : هِيَ الْقِطْعَةُ أَوِ الْفِقْرَةُ الْمُسَجَّعَةُ ، رَاجِعِ السَّجْعَ .
- السُّخْرِيَّةُ
السُّخْرِيَّةُ هِيَ فِي الْأَدَبِ اعْتِمَادُ أَلْوَانِ الْهَزْءِ وَصُنُوفِ التَّنَابُزِ وَالْهَزْلِ وَالْمِزَاحِ فِي مُقَابِلِ الْجِدِّيَّةِ وَالْغَرَضِ ، وَهِيَ مِيزَةٌ تَحْلِي بِهَا كَثِيرًا مِنَ الْآدَابِ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ ، وَأُسْلُوبٌ قَلَّمَا خَلَا أَدَبُ أُمَّةٍ مِنْ نَهْجِهِ وَمِنْ بَحْثٍ فِي دَوَافِعِهِ وَغَايَاتِهِ ، وَلٰكِنَّ الْكَشْفَ عَنْ مَقُوِّمَاتِهِ وَأَبْعَادِهِ . وَالْأَدَبُ السَّاخِرُ تَيَّارٌ بَارِزٌ فِي الْآدَابِ الْعَالَمِيَّةِ ، وَهُوَ عَلَى اخْتِلَافِ أَفْنَانِهِ يَتَّسِمُ غَالِبًا بِرُوحِ النَّقْدِ اللَّاذِعِ إِلَى كَوْنِهِ فِي كُلِّ حَالٍ مُسْتَجِنًّا لِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ جِدٍّ عَمِيقٍ يَسْتُرُهُ يُسْرُ الْهَزْلِ وَاللَّهْوِ الرَّقِيقِ . وَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ السُّخْرِيَّةَ لَمْ تَكُنْ مِنْ طَبِيعَةِ النَّمَطِ التَّرْفِيهِيِّ فِي الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ بَلْ قَدْ تَكُونُ مُنَاقِضَةً لَهُ بِوَجْهٍ مَا ، أَدْرَكْنَا قِيمَةَ شَاعِرٍ سَاخِرٍ كَابْنِ الرُّومِيِّ ، وَأَدْرَكْنَا ثَرْوَةَ الْجَاحِظِ فِي مَزْجِهِ الْجِدَّ بِالْهَزْلِ ، فَكَانَ يُعَدُّ بِحَقٍّ رَائِدَ السُّخْرِيَّةِ فِي الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ ، كَمَا كَانَ سَيِّدَ النُّكْتَةِ الْمُسْتَظْرَفَةِ وَالنَّادِرَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ . وَمِنْ آرَاءِ الْجَاحِظِ فِي الْجِدِّ وَالْهَزْلِ أَنَّهُمَا لَيْسَا مُتَسَاوِيَيْنِ قَدْرًا وَقِيمَةً ، فَمِنَ الْهَزْلِ عِنْدَهُ مَا يُفْضِلُ الْجِدَّ جِدًّا ، وَمِنَ الْجِدِّ مَا يُفْضِلُ الْهَزْلَ أَحْيَانًا ، وَإِذَا كَانَ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى تَفْضِيلِ النَّوْعِ الَّذِي يُفْضِلُ بِهِ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَإِنَّهُ لَا يُحِيدُ عَنِ الْجَزْمِ بِأَنَّ الْجِدَّ يَفْضُلُ الْهَزْلَ وَالْمَرَحَ فِي مُطْلَقِ الْأَحْوَالِ . وَفِي « رِسَالَةِ التَّرْبِيعِ وَالتَّدْوِيرِ » فَصْلٌ أَفْرَدَهُ لِبَحْثِ تَفْضِيلِ وَاسْتِحْسَانِ أَسَانِيدِ كِتَابَةِ أَنَّ الْجِدَّ فِي غَايَتِهِ هُوَ النِّهَايَةُ الْمُبْتَغَاةُ ، وَلَيْسَ الْهَزْلُ إِلَّا وَسِيلَةً يُتَوَخَّاهَا الْبُلُوغُ تِلْكَ الْغَايَةِ إِذْ هُوَ يَخْتَلِفُ عَنْ قَرِينِهِ عَيِّ الْغَرَضِ وَالْمَلَلِ الذِّهْنِيِّ الَّذِي يُرَافِقُ الْمَوْضُوعَاتِ الْجَدِّيَّةِ .
- السَّرِقَةُ
السَّرِقَةُ مِنْ سَرَقَ يَسْرِقُ سَرِقَةً مِنَ الشَّيْءِ : أَخَذَهُ مِنْ حَيْثُ يُخْفَى وَحِيلَةٍ . ذَكَرَ الْقَزْوِينِيُّ أَنَّ السَّرِقَةَ الْمَعْنَوِيَّةَ فِي اتِّفَاقِ الْقَائِلَيْنِ إِذَا كَانَ فِي النَّظْمِ عَلَى الْعُمُومِ كَالْوَصْفِ بِالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَقَارَبَ فِي الْعُقُولِ وَالْعَادَاتِ ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ فِي وَجْهِ الدَّلَالَةِ كَاسِبِيًّا وَالْمِجَالِ وَالْكِتَابَةِ ، وَذَكَرَ جِمَاعَاتٍ تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِنُبْلٍ فِي مِثْلِهَا كَوَصْفِ الْجَوَادِ عِنْدَ وُرُودِ الْغِنَاءِ ، وَالْبَخِيلِ بِالْيَأْسِ مِنْ سَعَةِ ذَاتِ الْيَدِ . وَالسَّرِقَةُ نَوْعَانِ : ظَاهِرٌ وَمُسْتَتِرٌ ، أَمَّا الظَّاهِرُ فَهُوَ أَنْ يُؤْخَذَ الشِّعْرُ كُلُّهُ مَعَ اللَّفْظِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ وَحْدَهُ ، أَخْذَ كَلِمَةٍ أَوْ غَيْرِ نَظْمِ الْمَعْنَى فَهُوَ مَذْمُومٌ لِأَنَّهُ سَرِقَةٌ مَحْضَةٌ وَيُسَمَّى سَطْوًا وَانْتِحَالًا ، كَمَا حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ فَعَلَ ذٰلِكَ فِعْلَ مَعْنِ بْنِ أَوْسٍ . [ الطَّوِيلُ ] فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَصْنَعْ أَخَاكَ وَجَبْنَهُ عَلَى طَرَفِ الْمِهْرَاقِ إِنْ كَانَ يَغْفُلُ وَيَرْكَبْ حَدَّ السَّيْفِ مِنْ أَنْ تَضِيعَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ شَفْرَةِ السَّيْفِ مِسْحَلُ وَهذَانِ الشَّاهِدَانِ مِنْ قَصِيدَةٍ لِمَعْنٍ أَوَّلِهَا : [ الطَّوِيلُ ] لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَأَوْجَلُ عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّةُ أَوَّلُ . غَيْرَ أَنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ يَذْكُرُ أَنَّ هٰذَا النَّقْلَ لَا يَسْلَمُ مِمَّا أُخِذَ مِنَ الشُّعَرَاءِ لِمُقْتَضَى عُرْفِهِ ، وَعُذْرِهِ ، فَقَالَ : « وَهٰذَا بَابٌ مُشْكِلٌ جِدًّا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ أَنْ يَدَّعِيَ السَّلَامَةَ مِمَّا فِيهِ ، وَفِيهِ أَشْيَاءُ ضَعِيفَةٌ إِلَّا عَنِ الْبَصِيرِ الْحَاذِقِ بِالصَّنَاعَةِ ، وَأُخْرَى فَاضِحَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى الْجَاهِلِ الْمُغْفَّلِ » . وَفِي هٰذَا الْمِجَالِ ذَكَرَ الْحَاتِمِيُّ فِي كِتَابِهِ « حِلْيَةِ الْمُحَاضَرَةِ » أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ السَّرِقَاتِ كَالِاسْطِرَافِ وَالِاجْتِلَابِ وَالِانْتِحَالِ وَالِاهْتِدَامِ وَالْإِغَارَةِ وَالْمُرَادَفَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ . وَعَرَّفَ عَبْدُ الظَّاهِرِ الْحَرَجَانِيُّ السَّرِقَةَ فَقَالَ : « فَإِذَا الِاتِّفَاقُ فِي عَدَمِ الْغَرَضِ فِيمَا لَا يَكُونُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ دَاخِلًا فِي الْأَخْذِ وَالسَّرْقَةِ وَالِاسْتِبْدَادِ وَالِاسْتِعَانَةِ ، لَا نَرَى فِيهِ مِنْ حُسْنٍ يُدَّعَى ذٰلِكَ ، وَلَا يَعِي الْحُكْمَ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي بَابِ الْأَخْذِ ، وَأَيْمَا بَقِيَ الْغَلَطُ مِنْ بَعْضِ مَنْ يَدَّعِي حُسْنَ التَّحْصِيلِ وَلَا يَلْزَمُ التَّأَمُّلُ فِيمَا يُؤْدِّي إِلَى ذٰلِكَ حَتَّى يَدَّعِيَ عَلَيْهِ فِي الْمُحَاجَّةِ بِمَا كَانَ قَدْ دَخَلَ فِي حُكْمِ مَنْ يَجْعَلُ أَحَدَ الشَّاعِرَيْنِ عُدْوًا عَلَى الْآخَرِ ... » . وَأَضَافَ فَقَالَ : « وَلَسْتُ أَعُدُّهُ مِنْ جُهَّالَةِ الْكَلَامِ ، وَلَا مِنْ نُقَّادِ الشِّعْرِ مَنْ لَمْ يَمِيزْ بَيْنَ أَقْسَامِهِ وَأَصْنَافِهِ وَيُحِيطْ عِلْمًا بِرُتَبِهِ وَمَنَازِلِهِ تَفْصِيلًا بَيْنَ السَّرْقَةِ وَالنَّصْبِ ، وَبَيْنَ الْإِغَارَةِ وَالِاخْتِلَاسِ » . وَتَعْرِفُ الْإِمَامَ بِالْمُلَاحَظَةِ تَفْتَرِقُ فِي الْمُشْتَرَكِ الَّذِي لَا يَجُوزُ ادِّعَاءُ السَّرِقَةِ فِيهِ . وَتَكَلَّمَ عَبْدُ الْكَرِيمِ السَّمْعَانِيُّ عَنِ السَّرِقَةِ نَقْلًا فِي بَعْضِ الْإِلْبَاسِينَ فَقَالَ : « قَالُوا : السَّرْقُ فِي الشِّعْرِ مَا نُقِلَ مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ : هُوَ أَخْذُ بَعْضِ مَا فِي أَلْفَاظِهِ ، ثُمَّ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْ مِثْلِ نَبْلِ أَمْرِهِ النَّفْسَ وَطَرْفَهُ حَتَّى لَمْ يَخْتَلِفَا إِلَّا فِي الْغَايَةِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا « تَحَمَّلُ » وَقَالَ الْآخَرُ « وَتَحْمِلُ » ، وَهُمَا : [ الطَّوِيلُ ] وَتُورِثُ بِهِ ضَغْنًا عَلَى مَنْ تَظْلِمُهُمْ يَقُولُونَ : لَا يَنْهَاكَ أَسًى وَتَحَمَّلْ ، وَأَمَّا بَيْتُ طَرَفَةَ فَقَوْلُهُ : [ الطَّوِيلُ ] وَتُورِثُ بِهِ ضَغْنًا عَلَى مَنْ تَظْلِمُهُمْ يَقُولُونَ : لَا يَنْهَاكَ أَسًى وَتَحْمِلْ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ فِي كِتَابِهِ « الْمَثَلِ السَّائِرِ » : « وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَائِدَةَ مِنْ هٰذَا النَّوْعِ أَنَّكَ تَعْلَمُ أَيْنَ تَضَعُ يَدَكَ فِي أَخْذِ الْمَعَانِي إِذْ لَا يَسْتَبِينُ الْآخِذُ عَنِ الِاسْتِعَارَةِ مِنَ الْأَوَّلِ » . وَعَرَفَهَا أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِهِ « الصِّنَاعَتَيْنِ » فَقَالَ : « لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِلَيْنِ ... » غَنِيَ عَنْ تَنَاوُلِ الْمَعَانِي مِنْ تَقَدُّمِهِمْ، وَالثَّبْتِ عَلَى قَوَالِهِمْ مَنْ سَبَقَهُمْ وَلَكِنْ حُكْمٌ عَلَيْهِمْ إِذَا أَخَذُوهَا أَنْ يُكْسِبُوا أَلْفَاظَهُمْ عِنْدَهُمْ وَيُبْرِزُوهَا فِي مَعَارِضٍ مِنْ بَدِيعِهِمْ ». وَتَحَدَّثَ بِحَسَبِ ابْنِ حَمْزَةَ الْعَلَوِيِّ فِي كِتَابِهِ « الطِّرَازِ » عَنِ السَّرِقَةِ فَقَالَ : « اعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى السَّرِقَةِ فِي الْأَشْعَارِ فِي أَنْ يَسْبِقَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ إِلَى تَقْرِيرِ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي وَبَسْطِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَهُ شَاعِرٌ آخَرُ يَأْخُذُ ذٰلِكَ الْمَعْنَى وَيَكْسُوهُ عِبَارَةً أُخْرَى، ثُمَّ يَخْتَلِفُ حَالُ الْآخِذِ، فَتَارَةً يَكُونُ جَيِّدًا مُجِيدًا، وَتَارَةً يَكُونُ رَدِيًّا يَتَبَيَّنُ عَلَى قَدْرِ جَوْدَةِ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ وَالْفَصَاحَةِ بَيْنَ الشَّاعِرَيْنِ ». وَأَضَافَ فَقَالَ : « فَاعْلَمْ أَنَّ السَّرِقَاتِ الشِّعْرِيَّةَ وَإِنْ كَثُرَتْ مَشْهُورَةٌ وَاخْتَلَفَتْ فُهُومُهَا فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو أَصْلًا مِنْ خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ ». وَالسَّرِقَةُ هِيَ مِنَ الْبَدِيعِ الْمُخْتَرَعِ الَّذِي يَخُصُّ بِهِ الشَّاعِرُ لَا فِي الْمَعَانِي الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي هِيَ جَارِيَةٌ فِي عَادَاتِ الْعَرَبِ وَمُسْتَعْمَلَةٌ فِي أَمْثَالِهِمْ وَمُحَاوَرَاتِهِمْ. وَذَكَرَ جِرْجَانُوس فَرْحَاتٌ فِي كِتَابِهِ « بَلَاغَةُ الْعَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ » السَّرِقَةَ وَعَرَّفَهَا فَقَالَ : « اعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ هٰذَا النَّوْعِ مِمَّا مُسْتَحْسَنٌ عِنْدَ شُعَرَاءِ الْعَرَبِ ». وَأَضَافَ أَنَّ السَّرِقَاتِ مِنْهَا مُسْتَحْسَنَةٌ وَمِنْهَا مَذْمُومَةٌ. ثُمَّ ذَكَرَ فُرُوعَ السَّرِقَاتِ الْمَحْمُودَةِ الْعَشَرَةِ.
- السِّرْيَالِيَّةُ
السِّرْيَالِيَّةُ اتِّجَاهٌ حَدِيثٌ فِي الْأَدَبِ وَالْفَنِّ وَالْحَيَاةِ، قَدْ تَكُونُ لَهُ جُذُورٌ وَمَلَامِحُ فِي آثَارِ بَعْضِ عُبَقَرَاءِ الشِّعْرِ وَالْفِكْرِ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ، إِلَّا أَنَّ الشَّاعِرَ الْفَرَنْسِيَّ أَنْدْرِيه بْرِيتُون يُعَدُّ ذَا يَدِ الْفَضْلِ فِي صِيَاغَةِ مَفَاهِيمِ النَّظَرِيَّةِ لِهٰذِهِ الْمَذْهَبِيَّةِ وَفِي تَجْسِيدِهَا تَجْسِيدًا فَنِّيًّا بَدِيعًا، وَفِي كَوْنِهِ مِنَ الْفَنَّانِينَ الَّذِينَ انْضَمُّوا فِي أُولَى حَلْقَةٍ سِرْيَالِيَّةٍ، ثُمَّ لَمْ يَبْقَ فِي حَلْقَتِهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ سِوَى أَنْدْرِيه بْرِيتُون الَّذِي أَصْدَرَ حَوَالَيْ نِصْفِ هٰذَا الْقَرْنِ « بَيَانَ السِّرْيَالِيَّةِ »، وَتَضَمَّنَ مَجْمُوعَةَ مَقَالَاتٍ وَنَظَرِيَّاتٍ، حَامِلًا إِلَى الْحَرَكَةِ الْأَدَبِيَّةِ وَالْفَنِّيَّةِ رُؤًى جَدِيدَةً وَثَقَافَةً مُتَفَرِّدَةً قَلَّ أَنْ عَرَفَ التَّارِيخُ مِثْلَهَا عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ تَفَرُّدًا وَتَفَوُّقًا. كَمَا انْحَسَبَتْ بِالضَّوْءِ وَاللَّوْنِ وَالْحَيَوِيَّةِ أَرْضُ الْمَدَارِسِ الْحَدِيثَةِ إِجْمَالًا، وَلَامَسَتْ قُلُوبَ الْمُلْهَمِينَ بِالِابْتِدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، وَأَعْطَتْ مَعْنًى عَمِيقًا لِحَيَاةِ أَنْدْرِيه بْرِيتُون وَاسْتَطَابَتْ نَشَاطَهُ وَنَشَاطَ أَعْلَامِهَا الْآخَرِينَ فِي فَرَنْسَا وَالْعَالَمِ.
- السَّرِقَةُ الْأَدَبِيَّةُ
السَّرِقَةُ الْأَدَبِيَّةُ أَخْذُ الْأُدَبَاءِ تَعَابِيرَ وَمَعَانِيَ غَيْرِهِمْ مِنْ دُونِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا. رَاجِعِ السَّرِقَةَ.
- السُّفِسْطَائِيَّةُ
السُّفِسْطَائِيَّةُ تَعْرِيبٌ لِلْمُصْطَلَحِ ( Sophisme ) بِاللُّغَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ وَاللُّغَاتِ الْأُورُوبِّيَّةِ عُمُومًا، وَهُوَ دَلَالَةٌ عَلَى تَيَّارٍ فِكْرِيٍّ يَتَجَلَّى فِي خُطَبٍ، وَفَلَاسِفَةٍ جَوَّالِينَ فِي الْيُونَانِ، وَلَمْ يَنْضَمُّوا فِي مَدْرَسَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ أَوْ إِلَى مَذْهَبٍ مُوَحَّدٍ، لَكِنَّهُ يَتَجَسَّدُ فِي خُطُوطٍ عَامَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ أَئِمَّةٍ مِنَ الْخُطَبَاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ فِي ذٰلِكَ الْعَصْرِ، وَقَدْ عُرِفَتِ السُّفِسْطَائِيَّةُ الْيُونَانِيَّةُ بِاتِّجَاهَيْنِ، أَوَّلُهُمَا: يَرْفُضُ الْأَخْذَ بِالْمُعْتَقَدَاتِ الدِّينِيَّةِ السَّائِدَةِ لِتَفْسِيرِ الظَّوَاهِرِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالِانْطِلَاقِ مِنْهَا فِي الِالْتِزَامَاتِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَيَرْكِنُ إِلَى فَهْمِ الطَّبِيعَةِ فَهْمًا مَادِّيًّا، وَهُوَ يُعْتَبَرُ اتِّجَاهًا مُسْتَمِرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرُّؤْيَةِ الِاسْتِبْدَادِيَّةِ الْبِشْرِيَّةِ فِي عَصْرِهِ، وَمِنْ أَعْلَامِهِ بُرُوتَاغُورَاسُ. وَالِاتِّجَاهُ الثَّانِي، وَيُمَثِّلُهُ كَرِيسِيسُ الَّذِي عُرِفَ فِي الْمِثَالِيَّةِ الْفَلْسَفِيَّةِ، وَانْتَهَجَ مُنْطَلَقًا فِي الْبَدَلِ حِسِّيًّا وَخِدَاعًا يُعْرَفُ بِالسُّفِسْطَائِيَّةِ، وَيَقُومُ عَلَى النَّظَرِ إِلَى الْأَشْيَاءِ وَالْأَحْدَاثِ فِي نَفْسِهَا بِمَعْزِلٍ عَنْ مَلَابِسَاتِهَا الْخَاصَّةِ، بِحَيْثُ يَبْدُو صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ الشَّكْلِيِّ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِي الْوَاقِعِ إِلَّا خِدَاعًا وَمُنَاقَضَةً.
- سَلَامَةُ الِاخْتِرَاعِ
السَّلَامَةُ مِنْ سَلِمَ يَسْلَمُ سَلَامَةً مِنْ عَيْبٍ أَوْ آفَةٍ، نَجَا وَبَرِئَ مِنْهَا. عَرَّفَ ابْنُ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيُّ فِي كِتَابِهِ «تَحْرِيرُ التَّحْبِيرِ» هٰذَا الْفَنَّ الْبَدِيعِيَّ فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يَخْتَرِعَ الشَّاعِرُ مَعْنًى لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ». وَذَكَرَ هٰذَا التَّعْرِيفَ كُلٌّ مِنِ ابْنِ الأَثِيرِ الْحَلَبِيِّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنُ التَّوَسُّلِ»، وَالْقَزْوِينِيِّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةُ الأَرَبِ»، وَكَذٰلِكَ الصَّفَدِيُّ ابْنُ حِجَّةَ فِي كِتَابِهِ «خِزَانَةُ الأَدَبِ»، وَعَرَّفَهُ أَيْضًا جَامُوسُ فَرْحَاتَ «سَلَامَةَ الِاخْتِرَاعِ» بِنَفْسِ التَّعْرِيفِ. وَمِنْ شَوَاهِدِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي هٰذَا الْمَعْنَى قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عَبْلَةَ فِي وَصْفِ ذِئَابِ الأَرْضِ: [الْكَامِلُ] فَرَجًا يَحُكُّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ قَلْحُ النَّدِيفِ عَلَى زِيَادِ الأَشْنَمِ وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [الطَّوِيلُ] وَأَزْلٍ كَجُلْمُودِ الْحَرُورِ أَدْرَعَتْهُ بِأَرْبَعَةٍ وَالشَّخْصُ فِي الْعَيْنِ وَاحِدُ.