المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
يقع كتاب المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني ضمن نطاق تخصص علوم اللغة ووثيق الصلة بالفروع الأخرى مثل الشعر، والقواعد النحوية، والصرف، والأدب، والبلاغة، والآداب العربية. تأليف إنعام فوال عكاوي
الجذور
- تَفْسِيرُ السَّبَبِ
السَّبَبُ لُغَةً: مِنْ فِعْلِ سَبَّ، يَسُبُّ، سَبًّا، قِطْعَةٌ، وَسَبُّ الْأَسْبَابِ: وَحْدُهَا. ذَكَرَهُ الْقُرْطَاجَنِيُّ، وَمَثَّلَ لَهُ بِمَا يَقُولُهُ الشَّاعِرُ فِي كِتَابِهِ «مِنْهَاجِ الْبُلَغَاءِ»: [الطَّوِيلُ] وَيَرْتَجِي الْحَيَا جَنَّةً وَتَنْقَضِي الصَّوَارِمُ.
- تَفْسِيرُ الْعَدَدِ
الْعَدَدُ لُغَةً: جَمْعُ عَدَدٍ، اسْمٌ مِنْ عَدِّ بِمَعْنَى الْإِحْصَاءِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ. يُفَسَّرُ الْعَدَدُ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «جَوْهَرِ الْكَنْزِ» دُونَ أَنْ يَعْرِفَهُ، وَمَثَّلَ لَهُ بِمَا يَقُولُهُ ذُو الرُّمَّةِ: [الطَّوِيلُ] وَتِلْكَ كَخَيْلِ الْعُرُوسِ ادْرَعْنَهُ يَارِبَّةٌ وَالشَّخْصُ فِي الْعَيْنِ وَاحِدُ أَحْمُ عِلاَفِيٌّ أَبْيَضُ صِرَامٍ وَأَعْضَبُ مَهْدِيٌّ وَأَرْوَعُ مَاجِدُ.
- تَفْسِيرُ الْغَايَةِ
الْغَايَةُ لُغَةً: مِنْ غَايَ، تَغْيِيَةً، وَأَيْضًا إِغْيَاءً، الْغَايَةُ أَيِ الْغَائِيَّةِ؛ نِصْفُهَا، الْغَايَةُ جَمِيعُ غَايَاتٍ. أَشَارَ الْقُرْطَاجَنِيُّ فِي كِتَابِهِ «مِنْهَاجِ الْبُلَغَاءِ» إِلَى تَفْسِيرِ الْغَايَةِ دُونَ أَنْ يُعَرِّفَهُ، وَدُونَ أَنْ يُمَثِّلَ لَهُ بِمَثَلٍ يُوَضِّحُ مَقْصِدَهُ.
- التَّفْصِيلُ
التَّفْصِيلُ مِنَ الْفَصْلِ، وَالْفَصْلَةِ، بَيْنَ مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَالتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ. وَقَدْ عَرَفَهُ ابْنُ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ «نَقْدِ النَّثْرِ وَالشِّعْرِ»، وَقَالَ: «هُوَ أَنْ لَا يَنْظِمَ الشَّاعِرُ سَنَنَ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَنْبَغِي لِمَكَانِ الْعَرُوضِ، فَيُقَدِّمَ وَيُؤَخِّرَ». وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: [الطَّوِيلُ] وَبُلِّغْ نُمَيْرًا إِنْ أَكُنْتُ ابْنَ عَامِرٍ فَإِنِّي أَخٌ فِي النَّائِبَاتِ وَطَالِبِ فَقَوْلُهُ: «نُمَيْرًا إِنْ، إِنْ أَكُنْتُ»: جُمْلَةٌ، إِنْ عُرِضَتْ إِنْ عُرِضَتْ بَعُدَتْ بَيْنَ نُمَيْرٍ وَ«إِنْ أَكُنْ ابْنَ عَامِرٍ» عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّفْصِيلِ. وَعَدَّهُ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْعُمْدَةِ» مِنْ بَابِ هٰذَا اللَّوْنِ مِنَ الْفَنِّ الْبَلَاغِيِّ حَسَنًا، وَعَرَفَهُ فَقَالَ: «وَمِنَ الْحَسَنِ نَوْعٌ سَمَّاهُ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرَ التَّفْصِيلَ -بِالْفَاءِ-، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ أَعْجَمِيًّا مِنْ كَلَامِهِمْ، وَجَعَلَهُ آخَرُونَ بِالْعَيْنِ وَضَمِّ مِعْجَمِهِ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَفْعِيلِ الْوِلَايَةِ إِذَا اعْتَزَّ سِرُّهُ، وَافْتُرِضَ فِي الرَّحِمِ». وَظَاهِرُ الْبَيْتِ الَّذِي أَنْشَدَهُ قُدَامَةُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ «التَّفْصِيلُ» -بِالْفَاءِ-. وَقَدْ سَمَّاهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ، وَقَالَ: «وَهُوَ بَعْضُ أَنْوَاعِ التَّقْسِيمِ»، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ: [الْبَسِيطُ] نَثْنِي صَرَاحَاتٍ تَنَاسَلْنَا أُصُولَنَا آثَارُ آبَائِنَا وَقَدْ سَمَّاهُ أَبُو الْأَصْبَحِ الْمِصْرِيُّ: «الشَّرْحَ وَالتَّنْسِيرَ»، وَجَعَلَهُ قِسْمَيْنِ: مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا؛ فَالْمُتَّصِلُ مِنْهَا كَلَامٌ وُقِعَ فِيهِ «أَمَّا أَمَّا» وَ«إِمَّا إِمَّا»، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾، ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾، ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (١). وَالْمُنْفَصِلُ هُوَ مَا يَأْتِي مُجْمَلًا فِي سُورَةٍ، وَمُنْفَصِلًا فِي أُخْرَى، أَوْ فِي مَكَانَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ مِنْ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ (٢) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ (٣). وَعَرَّفَهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «خِزَانَةِ الْأَدَبِ» فَقَالَ: «وَالتَّفْصِيلُ هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الشَّاعِرُ يُسَطِّرُ بَيْتًا لَهُ مُقَدَّمٌ صِدْرًا كَانَ أَوْ عَجُزًا، لِيُفَصِّلَ بِهِ كَلَامَهُ، بَعْدَ حُسْنِ التَّصَرُّفِ فِي ...». (١) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، الْآيَتَانِ (١٠٦، ١٠٧). (٢) سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ، آيَةٌ رَقْمُهَا (١). (٣) سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٥). التَّوْطِئَةِ الْمُلَاحَةِ. وَعَدَّ هٰذَا اللَّوْنَ مِنَ الْفَنِّ الْبَلَاغِيِّ رَخِيصًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَنِّ الْبَدِيعِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي نَظْمِهِ. وَكَذٰلِكَ عَرَّفَهُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ «شَرْحِ عُقُودِ الْجُمَانِ» فَقَالَ: «هُوَ نَوْعٌ يُشْبِهُ التَّضْمِينِ، وَهُوَ التَّفْصِيلُ، بِصِيَاغَةٍ مُهْمَلَةٍ، وَهُوَ أَنْ يُضَمَّنَ شِعْرُهُ مِصْرَاعًا مِنْ نَظْمٍ لَهُ سَابِقٍ، وَحُسْنَةُ التَّوْطِئَةِ وَالتَّوَقُّفِ، وَصَرَّفَهُ عَنْ ذٰلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي وَضَعَ لَهُ أَوَّلًا. أَمَّا الْمَيّافِقِيُّ ابْنُ مَعْصُومٍ فَقَدْ عَرَّفَهُ فِي كِتَابِهِ «أَنْوَارِ الرَّبِيعِ» فَقَالَ: «هُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ يَسْطُرُ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ لَهُ مُقَدَّمٌ فِي نَثْرٍ أَوْ نَظْمٍ صَدْرًا كَانَ أَوْ عَجُزًا، يُفَصِّلُ بِهِ كَلَامَهُ بَعْدَ أَنْ يُورِيَ فِي بَيَانِهِ مُلَاحَظَةً» ، وَنَقَلَ تَعْرِيفَ قُدَامَةَ بْنِ جَعْفَرَ مَعَ الْأَمْثِلَةِ.
- التَّفْضِيلُ
التَّفْضِيلُ مِنْ فَضْلٍ وَفَضْلِهِ، مَرْوٌ، وَيُقَالُ: فَضَلَ فُلَانٌ عَلَى غَيْرِهِ، إِذَا غَلَبَهُ بِالْفَضْلِ عَلَيْهِمْ. وَعَدَّهُ الْقُصَّابُ، وَاتَّبَعَهُ فِي مُخْتَرَعَاتِ السُّيُوطِيِّ لِقَوْلِ الْأَخِيرِ فِي كِتَابِهِ «شَرْحِ عُقُودِ الْجُمَانِ»: «هُوَ نَوْعٌ مِنْ زِيَادَةٍ»، بَيْنَمَا الأَنْدَلُسِيُّ اعْتَبَرَهُ قِسْمًا مِنَ «التَّفْرِيعِ». وَكَذٰلِكَ الْقُرْطَاجَنِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ»، إِذْ قَالَ: «وَهُوَ أَنْ يُبْنَى بِـ «مَا» أَوْ «لاَ» دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ أَدَوَاتِ النَّفْيِ، فِيُوصَفَ فِيهِ فِعْلٌ تَفْصِيلِيٌّ يُنَاسِبُ لِذٰلِكَ الْوَصْفِ مَعْنًى مَا، فَمِنْهُ مَا أَرَادَ مَدْحَهُ أَوْ ذَمَّهُ، وَحَصَلَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الِاسْمِ الْمَجْرُورِ بِـ «مِنْ» وَبَيْنَ الِاسْمِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ «مَا النَّافِيَةِ»، لِأَنَّهَا نَفَتِ الأَفْضَلِيَّةَ فَتَبِقِي الْمُسَاوَاةَ». وَمِثَالُهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: [الْبَسِيطُ] مَا رُبَّ حَيٍّ مُعَمَّرٍ لاَ طِبَّ فِيهِ بِـهِ يُغْنَى الفَقِيرُ إِذَا مَا جَاءَ مُعْتَمِدَا وَغُلْفَانُ أَهْلِي رُبِّي مِنْ نُبُهِمَا الْحَرَبُ وَلاَ الْمَخُوفُ وَأَنَا أَمِينٌ مِنْ خَجَلٍ أَبِي إِلَى نَظَرِي مِنْ نُدْرَةِ التُّرَبِ. وَمِثَالُهُ فِي الْحَدِيثِ: «مَا ذَانِكَ ضَرَبَانِ أَسْلَمَا فِي غَنِيمَةٍ»؛ أَيْ لَيْسَا سَوَاءً فِي الْفَضْلِ. وَقَدْ سَمَّاهُ بَعْضُ الْبُلَاغِيِّينَ «النَّفْيَ وَالْحَصْرَ»، وَسَمَّى آخَرُونَ «التَّفْرِيعَ» الَّذِي تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي تَفْصِيلِ الْكَلَامِ عَنْهُ.
- التَّقْيِيرُ
التَّقْيِيرُ: التَّصْحِيفُ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: «التَّغْيِيرُ» بِتَغْيِيرِ الشَّيْءِ وَتَبْدِيلِهِ قَبْلَ الْفَنَاءِ، وَقِيلَ: يُسْتَعْمَلُ فِي تَغْيِيرِ الْأَلْفَاظِ فِي النَّقْلِ وَالرِّوَايَةِ. رَجُلِ الدَّوَابِّ، وَقَدْ عَرَّفَهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِي كِتَابِهِ «الْفَوَائِدِ»، فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْبَيْتِ ذِكْرُ نُكْتَةٍ أَوْ بَدِيعٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ خُطْبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ فَيُوَجِّهَهَا إِلَيْهَا الشَّاعِرُ أَوِ النَّاثِرُ»، وَلٰكِنْ هٰذَا التَّعْرِيفُ بَعِيدٌ كُلَّ الْبُعْدِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِلَّفْظِ الْبَلَاغِيِّ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ﴾ (١) نَاهِيًا بِهِ إِلَى قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] مِنَ الْقَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْ أَنَّ حُسْنَهَا مِنَ النَّاسِ فَوْقَ النَّاسِ إِثْمٌ لَهَا أَجْرُ إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَنْقَذٍ سَمَّاهُ «التَّقْفِيَةَ» وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِذِكْرِ نُكْتَةٍ أَوْ خَبَرٍ أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ فِي بَيْتٍ يُوجِّهُهُ إِلَيْهِ الشَّاعِرُ أَوِ النَّاثِرُ»، وَذَكَرَ الْمِثَالَ السَّابِقَ.
- التَّفْوِيفُ
التَّفْوِيفُ اشْتِقَاقٌ مِنَ الثَّوْبِ الَّذِي فِيهِ خُطُوطٌ بِيضٌ، وَأَصْلُ «الْفُوفِ»: الْبَيَاضُ الَّذِي فِي أَظْفَارِ الْأَحْدَاثِ. وَقَدْ عَرَّفَهُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ «خَزَانَةِ الْبَلَاغَةِ» فَقَالَ: «وَالتَّفْوِيفُ هُوَ النَّوْعُ مِنَ الشِّعْرِ الَّذِي يُسَهَّلُ لَهُ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ، وَيُرَتَّبُ فِيهِ ضَرْبٌ مِنْ رَتْقِ الْأَلْفَاظِ، مَعَ التَّلَاؤُمِ فِي السَّمَاعِ، وَأَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْمَعْنَى لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي اسْتِنْبَاطِ مَعَانِيهِ، وَإِنْ كَانَ ذٰلِكَ جَلِيلًا مِنْ جَمِيعِ الْأَوْصَافِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ»، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ جَرِيرٍ الَّذِي ذَكَرَهُ التِّبْرِيزِيُّ: [ الْوَافِرُ ] هُمُ الْأَخْيَارُ مُمْسِكُةً وَنَفْسًا وَفِي الْمَهَابِطِ رَفْعًا كَأَنَّهُمْ قُبُورُ وَعَرَّفَهُ التِّبْرِيزِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْوَافِي» فَقَالَ: «وَالتَّفْوِيفُ: الثَّوْبُ الْمَشْبُوكُ بِالْبَيَاضِ الْمَعْرُوفِ»، وَهُوَ الَّذِي يَخْتَلِطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ بَيَاضٍ، وَنَقَلَهُ بِحَرْفِهِ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ وَزَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «وَفِي الِاصْطِلَاحِ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يَصِفَ الْمُتَذَكِّرُ مِمَّا يَدْخُلُ فِيهِ مَا يَحْسُنُ مِنْ صِفَاتِ الْكَرَمِ مِثَالًا، ثُمَّ يَمْدَحُ عَلَى ذٰلِكَ، لِكَيْ يَدُلَّ ذٰلِكَ عَلَى مَا يُرِيدُ بِأَنَّهُ مَدِيحٌ»، وَذَكَرَ أَبْيَاتَ جَرِيرٍ. وَقَدْ عَرَّفَهُ الْمِصْرِيُّ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ فِي كِتَابِهِ «تَحْرِيرُ التَّحْبِيرِ» فَقَالَ: «وَالتَّفْوِيفُ فِي الصِّنَاعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إِبْيَانِ الْمُتَكَلِّمِ بِمَعَانٍ شَيْءٍ مِنَ الْمَدْحِ أَوِ الْغَزَلِ أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ مِنَ الْفُنُونِ وَالْأَغْرَاضِ، كُلُّ فَقْرَةٍ مِنْ جُمْلَةٍ مِنَ الْكَلَامِ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ أُخْرَى بِالتَّجْمِيعِ، غَالِبًا مَعَ تَسَاوِي الْجُمَلِ الْمُرَكَّبَةِ فِي الزِّنَةِ»، وَيَكُونُ بِالْجُمَلِ الطَّوِيلَةِ وَالْمُتَوَسِّطَةِ وَالْقَصِيرَةِ. وَمِثَالُ مَا جَاءَ مِنَ التَّفْوِيفِ الْمُرَكَّبِ مِنَ الْجُمَلِ الطَّوِيلَةِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ (١). فَهُوَ يَهْذِي، وَالَّذِي هُوَ يُطْبِقُهُ وَيَبْسُطُهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَهُوَ يَشْتَهِي (١)، وَفِي الْجُمَلِ الْمُتَوَسِّطَةِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾ (٢)، وَمِثَالُ مَا جَاءَ مِنَ الْجُمَلِ الْقَصِيرَةِ قَوْلُ الْمُتَنَبِّي: [ الْبَسِيطُ ] أَجِلْ أَنْ أَقْطَعَ أَحْمِلْ عَلْ سَرْ أَعْدُ زِدْ هَشًّا بِـنْ تَفْضُلْ إِذَنْ تَسُرْ صِلِ وَنَصَّ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ فِي كِتَابِهِ «تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ»، فَقَالَ: «وَعَدَّ الْمُطَرَّدَ الْمُفَصَّلَ، وَعَدَّ الْمُطَرَّدَ الضَّرْبَ، وَالتَّرْصِيعَ مِنَ التَّفْوِيفِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُعْرَفُ لِلتَّرْصِيعِ وَالأَمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْبَيَانِ وَالتَّفْوِيفِ وَشَوَاهِدِهِ»، وَعَرَفَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي كِتَابِهِ «الْمِصْبَاحِ»، فَقَالَ: «التَّفْوِيفُ أَنْ تَأْتِيَ مَعَانٍ مُتَلَابِسَةٍ فِي جُمَلٍ مُسْتَوِيَةِ الْمِقْدَارِ أَوْ مُتَقَارِبَةٍ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ مَفُوفٌ، لِلَّبُودِ الَّذِي فِيهِ أَلْوَانٌ دُونَ لَوْنٍ، وَفِيهِ خُطُوطٌ بِيضٌ». وَعَرَّفَهُ جَرْجَانِيٌّ فِي كِتَابِهِ «بَلَاغَةُ الأَدَبِ فِي عِلْمِ الأَدَبِ»، فَقَالَ: «هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِبْيَانِ الْمُتَكَلِّمِ بِمَعَانٍ شَيْءٍ تَمَّ ذٰلِكَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الأَغْرَاضِ، بِحَيْثُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ فَقْرَةٍ مِنْ جُمْلَةٍ مِنَ الْكَلَامِ مُنْفَصِلَةً عَنِ الأُخْرَى بِالتَّجْمِيعِ، مَعَ تَسَاوِي الْجُمَلِ الْمُرَكَّبَةِ فِي الزِّنَةِ»، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ؛ بَيْنَمَا ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: الأَوَّلُ مَا جَعَلَهُ عَلَى جُمْلَةٍ عَلَى الْمُطَابَقَاتِ، وَالثَّانِي مَا جَعَلَهُ مَجْمُوعَةً، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ جُمْلَةٌ إِمَّا طِوَالٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ، أَيْ الْمُتَنَبِّي: [ الْبَسِيطُ ] إِنْ يَلْحَظُوا أَكْبَرُ، وَإِنْ يَسْتَجْمِسُوا أَشَدُّ، وَإِنْ تَنْزِلُوا يُنْزِلْ بِكُمْ أَنْزَلْ وَإِمَّا مُتَوَسِّطَةٌ، كَمَا فِي قَوْلِ ابْنِ زَيْدُونَ: [ الْبَسِيطُ ] نَحْنُ أَجْمَلُ وَاحْكُمْ أَصْبَرُ وَعِزٌّ أَمْنٌ وَذُلٌّ أَخْضَرُ، وَقَلٌّ أَسْمَرُ، وَمَرٌّ أَطْيَبُ وَإِمَّا قِصَارًا، كَمَا فِي قَوْلِ دِيكِ الْجِنِّ: [ الْوَافِرُ ] أَحْلِمْ وَأْمُرْ، وَصَبِّرْ، وَانْفَعْ، وَرُبَّ، وَاخْضَبْ، وَرَيِّشْ، وَأَبْرِرْ، وَأَحْسِنْ لِلْمُعْتَمِدِ وَهٰذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ كُلٌّ مِنَ الْحَلَبِيِّ وَالنُّورِيِّ وَالْمُدَرِّيِّ وَالْمَرْدِيِّ بْنِ يَحْيَى فِي كِتَابِهِ «الطِّرَازِ»، بَيْنَمَا ذَكَرَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ»، فَقَالَ: «وَإِنَّمَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ التَّفْوِيفَ». (١) سُورَةُ الشُّعَرَاءِ، الْآيَاتُ (٧٨ - ٨٠). (٢) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، آيَةٌ رَقْمُهَا (٢٧). ، وَيُعْصِمُهُ مِنْ مُرَاعَاةِ النَّظِيرِ، وَبَعْضُهُ مِنَ الْمُطَابَقَةِ. وَبَيْنَمَا أَشَارَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ إِلَيْهِ وَجَعَلَهُ عَلَى أَمْرَيْنِ: الرَّأْيُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ أَلْفَاظُهُ سَهْلَةَ الْمَخَارِجِ، عَلَيْهَا رَوْنَقُ الْفَصَاحَةِ وَبَهْجَةُ الطَّلَاقَةِ، وَعَذُوبَةُ الْحَلَاوَةِ مَعَ الْخُلُوصِ مِنَ السَّمَاجَةِ، مُلَطَّفَةً عِنْدَ الطَّلَبِ، وَالسُّؤَالِ، مُنَغَّمَةً عِنْدَ الْفَخَارِ وَالْمِرَاءِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الشِّعْرُ سَهْلَ الْعُرُوضِ، وَقَوَافِيهِ عَذْبَةَ الْمَخَارِجِ سَهْلَةَ الْحُرُوفِ، وَمَعَانِيهِ مُوَافِقَةً لِلْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ ظَاهِرَةً مِنْهُ حَيْثُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي اسْتِنْبَاطِ مَعَانِيهِ، وَهٰذَا عَيْنُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ «خَزَانَةِ الْبَلَاغَةِ». أَمَّا الثَّانِي: الْمَوْقُوفُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالشِّعْرُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ التَّزَامَاتٌ لَا تَلْزَمُ، تَكْتُبُ بِأَصْبَاغٍ مُخْتَلِفَةٍ، حَتَّى يُبْطِلَ لِلِازْتِزَامَاتِ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَيْهِ. وَأَضَافَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَعْدَ هٰذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، فَقَالَ: «وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ فَالْقُرْآنُ الْعَزِيزُ كُلُّهُ كَذٰلِكَ». وَكَذٰلِكَ عَرَّفَهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ، فَقَالَ: «التَّفْوِيفُ أَصْلُهُ فُرْجَتُهُ نَوْعًا لَمْ يَنْفَذْ فِيهِ إِرْشَادٌ نَاظِمِهِ إِلَى طُرُقِ الْقَصِيدَةِ، وَالشَّاعِرُ إِذَا كَانَ مَصْبُوعًا وَيُجْسِمُ مَثَانِيَهَا تَقْصِرُ نَفْسُهُ عَنِ التَّطَاوُلِ إِلَى اخْتِرَاعِ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي الْغَرِيبَةِ الْغَرْبِيَّةِ وَتَجْنِبُهُ حِسَانُ الْأَلْفَاظِ وَلَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ رِقَّةً وَأُلْفَةً كُلَّ رِقَّةٍ صَالِحَةٍ أَنْ تُسْبَكَ لَهُ شَيْئًا، وَلَكِنْ شَرُوعُ الْمُعَارَضَةِ مُلْزَمٌ بِهِ». ثُمَّ أَضَافَ فَقَالَ: «وَالتَّفْوِيفُ فِي الصِّنَاعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إِبْيَانِ الْمُتَكَلِّمِ مَجَامِعَ شَيْءٍ مِنَ الْمَدْحِ وَالْغَزَلِ وَغَيْرِ ذٰلِكَ مِنَ الْفُنُونِ وَالْأَغْرَاضِ، كُلُّ فِي جُمْلَةٍ مِنَ الْكَلَامِ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ أُخْرَى مَعَ تَسَاوِي الْجُمْلَةِ الْوَزْنِيَّةِ، وَيَكُونُ بِالْجُمْلَةِ الطَّوِيلَةِ، أَوِ الْمُتَوَسِّطَةِ، أَوِ الْقَصِيرَةِ، وَأَحْسَنُهَا وَأَبْلَغُهَا وَأَصْبَحُهَا مَسْلَكَ الْقَصَارِ». وَالْمُتَحَرِّسُ فِي كِتَابِ «تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ» لَا بَلْ إِنَّ الْأَصْمَعِيَّ يَرَى أَنَّهُ عَيْنُ تَعْرِيفِ التَّفْوِيفِ عِنْدَهُ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ ابْنُ مَعْصُومٍ فِي كِتَابِهِ «أَنْوَارِ الرَّبِيعِ» مَعَ الْأَمْثِلَةِ كَذٰلِكَ. التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ التَّقْدِيمُ: مِنْ قَدَّمَ الشَّيْءَ، أَيْ وَضَعَهُ أَمَامَ غَيْرِهِ، وَالتَّأْخِيرُ نَقِيضُ ذٰلِكَ، وَقَدْ عَرَّفَ الزَّرْكَشِيُّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي كِتَابِهِ «الْبُرْهَانِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ» فَقَالَ: «هُوَ أَحَدُ أَسَالِيبِ الْبَلَاغَةِ، فَإِنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ دَلَالَةً عَلَى تَمَكُّنِهِمْ فِي الْفَصَاحَةِ وَمَلَكَتِهِمْ فِي الْكَلَامِ وَانْقِيَادِهِ لَهُمْ، وَلَهُ فِي الْمَقَامَاتِ أَحْسَنُ مَوْقِعٍ وَأَعْذَبُ مَذَاقٍ. وَاخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ فِي هٰذَا الْفَنِّ الْبَلَاغِيِّ، فَفَهِمَهُ مَن عَدَّهُ مِنَ الْمَجَازِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ مَا رُتْبَةُ التَّأْخِيرِ كَالْمَفْعُولِ، وَتَأْخِيرَ مَا رُتْبَةُ التَّقْدِيمِ كَالْفَاعِلِ. وَلٰكِنْ خَالَفَهُمُ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ: «وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، فَإِنَّ الْمَجَازَ نَقْلُ مَا وُضِعَ لَهُ إِلَى مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ». وَجَعَلَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْعُلَيْمِيُّ فِي كِتَابِهِ «الطِّرَازِ» التَّشْرِيفَ عَلَى مَعَانٍ خَمْسَةٍ؛ مِنْهَا: تَقْدِيمُ الْعِلَّةِ عَلَى مَعْلُولِهَا، كَالتَّقَدُّمِ بِالذَّاتِ كَتَعَلُّقِ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الِاثْنَيْنِ، التَّقَدُّمُ بِالْعُرْفِ، التَّقَدُّمُ بِالْمَكَانِ، وَالتَّقَدُّمُ بِالزَّمَانِ، وَتَقْدِيمُ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهَيْنِ: تَقْدِيمٌ عَلَى نِيَّةِ التَّأْخِيرِ كَتَقْدِيمِ الْخَبَرِ إِذَا قُدِّمَ عَلَى الْمُبْتَدَإِ، وَتَقْدِيمٌ لَا عَلَى نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، وَلٰكِنْ عَلَى أَنْ يُنْقَلَ الْمُسْنَدُ عَنْهُ حُكْمٌ إِلَى حُكْمٍ، وَذٰلِكَ كَقَوْلِهِ: إِلَى السِّمْنِ يَجْمُلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنْ يَكُنْ مُبْتَدِئًا وَيَكُونَ الْآخَرُ خَيْرًا لَهُ، فَيُقَيَّدُ تَارَةً عَلَى ذَاكَ وَأُخْرَى عَلَى ذَاكَ؛ مِثْلُ: «زَيْدٌ الْمُنْطَلِقُ»، وَ«الْمُنْطَلِقُ زَيْدٌ». وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ يُؤَثِّرَانِ فِي مَعْنَى الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ مَا يُقَدَّمُ هُوَ الْمُسْنَدُ أَوِ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ، وَمَا يُؤَخَّرُ هُوَ الْخَبَرُ أَوِ الْمُسْنَدُ. فَالْمُسْنَدُ إِلَيْهِ يُقَدَّمُ لِأَغْرَاضٍ بَلَاغِيَّةٍ؛ مِنْهَا: أَنَّهُ الْأَصْلُ وَلَا مُقْتَضِيَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ، كَتَقْدِيمِ الْفَاعِلِ عَلَى الْمَفْعُولِ، وَالِابْتِدَاءِ بِالْمُبْتَدَإِ، وَأَنْ يَكُونَ الْجَزْمُ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ، وَأَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ تَجْمِيلَ الْخَبَرِ، وَإِبْهَامَ أَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ لَا يَزُولُ عَنِ الْخَوَاطِرِ، وَإِبْهَامَ الْمُنْبِئِ ذِكْرَهُ، وَتَخْصِيصَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ، وَتَقْوِيَةَ الْحُكْمِ، وَإِفَادَةَ الْعُمُومِ، وَالتَّفَاؤُلَ بِتَقْدِيمِ مَا يُسَرُّ، وَالتَّشْوِيقَ فِي ذِكْرِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ.
- التَّقْسِيمُ
التَّقْسِيمُ مِنْ قِسْمٍ: جُزْءٍ، وَالتَّقْسِيمُ هُوَ التَّجْزِئَةُ وَالتَّفْرِيقُ، وَقَدْ سَمَّاهُ كُلٌّ مِنَ الْجَاحِظِ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ» وَالنُّوَيْرِيُّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الْأَرَبِ» «التَّقْسِيمَ الْمُفْرَدَ». وَذَكَرَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِهِ «الْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ» إِعْجَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَوْلِ عُبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ: [ الْبَسِيطُ ] وَالْمَرْءُ سَاعٍ لِأَمْرٍ لَيْسَ يُدْرِكُهُ وَالْعَيْشُ شَيْءٌ وَإِشْفَاقٌ وَتَأْمِيلُ وَقَالَ الْجَاحِظُ: «كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُرَدِّدُ هٰذَا النِّصْفَ الْآخَرَ وَيُعْجَبُ مِنْ جَوْدَتِهِ». التَّقْسِيمِ، وَهُوَ مِنَ الْأَسَالِيبِ الْمَعْرُوفَةِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فَقَدْ سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَوْلَ زُهَيْرٍ، وَكَانَ لَهُ فِيهِ مَقَالٌ : [ الْوَافِرُ ] وَإِنَّ الْحَقَّ مَقْطَعُهُ ثَلَاثٌ يَمِينٌ أَوْ نِفَارٌ أَوْ جَلَاءُ فَقَالَ كَالْمُعَلِّمِ : مَنْ عَلِمَ بِالْحُقُوقِ وَتَفْصِيلِهَا بَيَّنَهَا وَأَقَامَهَا، أَسْمَاعُهَا ! وَتَكَلَّمَ الْقَاضِي الْجُرْجَانِيُّ مِنْ قَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ أَبِي سِلْمَى : [ الْبَسِيطُ ] يَطْمَئِنُّونَ مَا ارْتَمَوْا حَتَّى إِذَا اطْمَأَنُّوا ضَرَبُوا حَتَّى إِذَا مَا ضَرَبُوا اعْتَصَمُوا وَقَسَّمَ فِي الْوَاسِطَةِ هٰذَا الْبَيْتَ عَلَى أَحْوَالِ الْحَرْبِ وَرَوَاعِبِ اللِّقَاءِ، فَمِنْ أَحْسَنِ مَا فُسِّرَ بِهِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ مِنْ تَفْصِيلِ الْمَمْدُوحِ نَصَرًا مَوْصُولًا بِهِ مَقْرُونًا إِلَيْهِ . كَمَا أَشَارَ قَدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ «جَوَاهِرِ الْأَلْفَاظِ» إِلَى هٰذَا الْفَنِّ فَقَالَ : «هُوَ أَنْ يُؤْتَى بِالْأَسْمَاءِ مَسْئُولًا لَمْ يَدْخُلْ شَيْءٌ مِنْهَا، وَمُخْتَلِفَةٍ لَمْ يَدْخُلْ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ» . وَأَضَافَ قَائِلًا : «وَصِحَّةُ التَّقْسِيمِ أَنْ نُوضِحَ مَوَاضِعَ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا تَبْيِينُ أَجْزَائِهَا، فَإِذَا شَرَحْتَ أَنَّ بَيَانَ الْمَعَانِي فِي غَيْرِ عُدُولٍ عَنْهَا وَلَا زِيَادَةٍ عَلَيْهَا وَلَا نُقْصَانٍ مِنْهَا، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ : «أَنَا أَقُولُ فِي مَسَائِلِكَ فِي حَالٍ يَشْبَهُ مَا أَعْلَمُ مِنْ مَسَائِلِكَ فِي أُخْرَى، لِأَنَّكَ إِذَا اطَّلَعْتَ وَعَرَفْتَ لَدَيْنَا، وَإِذَا غُمِرْتَ الْفِتْنَةَ شَتَا» وَهٰذَا غَيْرُ التَّقْسِيمِ الْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضُوعٌ مِنَ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ» . وَعَرَّفَهُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فَقَالَ : «التَّقْسِيمُ الصَّحِيحُ أَنْ تُقَسِّمَ الْكَلَامَ قِسْمَةً مُسْتَوِيَةً تَجْرِي عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا جِنْسٌ مِنْ أَجْنَاسِهِ» مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾(١)، وَهٰذَا أَحْسَنُ تَقْسِيمٍ لِأَنَّ النَّاسَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَرْقِ بَيْنَ خَائِفٍ وَطَامِعٍ لَيْسَ فِيهِمْ ثَالِثٌ» . وَذَكَرَهُ الْخَفَاجِيُّ فِي كِتَابِهِ «سِرِّ الْفَصَاحَةِ» فَقَالَ : «أَنْ تَكُونَ الْأَقْسَامُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهَا وَلَا تَكَرَّرَتْ وَلَا دَخَلَ بَعْضُهَا تَحْتَ بَعْضٍ» . وَرَآهُ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ اسْتِيفَاءَ الْأَمْرِ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ «الْعُمْدَةِ» : «إِنَّ بَعْضَهُمْ يَرَى أَنَّ التَّقْسِيمَ اسْتِقْصَاءُ الشَّاعِرِ جَمِيعَ أَقْسَامِ مَا أَثْبَتَهُ» ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الصَّنَاعِيُّ فِي كِتَابِهِ «الرِّسَالَةِ الْمُعَجَزِيَّةِ» فَعَرَّفَهُ وَقَالَ : «هُوَ أَنْ يَسْتَقْصِيَ الشَّاعِرُ تَفْصِيلَ مَا أَثْبَتَهُ وِيُسْتَرْسِلَ فَلَا يُجَاوِزَ قِسْمًا يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى إِلَّا أَوْرَدَهُ» . وَقَصَدَ بِهٰذَا الْأَمْرِ كُلَّ مَا يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى مِنَ التَّقْسِيمِ وَعَرَّفَهُ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ «الْمَثَلِ السَّائِرِ» : «نُرِيدُ بِالتَّقْسِيمِ هٰهُنَا مَا يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى» . (١) سُورَةُ الرَّعْدِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٢). مِمَّا يُمْكِنُ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتْرَكَ مِنْهَا قِسْمٌ وَاحِدٌ، وَإِذَا ذُكِرَتْ قَامَ كُلُّ قِسْمٍ مِنْهَا بِنَفْسِهِ وَلَمْ يُشَارِكْ غَيْرَهُ. وَعَدَّ ابْنُ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ» أَنَّ التَّقْسِيمَ هُوَ اسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ بِأَقْسَامِهِ، فَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «وَحَدُّ هٰذَا الْبَابِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُتَكَلِّمُ جَمِيعَ أَقْسَامِ الْكَلِمَةِ الَّتِي يُمْكِنُ وُجُودُهَا، غَيْرَ تَارِكٍ مِنْهَا قِسْمًا وَاحِدًا»، بَيْنَمَا أَدْرَجَهُ السَّكَاكِيُّ ضِمْنَ الْمُحَسِّنَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَقَالَ: هُوَ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ تَقْسِمَهُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ مَا هُوَ لَهُ عِنْدَكَ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: [ الْمُتَقَارِبُ ] أَبْيَضَانِ فِي بَلْدٍ لَا يَسْأَلَانِ فَهٰذَا طَلُولٌ كَطَلِّ الْفَتَاةِ وَعَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ» فَقَالَ: «هُوَ ذِكْرُ مُتَعَدِّدٍ، ثُمَّ إِضَافَةُ مَا لِكُلِّ إِلَيْهِ عَلَى التَّفْصِيلِ». وَكَتَبَ مِثْلَهُ شُرَّاحُ «التَّلْخِيصِ». غَيْرَ أَنَّ الْقُرْطَاجِنِيَّ تَحَدَّثَ فِي كِتَابِهِ فِي مِنهَاجِ الْبُلَغَاءِ عَنْ أَقْسَامِ التَّقْسِيمِ وَقَالَ: «إِنَّ مِنْ ذٰلِكَ عِدَّةَ أَشْيَاءَ يَتَضَمَّنُ بَسْطُهَا الْمَقَامَ، لَا يُمْكِنُ تَفْصِيلُهَا إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا؛ وَمِنْهَا: تَعْدِيدُ أَشْيَاءَ تَتَسَابَهَا أَشْيَاءُ أَوْ يَصْلُحُ أَنْ يُنْسَبَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَى مَا يُنَاسِبُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَنَاسِبَةِ، وَمِنْهَا: تَعْدِيدُ أَجْزَاءِ مِنْ شَيْءٍ، تَتَنَاسَبُهَا أَشْيَاءُ أَوْ أَجْزَاءُ مِنْ شَيْءٍ، وَتَكُونُ الْأَجْزَاءُ الْمَعْدُودَةُ إِمَّا جُمْلَةَ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ أَوْ أَشْهَرَ أَجْزَائِهِ وَأَلْيَقَهَا بِغَرَضِ الْكَلَامِ، وَيَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى غَيْرِ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ بِالنَّظَرِ إِلَى صِحَّةِ الْمَعْنَى». وَمِنَ الْمَعَانِي الَّتِي وُرِدَتِ الْقِسْمَةُ فِيهَا تَامَّةً صَحِيحَةً قَوْلُهُ نَصْبًا: [ الطَّوِيلُ ] فَقَالَ فِرَقُ الْقَوْمِ: لَا، وَفَرِيقُهُمْ نَعَمْ، وَفَرِيقٌ قَالَ يُبْحَثْ مَا تَسْرِي وَبَيَّنَ رَأْيَ ابْنِ تَيْمٍ الْجُوزِيَّةِ وَالْقُرْطَاجِنِيِّ، إِذْ عَدَّ ابْنُ تَيْمٍ أَنَّ هٰذِهِ الْقِسْمَةَ (الَّتِي سُقْنَا الْحَدِيثَ عَلَيْهَا) صَحِيحَةٌ عَقْلًا لَكِنْ بَعْضُهَا يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ: «اسْتِيفَاءُ الْمُتَكَلِّمِ أَقْسَامَ الشَّيْءِ، بِحَيْثُ لَا يُغَادِرُ شَيْئًا، وَهُوَ آلَةُ الْحَصْرِ وَمَظِنَّتُهُ الْإِحَاطَةُ بِالشَّيْءِ». وَمِثْلُ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾(١)، وَيُلَاحَظُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو الْعَالَمُ جَمِيعًا مِنْ هٰذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ مِنْ أَوْضَحِ التَّسْمِيَاتِ وَأَكْمَلِهَا. (١) سُورَةُ فَاطِرٍ، آيَةٌ رَقْمُ (٣٢). وَسَمَّى هٰذَا الْفَنَّ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ «صِحَّةَ التَّقْسِيمِ» ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ : « هِيَ أَنْ يَبْتَدِيَ الشَّاعِرُ فَيَضَعَ أَسْمَاءً فَيُسَوِّيَهَا وَلَا يَبْدَرُ قِسْمًا مِنْهَا » ، وَأَضَافَ قَائِلًا عَنْ فَسَادِ التَّقْسِيمِ : « وَفَسَادُ التَّقْسِيمِ يَكُونُ إِمَّا بِأَنْ يُكَرِّرَ الشَّاعِرُ الْأَسْمَاءَ ، أَوْ يَأْتِيَ بِقِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا دَاخِلٌ تَحْتَ الْآخَرِ » . وَيُوَافِقُ تَعْرِيفُ ابْنِ أَبِي الْإِصْبَعِ نَصَّ تَعْرِيفِ ابْنِ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيِّ ، وَقَدْ عَرَفَ التَّقْسِيمَ جِيرَانُوسْ جُورْجْيَانُ فَرْحَانُ فِي كِتَابِهِ « بُلُوغِ الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ » ، فَقَالَ : « إِنَّ حَقِيقَةَ هٰذَا النَّوْعِ هُوَ أَنْ نَذْكُرَ شَيْئًا ذَا جُزْئِيْنِ فَنُضَاعِفَهُ ، ثُمَّ نُضِيفُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ مَا هُوَ لَهُ عِنْدَكَ ، وَاشْتُرِطَ فِيهِ لَدَى الْبَلِيغِينَ أَنْ تَسْتَوْفِيَ الْأَقْسَامُ الْقِسْمَةَ فَلَا يَبْدَرُ مِنْهَا قِسْمٌ » .
- التَّقْصِيرُ
التَّقْصِيرُ الْقَصْرُ ، وَالْقَصْرُ : الْحَبْسُ ، وَقَصَرَ ثَلَاثَ صَلَاةٍ يَقْصِرُهَا قَصْرًا فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ عَرَّفَ التَّقْصِيرَ أَحْمَدُ بْنُ مَنْذَرٍ فِي كِتَابِهِ « الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ » فَقَالَ : « هُوَ أَنْ يَنْقُصَ السَّارِقُ مِنْ كَلَامٍ مَا هُوَ مِنْ تَمَامِهِ » . وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ : [ الطَّوِيلُ ] إِذَا حَصَلْتَ دُونَ الْإِلَهِ مِنَ الْمُنَى دَعَا هَمُّهُ مِنْ صَدْرِهِ يَتَجَلْجَلِ أَخَذَهُ ابْنُ الْمُعْتَزِّ فَنَقَصَ مِنْهُ فَقَالَ : [ الطَّوِيلُ ] إِذَا سَكَنَتْ صَدْرًا لِلْفَقِيرِ زَالَ هَمُّهُ فَطَابَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَاتَّسَعَ الضِّيقُ فَقَدْ قَصَرَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ عَنْ قَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ فِي قَوْلِهِ مِمَّا يَقْرُبُ إِلَى السَّرِقَاتِ غَيْرِ الْمَحْمُودَةِ .
- التَّقْطِيعُ
التَّقْطِيعُ مِنْ قَطَعَ ، وَقَطْعٌ بِمَعْنَى قِسْمٍ ، وَالتَّقْطِيعُ بِمَعْنَى التَّقْسِيمِ ، وَتَحَدَّثَ ابْنُ رَشِيقٍ عَنْ أَنْوَاعِ التَّقْسِيمِ وَأَشَارَ إِلَى نَوْعٍ مِنْهَا سَمَّاهُ « التَّقْطِيعَ » ، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ الثَّنَابِيَّةِ الذَّبْيَانِيِّ : [ الطَّوِيلُ ] وَلَيْلَةٍ عَيْنًا مَنْ رَأَى أَهْلَ قُبَّةٍ أَضَرَّ لِمَنْ عَادَى وَأَكْثَرَ نَافِعًا وَأَعْظَمَ أَحْلَامًا وَأَكْبَرَ سَيِّدًا وَأَفْضَلَ مَشْفُوعًا إِلَيْهِ وَشَافِعًا وَقَدْ سَمَّاهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ « التَّفْصِيلَ » ، وَمِثَالُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : [ الْبَسِيطُ ] بِضْعٌ مُفَارَقَةٌ تُخْلِي صَرَاخَطًا تَأْسُو بِآثَارِنَا آثَارَ أَيْدِينَا فَالشَّاعِرُ فَصَلَ ، وَجَاءَ بِهِ عَلَى تَقْطِيعِ الْوَزْنِ كُلِّ لَفْظَتَيْنِ رُبْعَ بَيْتٍ .
- التَّقْفِيَةُ
التَّقْفِيَةُ : مِنْ قَفَاهُ قَفْوًا وَقَفِيًّا ، وَقَفَّيْتُ عَلَى أَثَرِ فُلَانٍ : أَتْبَعْتُهُ إِيَّاهُ . وَعُرِفَ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ هٰذَا الْفَنَّ فِي كِتَابِهِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ ، وَقَالَ : « هُوَ أَنْ يَأْتِيَ ذِكْرُ نُكْتَةٍ أَوْ إِيمَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ ، وَيُومِئُ بِهِ الشَّاعِرُ إِلَى النَّاظِرِ » ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : « فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ » (١) ، فَإِنَّهُ يُومِئُ إِلَى قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ : [ الطَّوِيلُ ] مِنَ الْقَوَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْ دُبَّ مِحْوَلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الْإِبْطِ مِنْهَا لَأَثَرَا أَمَّا ابْنُ فِيهِ الْجُرْجَانِيُّ فَقَدْ سَمَّاهُ بِاسْمِ « التَّنْفِيرِ » ، وَذَكَرَ لَهُ الْآيَةَ وَبَيْتَ امْرِئِ الْقَيْسِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مُنْقِذٍ . وَلَعَلَّ الْأَرْجَحَ صِحَّةُ تَسْمِيَةِ ابْنِ مُنْقِذٍ مِنْ تَسْمِيَةِ ابْنِ فِيهِ الْجُرْجَانِيِّ ، إِذْ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ تَسْمِيَتَهُ التَّحْرِيفُ ، لِأَنَّهَا مِنَ التَّغْيِيرِ اللُّغَوِيِّ لَا صِلَةَ لَهَا بِالشَّوَاهِدِ الْمَذْكُورَةِ .
- تَقْلِيلُ اللَّفْظِ وَلَا تَقْلِيلَةَ
تَحَدَّثَ السَّكَاكِيُّ فِي كِتَابِهِ « مِفْتَاحِ الْعُلُومِ » عَنْ تَقْلِيلِ اللَّفْظِ وَلَا تَقْلِيلَةَ فِي الْمُحَسِّنَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ ، وَعَرَّفَهُ قَائِلًا : « وَمِنْهُ تَقْلِيلُ اللَّفْظِ وَلَا تَقْلِيلَةَ ، مِثْلُ : بَا ، وَهَا ، وَغَضْ ، وَغَضِضْ إِذَا صَادَفَا الْمَوْقِعَ ، وَيَتَرَشَّحُ عَلَيْهِمَا الْإِيجَازُ فِي الْكَلَامِ وَالْإِلْطَافُ فِيهِ » .
- التَّكَافُؤُ
التَّكَافُؤُ : الِاسْتِوَاءُ ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : « الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ » . وَقَدْ سَمَّاهُ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ « التَّكَافُؤَ » ، وَعَرَّفَهُ فِي كِتَابِهِ « نَقْدِ الشِّعْرِ » فَقَالَ : « أَنْ يَصِفَ الشَّاعِرُ شَيْئًا أَوْ يَذُمَّهُ وَيَتَكَلَّمَ فِي أَيِّ مَعْنًى كَانَ ، فَيَأْتِيَ بِمَعْنَيَيْنِ مُتَكَافِئَيْنِ ، وَالَّذِي أُرِيدُ بِقَوْلِي مُتَكَافِئَيْنِ فِي هٰذَا الْمَوْضِعِ أَيْ مُتَقَابِلَيْنِ ، إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْمُصَادَرَةِ وَالسَّلْبِ وَالْإِيجَابِ ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَقْسَامٍ ...» التَّمَاثُلِ ، وَمِثْلُهُ لَهُ يَقُولُ أَبُو النَّشِيبِ الْعَبْسِيُّ : [ الْكَامِلُ ] حُلْوُ الشَّمَائِلِ وَهْوَ مُرٌّ بَاسِلٌ يَحْيَا الضَّمَارُ صَبِيحَةَ الْإِرْهَانِ فَقَوْلُهُ : « حُلْوٌ وَمُرٌّ » تَكَافُؤٌ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيُّ التَّكَافُؤَ وَعَرَّفَهُ فَقَالَ : « إِنَّ التَّكَافُؤَ فِي اللَّفْظِ الْمُجَازِيِّ يُسَمَّى كَنَايَةً » ، وَكَذٰلِكَ قَالَ الْحَمَوِيُّ ، وَسَمَّاهُ أَيْضًا الطِّبَاقَ الْمَجَازِيَّ ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ : « أَمَّا التَّكَافُؤُ فَهُوَ كَالمُطَابَقَةِ فِي أَنَّهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ ، وَلٰكِنْ يُشْتَرَطُ فِي التَّكَافُؤِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الضِّدَّيْنِ حَقِيقَةً وَالْآخَرُ مَجَازًا ، فَبِهٰذَا يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا » . وَمِثَالُهُ مَا يَقُولُ دُعْبُلٌ : [ الْكَامِلُ ] لَا تَعْجَبِي يَا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ ضَحِكَ الْمَشِيبُ بِرَأْسِهِ فَبَكَى فَقَوْلُهُ « ضَحِكَ وَبَكَى » تَكَافُؤٌ ، إِلَّا أَنَّ « ضَحِكَ الْمَشِيبُ » مَجَازٌ ، وَبُكَاءَ الرَّجُلِ حَقِيقَةٌ . وَقَدْ وَافَقَ هٰذَا التَّعْرِيفَ مَا عُرِفَ بِهِ السُّيُوطِيُّ التَّكَافُؤَ ، وَأَلْحَقَهُ قِسْمَ الْمُطَابَقَةِ أَوِ الْأَضْدَادِ إِلَى حَقِيقِيٍّ وَمَجَازِيٍّ ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمَجَازِيَّ هُوَ التَّكَافُؤُ . التَّكْرَارُ : هُوَ الْإِطْنَابُ بِالتَّكْرَارِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ . التَّكْبِيرُ : التَّكْرِيرُ الشَّيْءِ ، أَعَادَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى . عَرَّفَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ « الْمَثَلِ السَّائِرِ » فَقَالَ : « هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيرِ فِي اللَّفْظِ ، وَالْمَعْنَى السَّائِرِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (١) » ، وَقَالَ : « وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ » ، وَأَضَافَ ابْنُ الْأَثِيرِ قَائِلًا : « وَهٰذَا مِنَ التَّكْرِيرِ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ فِي الْإِعْجَازِ وَأَشَدُّ مُؤَكِّدِيَّةً مِنَ الِاخْتِصَارِ » . وَتَحَدَّثَ ابْنُ الْأَمِيرِ الْحَلَبِيُّ فِي « جَوْهَرِ الْكَلِمِ » عَنْ تَقْسِيمِ التَّكْبِيرِ وَسَمَّاهُ قِسْمَيْنِ : الأَوَّلُ : يُوجَدُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مِثْلُ : « أَسْرِعْ أَسْرِعْ » . الثَّانِي : يُوجَدُ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ مِثْلُ : « أَطِيعُوا وَلَا تَعْصُوا » ، لِأَنَّ الأَمْرَ بِالطَّاعَةِ هُوَ النَّهْيُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ . ثُمَّ إِنَّ كَلَامًا مِنَ الْقِسْمَيْنِ يَنْقَسِمُ إِلَى مُفِيدٍ وَغَيْرِ مُفِيدٍ ، فَالْمُفِيدُ الَّذِي يَأْتِي فِي الْكَلَامِ تَوْكِيدًا أَوْ تَسْهِيدًا مِنْ أَمْرٍ وَإِظْهَارًا لِعِظَمِ شَأْنِهِ ، وَهُوَ يَأْتِي فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : « قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » (١) ، أَيْ إِنَّهُ أُمِرَ بِذٰلِكَ مِمَّنْ خَلَصَهُ اللَّهُ لِلدِّينِ ، وَأُمِرَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (٢) ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذٰلِكَ : « قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » (٣) . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي ، وَهُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ ، فَهُوَ الَّذِي يَأْتِي فِي الْكَلَامِ تَوْكِيدًا لَهُ ، كَقَوْلِ الْحُسَيْنِ : [ الرَّجَزُ ] فَهٰذَا الْبَيْتُ نَوْعٌ مِنَ التَّقْطِيعِ يُورِثُ تَكْرِيرًا . وَعَرَفَ ابْنُ شَيْبٍ الْقُرَشِيُّ التَّكْرِيرَ فَقَالَ : « هُوَ أَنْ يَأْتِيَ فِي ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ ، فَيَكُونَ بَعْضُهَا عَلَى زِنَةِ بَعْضٍ ، أَوْ خَارِجَةً عَنْهُ » . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : [ الْمُقْتَرِبُ ] كَأَنَّ الْمَذْهَبَ وَصَوْبَ الْغَمَامِ وَنَشْرَ الْخَزَامَى وَرِيحَ الْقَطْرِ فَفِي هٰذَا الْبَيْتِ نَوْعٌ مِنَ التَّقْطِيعِ يُورِثُ تَكْرِيرًا .
- التَّكَلُّفُ
التَّكَلُّفُ مِنْ تَكَلَّفَ الشَّيْءَ : تَحَمَّلَهُ عَلَى مَشَقَّةٍ وَعَلَى خِلَافِ عَادَتِكَ . وَقَدْ جَمَعَ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ جَانِبَ التَّكَلُّفِ فِي بَابٍ مُسْتَقِلٍّ ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ : « وَهُوَ الْكَثِيرُ مِنَ الْبَدِيعِ كَالتَّطْبِيقِ وَالْجِنَاسِ فِي الْقَصِيدِ ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَكَلُّفِ الشَّاعِرِ لِذٰلِكَ وَقَصْدِهِ إِلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ قَلِيلًا لَمْ يُعِبْهُ إِلَى أَنْ يُضَعَ فِي الشِّعْرِ ، وَلِهٰذَا عَابُوهُ عَلَى أَبِي تَمَّامٍ لِأَنَّهُ كَثُرَ فِي شِعْرِهِ » . ثُمَّ إِنَّ الْمُحْسِنِينَ فِي الشِّعْرِ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْبَدِيعَ إِذَا كَثُرَ صَارَ مُسْتَكْرَهًا ، بَيَّنُوا أَنَّ مَزِيَّةَ اللُّغَةِ تَسْتَحْسِنُ فِي النَّدْرَةِ ، فَإِذَا كَثُرَتْ صَارَتْ خَسَاسَةً ، وَإِنَّ التَّحْسِينَ فِي الْقِلَّةِ فَإِذَا كَثُرَ صَارَ لَغْوًا ، وَالْجَوْدَةُ تَسْتَحْسِنُ فِي الشِّعْرِ فَإِذَا كَثُرَتْ صَارَتْ خَطَأً . وَلِهٰذَا قَالُوا : خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا ، وَالْحَسَنَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ، وَالْفَضِيلَةُ بَيْنَ الرَّذِيلَتَيْنِ .
- التَّكْمِيلُ
التَّكْمِيلُ هُوَ الْإِطْنَابُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . عَرَفَهُ ابْنُ مَعْصُومٍ فِي كِتَابِهِ « أَنْوَارِ الرَّبِيعِ » . وَقَالَ : « هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِمَعْنًى تَامٍّ فِي فَنٍّ مِنَ الْفُنُونِ ثُمَّ يَرَى الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ نَاقِصًا فَيُكْمِلَهُ بِمَعْنًى آخَرَ فِي غَيْرِ ذٰلِكَ الْفَصْلِ الَّذِي أَتَى بِهِ أَوَّلًا ، كَمَنْ مَدَحَ إِنْسَانًا بِالْحِلْمِ ثُمَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ بِدُونِ مَدْحِهِ بِاللُّبَاسِ نَاقِصًا فَيُكْمِلُهُ بِذِكْرِهِ » .
- التَّلَاءُمُ
التَّلَاءُمُ : مِنْ تَلَاءَمَ الْقَوْمُ وَالتَأَمُوا : اجْتَمَعُوا وَاتَّفَقُوا . عَرَّفَ الْقُدَمَاءُ التَّلَاءُمَ فِي كِتَابِهِ « النُّكْتِ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ » فَقَالَ : « التَّلَاءُمُ يَقْتَضِي التَّنَاسُبَ ، وَالتَّلَاءُمُ تَعْدِيلُ الْحُرُوفِ فِي التَّأْلِيفِ ، وَالتَّأْلِيفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : مُتَنَافِرٍ ، وَمُتَلَاءِمٍ فِي الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى ، وَمُتَلَاءِمٍ فِي الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا » . وَتَحَدَّثَ الصَّفَائِيُّ فِي كِتَابِهِ « الرِّسَالَةِ الْمُصْطَبَحِيَّةِ » عَنِ التَّلَاءُمِ وَفَائِدَتِهِ فَقَالَ : « وَالْفَائِدَةُ فِي التَّلَاءُمِ حُسْنُ الْكَلَامِ فِي السَّمْعِ وَسُهُولَتُهُ فِي اللَّفْظِ وَقَبُولُ الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنْ حُسْنِ الصُّورَةِ وَطَرِيقِ الدَّلَالَةِ » ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الِالْتِئَامِ .
- التَّلْتَلَةُ
التَّلْتَلَةُ : مِنْ خَصَائِصِ قَبِيلَةِ « بَهْرَاء » كَمَا ذُكِرَ فِي « مَجَالِسِ ثَعْلَبٍ » وَ « الْخَصَائِصِ » ، وَ « سِرِّ صِنَاعَةِ الْإِعْرَابِ » ، وَلَكِنْ سِيبَوَيْهِ يَذْكُرُهَا فِي بَابِ مَا يُكْسَرُ فِيهِ أَوَائِلُ الْأَفْعَالِ الْمُضَارِعَةِ ، وَهٰذِهِ الظَّاهِرَةُ الصَّوْتِيَّةُ فِي لُغَةِ جُمْهُورِ الْعَرَبِ إِلَّا أَهْلَ الْحِجَازِ ، وَكُلُّ أُولٰئِكَ يَكْسِرُونَ أَوَائِلَ حُرُوفِ الْأَفْعَالِ الْمُضَارِعَةِ ، وَمَعَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَعْجَازِ هُذَيْلٍ وَأَزْدِ السَّرَاةِ وَبَعْضُ تَمِيمٍ يَضُمُّونَ أَوَائِلَ الْأَفْعَالِ الْمُضَارِعَةِ ، وَبِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ . بَلْ إِنَّ الْأَخْفَشَ قَدْ زَعَمَ أَنَّ كُلَّ مَا وُرِدَ عَنْهُ مِنَ الْأَعْرَابِ لَمْ يَقُلْ إِلَّا بِالْكَسْرِ ، وَيَزِيدُ مَا قَالَهُ الْقُدَمَاءُ مِنْ أَنَّ كَسْرَ أَوَائِلِ الْأَفْعَالِ الْمُضَارِعَةِ لُغَةُ كُلِّ الْعَرَبِ إِلَّا الْحِجَازِيِّينَ . مُلَاحَظَةٌ : إِنَّ كَسْرَ هٰذِهِ الْحُرُوفِ ظَاهِرَةٌ سَامِيَّةٌ قَدِيمَةٌ تُوجَدُ فِي اللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ كَمَا يَقُولُ « جِسِينْيُوس » فِي فُصُولِهِ فِي فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَفِي اللُّغَةِ السُّرْيَانِيَّةِ كَمَا يَقُولُ « بْرُوكِلْمَن » ، وَفِي اللُّغَةِ الْحَبَشِيَّةِ كَمَا يَقُولُ « بْرِيتُورْيُوس » . وَيُنْتَجُ أَنَّ كَسْرَ أَوَائِلِ الْأَفْعَالِ الْمُضَارِعَةِ هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَأَمَّا الْفَتْحُ فَهُوَ الْحَالَةُ الْمُطَّوَّرَةُ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَالَّتِي سَادَ اسْتِعْمَالُهَا ، غَيْرَ أَنَّ اللُّغَةَ الْفُصْحَى قَدِ احْتَفَظَتْ بِكَسْرِ أَوَائِلِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ مِثْلَ : « إِحْدَرِبْ » وَ « اِقْتَرِبْ » ، وَبَعْضِهِمْ « أِظُنُّ » . وَنَقْلٍ ، وَذٰلِكَ كَنَقْلِ أَبِي ذُؤَيْبٍ الَّذِي أَوْرَدَهُ ابْنُ جِنِّي [ الْكَامِلِ ] فَقُبِضَتْ بَعْدَمَا هَمَّتْ تَبْسِمُ تَأَسُّفًا ، وَأَعْثَلَ أَنِّي لَا أَحْنِي مُسْتَنِيحُ .
- التَّلَطُّفُ
التَّلَطُّفُ مِنْ لَطُفَ يَلْطُفُ : إِذَا رَقَّ ، وَالتَّلَطُّفُ لِلْأَمْرِ : الرِّفْقُ لَهُ. التَّلَطُّفُ مِنِ ٱخْتِرَاعِ الْعَسْكَرِيِّ فِي كِتَابِهِ « الصِّنَاعَتَيْنِ » ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ : « وَهُوَ أَنْ تَتَلَطَّفَ لِلْمَعْنَى الْحَسَنِ حَتَّى يُتِمَّهُ ، وَالْمَعْنَى الْقَبِيحِ حَتَّى يُحَسِّنَهُ » . وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ ابْنِ الرُّومِيِّ فِي ذَمِّ الرَّدِيِّ وَمَدْحِ النَّرْجِسِ وَاحْتَالَ فِي تَشْبِيهِ حَتَّى جَنَّ فِيهِ حُسْنُهُ وَطَمَسَ قُبْحَهُ فَقَالَ : [ الْبَسِيطُ ] وَقَالَ لَمْ تَخْضَرِ الْوَرْدَةُ ٱخْضِرَارًا ... وَقَدْ عَدَّهُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ فِي كِتَابِهِ « الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ » ، فَقَالَ : « وَهُوَ أَنْ يُلْقِيَ كَلَامًا مَعَ كَلَامٍ آخَرَ فَيَكُونَانِ كَلَامًا ثَالِثًا » ، كَمَا رُوِيَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى خَرِبَةٍ ، فَقَالَ : « عِبَادَ اللَّهِ ، مَا عَدَّةُ ... ؟ » فَلَمَّا أَخْبَرَهُ الْحَجَّاجُ قِيلَ عَلَيْهِ لِلْقِرَاءَةِ ، وَمِنْهُ مَا قِيلَ لِلْهُذَلِيِّ : أَتَسْمَعُ النَّاسَ ؟ قَالَ : فَلَانٌ قِيلَ : مَا تَقُولُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؟ قَالَ : سَأُلْقِيهِ فِي الْخُطْبَةِ وَلَمْ أَتَكَلَّمْ عَنِ الْجِبْنِ . وَذَكَرَ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ « خِزَانَةِ الْأَدَبِ » التَّلَطُّفَ ، وَقَالَ : « إِنَّ بَعْضَهُمْ سَمَّى التَّغْيِيرَ لُطْفًا ، وَلَكِنِ الْٱخْتِيَارُ أَوْسَعُ مِنْ ذٰلِكَ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ كَثِيرًا » ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ .
- التَّلْفِيفُ
التَّلْفِيفُ مِنْ لَفَّ الشَّيْءَ يَلُفُّهُ لَفًّا . جَمْعُهُ : تَلَافِيفُ . وَقَدْ أَثْبَتَهُ ابْنُ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيُّ التَّلْفِيفُ فِي كِتَابِهِ « تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ » فَقَالَ : « هُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمُ التَّعْبِيرَ عَنْ مَعْنًى يَحْتَفِرُ لَهُ أَوْ يَسِيلُ عَنْهُ مَعْنًى آخَرُ يَلْزَمُ كَلِمَةَ الْمَعْنَى الَّذِي سِيقَ لَهُ » . وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ ﴾(١) ثُمَّ أَضَافَ ابْنُ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيُّ فَقَالَ : « التَّلْفِيفُ » ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَآرِبَ أُخْرَىٰ . (١) سُورَةُ طه ، الْآيَتَانِ (١٨،١٩) . إِخْرَاجِ الْكَلَامِ مُخْرَجَ التَّعْلِيمِ بِحُكْمٍ أَوْ أَدَبٍ لَمْ يُرِدِ الْمُتَكَلِّمُ ذِكْرَهُ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ ذِكْرَ حُكْمٍ خَاصٍّ دَاخِلٍ فِي عُمُومِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ الَّذِي صَرَّحَ بِتَعْلِيمِهِ » . وَكَذٰلِكَ عَرَّفَ السَّكَاكِيُّ التَّلْفِيفَ فِي كِتَابِهِ « عُرُوسِ الْأَفْرَاحِ » ، فَقَالَ : « هُوَ إِخْرَاجُ الْكَلَامِ مُخْرَجَ التَّعْلِيمِ ، وَهُوَ أَنْ يُسَاقَ السُّؤَالُ عَنْ نَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ تَدْعُو الْحَاجَةُ لِبَيَانِ جَمِيعِهَا ، فَيُجَابَ بِجَوَابٍ عَامٍّ عَنِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ ، لِيُبْنَىٰ عَلَىٰ عُمُومِهِ مَا بَعْدَهُ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَقْصُودَةِ ، وَمِثَالُهُ قَوْلُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْبَحْرِ ، فَقَالَ : « هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ » . هٰذَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ هٰذَا الْفَنَّ وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ ، حَتَّى إِنَّ ابْنَ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيَّ لَمْ يَجْعَلْهُ ضِمْنَ فُنُونِهِ الْمُبْتَدَعَةِ ، إِلَّا أَنَّ السُّبْكِيَّ قَالَ : « يُقَالُ إِنَّ هٰذَا يَرْجِعُ إِلَى الِاسْتِطْرَادِ » .
- التَّلْفِيقُ
التَّلْفِيقُ مِنْ لَفَّقَ الثَّوْبَ لَفْقًا ، وَهُوَ أَنْ تَضُمَّ قِطْعَةً إِلَىٰ أُخْرَىٰ فَتَصِيرَ ثَوْبًا . عَرَّفَ الْحَلَبِيُّ التَّلْفِيقَ فِي كِتَابِهِ « حُلْيَةِ الْمُحَاضَرَةِ » فَقَالَ : « وَالتَّلْفِيقُ مِنَ السَّرِقَاتِ ، وَهُوَ أَنْ يَلْقُطَ الشَّاعِرُ بَيْتَهُ مِنْ عِدَّةِ أَبْيَاتٍ لِغَيْرِهِ » . وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ ابْنِ الطَّرِيفِ : [ الطَّوِيلُ ] إِذَا مَا رَأَيْتُ مُضَيِّعًا غَضَّ طَرْفَهُ ... كَأَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ مِنِّي يَتَحَوَّلُ فَأَوَّلُهُ مِنْ قَوْلِ جَمِيلٍ : [ الطَّوِيلُ ] إِذَا مَا رَأَوْنِي طَالِعًا مِنْ ثَنِيَّةٍ ... يَقُولُونَ مَنْ هٰذَا وَقَدْ عَرَفُونِي وَوَسَطُهُ مِنْ قَوْلِ جَرِيرٍ : [ الْوَافِرُ ] فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا وَعَجُزُهُ مِنْ قَوْلِ عَبْرَةَ الطَّائِيِّ : [ الْوَافِرُ ] إِذَا اسْتَرْتَنِي أَعْرَضْتُ عَنْهُ عَيْنِي ... كَأَنَّ الشَّمْسَ مِنْ حَوْلِي تَدُورُ وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ إِنَّ التَّلْفِيقَ هُوَ الِالْتِقَاطُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ سَابِقًا .