من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الْمَكْسُ
المعنى
الْمَكْسُ فِي الْكَلَامِ لُغَةً: رَدُّ آخِرِ الْكَلَامِ إِلَى أَوَّلِهِ. ذَكَرَ الْمَكْسَ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتُ فِي كِتَابِهِ «بُلُوغِ الأَرَبِ فِي عِلْمِ الأَدَبِ»، فَقَالَ: «اِعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ هٰذَا النَّوْعِ أَنْ يُوقِعَ الْحُكْمَ عَلَى لَازِمِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، أَعْنِي أَنْ يَجْعَلَ الْعَارِضَ مُسْتَقِلًّا». وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ ابْنِ نُبَاتَةَ السَّعْدِيِّ: [الْكَامِل]
صَوْتٌ تَنُوحُ مِثْلَ عَطْفِكَ نَارًا وَتَرَكْتَ عَزْمِي مِثْلَ جَفْنِكَ قَابِرًا
وَسَكَنْتَ قَلْبِي طَارَ فِيكَ مَسَرَّةً أَرَأَيْتَ كَوْنًا قَدْ أَصْبَحَ طَائِرًا
وَقَدْ عَرَّفَهُ ابْنُ الأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ» نَفْسَ التَّعْرِيفِ مَعَ الأَمْثِلَةِ. وَقَدْ جَمَعَهُ ابْنُ أَبِي الإِصْبَعِ مَعَ «التَّذْيِيلِ» وَسَمَّاهُ «الْمَكْسَ وَالتَّبْدِيلَ». وَذَكَرَهُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِهِ «الصِّنَاعَتَيْنِ»، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «أَنْ يُعْكَسَ الْكَلَامُ، فَيُجْعَلَ فِي الْجُزْءِ الآخِرِ مِنْهُ مَا جُعِلَ فِي الْجُزْءِ الأَوَّلِ»، وَيُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ «تَسِيئَةَ التَّبْدِيلِ». وَمَثَّلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾(١)، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [الْمُتَقَارِب]
لِسَانِي كَخَمْرٍ أَسْرَارُهُ وَدَمْعِي نُجُومٌ تَسِيرُ بِهَا
فَأَوَّلُهُ دَمْعِي كَشَفْتُ الْهَوَى وَلَوْلَا الْهَوَى لَمْ تَكُنْ لِي دُمُوعُ
وَقَدْ ذَكَرَهُ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ فِي كِتَابِهِ «الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ» وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «اِعْلَمْ أَنَّ الْمَكْسَ هُوَ أَنْ تَأْتِيَ الْجُمْلَتَانِ إِحْدَاهُمَا عَكْسَ الْأُخْرَى»، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾(٢). وَقَدْ جَمَعَهُ عَبْدُ النَّبِيِّ النِّيسَابُورِيُّ فِي كِتَابِهِ «تُحْفَةِ الأَزْهَارِ فِي سِمَاتِ الأَشْعَارِ» مَعَ «التَّذْيِيلِ»، فَقَالَ: يُسَمَّى تَدَاخُلَ الْجُمَلِ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ «الْقَلْبَ وَالْمُصَالَبَ»، فَإِنَّ الْقَلْبَ أَعَمُّ، لِمَا يَسْتَحِيلُ بِالِانْعِكَاسِ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ أَيْضًا «الْمَقْهُورِيَّ»، وَهِيَ لُغَةُ الرُّجُوعِ إِلَى الْخَلْفِ؛ لِأَنَّ الْقَارِئَ يَنْقَهِرُ رَاجِعًا مِنْ آخِرِ الْكَلَامِ إِلَى أَوَّلِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هٰذَا النَّوْعَ هُوَ أَنْ تُقَدِّمَ مِنَ الْكَلَامِ جُزْءًا ثُمَّ تَنْعَكِسَ فَتُقَدِّمَ مَا أَخَّرْتَ وَتُؤَخِّرَ مَا قَدَّمْتَ، وَمَنْ عَرَّفَهُ بِتَقْدِيمِ لَفْظَةٍ مِنَ الْكَلَامِ ثُمَّ تَأْخِيرِهَا، كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ، فَقَدْ جَعَلَهُ صَادِقًا عَلَى رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ. وَنَحْوُهُ: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾(٣). وَمِنْهُ: [الْمُنْسَرِح]
يَا يُذْنِبِي بِالْفِرَاقِ مُتُّ كَمَدًا مُتُّ كَمَدًا بِالْفِرَاقِ يَا يُذْنِبِي
(١) سُورَةُ الرُّومِ، آيَةٌ رَقْمُ (١٩).
(٢) سُورَةُ فَاطِرٍ، آيَةٌ رَقْمُ (٢).
(٣) سُورَةُ الأَحْزَابِ، آيَةٌ رَقْمُ (٣٧).
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.