من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الْغُلُوُّ
المعنى
الْغُلُوُّ تَجَاوُزُ حَدِّ الشَّيْءِ، وَالِارْتِفَاعُ فِيهِ إِلَى غَايَةٍ لَا يُكَادُ يُلْحَقُ مِثْلُهَا. وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقُزَوِينِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْخِيصِ»، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «أَنْ يَدَّعِيَ الْوَاصِفُ فِي الْمَوْصُوفِ بُلُوغَ مَا لَا يَبْلُغُهُ فِي الْحَقِيقَةِ». وَفِيهِ ضَرْبَانِ: مِنْهُمَا مَا أُدْخِلَ عَلَيْهِ مَا يُقَرِّبُهُ إِلَى الصِّحَّةِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾(١)، وَمِنْهَا مَا تَضَمَّنَ نَوْعًا حِسِّيًّا مِنَ التَّخْيِيلِ كَقَوْلِهِ: [الْكَامِلُ]
عَقَّدْتِ سِبَاعَ يَدَيْهِ سَبْعًا غَيْرَ أَنِّي ... لَوِ انْتُزِعْتِ عَنْهُ عُنْقًا لَأَمْكَنَا
وَمِنْهَا مَا اجْتَمَعَا فِي قَوْلِ الأَعْشَى: [الطَّوِيلُ]
تَخَيَّلْتِهَا فِي السِّتْرِ حَتَّى كَأَنَّهَا ... مِنَ السِّتْرِ شَمْسٌ فِي السَّمَاءِ تَبَدَّدَا
وَرَشَّتْ سَوَافِي الدَّمْعِ فِي السَّحْرِ أَعْيُنِي ... فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا تَجَافَى وَأَوْرَدَا
وَتَكَلَّمَ فِي الْغُلُوِّ ابْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «الطِّرَازِ»، فَقَالَ: «وَيَكَادُ الْمُتَخَيِّلُونَ فِي الشِّعْرِ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي مَدْحِهِمْ وَهِجَائِهِمْ، فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: الأَوَّلُ: أَنْ يُقْتَرَفَ بِهِ مَا يَقْرُبُ إِلَى الإِمْكَانِ، الثَّانِي: مَا لَا يَقْتَرِنُ بِهِ مَا يُسِيغُ قَبُولَهُ فَيَكُونُ مَرْدُودًا». وَقَدْ تَحَدَّثَ عَنْهُ ابْنُ رَشِيقٍ فِي كِتَابِهِ «الْعُمْدَةِ»، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «وَالْغُلُوُّ عِنْدَ قُدَمَاءِ النُّقَّادِ تَجَاوُزٌ فِي نَعْتِ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ خَارِجًا عَنْ طِبَاعِهِ». وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: [الْبَسِيطُ]
تَظَلُّ تَخْضِبُ عَنْهُ إِنْ ضَرَبْتَ بِهِ ... بَعْدَ الذِّرَاعَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْهَادِي
وَعَرَّفَ الْحَاتِمِيُّ الْغُلُوَّ فِي كِتَابِهِ «حِلْيَةُ الْمُحَاضَرَةِ»، فَقَالَ: «وَوَجَدْتُ الْعُلَمَاءَ بِالشِّعْرِ يَعِيبُونَ عَلَى الشَّاعِرِ آيَاتِ الْغُلُوِّ وَالإِغْرَاقِ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي اسْتِحْسَانِهَا وَاسْتِهْجَانِهَا، وَيُعْجِبُهُمْ مِنَ الشَّاعِرِ آيَاتُ الْغُلُوِّ وَالإِغْرَاقِ».
____________________
(١) سُورَةُ النُّورِ، آيَةٌ رَقْمُ (٣٥). بَعْضُهُمْ بِهَا، وَذٰلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يُوَافِقُ طِبَاعَهُ وَاخْتِيَارِهِ، وَيَرَى أَنَّهَا مِنْ إِبْدَاعِ الشَّاعِرِ الَّذِي يُوجِبُ الْفَضِيلَةَ لَهُ، فَيَقُولُونَ: أَحْسَنُ الشِّعْرِ أَكْذَبُهُ، وَأَنَّ الْغُلُوَّ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ وَالإِفْرَاطُ، وَقَالُوا: إِذَا أَتَى الشَّاعِرُ مِنَ الْغُلُوِّ بِمَا يَخْرُجُ عَنِ الْمَوْجُودِ وَيَدْخُلُ فِي بَابِ الْمَعْدُومِ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ الْمَثَلَ وَبُلُوغَ الْغَايَةِ فِي النَّعْتِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْعَسْكَرِيِّ. وَذَكَرَهُ التَّبْيَاسِيُّ فِي كِتَابِهِ «نُزْهَةِ الأَزْهَارِ»، فَقَالَ: الغُلُوُّ هُوَ الإِفْرَاطُ فِي وَصْفِ الشَّيْءِ الْمُسْتَحِيلِ عَقْلًا وَعَادَةً، وَذٰلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَقْبُولٍ وَغَيْرِ مَقْبُولٍ. وَقَالَ فِي بَدِيعِيَّتِهِ: [ الْبَسِيطُ ]
أَقَلُّ أَوْصَافِهِ مِنَ الْحُسْنِ أَخْطَرُهُ ... وَرُدَّ أَصْحَابُهُ مَا جَلَّ عَنْ حُكْمِ
وَقَدْ عَرَّفَهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «خِزَانَةِ الأَدَبِ»، فَقَالَ: «هُوَ وَصْفُ الشَّيْءِ الْمُسْتَحِيلِ نَوْعًا عَقْلًا وَعَادَةً، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ مَقْبُولٍ وَغَيْرِ مَقْبُولٍ». وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي بَدِيعِيَّتِهِ: [ الْبَسِيطُ ]
بِكَفِّ غَزِلٍ إِلَى السَّبْعِ الأَطْبَاقِ سَرَّى ... وَعَادَ اللَّيْلُ لَمْ يَغْفَلْ يُصَحِّحُهُمْ
وَمِثْلُهُ عَاشِقَةُ النَّغَانِيَّةِ، وَالْبَلْخِيُّ، وَالْمَوْصِلِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعَلَوِيُّ فِي بَدِيعِيَّاتِهِمْ. وَكَذٰلِكَ ذَكَرَ جُرْمَانُوس فَرْحَاتٌ الْغُلُوَّ فِي كِتَابِهِ «بُلُوغُ الأَرَبِ» فِي عِلْمِ الأَدَبِ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «اِعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ هٰذَا النَّوْعِ مَفْرُوقُ الْمُبَالَغَةِ وَالإِغْرَاقِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَقْلًا وَلَا عَادَةً، وَهُوَ ضَرْبَانِ مَقْبُولٌ وَغَيْرُ مَقْبُولٍ. فَالْمَقْبُولُ مَا كَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ فِعْلُ تَقْرِيبٍ كَـ«كَادَ» وَأَخَوَاتِهَا، أَوْ فِعْلُ شَكٍّ كَـ«ظَنَّ»، أَوْ حَرْفُ امْتِنَاعٍ كَـ«لَوْ»، أَوْ حَرْفُ تَقْلِيلٍ كَـ«قَدْ» إِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْمُضَارِعِ، أَوْ حَرْفُ تَنْبِيهٍ». وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ: [ الْبَسِيطُ ]
يَكَادُ يُمْسِكُهُ عُرْفَانُ رَاحَتِهِ ... رُكْنُ الْمُحَطَّمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.