من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
التَّشْكِيكُ
المعنى
التَّشْكِيكُ مِنَ الشَّكِّ، وَهُوَ نَقْضُ الْيَقِينِ، وَيُقَالُ: شَكَكْتُ وَتَشَكَّكْتُ فِي الْأَمْرِ. عَرَّفَهُ ابْنُ رَشِيقٍ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْعُمْدَةِ»، فَقَالَ: «وَهُوَ مِنْ مِلْحِ الشِّعْرِ وَطَرَفِ الْكَلَامِ»، وَلَهُ فِي النَّفْسِ حَلاوَةً وَحُسْنَ وَقْعٍ، يُخَالِفُ ما لِلْمَلُولِ وَالإِغْرَاقِ، وَفَائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلَى قُرْبِ الشَّبَهَيْنِ حَتَّى لا يُفْرَقَ بَيْنَهُمَا وَلا يُمَيَّزَ أَحَدُهُمَا مِنَ الآخَرِ ». بَيْنَما بَيَّنَ تَعْرِيفَ ابْنِ أَبِي الأَصْبَعِ المِصْرِيِّ فِي كِتَابِهِ « تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ »، فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ فِي كَلامِهِ بِلَفْظَةٍ تَشْكِكُ الْمُخَاطَبَ هَلْ هِيَ مِمَّا حُسِبَتْ أَصْلًا فِي الْكَلامِ أَم لا؟ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ﴾ (١)، فَإِنَّ لَفْظَةَ « بِدَيْنٍ » تُشَكِّكُ السَّامِعَ هَلْ هِيَ فَضْلَةٌ أَوْ لَفْظَةٌ زَائِدَةٌ، يَعْنِي غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا، وَالأَنْظَرُ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ يُعْلَمُ أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ لأَنَّ لَفْظَةَ الدَّيْنِ لَهَا مَحَامِلُ. وَتَقُولُ: « دَايَنْتُ فُلانًا الْمَوَدَّةَ فَبِهِ جَازَيْتُهُ »، وَمِنْهُ: « كَمَا تَدِينُ تُدَانُ ». وَالتَّشْكِيكُ الْمَجَازِيُّ هَذَا الَّذِي لا يُكْتَبُ وَلا يُشْهَدُ عَلَيْهِ وَلَمَّا كَانَ المُرَادُ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَبْيِينُ الدَّيْنِ الْمَالِيِّ الَّذِي يُكْتَبُ وَيُشْهَدُ عَلَيْهِ وَيُبَيِّنُ حَقَّهُ وَيُبَيِّنُ الأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ، مَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْمَلَ فِيهِ، أَوْجَبَتِ الْبَلاغَةُ أَنْ تَقُولَ « بِدَيْنٍ ». مَعْنَاهُ: بِدَيْنٍ يُكْتَبُ وَيُشْهَدُ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ: « فَتَدَايَنْتُمْ ». وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَنَقَلَ هٰذَا التَّعْرِيفَ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ « حُسْنِ التَّوَسُّلِ »، وَالنَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ « نِهَايَةِ الأَدَبِ »، وَابْنُ الأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ فِي كِتَابِهِ « جَوْهَرِ الْكَنَزِ »، وَالسَّكَّرِيُّ فِي كِتَابِهِ « عُرُوسِ الأَفْرَاحِ »، وَسَمَّاهُ ابْنُ الأَثِيرِ « التَّجَاهُلَ ». بَيْنَمَا ابْنُ أَبِي الأَصْبَعِ عَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ: وَمِنَ التَّشْكِيكِ نَوْعٌ أَلْحَقَهُ بَعْضُ المُؤَلِّفِينَ حَتَّى أَدْخَلَهُ فِي نَوْعِ ابْهَاجِلِ العِبَارَةِ، وَهُوَ أَنْ يُرِيَ المُتَكَلِّمُ شَيْئًا لِلنَّاسِ فَيَشُكُّونَ نَفْسَهُ فِيهِ لِقُصُورِهِ تَقْرِيبٌ بَيْنَ المِشْبَهِ وَالمِشْبَهِ بِهِ، ثُمَّ يَعُودُ عَنْ المَجَازِ إِلَى الحَقِيقَةِ. وَفَضَّلَ ذٰلِكَ التَّشْكِيكَ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَى الحَقِيقَةِ فَهُوَ تَجَاهُلُ العَارِفِ، وَإِنْ عَادَ فَهُوَ التَّشْكِيكُ المُحَقَّقُ. وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِ سَلْمٍ: [ الطَّوِيلُ ]
تَزَخْرَفَتْ فُلُوسُ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا
بِجِلْدِ غَيْلِ الذِّئْبِ مِنْ أَثَرِ الْقُرُوصِ
ثُمَّ قَالَ: نَاظِرٌ كَيْفَ رَجَعَ إِلَى التَّحْقِيقِ بَعْدَ التَّشْكِيكِ، وَهٰذَا مِمَّا لَمْ يُدْرِكْهُ ابْنُ رَشِيقٍ القَيْرَوَانِيُّ وَغَيْرُهُ عِنْدَمَا اعْتَبَرُوهُ مِنْ نَوْعِ « تَجَاهُلِ العَارِفِ ». وَهٰذَا فِي قَوْلِ سَلْمٍ رَجْعٌ عَنِ التَّشْكِيكِ بَيْنَمَا فِي قَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ الَّذِي مِثْلُهُ ابْنُ رَشِيقٍ لَمْ يَرْجِعْ: [ الطَّوِيلُ ]
فَقَوْلُهُ: « مَا أَدْرِي الأَحْلَامَ نَائِمٌ، أَثَمَّ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرُّكْبِ يُوسِعُ ».
(١) سُورَةُ البَقَرَةِ، آيَةٌ رَقْم (٢٨٢). وَعَلَيْهِ فَإِنْ بَيْتَ سَلِمَ مِنَ التَّشْكِيكِ الْحَقِّ، عَلَى عَكْسِ بَيْتِ أَبِي تَمَّامٍ، لَا يَمُتُّ إِلَى التَّشْكِيكِ فِي شَيْءٍ، وَلَا أَدْنَى صِلَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْفَنِّ الْبَدِيعِ «تَجَاهُلِ الْعَارِفِ»، كَمَا أَنَّ التَّبَايُنَ ظَاهِرٌ لِلْبَيَانِ.
وَنَخْلُصُ إِلَى الْقَوْلِ أَنَّ هٰذَا الْفَنَّ هُوَ مِنِ ابْتِدَاعِ وَاخْتِرَاعِ ابْنِ أَبِي الْإِصْبَعِ إِذْ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ سَابِقٌ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.