من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
التَّفْرِيقُ وَالْجَمْعُ
المعنى
التَّفْرِيقُ وَالْجَمْعُ مِنِ اخْتِرَاعِ ابْنِ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيِّ، الَّذِي عَرَّفَهُ فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يُفَرِّقَ الْمُتَكَلِّمُ بَيْنَ كَلَامَيْنِ مُرْتَبِطَيْنِ مُتَلَاحِمَيْنِ، كَلَامًا لَا يَظْهَرُ ارْتِبَاطُهُ بِمَا قَبْلَهُ فِي النَّظْمِ حَتَّى يُؤْتَى بِآخِرِ الْكَلَامِ، فَيَرْتَبِطَ بِذٰلِكَ مَعْنًى لَا يَفِيدُهُ الْكَلَامُ دُونَهُ عَلَى مُقْتَضَى وَضْعِ النَّظْمِ وَتَرْتِيبِهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَجْمَعُ مَا فَرَّقَ مِنَ الْكَلَامِ بِمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ لِنَفْعِ الْأَوَّلِ وَمُلَاءَمَتِهِ لَهُ وَارْتِبَاطِهِ، وَكَوْنِهِ فِي الظَّاهِرِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُجَاوِرَهُ غَيْرُهُ». وَمَثَّلَ لِهٰذَا الْفَنِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. مَا ذَكَرُوهُ بِهِ (1)، وَمُقْتَضَى حُسْنِ الْجَوَابِ فِي النِّظَامِ أَنْ يُقَالَ هٰهُنَا: «أَخَذْنَاهُمْ بِنِعَمِهِ»، فَلَمْ يَقُلْ ذٰلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ (2)، فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ رَحِيمٌ أَنْ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَخَذْنَاهُمْ﴾، وَأَنْ لَا يَلِيقَ أَنْ يُقَالَ: «أَخَذْنَاهُمْ بِنِعَمِهِ». لِأَنَّ الْإِبَاءَ يَفْتَحُ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ، عَصَبَتْ تَصَرُّفَاتِهِمْ بِمَا يَمْنَعُ أَعْذَارَهُمْ وَيُلْزِمُهُمُ الْإِقْرَارَ بِمُخَالَفَتِهِ، وَيُخَوِّفُهُمْ بِأَحْسَنِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ الْمُتَضَمِّنَةِ الْوَعْدَ بِأَخْذِهِمْ فِي النَّعِيمِ لِيَكُونَ ذٰلِكَ أَخْذًا أَكْبَرَ وَالْعَذَابُ أَشَدَّ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ ذٰلِكَ الْإِخْبَارِ: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى﴾، وَقَوْلُهُ: «أَخَذْنَاهُمْ»، فَاجْتَمَعَ مَا تَفَرَّقَ مِنَ الْكَلَامِ، وَانْتَظَمَ مَا انْقَسَمَ مِنْ ذٰلِكَ النِّظَامِ، وَهٰذَا إِعْجَازٌ بَلَاغِيٌّ حَارَ مَعَهُ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ الْكِبَارِ.
وَقَدْ سَمَّاهُ جِرْمَانُوس فَرْحَاتٌ فِي كِتَابِهِ فِي بُلُوغِ الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ نَوْعَ «الْجَمْعِ مَعَ التَّفْرِيقِ»، وَعَرَّفَهُ قَائِلًا: «اعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ هٰذَا النَّوْعِ هُوَ أَنْ يَجْمَعَ الشَّاعِرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مِنْ شَيْئَيْنِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي ذٰلِكَ الْحُكْمِ»، وَشَاهَدَهُ مِنَ الْبَدِيعِيَّاتِ قَوْلُ ابْنِ الْحَمَوِيِّ: [الْبَسِيطُ]
سَنَّتْ كَالسُّيُوفِ إِذَا يَسْمُرْ فَضْلًا وَغَىً وَالْغَمُّ كَالْبَرْقِ فِي تَفْرِيقِ جَمْعِهِمُ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.