شرح المعلقات السبع
تأليف القاضي أبي عبدالله الحسين بن أحمد الزوزني المتوفى سنة ٤٨٦ هجرية
الجذور
- معلقة عنترة بن شداد. ١٧- سَحًّا وَتَسْكابًا
سَحًّا وَتَسْكابًا كَكُلِّ عَيْنٍ يَجْرِي عَلَيْهَا السَّيْلُ لَمْ يَتَقَصَّرِ السَّحُّ: الصَّبُّ والانصباب جميعاً، والفعل سَحَّ يَسُحُّ، السَّكاب: السرجين: الزبل. (١) السرجين: الزبل. (٢) يبتلم: هو الأثر الذي يُستَدَلُّ به على الطريق.
- معلقة عنترة بن شداد. ٢٢- هل تبلغني
هَلْ تَبْلُغَنِّي دَارُهَا شَدَنِيَّةً لَعِنَتْ بِمَحْرُومِ الشَّرَابِ مُصَرَّمِ شَدَنَ : أرض أو قبيلة تنسب الإبل إليها . أراد بالشَّراب اللبن . التَّصْرِيم : القطع . يقول : هل تبلِّغني دار الحبيبة ناقةٌ شدنيَّة لعنت ودُعي عليها بأن تُحرم اللبن ويُقطع لبنها ، أي بعد عهدها بالتلاقح ، كأنها قد دُعي عليها بأن تحرم اللبن فاستُجيب ذلك الدعاء ، وإنما شرط هذا لتكون أقوى وأمنع وأصبر على معاناة شدائد الأسفار لأن كثرة الحمل والولادة تكسبها ضعفاً ومزالاً .
- معلقة عنترة بن شداد. ٢٣- حمارة غيث
حَمَّارَةَ غَيْثِ السُّرَى زِيَافَةً تَوَطِّسُ الإِكَامَ بِوَخْدِ خُفٍّ مِيَثَمِ خطَر العبير بذنبِه يخطر خطوراً وحظراناً إذا شال به . الزَّيْف : النجَخَر ، والفعل زاف يزيف . الوَطْس والوَطْم : الكسر . يقول : هي ناعمة ذنبها في سيرها مرحاً ونشاطاً بعدما سارت الليل كله منجبِرة تكسر الإكام بحافتيها الكثير الكسر للأشياء . ويُروى : بذاتِ خُفّ ، أي برِجل ذات خف ، ويروى : بوخد خف ، الوخد والوخدان : السير السريع ، الميثم : للمبالغة كأنه آلة الوثم (١) ، كما يقال : رجل يسحر حرب وفرس .
- معلقة عنترة بن شداد. ٢٤- وكانت قُطوسُ
وَكَانَتْ قُطُوسُ الأَكَامِ ضَبِيئًا يُقَرِّبُ بَيْنَ المُنْسِبَيْنِ مُصَلَّمُ يقول: كأنَّا نَكْسِرُ الأكامَ لمَدَّةٍ، ونطؤُها عَشِيَّةً بعد سُرَى الليل وسَيْرِ النهار، كظَلِيمٍ قُرِّبَ ما بينَ مَنْسِمَيْهِ ولا أُذُنَ له، شبهها في سرعة سيرها بعد سُرَى ليلةٍ ووصلِ سيرِ يومٍ بسرعة سير الظليم، ولما شبهها في سرعة السير بالظليم أخذ في وصفه فقال:
- معلقة عنترة بن شداد. ٢٥- ناوي له
نَاوِي لَهُ قَلْمَسُ النِّعَامِ كَمَا ارْتَجَ جَرْءٌ ثَمَانِيَةً لِأَفْحَمَ طُبْطُمِ القَلْمَسُ من الإبل والنعام بمنزلةِ الجارية من الناس، والجمع قَلامِس. يقال: أَوَى يَأْوِي أَوًى، أي انضمَّ، وبالوصل يُقال: أَوَيْتُ إليه؛ وإنما وصله باللام لأنه أراد: ناوِي إليه. والجَرْء: الجماعات، والواحدة جَرْزَة، وكذلك الحُرْفَة، والجمع حُرَفٌ وحُرَفات. والطُّبْطُم: الذي لا يُفْصِح، أي الأَعْجَمُ الذي لا يُبِين، وأراد بالأَفْحَم: الذي اشتدَّ سوادُه.
- معلقة عنترة بن شداد. ٢٦- يَبِينُ قُلَّةَ
يَبِينُ قُلَّةَ رَأْسِهِ وَكَأَنَّهُ دَحَجٌّ عَلَى نَعْشٍ لَهُ مُعْتَمُ قُلَّةُ الرأس: أعلاه. والدَّحَج: مركبٌ من مراكب النساء. والنَّعْش: الشيء المرفوع، ويأتي النعشُ أيضًا بمعنى المنقوش. والمُعْتَم: المَجْعُولُ خِيمةً. تعذر عليَّ من خلال الصورة المتاحة قراءةُ الأبياتِ الشعريةِ في هذه الصفحة بدقّةٍ كافيةٍ لضبط ألفاظها وتشكيلها، ولا أستطيع لذلك أن أستخرج الأبيات كما هي مطبوعة أو أن أضمن سلامة نصِّها. حرصًا على الأمانة العلمية وعدم اختلاق نصوصٍ غير منضبطة، أمتنع عن نسخ الأبيات، ولا أقدّم إلا هذا التنبيه.
- معلقة عنترة بن شداد. ٣٥- إني امرؤ
إِنِّي امْرُؤٌ سَمْحٌ مُخَالَفَتِي إِذَا لَمْ أُظْلَمِ المخالفة: مفاعلة من الخلف. يقول: إني – أيتها الحبيبة – بما علمتِ من محاسني ومآثري سهلُ المخالفة إذا لم يُهْضَمْ لي حقّ، ولا يُنْتَقَصْ جَانِبي.
- معلقة عنترة بن شداد. ٣٦- وإذا ظلمت
وَإِذَا ظُلِمْتُ فَإِنَّ ظُلْمِي بَاسِلٌ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ كَطَعْمِ الْعَلْقَمِ باسل: كريه، ورجل باسل شجاع، والبسالة الشجاعة. يقول: إذا ظُلِمتُ وجدتُ ظلمي كريهًا مرًّا كطعم العلقم؛ أي من ظلمني عاقبته عقابًا بالغ الكراهة كما يُكْرَه طعمُ العَلْقَمِ من ذاقه.
- معلقة عنترة بن شداد. ٣٧- ولقد شربت
وَلَقَدْ شَرِبْتُ مِنَ الْمُدَامَةِ بَعْدَمَا رَكَدَ الْهَوَاجِرُ بِالدِّنَانِ الْمَشُوفِ ركد: سكن. الهواجر: جمع الهَاجِرَة، وهي أشد الأوقات حرًّا. المدامة: الخمر، سميت بها لأنها أُديمت في دنِّها. المشوف: المحلّى، أو الممزوج. يقول: ولقد شربت من الخمر بعد اشتداد حرّ الهواجر وسكونها بالدِّنان المشوف؛ يريد أنه اشترى الخمر فشربها، والعرب تفتخر بشرب الخمر والقمار؛ لأنها من دلائل الجود عندها. قوله: بالمشوف، أي بالدِّنان المشوف، بنعت الموصوف، ومنهم من جعله من صفة الفتح وقال: أراد بالفتح المشوف.
- معلقة عنترة بن شداد. ٣٨- بزجاجة صفراء
بِزُجَاجَةٍ صَفْرَاءَ ذَاتِ أَسِرَّةٍ قُرِنَتْ بِأَزِمَّةٍ فِي الشِّمَالِ مُثَلَّمِ الأسرّة: جمع السِّرِّ والسِّرَر، وهما الخط من خطوط اليد والجبهة وغيرها، وتجمع أيضًا على الأسرار، ثم تُجمع الأسرار على أسارير. بأزمة: جمع زِمَام، وهي الحبال التي يُشَدُّ بها رأس الدنِّ أو الوعاء. مُثَلَّم: مسدود الرأس بالفِقَم؛ أي أنها زجاجة صفراء ذات خطوط منقوشة، مشدودة برُبُطٍ في الشمال مسدود رأسها لا يُهْرَاق ما فيها. يقول: شَرِبْتُها بزجاجةٍ صفراءَ عليها خطوطٌ قَرَّتْها بارِيقٌ أبيضُ مسدودُ الرأسِ بالفِلاذِ لئلّا يُصَبَّ الخمرُ من الإبريق في الزجاجة.
- معلقة عنترة بن شداد. ٤٣- هلا سألت
هَلَّا سَأَلْتِ الْخَيْلَ يَا ابْنَةَ مَالِكٍ إِنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي يقول: هل سألتِ الفرسانَ عن حالي في قتالٍ إن كنتِ جاهلةً بها؟
- معلقة عنترة بن شداد. ٤٤- إذ لا
إِذْ لَا أَزَالُ عَلَى رِحَالَةِ سَابِحٍ نَهْدٍ تَعَاوَرُهُ الْكُمَاةُ مُكَلَّمِ التَّعاوُرُ: التَّداوُلُ؛ يُقالُ: تَعارَوْهُ ضَرْبًا إذا جعلوا يَضْرِبونَه على جهةِ التَّناوُبِ، وكذلك الاعْتِوارُ. الكَلْمُ: الجُرْحُ، والتَّكْلِيمُ: التَّجْرِيحُ. يقول: هَلَّا سألتِ الفُرْسانَ عن حالي إذ لم أَزَلْ على سَرْجِ فَرَسٍ سابِحٍ، تَناوَبَ الأبطالُ في جَرْحِه، أي جَرَحَه كلُّ منهم، ونَهْدٌ مِنْ صِفَةِ السابحِ، وهو الضخمُ. الرُّؤْى: السريع. شتا: دخل في الشتاء، يَشْتُو شَتْوًا. الغاية: راية ينصبها الخَمَّار ليُعْرَف مكانه بها. أراد بالتُّجَّار الخَمَّارِين. الملْمَلِم: الذي لم يَمْلِلْ بعد أخرى. والبيت كله من صفة حامي الحقيقة. يقول: مَكَثَ الفَدَّاحُ عن رجل سريعِ اليد خَفِيفِها في إحالة الفَدَّاح في المَيْسِر في برد الشتاء، وخصَّ الشتاء لأنهم يكثرون المَيْسِرَ فيه لِفَراغهم، وعن رجل يَهْتُكُ راياتِ الخَمَّارِين، أي كان يشتري جميع ما عندهم من الخمر حتى يَقْلِعُوا راياتِهم لنفادِ خمرِهم، مَلُومٌ على إمضانه في الجود وإسرافِه في البذل، وهذا كله من صفة حامي الحقيقة.
- معلقة عنترة بن شداد. ٥٣- لَمَّا رَآنِي
لَمَّا رَآنِي قَدْ نَزَلْتُ أُرِيدُهُ أَبْدَى نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ يقول: لما رآني هذا الرجل نزلت عن فرسي أريد قتله كَشَرَ عن أسنانه غيرَ متبسم، أي لفرط كُلُوح(١) من كرامة الموت تَقَلَّصَتْ شَفَتَاه عن أسنانه، وليس ذلك للكلام ولا ابتسم، ولكن من الخوف. ويروى: لغير تَكَلُّم. (١) كلوح: عُبُوسة.
- معلقة عنترة بن شداد. ٥٤- فَهْوَى بِهِ
فَهْوَى بِهِ فِي مَدِّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا خُضِبَتْ بَنَانُهُ وَرَأْسُهُ بِالْعَظْلَمِ مَدُّ النهار: طوله. العَظْلَم: نَبْتٌ يُخَضَّبُ به. العَهْد: اللِّقاء؛ يقال: عَهِدْتُهُ عَهْدًا إذا لَقِيتَه. يقول: رَأَيْتُهُ طولَ النهار وامتداده بعد تَطَلِّي إياه وجفافِ الدم عليه كأنَّ بَنَانَه ورأسَه مخضوبان بهذا النبت.
- معلقة عنترة بن شداد. ٥٥- كَظَمْتُهُ بِالرُّمْحِ
كَظَمْتُهُ بِالرُّمْحِ ثُمَّ عَلَوْتُهُ بِسَيْفِ صَافِي الحَدِيدِ مُهَنَّدِ بَحْنَذِ البَحْنَذ: السريع القطع. يقول: طعنته برمحي حين الثِّيَّةِ من ظهر فرسه ثم علَوْتُه مع سيفٍ مُهَنَّدٍ صافي الحديد سريع القطع. ذُلٌّ: جمعُ ذَلُولٍ من الذُلِّ وهو ضدُّ الصعوبة. الرِّكابُ: الإبلُ، لا واحدَ لها من لفظها عند جمهور الأئمَّة، وقال الفَرَّاء: إنّها جمعُ رَكَبٍ مثل قَرْصٍ(١) وفُلُوسٍ ولقاحٍ(٢). المُشايَعَةُ: المُعاوَنَة؛ أُخِذَت من الشِّياع، وهو دِقاقُ الحَطَبِ لمُعاوَنَتِه النارَ على الإيقادِ في الحَطَبِ الجَزْلِ(٣). الحَفْزُ: الدَّفْع. الإبرامُ: الإحكام. يقول: تَقِلُّ إبلي إلى حيثُ وَجَّهتُها من البلاد، ويُعاوِنني على آمالي عقلي، فأمضي ما يقتضيه عقلي بأمرٍ مُحكَم. (١) القَرْصُ: الثَّفْنَةُ الغَليظَة. (٢) اللُّقاحُ: ماءُ الفَحْلِ من الإبل. (٣) الحَطَبُ الجَزْلُ: الخَشَبُ اليابِس.
- معلقة عنترة بن شداد. ٧٣- ولقد خشيت
وَلَقَدْ خَشِيتُ بِأَنْ أَمُوتَ وَلَمْ تَدُرْ لِلْحَرْبِ دَائِرَةٌ عَلَى ابْنَيْ ضَمْضَمِ الدَّائِرَةُ: اسمٌ للحادِثَة، سُمِّيَتْ بها لأنّها تَدُورُ من خَيْرٍ إلى شَرٍّ ومن شَرٍّ إلى خَيْرٍ، ثمَّ استُعمِلَت في المكروهَةِ دونَ المحبوبة. يقول: ولقد خَشِيتُ أن أَموتَ ولم تَدُرْ الحَربُ على ابني ضَمْضَمٍ بما يُكرِمانِه، وهما حُسَيْنٌ، وهما ابنا ضَمْضَمٍ.
- معلقة عنترة بن شداد. ٧٤- الشاتمين جرمي
الشَّاتِمَيْنِ جُرْمِي وَلَمْ أَشْفِ غَيْظِي وَالتَّارِكَيْنِ إِذَا لَمْ أَرْمِ دَمِي يقول: اللَّذانِ يَشْتِمانِ عِرْضي ولم أَشْتَفِ مِنهما أنا، والمُرْتَهَنانِ على أَنْفُسِهما سَفْكَ دَمِي إذا لم أَرْمِه، يُريد أنّهما يَتَوَعَّدانه حالَ الغَيْبَةِ، فأمّا في حالِ الحُضور فلا يَجْتَرِئانِ عليه.
- معلقة عنترة بن شداد. ٧٥- إن يفقدا
إِنْ يَفْقَدَا فَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَاهُمَا جَزْرَ السِّبَاعِ وَكُلِّ نَسْرٍ قَشْعَمِ يقول: إن يَشْتِمَانِي لم أَسْتَغْرِبْ منهما ذلك، فإنِّي قَتَلْتُ أَبَاهُمَا وصَيَّرْتُه جَزَرَ السِّباعِ وكُلِّ نَسْرٍ قَشْعَمٍ.
- معلقة الحارث بن حِلِّزة. ١- آذنتنا ببينها
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ رَبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ الإيذان: الإعلام. البين: الفراق. الثَّواء، والثُّوَى: الإقامة، والفعل ثَوَى يَثْوِي. يقول: أعلمتنا أسماءُ بمفارقتها إيانا، أي بعزمها على فراقنا، ثم قال: ربَّ مقيمٍ تُمَلُّ إقامته، ولم تكن أسماءُ منهم؛ يريد أنها وإن طالت إقامتها لم نَمَلَّهَا، والتقدير: ربَّ ثاوٍ يُمَلُّ من ثوائه.
- معلقة الحارث بن حِلِّزة. ٢- بعد عهد لنا
بَعْدَ عَهْدٍ لَنَا بِبَرْقَةِ شَمَّاءَ فَنَأَتْ دَارُهَا وَطَالَ الثَّوَاءُ العهد: اللقاء، والفعل عَهِدَ يَعْهَدُ. يقول: عزمت على فِرَاقِنَا بعد أن لَقِيناهَا ببرقةٍ شَمَّاء، وهي أقربُ دِيارِهَا إلينا، ثم تباعدتْ بعد ذلك وطال مُقامُها عنَّا.