من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
التَّوْرِيَةُ الْمُهَيَّأَةُ
المعنى
عَرَّفَ عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلْسِيُّ التَّوْرِيَةَ الْمُهَيَّأَةَ فِي كِتَابِهِ « نَفَحَاتِ الْأَزْهَارِ » فَقَالَ : « هِيَ أَنْ لَا يَصِحَّ فِي الْكَلَامِ تَوْرِيَةٌ إِلَّا بِاللَّفْظِ الَّذِي قَبْلَهَا أَوِ الَّذِي بَعْدَهَا ، أَوْ تَكُونَ التَّوْرِيَةُ فِي لَفْظَيْنِ لَوْلَا كُلٌّ مِنْهُمَا لَمْ تَتَهَيَّأِ التَّوْرِيَةُ فِي الْآخَرِ » . فَالْمُهَيَّأَةُ بِهٰذَا الِاعْتِبَارِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ :
الأَوَّلُ : الَّذِي تَكُونُ فِيهِ التَّوْرِيَةُ بِلَفْظَةٍ قَبْلَهَا ، كَقَوْلِ بَدْرِ الدِّينِ الدَّمَامِينِيِّ : [ الرَّمَلُ ]
بِـا عَذُولِي فِي مَهَاةٍ مَطْرِبٍ ... حَرَّكَ الأَوْتَارَ لَمَّا سَكَرَا
لَمْ تَهُزَّ الْحَطَبَ ضَرْبَةً طَرْبًا ... عَيْنَمَا تَسْمَعْ مِنْهُ وَقْرًا
لَفْظَةُ نَسْمَعِ هِيَ الَّتِي هَيَّأَتْ قَوْلَهُ « وَزْنًا » لِلتَّوْرِيَةِ بِالزَّوْرَةِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْبَعِيدُ ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الْقَرِيبُ فَأَحَدُ الْأَوْزَانِ لِلطُّيُورِ .
وَالثَّانِي : الَّذِي تَتَهَيَّأُ فِيهِ التَّوْرِيَةُ بِلَفْظَةٍ بَعْدَهَا ، كَقَوْلِ ابْنِ نُبَاتَةَ : [ السَّرِيعُ ]
سَأَلْتُهُ عَنْ دُمُوعِي فَانْتَحَى ... يَتَعَجَّبُ مِنْ إِفْرَاطِ دَمْعِي السَّكُوبِ
وَأَبْصَرَ الْمِسْكَ وَسِدْرَ الْخَدِّ ... فَقَالَ : هٰذَا خَالِي ، وَهٰذَا أَخِي
فَلَفْظَةُ « أَخِي » هِيَ الَّتِي هَيَّأَتْ لَفْظَةَ « خَالِي » لِلتَّوْرِيَةِ .
الثَّالِثُ مِنَ التَّوْرِيَةِ الْمُهَيَّأَةِ : وَهُوَ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ التَّوْرِيَةُ بَيْنَ لَفْظَيْنِ لَوْلَا كُلٌّ مِنْهُمَا لَمْ تَتَهَيَّأِ التَّوْرِيَةُ لِلْآخَرِ ، لِمَا تَهَيَّأَتِ التَّوْرِيَةُ لِلْآخَرِ كَقَوْلِ الصَّلَاحِ الصَّفَدِيِّ : [ الْكَامِلُ ]
كَفَّي سِبَاقُ كُلِّ وَعْدٍ مِثْلُهُ بِي ... مَا زَالَ يُخْلِفُنِي عَلَى الْإِطْلَاقِ
حَتَّى قَطَعْتُ مَطَامِعِي مِنْ وَعْدِهِ ... وَنَسِيتُ عُرْفِيَ لِهٰذَا السَّابِقِ السَّالِفِ
وَذَكَرَ مِثْلَ ذٰلِكَ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ « خِزَانَةِ الْأَدَبِ » ، وَعَرَّفَ جِرْجَانُوس فَرْحَاتُ هٰذِهِ التَّوْرِيَةَ فِي كِتَابِهِ « بُلْغَةُ الْأَرِيبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ » ، فَقَالَ : هِيَ الَّتِي لَا تَتَهَيَّأُ إِلَّا بِاللَّفْظِ الَّذِي قَبْلَهَا أَوِ الَّذِي بَعْدَهَا أَوْ أَنْ تَكُونَ بَيْنَ لَفْظَتَيْنِ لَوْلَا كُلٌّ مِنْهُمَا لَمْ تَتَهَيَّأِ التَّوْرِيَةُ فِي الْآخَرِ . إِذًا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ تَنْدَرِجُ تَحْتَ أَنْوَاعِ الْأَوَّلِ الَّذِي هِيَ أَنْ تَتَهَيَّأَ فِيهِ التَّوْرِيَةُ بِلَفْظَةٍ مِنْ قَبْلِهِ ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ قَوْلُ ابْنِ سَنَاءِ الْمَلِكِ : [ الطَّوِيلُ ]
سَمِعْتُكَ عَنْ فَرْضٍ سَمَاعَةَ مَنْ نَأَى ... وَتَفْرِضُ عَنْ نَدْبٍ وَتُفْرِطُ فِي الْكَرْبِ
وَبَيَّنْتَ فِيهَا مَا سَنَنْتَ مِنَ السُّنَنْ ... فَظَاهَرْتَ فِينَا مِنْ سَنِيكَ سَبَّةً
فَظَهَرَتْ ذَاتُ الْفَرْضِ فِي ذٰلِكَ الذَّنْبِ
الشَّاهِدُ فِي « الْفَرْضِ وَالنَّدْبِ » فَإِنَّهُمَا يَحْتَمِلَانِ أَنْ يَكُونَا فِي مَصْرَفِ الْمَعْنَى إِلَى أَسْمَاءِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَهٰذَا هُوَ الْمَعْنَى الْقَرِيبُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الْعَطَاءِ فِي صِفَةِ الْإِسْرَاعِ فِي الْعَمَلِ وَهٰذَا هُوَ الْمَعْنَى الْبَعِيدُ الْمُورَى عَنْهُ وَلَوْلَا ذِكْرُ السُّنَّةِ لَمَا تَهَيَّأَتِ التَّوْرِيَةُ فِيهَا ، وَالْعَوْنَانِ الْآخَرَانِ كَمَا ذَكَرَهُمَا النَّابُلْسِيُّ .
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.