من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
التَّوْرِيَةُ
المعنى
التَّوْرِيَةُ مِنْ وَرَّيْتُ الْخَبَرَ : جَعَلْتُهُ رِوَايَةً وَسَتَرْتُهُ ، وَالتَّوْرِيَةُ : السَّتْرُ . عَرَّفَ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ التَّوْرِيَةَ فِي كِتَابِهِ « الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ » فَقَالَ : « هِيَ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ بَمَعْنَيَيْنِ : قَرِيبٍ أَحَدُهُمَا يُفْهَمُ بَادِئًا ، وَبَعِيدٍ هُوَ الْمُرَادُ » ، وَهٰذَا التَّعْرِيفُ أَقْرَبُ إِلَى الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ . أَمَّا تَعْرِيفُ ابْنِ أَبِي الْإِصْبَعِ فِي كِتَابِهِ « تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ » فَهُوَ أَغْرَبُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : « أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ ، فَيَشْمَلُ احْتِمَالُهَا مَعْنًى بَعِيدًا وَيُهْمَلُ الْآخَرُ ، وَمُرَادُهُ مَا أَحْمَلَهُ لَا مَا اسْتَعْمَلَهُ » .
وَسَمَّى بَعْضُ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ التَّوْرِيَةَ بِـ « الْإِبْهَامِ » ، وَ « التَّخْيِيلِ » ، وَ « الْمُغَالَطَةِ » . وَمِنْ حُجَجِ الْحَمَوِيِّ أَنَّ التَّوْرِيَةَ أَوْلَى بِالتَّسْمِيَةِ لِأَنَّهَا أَوْفَى بِمُطَابَقَةِ الْمُسَمَّى ، لِأَنَّهَا مَصْدَرُ « وُرِّيَ الشَّيْءُ » : إِذَا سُتِرَ وَأُظْهِرَ غَيْرُهُ ، كَأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَجْعَلُ مَا يُرِيدُهُ مِنَ الْمَعَانِي مَسْتُورًا لَا يَظْهَرُ . وَعِنْدَهُ فِي « خِزَانَةِ الْأَدَبِ » أَنَّ التَّوْرِيَةَ إِذَا أُطْلِقَتْ ظَهَرَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَجْعَلُ لَهَا مِيزَانَيْنِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا ، أَحَدُهُمَا قَرِيبٌ وَدَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ ، وَالْآخَرُ بَعِيدٌ وَدَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ خَفِيَّةٌ ، فَيُرِيدُ الْمُتَكَلِّمُ الْمَعْنَى الْبَعِيدَ وَيُورِّي بِهِ عَنِ الْمَعْنَى الْقَرِيبِ ، فَيَفْهَمُهُ السَّامِعُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ أَنَّهُ يُرِيدُ الْقَرِيبَ ، وَلَيْسَ كَذٰلِكَ . وَكَذٰلِكَ سُمِّيَ هٰذَا الْفَنُّ « إِبْهَامًا » .
وَمِثَالُ ذٰلِكَ قَوْلُ الْمُتَنَبِّي : [ الطَّوِيلِ ]
كَأَنَّ رِقَابَ النَّاسِ قَالَتْ لِسَيْفِهِ ... رَفِيقُكَ قَيْسِيٌّ وَأَنْتَ يَمَانِي
فَالشَّاعِرُ يَقُولُ : إِنَّ كُنْيَةَ شَيْبٍ وَسَيْفِهِ مُتَنَافِرَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ ، لِأَنَّ « شَيْبًا » كَانَ تَبِيعًا ، وَالسَّيْفُ يُقَالُ لَهُ « يَمَانِيٌّ » ، فَوَرَّى بِهِ عَنِ الرَّجُلِ الْمَنْسُوبِ إِلَى الْيَمَنِ ، وَمَعْلُومٌ مَا بَيْنَ الْقَيْسِيِّينَ وَالْيَمَانِيِّينَ مِنْ عَدَاوَةٍ قَدِيمَةٍ . وَالْيَمَانِيِّينَ مِنْ عَدَاوَةٍ قَدِيمَةٍ .
وَالظَّاهِرُ مِنَ الثَّانِي ، إِلَّا أَنَّ الْجَاحِظَ أَرَادَ بِالتَّوْرِيَةِ التَّغْفِيلَ وَاسْتِعْمَالَ الْجُهَّالِ كَمَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ « الْحَيَوَانِ » .
غَيْرَ أَنَّ ابْنَ رَشِيقٍ تَحَدَّثَ عَنْهَا فِي بَابِ الْإِشَارَةِ ، وَقَالَ : « وَمِنْ أَنْوَاعِهَا التَّوْرِيَةُ » ، وَهِيَ عِنْدَهُ مِثْلُ الْكِنَايَةِ ، وَذٰلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يُذْكَرُ اسْمُهُ وَإِنَّمَا يُكْنَى عَنْهُ بِشَجَرَةٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ نَاقَةٍ ، أَوْ مَا شَاكَلَ ذٰلِكَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ نُورِ الْهِلَالِيِّ : [ الطَّوِيلِ ]
تَجَرَّمَ أَهْلُهَا لِأَنِّي كُنْتُ مُجْرِمًا ... جَرَيْتُ بِهَا يَا طُولَ هٰذَا التَّجَرُّمِ
وَمَا لِيَ مِنْ ذَنْبٍ إِلَيْهِمْ عَلِمْتُمُ ... سِوَى أَنَّنِي قَدْ مِلْتُ يَا سَرْحَةَ السَّلْمِ
ثُمَّ فَاسْأَلِي ثُمَّ اسْأَلِي ثُمَّ اسْأَلِي ... ثَلَاثَ تَحِيَّاتٍ ثُمَّ اسْأَلِي إِنْ لَمْ تَتَكَلَّمِ
وَاخْتَلَفَ الْقَزْوِينِيُّ تَسْمِيَةَ « التَّوْرِيَةِ » ، وَقَالَ إِنَّهَا تُسَمَّى « إِبْهَامًا » ، وَعَرَّفَهَا فَقَالَ : « هِيَ أَنْ يُطْلَقَ لَفْظٌ لَهُ مَعْنَيَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ يُرَادُ بِهِ الْبَعِيدُ » ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ شُرَّاحُ « التَّلْخِيصِ » . وَجَرْجَانُوس فَرَحَاتٌ فِي كِتَابِهِ « بَلَاغَةِ الْعَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ » ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فِي كِتَابِهِ « خِزَانَةِ الْأَدَبِ » ، فَقَالَ : « إِنَّ هٰذَا الِاسْمَ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَا يَفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ لَفْظِهِ ، وَيَكُونُ مَفْهُومًا عِنْدَ اللَّفْظِ بِهِ » ، وَأَضَافَ قَائِلًا : « وَاسْتِعْمَالُهُ فِيهِ مَعْنًى مَسْتُورٌ يُرَادُ عَنْ كَذَا إِذَا سُتِرَ » ، وَفِي الْحَدِيثِ كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا وَرَى بِغَيْرِهِ ، أَيْ سَتَرَ خُرُوجَهُ وَأَوْهَمَ أَنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَهُ ، وَهٰذَا نَحْوُ الْكِنَايَةِ ، وَالتَّعْرِيضِ ، وَالْمُعَامَضَةِ ، وَالْأَلْغَازِ ، فَهٰذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا مُشْتَرِكَةٌ فِي كَوْنِهَا دَالَّةً عَلَى أُمُورٍ يَظْهَرُ مَعْنَاهَا وَيَفْهَمُ عِنْدَ ذِكْرِهَا أُمُورٌ أُخَرُ غَيْرُ مَا تُعْطِيهِ ظَوَاهِرُهَا » .
وَقَدْ أَدْرَجَ السَّجْلْمَاسِيُّ التَّوْرِيَةَ فِي أَنْوَاعِ التَّمْثِيلِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَهَا فِي كِتَابِهِ « الْمَنْزِعُ الْبَدِيعُ » ، وَتَحَدَّثَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ عَنِ التَّوْرِيَةِ فِي كِتَابِهِ « الْفَوَائِدُ » ، فَقَالَ : « هُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْمُتَكَلِّمُ لَفْظَةً مِنَ الْكَلَامِ يُرِيدُ بِهَا مَعْنًى ثُمَّ يُرَدِّدَهَا بِمَعْنًى يَبْلُغُهَا مَعْنًى آخَرَ » . وَتَكَلَّمَ ابْنُ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ « التَّوْرِيَةِ » ، وَذَكَرَ لَهَا تَمْيِيزَيْنِ هُمَا :
الْأَوَّلُ : الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظِ الَّذِي تَنْبِيهِهِ بِهِ التَّوْرِيَةُ ، وَالَّذِي تَتَرَشَّحُ بِهِ ، وَالَّذِي تَتَزَيَّنُ بِهِ .
وَالثَّانِي : لَيْسَ كُلُّ لَفْظٍ مُشْتَرَكٍ يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّوْرِيَةُ بَلْ لَا بُدَّ مِنِ اشْتِهَارِ مَعَانِيهِ وَتَدَاوُلِهَا عَلَى الْأَلْسِنَةِ .
وَالتَّوْرِيَةُ أَرْبَعَةٌ : التَّوْرِيَةُ الْمُبَيَّنَةُ ، وَالْمُجَرَّدَةُ ، وَالْمُرَشَّحَةُ ، وَالْمُهَيَّأَةُ ، وَهٰذَا مَا ذَكَرَهُ. عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلْسِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ « نَفَحَاتِ الْأَزْهَارِ » ، وَكَذٰلِكَ ذَكَرَ جِرْجِسُ فَرْحَاتٌ فِي كِتَابِهِ « بُلْغَةُ الْأَرِيبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ » .
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.