من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
التَّصْرِيحُ بَعْدَ الْإِبْهَامِ
المعنى
التَّصْرِيحُ مِنْ صَرَّحَ، وَصَرَّحَ فُلَانٌ بِمَا فِي نَفْسِهِ وَصَرَّحَ: أَبَانَ وَأَظْهَرَ.
وَسَمَّاهُ ابْنُ فَتْحٍ الْجَزُولِيُّ: «التَّصْرِيحُ بَعْدَ الْإِبْهَامِ هُوَ التَّفْسِيرُ»، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ: «الْبَيَانُ»، كَمَا اعْتَبَرَهُ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَانِي وَسَمَّاهُ «صِحَّةَ التَّصْرِيفِ»، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «أَنْ يَضَعَ الشَّاعِرُ مَعَانِيَ يُرِيدُ أَنْ يَذْكُرَ أَحْوَالَهَا فِي الشِّعْرِ الَّذِي يَصِفُهُ، ثُمَّ يَذْكُرَهَا فِيهِ ذِكْرًا لِلشَّيْءِ الَّذِي يَعْنِيهِ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَلِفَ مَعْنَى مَا أَتَى بِهِ مِنْهَا وَلَا يَزِيدَ أَوْ يَنْقُصَ»، وَمِثْلُهُ يَقُولُ الْفَرَزْدَقُ: [الطَّوِيلُ]
لَقَدْ جِئْتَ قَوْمًا لَوْ نُسِبْتَ إِلَيْهِمُ
طَرِيدَ دَمٍ أَوْ صَاحِبَ الدَّمِ ...
إِلَّا أَنَّ هٰذَا الْبَيْتَ غَيْرُ وَاضِحِ الْمَعْنَى، لِذٰلِكَ فَسَّرَ الشَّاعِرُ فِي الْبَيْتِ التَّالِي فَقَالَ: [الطَّوِيلُ]
...
لَأَلْحِقَنَّهُمْ ...
إِلَّا أَنَّ هٰذَا الْبَيْتَ غَيْرُ وَاضِحِ الْمَعْنَى، لِذٰلِكَ فَسَّرَ الشَّاعِرُ فِي الْبَيْتِ التَّالِي فَقَالَ: ...
وَسَمَّاهُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِهِ «الصِّنَاعَتَيْنِ»، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «وَهُوَ أَنْ يُورِدَ مَعَانِيَ فَيَحْتَاجَ إِلَى شَرْحِ أَحْوَالِهَا، فَإِذَا شَرَحْتَ أَنْتَ فِي الشَّرْحِ بَلَغْتَ الْمَعَانِيَ مِنْ غَيْرِ عُدُولٍ عَنْهَا أَوْ زِيَادَةٍ تُزَادُ فِيهَا»، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، فَنِسْبَةُ جَعْلِ السُّكُونِ لِلَّيْلِ، وَابْتِغَاءِ الْفَضْلِ لِلنَّهَارِ، فَجَاءَ فِي (١) سُورَةِ الْقَصَصِ، آيَةٌ رَقْمُ (٧٣) . غَايَةُ الْبَلَاغَةِ، وَكَذٰلِكَ عَرَّفَهُ ابْنُ سِنَانٍ وَالْبُغْدَادِيُّ، فَقَالَا: «هُوَ أَنْ يَذْكُرَ مُؤَلِّفُ الْكَلَامِ مَعْنًى يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ، فَيَأْتِيَ بِهِ عَلَى الصِّحَّةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ». وَهٰذَا قَرِيبٌ مِنْ تَعْرِيفِ ابْنِ شَيْثٍ الْقُرَشِيِّ فِي «مَعَالِمِ الْكِتَابَةِ». وَعَمَلُ الْبَلَاغِيِّ أَنْ يُعَرِّفَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ عُدُولٍ عَنْهُ فَقَالَ: «هُوَ أَنْ تُوَضِّحَ مَعَانِي تَحْتَاجُ إِلَى شَرْحِ أَحْوَالِهَا، فَإِذَا شَرَحْتَ أَبَنْتَ تِلْكَ الْمَعَانِيَ مِنْ غَيْرِ عُدُولٍ عَنْهَا وَلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ».
بَيْنَمَا اسْتَوْفَاهُ ابْنُ رَشِيقٍ فِي كِتَابِهِ «الْعُمْدَةِ» يَقُولُهُ: «هُوَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الشَّاعِرُ شَرْحَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ مُجْمَلًا، وَأَقَلُّ مَا يَجِيءُ مِنْ هٰذَا الْبَابِ أَكْثَرُ مِنْ بَيْتٍ وَاحِدٍ». أَمَّا ابْنُ الْأَثِيرِ الْمَوْصِلِيُّ فَخَصَّصَ تَعْرِيفَهُ بِقَوْلِهِ: «هُوَ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا ثُمَّ تُفَسِّرَهُ تَفْسِيرًا يَخُصُّهُ فَتُتِمَّهُ مَعَ ذٰلِكَ الْمُخَصِّصِ».
وَشَبِيهٌ بِتَعْرِيفِ ابْنِ سِنَانٍ تَعْرِيفُ ابْنِ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيِّ، وَكَذٰلِكَ التِّبْرِيزِيُّ إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ تَمْيِيزًا أَلْطَفَ فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يَذْكُرَ الْمُؤَلِّفُ، نَاثِرًا كَانَ أَوْ نَاظِمًا، أَشْيَاءَ مُجْمَلَةً فَيُفَسِّرَهَا»، فَالْمَحْمُودُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ مُرَتَّبًا تَرْتِيبًا يُرِيقُ الْمَفْهَمَ، فَإِنْ خَالَفَ هٰذَا فِي التَّفْسِيرِ وَالتَّرْتِيبِ أُخِذَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ لِمَعْنًى. وَذَكَرَ الْحَلَبِيُّ وَالتِّبْرِيزِيُّ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي كِتَابِهِ، فَقَالَا: «وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ، أَيْ مِنَ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ»، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ لَفْظًا وَيُومِئَ إِلَى بَيَانِهِ، فَهٰذَا مَعَ التَّفْسِيرِ.
وَيَذْكُرُ ابْنُ الْأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ «جَوْهَرِ الْكَنَزِ» أَنَّ التَّفْسِيرَ عَلَى أَقْسَامٍ؛ فَمِنْهُ مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ، وَمِنْهُ مَا هُوَ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ؛ فَالضَّرُورِيُّ مَا لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِهِ، وَغَيْرُ الضَّرُورِيِّ يُسَمَّى «تَرْشِيعًا»، وَهُوَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَتِمُّ الْكَلَامُ دُونَهُ، وَلَكِنْ يَحْتَاجُ فِي مَعْنَاهُ إِلَى زِيَادَةِ تَجْمِيلٍ وَتَوْكِيدٍ. وَمِثَالُ الضَّرُورِيِّ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾، فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ اسْتَغْرَقَ أَقْسَامَ أَجْنَاسِ كُلِّ مَا دَبَّ وَدَرَجَ مَعَ حُسْنِ التَّرْتِيبِ، وَهٰذَا تَفْسِيرٌ ضَرُورِيٌّ.
وَالْخُلَاصَةُ لَيْسَ كُلُّ قَوْلٍ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ، بَلْ مَا كَانَ مِنْهُ مُجْمَلًا وَمُبْهَمًا، وَأَفْصَحُ قَوْلٍ وَأَوْضَحُهُ وَمَفْهُومُهُ قَوْلُ أَحَدِهِمْ: [الْبَسِيطُ]
ثَلَاثَةٌ تُشْرِقُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهِمْ
شَمْسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْقَمَرُ
(١) سُورَةُ النُّورِ، آيَةٌ رَقْمُ (٤٥).
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.