من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
التَّنْسِيقُ
المعنى
التَّنْسِيقُ : النَّسْقُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، أَيْ مَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ نِظَامٍ وَاحِدٍ ، وَالتَّنْسِيقُ بِمَعْنَى التَّرْتِيبِ . أَشَارَ الرَّشِيدُ الْوَطْوَاطُ فِي كِتَابِهِ «حَدَائِقُ السِّحْرِ» عَنْ «تَنَسُّقِ الصِّفَاتِ» ، وَعَرَّفَهُ ، فَقَالَ : «وَتَكُونُ هٰذِهِ الصِّفَةُ أَنْ يَذْكُرَ الْكَاتِبُ أَوِ الشَّاعِرُ شَيْئًا بِجُمْلَةِ أَسْمَاءٍ أَوْ جُمْلَةِ صِفَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ (٢) ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي مَدْحِ الْمُصْطَفَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : [ الطَّوِيلِ ]
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
وَذَكَرَ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الْإِيجَازِ» تَنْسِيقَ الصِّفَاتِ ، وَمَثَّلَ لَهُ بِالْآيَةِ السَّابِقَةِ .
وَتَحَدَّثَ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ» وَعَرَّفَ «التَّنْسِيقَ» ، فَقَالَ : «هُوَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّيْءَ بِصِفَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ» . وَذَكَرَ مِثْلَهُ التَّنُوخِيُّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الْأَرَبِ» . وَقَدْ سَمَّاهُ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ «حُسْنَ النَّسْقِ» ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ : «هُوَ أَنْ تَأْتِيَ الْكَلِمَاتُ مِنَ النَّثْرِ وَالْأَبْيَاتُ مِنَ الشِّعْرِ مُتَلَاحِمَاتٍ مُتَلَازِمَاتٍ تَلَاحُمًا مُسْتَحْسَنًا لَا مُسْتَكْرَهًا» .
وَتَكَلَّمَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ فِي كِتَابِهِ «تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ» ، وَعَرَّفَ «التَّنْسِيقَ» وَقَالَ : «وَالْمُسْتَحْسَنُ مِنْ ذٰلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ بَيْتٍ إِذَا أُفْرِدَ قَامَ بِنَفْسِهِ وَاسْتَقَلَّ مَعْنَاهُ بِلَفْظِهِ ، وَإِنْ رُدِّفَ مَعْنَاهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ ، بِحَيْثُ يَعْتَقِدُ السَّامِعُ أَنَّهُمَا إِذَا انْفَصَلَا جُزْءًا حِسْبَهُمَا وَنَقَصَ كَمَالُهُمَا وَتَفَسَّمَ مَعْنَاهُمَا ، وَهُمَا لَيْسَا كَذٰلِكَ ، بَلْ حَالُهُمَا فِي كَمَالِ الْحُسْنِ وَتَمَامِ الْمَعْنَى مَعَ الِانْفِرَادِ وَالِافْتِرَاقِ كَحَالِهِمَا مَعَ الِالْتِئَامِ وَالِاجْتِمَاعِ» . وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ شُرَفِ الْقَيْرَوَانِيِّ : [ الْبَسِيطِ ]
جاوِرْ عَلِيًّا وَلَا تَحْفِلْ بِحَادِثَةٍ ... إِذَا ادَّرَعْتَ فَلَا تَسْأَلْ عَنِ الْأَسْبَابِ
سَلْ عَنْهُ وَانْظُرْ إِلَيْهِ تَجِدْ ... مَهْرَ الْمَسَاعِي وَالْأَلْوَاءَ وَالْفَضْلِ
هٰذَا مِنْ شَوَاهِدِ عَطْفِ بَيْتٍ عَلَى بَيْتٍ يَلِيهِ وَعَطْفِ بَيْتٍ آخَرَ تَلاحَمَ مَعَ مَا قَبْلَهُ إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْأَمِيرِ الْحَلَبِيَّ سَمَّاهُ «التَّدْمِيرَ» «حُسْنَ الِارْتِبَاطِ» وَ«حُسْنَ التَّرْبِيبِ» وَ«حُسْنَ النَّسْقِ» ، وَعَرَّفَهُ بِمَا يُقَارِبُ مَا فِي تَعْرِيفِ الْمِصْرِيِّ . وَذَكَرَ مِثْلَ ابْنِ أَبِي الْجُزْرِيَّةِ فِي كِتَابِهِ «الْفَوَائِدِ» ، وَعَرَفَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ بِحُسْنِ النَّسْقِ فَقَالَ : «هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِجُمَلٍ مُتَعَاقِبَاتٍ مِنَ الشِّعْرِ أَوْ أَبْيَاتٍ مِنَ الشِّعْرِ مُتَلَاحِمَاتٍ تَلَاحُمًا مُسْتَحْسَنًا لَا مُسْتَكْرَهًا» ، بِحَيْثُ يَكُونُ الْبَيْتُ إِذَا أُفْرِدَ قَامَ بِنَفْسِهِ مُسْتَقِلًّا بِمَعْنَاهُ بِلَفْظِهِ ، وَالشِّعْرُ يَكُونُ مُجْتَمِعًا مُتَّفِقًا إِذَا تَجَاوَزَتْ تَامَّةَ الْمَعَانِي ، إِذَا أُفْرِدَتْ وَالْبَيْتُ الْوَاحِدُ يَكُونُ فِيهِ جُمَلٌ لَوْ أُفْرِدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي حُكْمِهَا حُسْنَ السُّكُوتِ عَلَيْهَا ، مُرَتَّبَةً مُرْتَبِطَةً إِذَا اجْتَمَعَتْ ، مُتَنَاسِقَةَ التَّرْتِيبِ . وَمِثْلٌ لَهُ يَقُولُهُ : [ الْبَسِيطِ ]
كَالطَّوْدِ فِي عِظَمٍ كَالْبَدْرِ فِي شَرَفٍ ... كَالْلَّيْثِ فِي هَيْبَةٍ كَالْغَيْثِ فِي كَرَمٍ
فَهٰذَا الْبَيْتُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِمَا قَبْلَهُ وَلَا بِمَا بَعْدَهُ ، مُتَلَاحِمٌ مَعَ بَقِيَّةِ الْأَبْيَاتِ . غَيْرُ مُسْتَغْرَبِ الْمَعْنَى بِمَا قَبْلَهُ وَلَا بِمَا بَعْدَهُ ، تَنْفَرِدُ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنْهُ بِالْمَعْنَى اللَّطِيفِ وَتَجْتَمِعُ بِمَا يَلِيهَا عَلَى بَهْجَةِ الْمَدْحِ الشَّرِيفِ .
كَمَا عَرَّفَهُ ابْنُ حِجَّةَ الْحَمَوِيُّ فَقَالَ : «هٰذَا النَّوْعُ ، أَعْنِي حُسْنَ النَّسَقِ وَتَنْسِيقَ التَّنْسِيقِ ، مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ مِنَ الشِّعْرِ وَالْأَلْفَاظِ مِنَ النَّثْرِ مُتَتَابِعَاتٍ مُلَاحِمَاتٍ لَاحِقَةً لِأَحْكَامٍ مُسْتَتْبِعَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ ، وَتَكُونُ جُمْلُهَا وَمَعَارِفُهَا مُتَّفِقَةً مُتَوَالِيَةً ، إِذَا أُفْرِدَ مِنْهَا الْبَيْتُ قَامَ بِنَفْسِهِ وَاسْتَقَلَّ مَعْنَاهُ بِلَفْظِهِ» . غَيْرَ أَنَّ السُّيُوطِيَّ فِي كِتَابِهِ «الْإِتْقَانِ» ، وَابْنَ مَعْصُومٍ الْمَدَنِيَّ فِي كِتَابِهِ «أَنْوَارِ الرَّبِيعِ» ، ذَكَرَا رَأْيَ أَصْحَابِ الْبَدِيعَاتِ مِنْ جِهَةٍ ، وَرَأْيَ الرَّازِيِّ وَالْحَلَبِيِّ مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ .
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.