من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
الحُرُوفُ العَاطِفَةُ وَالجَارَّةُ
المعنى
أَدْرَجَ ابْنُ الأَثِيرِ الجَزَرِيُّ الحُرُوفَ العَاطِفَةَ وَالجَارَّةَ فِي هٰذَا الفَنِّ البَلَاغِيِّ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنِ الصِّنَاعَةِ المُعْتَبَرَةِ، فَعَرَّفَهَا وَقَالَ: إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَضَعُونَ هٰذِهِ الحُرُوفَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، فَيَجْعَلُونَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَرَّ بِـ «عَلَى» بِـ «فِي» فِي حُرُوفِ الجَرِّ، وَفِي هٰذِهِ الأَشْيَاءِ دَقَائِقُ أَذْكُرُهَا لَكَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، فَأَوَّلُهَا عَطْفٌ بِالْوَاوِ، وَهِيَ لِلْجَمْعِ، وَتَقْدِيمُ الطَّعَامِ عَلَى الإِسْقَاءِ، وَالإِسْقَاءِ عَلَى الإِطْعَامِ جَائِزٌ لِمُرَاعَاةِ حُسْنِ النَّظْمِ، ثُمَّ عَطْفُ الثَّانِي بِالْفَاءِ لِأَنَّ الشِّفَاءَ يَعْقُبُ المَرَضَ بِلاَ زَمَانٍ خَالٍ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ عَطْفُ الثَّالِثِ بِـ «ثُمَّ» لِأَنَّ المَوْتَ يَتَرَاخَى عَنِ الحَيَاةِ، ثُمَّ عَطْفُ الرَّابِعِ بِـ «ثُمَّ» أَيْضًا لِأَنَّ البَعْثَ يَتَرَاخَى عَنِ المَوْتِ، وَفِي هٰذَا كُلِّهِ تَظْهَرُ دَقَائِقُ الاسْتِعْمَالِ لِلْحُرُوفِ العَاطِفَةِ وَالجَارَّةِ فِي البَلَاغَةِ. الثَّالِثُ بـ «ثُمَّ» لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلِهٰذَا جَاءَ فِي عَطْفِهِ بـ «ثُمَّ» الَّتِي هِيَ لِلتَّرَاخِي، وَلَوْ سِيقَتِ الْآيَةُ بِنَظْمٍ آخَرَ لَفَاتَتِ الْمَعَانِي الْمُعْتَبَرَةُ فِي لَفَظَاتِ الْبَلَاغَةِ وَرَوْنَقُهَا.
وَأَمَّا حُرُوفُ الْجَرِّ فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ يَتَكَلَّمُ عَنْ وَضْعِهَا وَمَوَاضِعِهَا، وَمِمَّا وَرَدَ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١)، وَعَرَفَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ «الْمَثَلُ السَّائِرُ»، فَقَالَ: «أَلَا تَرَىٰ إِلَىٰ إِرَادَةِ هٰذَا الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ لِمُخَالَفَةِ حَرْفَيْ الْجَرِّ هٰهُنَا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا تَخَالَفَ بَيْنَهُمَا لِيَدُلَّ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ مُسْتَعْلٍ عَلَى ظَهْرِ فَرَسٍ جَوَادٍ يَرْكُضُ فِي حَيْثُ شَاءَ، وَصَاحِبَ الْبَاطِلِ كَأَنَّهُ مُنْغَمِسٌ فِي ظَلَامٍ مُنْخَفِضٍ فِيهِ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ، وَهٰذَا مَعْنًى دَقِيقٌ قَلَّمَا يُرَاعَىٰ مِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ».
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.