من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
التَّقْرِيضُ
المعنى
التَّقْرِيضُ مِنْ قَرَضَ، وَقَرَضَ الشَّيْءَ وَفَرَضَهُ: شَقَّهُ وَقَطَعَ المَعْجِزَ فِيهِ، وَالتَّقْرِيضُ: التَّنْصِيصُ. عَرَّفَ أُسَامَةُ بْنُ مُنْقِذٍ التَّقْرِيضَ فِي كِتَابِهِ «الْبَدِيعِ فِي نَقْدِ الشِّعْرِ» فَقَالَ: «أَعْلَمُ أَنَّ التَّقْرِيضَ هُوَ أَنْ يُقَدِّمَ الشَّاعِرُ عَلَى شَيْءٍ فَيُثْنِي عَلَيْهِ بِلَا أَنْ يَكُونَ تَقْرِيضًا مِنْهُ، إِذَا لَمْ يُكْمِلِ اللَّفْظَ أَوْ يُبْلِغْ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ بَابٌ وَاسِعٌ عَلَيْهِ مَعْظَمُ الِانْتِقَادِ مِنَ الشُّعَرَاءِ»، وَمِثْلُ قَوْلِ الثَّابِتِ الأَبْنِيِّ: [الطَّوِيلُ]
يُثْنَى النَّسَامُ طِيبَ عِطْرِهِمْ يَجْرُونَ بِالْرِّجْحَانِ يَوْمَ السَّبَاسِبِ
لِأَنَّ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ يَحْكِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ذٰلِكَ الْيَوْمَ بِالرِّجْحَانِ، وَكَذٰلِكَ الْبَيْتُ الثَّانِي فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِي كَوْنِهَا مُبَادِرَةً كُلَّ جَانِبٍ عَنْهَا لِبُعْدٍ». أَمَّا التَّقْرِيظُ الَّذِي جَاءَ بِهِ ابْنُ الأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ «الْمَثَلِ السَّائِرِ» فَهُوَ قَوْلُهُ: «أَمَّا التَّقْرِيظُ فَهُوَ التَّنْصِيصُ وَالتَّصْرِيحُ، وَالتَّقْرِيظُ فِي إِيرَادِ الْمَعَانِي الْخِطَابِيَّةِ قَبِيحٌ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ». وَمِنْهُ قَوْلُ الأَعْشَى: [الْمُقَارِبُ]
وَمَا مُبْرِمٌ مِنْ خَلِيجِ الْفُرَاتِ بِجُرْفٍ غَرَارَتِهِ تَغْتَلِمُ
يَسُوقُ سَفِينَتَهُ إِذَا مَا سَآمَهُمْ لَمْ يُسْئِمِ
فَإِنَّهُ مَدَحَ مَلِكًا بِالْجُودِ مَجْمُوعًا، وَالْمَدْحُ كُلُّ مَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ قَدْرِهِ أَوْ قُدْرِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَلِكِ فِي ذٰلِكَ مَدْحٌ وَلَا أَوْسَطُ النَّاسِ أَيْضًا، وَفِي مَدْحِ السُّوقَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ، وَمَدْحُ الْمُلُوكِ بِهِ عَيْبٌ وَذَمٌّ قَبِيحٌ، وَهٰذَا مِنْ أَقْبَحِ التَّقْرِيظِ. وَعَرَّفَ التَّنُّوخِيُّ فِي كِتَابِهِ «الأَقْصَى الْقَرِيبِ» التَّقْرِيظَ فَقَالَ: «وَالتَّقْرِيظُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ قَاصِرًا عَمَّا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْمَعْنَى». وَقَدْ قَارَنَ ابْنُ الأَثِيرِ الحَلَبِيُّ بَيْنَ الإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، فَقَالَ: «أَمَّا التَّفْرِيطُ وَالإِفْرَاطُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمُضَمَّنُ فِي الْعِبَارَةِ بِخِلَافِ مَا تَقْتَضِيهِ الْبَلَاغَةُ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ احْتِيَاطًا دُونَهَا فَهُوَ تَفْرِيطٌ، وَإِمَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْهَا فَهُوَ إِفْرَاطٌ، وَمِثَالُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: الجَاهِلُ إِمَّا مُفْرِطٌ أَوْ مُفَرِّطٌ». وَجَعَلَ ابْنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ الإِفْرَاطَ وَالتَّفْرِيطَ وَالاقْتِصَادَ فِي بَابٍ وَاحِدٍ، وَسَمَّاهُ الِامْتِحَانَ. وَنَقَلَ كَلَامَ ابْنِ الأَثِيرِ وَبَعْضَ أَمْثَالِهِ، وَعَرَّفَهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ العَلَوِيُّ فِي كِتَابِهِ «الطِّرَازِ» فَقَالَ: «صُوِّرَ عَلَى جِهَةِ التَّقْصِيرِ فِي الْمُعَبَّرِ عَنْهُ وَالتَّفْحِيشِ وَالإِهْمَالِ لَهُ»، وَمِنْهُ مَا قَالَهُ أَبُو نُوَاسٍ يَمْدَحُ رَجُلًا: [الْوَافِرُ]
يَبْقَى الحَرْبَ حَتَّى حُسْنُ فِيهَا سِرَاجًا لَيْسَ يَسْتَعِرُ الرَّجِيمَا
لَقَدْ أَكْثَرَ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ فِي الْكَلَامِ عَنِ التَّفْرِيطِ، وَفَسَّرُوا مَعْنَاهُ، إِلَّا أَنَّ السُّيُوطِيَّ فِي كِتَابِهِ «شَرْحِ عُقُودِ الْجُمَانِ» ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ مِنْ عُلَمَاءِ الْبَلَاغَةِ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ سِوَى عَبْدِ الْقَاهِرِ الجُرْجَانِيِّ، فَقَالَ: «وَتَوَهَّمْتُ مِنْ زِيَادَتِي أَيْضًا عَلَى نَوْعٍ يُسَمَّى «التَّغْرِيطَ»»، ذَكَرَهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي كِتَابِهِ وَلَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ، وَأَضَافَ: «وَهُوَ ضِدُّ الْمُبَالَغَةِ؛ أَنْ يَأْتِيَ بِالْوَصْفِ قَاصِرًا عَمَّا يَقْتَضِيهِ حَالُ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ»، ثُمَّ مَثَّلَ بِقَوْلِ الأَعْمَى الَّذِي قَرَّ التَّشْبِيهَ بِهِ، وَهٰذَا مَا اسْتُبْعِدَ مِنْ كَلَامِ السُّيُوطِيِّ، وَمِنَ الْمُعْتَقَدِ أَنَّهُ يَقْصِدُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا أَدْخَلَ التَّفْرِيطَ فِي الْمُحَسِّنَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ مِنَ الْبَدِيعِ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.