من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
التَّفْرِيعُ
المعنى
التَّفْرِيعُ مِنَ الْفِعْلِ فَرَّعَ، وَفَرَعَ بِمَعْنَى فَرَقَ، وَالتَّفْرِيعُ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: فَرَّعْتُ مِنْ هٰذَا الأَصْلِ فُرُوعًا يَعْنِي: اسْتَخْرَجْتُهَا. وَعَرَّفَ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ «التَّفْرِيعَ» وَبَيَّنَ مَنْزِلَتَهُ مِنَ الِاسْتِطْرَادِ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ «الْعُمْدَةِ»: «وَهُوَ مِنَ الِاسْتِطْرَادِ كَالأَذْنَابِ لِلْأَقَاسِيمِ»، وَذٰلِكَ أَنَّ الشَّاعِرَ يَقْصِدُ وَصْفًا آخَرَ يَزِيدُ الْمَوْصُوفَ تَوْكِيدًا. وَمِنْ لَطِيفِ التَّفْرِيعِ قَوْلُ الْمُتَنَبِّي يَصِفُ لَيْلًا: [الْوَافِرُ]
أُقَلِّبُ فِيهِ أَجْفَانِي كَأَنِّي أُعِدُّ بِهَا عَلَى الدَّهْرِ الذُّنُوبَا
فَالشَّاعِرُ يَصِفُ كَثْرَةَ سَهَرِهِ وَإِدَارَةَ لَحْظِهِ وَيُشَبِّهُهَا بِكَثْرَةِ ذُنُوبِ الدَّهْرِ عِنْدَهُ. وَقَدْ عَرَّفَ الْقُرْطَاجَنِيُّ فِي كِتَابِهِ «مِنْهَاجِ الْبُلَغَاءِ» «التَّفْرِيعَ» فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يَصِفَ الشَّاعِرُ شَيْئًا يُوصَفُ مَا، ثُمَّ يَلْتَفِتَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ يُوصَفُ بِصِفَةٍ مُمَاثِلَةٍ أَوْ مُشَابِهَةٍ أَوْ مُخَالِفَةٍ لِمَا وُصِفَ بِهِ الأَوَّلُ». فَيُسْتَدْرَجُ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الآخَرِ وَيُسْتَطْرَدُ بِهِ إِلَيْهِ عَلَى جِهَةِ تَشْبِيهٍ أَوْ مُضَاهَاةٍ أَوِ الْتِفَاتٍ أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ، مِمَّا يُنَاسِبُ بِهِ بَيْنَ بَعْضِ الْمَعَانِي وَبَعْضٍ، فَيَكُونُ ذِكْرُ الثَّانِي كَالْفَرْعِ عَنْ ذِكْرِ الأَوَّلِ». وَقَدْ ذَكَرَ أَمْثِلَةً ابْنُ رَشِيقٍ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ تَعْرِيفَهُمَا لِلتَّفْرِيعِ مُتَشَابِهَانِ.
وَقَدْ فَرَّعَ هٰذَا النَّوْعَ الْبَلَاغِيَّ ابْنُ أَبِي الإِصْبَعِ الْمِصْرِيُّ إِلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْدَأَ الشَّاعِرُ بِلَفْظِهِ فَيَأْتِيَ إِمَّا بِاسْمٍ وَإِمَّا صِفَةٍ، ثُمَّ يُكَرِّرَهَا فِي الْبَيْتِ مُضَافَةً إِلَى أَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ يَتَفَرَّعُ مِنْ جُمْلَتِهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْمَعَانِي فِي الْمَدْحِ وَغَيْرِهِ، كَقَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ: [الْمُتَقَارِبُ]
أَنَا ابْنُ اللَّقَاءِ أَنَا ابْنُ السَّمَاءِ أَنَا ابْنُ الضِّرَابِ أَنَا ابْنُ الطِّعَانِ
طَوِيلِ النِّجَادِ طَوِيلِ الْقِمَادِ طَوِيلِ الْقَنَاةِ طَوِيلِ السِّنَانِ
فَكُلُّ بَيْتٍ مِنْهُمَا يَنْطَوِي عَلَى فُرُوعٍ مِنَ الْمَعَانِي شَتَّى مِنَ الْمَدَايِحِ تَفَرَّعَتْ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: يَتَفَرَّعُ مِنْهُ مَعْنًى وَاحِدٌ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ أَيْضًا فِي بَيْتٍ أَوْ أَبْيَاتٍ، وَإِمَّا فِي جُمْلَةٍ مِنَ الْكَلَامِ أَوْ جُمَلٍ، وَهُوَ أَنْ يَصْدِرَ الشَّاعِرُ أَوِ الْمُتَكَلِّمُ كَلَامَهُ بِاسْمٍ مُبْتَدَإٍ بِـ «مَا» خَاصَّةً ثُمَّ يَصِفَ الِاسْمَ الْمُبْتَدَأَ بِمَعْظَمِ أَوْصَافِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ إِمَّا فِي الْحُسْنِ وَالْمَدْحِ ثُمَّ يَجْعَلَهُ أَصْلًا يَتَفَرَّعُ مِنْهُ مَعْنًى فِي جُمْلَةٍ مِنْ جَارٍّ وَمَجْرُورٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِهِ تَعَلُّقَ مَدْحٍ أَوْ هِجَاءِ أَوْ فَخْرٍ أَوْ نَسَبٍ، أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ، يُفْهَمُ مِنْ ذٰلِكَ مُسَاوَاةُ الْمَذْكُورِ بِالِاسْمِ الْمُبْتَدَإِ الْمَوْصُوفِ، وَمِنْهُ أَبْيَاتُ الأَعْشَى السَّابِقَةُ.
وَقَدْ ذَكَرَ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ هٰذَا الْفَرْعَ فِي كِتَابِهِ «الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ» وَسَمَّاهُ التَّثْنِي، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «اعْلَمْ أَنَّ التَّثْنِيَ قَدْ كَثُرَ فِي أَشْعَارِ الْعُرْبِ وَالْمُحْدَثِينَ، كَقَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ الأَبْرَصِ: [الطَّوِيلُ]
وَمَسَّا خَدًّا وَرْدًا يُرَشِّحُ شَكْلَهُ بِخُطَّانٍ قَدْ أَحْنَى جَمِيعَ الْمَوَارِدِ
كَأَنَّ مَسَاءَ الْهَادِيَاتِ بِنَحْرِهِ صَبِيٌّ مَلَأَتْ خُدُودَهُ الْمَجَاسِدُ».
وَلِهٰذَا التَّفْرِيعِ نَوْعٌ ثَالِثٌ وَهُوَ تَفْرِيعُ مَعْنًى مِنْ مَعْنًى مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ نَفْيٍ وَلَا جُحُودٍ، كَقَوْلِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ: [السَّرِيعُ]
كَلَامُهُ أَخْنَعُ مِنْ لَفْظِهِ وَوَعْدُهُ أَكْذَبُ مِنْ طَيْفِهِ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِمَعَانِي النَّفْسِ دُونَ مَعَانِي الْبَدِيعِ.
وَذَكَرَ هٰذِهِ الْأَنْوَاعَ كُلٌّ مِنِ ابْنِ مَالِكٍ فِي كِتَابِهِ «الْمِصْبَاحِ»، وَابْنِ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيِّ فِي كِتَابِهِ «حُسْنِ التَّوَسُّلِ»، وَالْقُرَطُبِيِّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الْأَرَبِ»، وَالْعُلَوِيِّ فِي كِتَابِهِ «؟»، وَابْنِ حِجَّةَ الْحَمَوِيِّ فِي كِتَابِهِ «خَزَائِنِ الْأَدَبِ»، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «وَهٰذَا النَّوْعُ ـ أَعْنِي التَّفْرِيعَ ـ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ التَّفْصِيلِ، هُوَ أَنْ يَصْدُرَ الشَّاعِرُ أَوِ الْمُتَكَلِّمُ كَلَامَهُ بِاسْمٍ مُبْهَمٍ بِهِ عَنْ خَاصَّةٍ، ثُمَّ يَصِفَ ذٰلِكَ الِاسْمَ الْمُبْهَمَ بِأَوْصَافٍ مُنَاسِبَةٍ لِلْمَقَامِ، إِمَّا فِي الْحُسْنِ وَإِمَّا فِي الْقُبْحِ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ أَصْلًا، يُفَرِّعُ مِنْهُ جُمْلَةً مِنْهَا جَارٌّ وَمَجْرُورٌ وَمُتَعَلِّقَةٌ بِهِ تَعَلُّقَ مَدْحٍ أَوْ هِجَاءِ أَوْ فَخْرٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي ذٰلِكَ الِاسْمِ بِفَضْلِ التَّفْضِيلِ، فَيَمْدَحُ مَا دَخَلَ فِي مَعْنَى الْمَقْصُودِ بِالْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ أَوْ غَيْرِهَا، وَيَعْنِي الْمَجْرُورَ بِفَضْلِ التَّفْضِيلِ فَتَحْصُلُ السَّوَاءُ فِي الِاسْمِ الْمَجْرُورِ مِنْ بَيْنِ بَقِيَّةِ الِاسْمِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ مَا أُثْنِيَ بِهِ؛ لِأَنَّ حَرْفَ التَّفْرِيعِ قَدْ يَكُونُ لِلنَّفْيِ فَقَدْ نَفَى الْأَفْضَلِيَّةَ فَتَبْقَى الْمُسَاوَاةُ، يُبَيِّنُ ذٰلِكَ أَنْ تَقُولَ: مَا الْأَمْرُ إِذَا بَكَى الْغَمَامُ فَضْحِكُكَ أَحْسَنُ مِنْ أَخْلَاقِ زَيْدٍ، فَالْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الزَّهْرِ وَالْأَخْلَاقِ هُنَا ثَابِتَةٌ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ».
وَعَرَّفَ الْقَزْوِينِيُّ فِي «تَلْخِيصِهِ» فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يُثْبَتَ بِتَعَلُّقِهِ أَمْرٌ حُكْمٌ بَعْدَ إِثْبَاتِهِ لِمُتَعَلِّقٍ آخَرَ»، وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ: [الْبَسِيطُ]
أَحْلَالُكُمْ لِسِبَاعِ الْجَهْلِ شَافِيَةٌ كَمَا تُشَافِيكُمُ تَشْفِي مِنَ الْعُقَلِ
أَمَّا التَّسْوِيطِيُّ فَقَدْ جَمَعَ مَعَ التَّفْرِيعِ التَّأْسِيسَ، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «هٰذَا نَوْعٌ لَطِيفٌ لاِشْتِدَادِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْكَلَامِ النَّبَوِيِّ، وَلَمْ أَرَ فِي الْأَنْوَاعِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَا يُنَاسِبُهُ فَسَمَّيْتُهُ بِالتَّأْسِيسِ وَالتَّفْرِيعِ»، وَذٰلِكَ أَنْ يُرَادَ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ لِمَا يَقْصِدُهُ، ثُمَّ يُرَتِّبَ عَلَيْهَا الْمَقْصُودَ، كَقَوْلِهِ ﷺ: «لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ، وَخُلُقُ هٰذَا الدِّينِ الْحَيَاءُ»، فَالتَّفْرِيعُ لَهُ مَعْنَيَانِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ:
الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ الْقَزْوِينِيُّ وَشُرَّاحُ «التَّلْخِيصِ».
وَالثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ الْبِدِيعِيُّونَ وَالتَّوْزِنْتَانِيُّ فِي «مِعْيَارِ النَّظَرِ»، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَدَنِيُّ ابْنُ مَعْصُومٍ فِي كِتَابِهِ «أَنْوَارُ الرَّبِيعِ»، وَقَالَ: «إِنَّ النَّوْعَ الثَّانِيَ سَمَّاهُ بَعْضُهُمْ النَّسِيءَ وَالْحَجْمُودَ».
وَعَرَّفَهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتُ فِي كِتَابِهِ «بُلُوغُ الْأَرَبِ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ» فَقَالَ: «اعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ هٰذَا النَّوْعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: الْأَوَّلُ هُوَ أَنْ يَصْدُرَ الْمُتَكَلِّمُ كَلَامَهُ بِمَا النَّافِيَةِ خَاصَّةً، ثُمَّ إِنَّهُ ...». يَصِفُ الِاسْمَ بِمَعْظَمِ أَوْصَافِهِ اللَّاحِقَةِ بِهِ فِي الْمَدْحِ أَوِ الْقَبْحِ ثُمَّ يَجْعَلُهُ أَصْلًا يُفَرِّعُ مِنْهُ جُمْلَةً مِنْ جَارٍّ وَمَجْرُورٍ مُتَعَلِّقًا بِهِ تَعَلُّقَ مَدْحٍ أَوْ هِجَاءٍ أَوْ تَحْبِيبٍ أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ، يَفْهَمُ مِنْ ذٰلِكَ مُسَاوَاةُ الْمَذْكُورِ بِالِاسْمِ الْمُجْرَى.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.