من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
التَّرْجِيعُ
المعنى
التَّرْجِيعُ مِنْ رَجَعَ يَرْجِعُ، اِنْصَرَفَ، وَرَجَّعَ الرَّجُلُ: رَدَّ صَوْتَهُ فِي قِرَاءَةٍ أَوْ غَيْرِه مِمَّا يُرَتِّمُ بِهِ. عَرَّفَهُ حَمْزَةُ الْمَلْقِيُّ فَقَالَ: «هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يَحْكِيَ الْمُتَكَلِّمُ مُرَاجَعَةً فِي الْقَوْلِ، وَمُحَاوَرَةً جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِأَجْزَاءِ عِبَارَةٍ، وَأَقْصَرِ لَفْظٍ يُنْزِلُ فِي الْبَلَاغَةِ أَحْسَنَ الْمَنَازِلِ وَأَعْجَبَ الْمَوَاقِعِ». وَمِنْ جَيِّدِ مَا يُورَدُ مِنْ أَمْثِلَتِهَا مَا قَالَهُ صَاحِبُ «اللَّبِيبِ»: [السَّرِيعُ] قَالَتْ أَلَا لَيْتَنَا دَارَنَا إِنْ أَبَيْنَا رَجُلًا غَائِرِ، أَمَا رَأَيْتِ الْبَابَ مِنْ دُونِنَا قُفْلٌ فَأَيُّ وَابٍ طَائِرِ، قَالَتْ فَإِنِّي لَأَلْبَسُ عَابِسَةً قُلْتُ فَسِيرِي مَسِيرَكِ بَاكِرِ. هٰذِهِ الْأَبْيَاتُ وَمَا شَاكَلَهَا مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي الْمُحَاوَرَةِ وَتَرْجِيعِ الْخِطَابِ عَلَى جِهَةِ الْمُلَاطَفَةِ وَالِاسْتِطْلَافِ، وَقَدْ سَمَّاهُ السُّيُوطِيُّ «التَّرْجِيعَ»، وَنَقَلَ تَعْرِيفَ النَّصِيبِيِّ، فَقَالَ: «هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مُهِمًّا بَالِغًا، فَإِذَا شَرَحْتَهُ فِي نَوْعٍ مِنَ الْكَلَامِ نَظَرْتَ إِلَى مَا يَخْتَصُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَمْكَنَكَ الزِّيَادَةُ فِي تَأْكِيدِهِ فَعُدْتَ تُرَجِّعُ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾». كَمَا عَرَّفَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ: «فِي تَجْدِيدِ النُّزُولِ لَهُ كَانَ فِي تَقْرِيرِهِ نَزْلٌ لَا يُكَابِدُهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَالِ مَنْ يُخَاطِبُهُ، وَلَا يَنْسَى وَلَا يَسْهُو مَعَ لُطْفِ فَائِدَتِهِ الشَّيْءَ الَّذِي أَهَمَّ صَاحِبَهُ، فَيُرَجِّعُ إِلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِهِ وَيَخْتَصِرُ إِلَيْهِ». وَهٰذَا الْفَنُّ قَبْلَ أَنْ يَخْتَرِعَهُ ابْنُ أَبِي الْأَصْبَعِ الْمِصْرِيُّ، وَلٰكِنْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ هٰذَا الِاسْمَ، وَسَمَّاهُ «الْمُرَاجَعَةَ»، وَقَالَ مُعَرِّفًا لَهُ بِقَوْلِهِ: «هُوَ أَنْ يَحْكِيَ الْمُتَكَلِّمُ مُرَاجَعَةً فِي الْقَوْلِ، وَمُحَاوَرَةً فِي الْحَدِيثِ جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَوْ بَيْنَ اثْنَيْنِ غَيْرِهِ». ثُمَّ نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ مَعَ مِثْلِهِ، وَهٰذَا مَا سَمَّاهُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ «نِهَايَةِ الْإِيجَازِ فِي دِرَايَةِ الْإِعْجَازِ» «الْجَوَابَ وَالسُّؤَالَ»، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، إِذِ الْمُرَاجَعَةُ أَعَمُّ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْمِصْرِيِّ فِيهِ إِلَّا تَغْيِيرُ اسْمِهِ فَقَطْ، أَمَّا الْمَسْمُوسُ فَهُوَ مَسْرُوقٌ إِلَيْهِ، وَنَقَلَ تَعْرِيفَ ابْنِ أَبِي الْأَصْبَعِ ابْنُ مَالِكٍ فِي كِتَابِهِ «الْمِصْبَاحِ»، كَمَا نَقَلَ أَمْثِلَتَهُ، وَعَرَّفَهُ السُّبْكِيُّ فِي تَعْرِيفِهِ ابْنِ أَبِي الْأَصْبَعِ فِي كِتَابِهِ «الْجَوَابِ وَالسُّؤَالِ». كِتَابِهِ «عُرُوسِ الْأَفْرَاحِ» فَقَالَ: «هِيَ حِكَايَةُ مُحَاوَرَةٍ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْإِلْحَاحِ». وَهٰذَا الْفَنُّ يَعْتَمِدُ عَلَى إِلْمَامِ الشَّاعِرِ يُوضِحُ الْكَلَامَ فِي مَوْضِعِهِ فِي صِيغَةِ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ عِبَارَةً رَشِيقَةً، وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَهْجَنَةٌ، كَمَا اسْتَهْجَنَهَا الْحَمَوِيُّ فَقَالَ: «الْمُرَاجَعَةُ لَيْسَ تَحْتَهَا كَبِيرُ أَمْرٍ، وَلَوْ فُرِضَ فِي حُكْمٍ فِي الْبَدِيعِ مَا نَظَمْنَاهَا فِي أَسْلَاكِ أَنْوَاعِهِ». وَسَمَّاهُ ابْنُ مَصْمُومٍ «التَّرْجِيعَ وَالْمُرَاجَعَةَ»، فَقَالَ: «لِلتَّرْجِيعِ وَالْمُرَاجَعَةِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى شُيُوعِ مِثْلِ هٰذَا الأُسْلُوبِ بَيْنَ الشُّعَرَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ يُكْثِرُ فِي الشِّعْرِ الْحِسِّيِّ الَّذِي بُنِيَ عَلَى الْحِكَايَةِ الْغَزَلِيَّةِ وَحِيلَاتِ النِّسَاءِ فِيهَا، وَلِهٰذَا، وُجِدَ كَثِيرًا فِي شِعْرِ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَأَبِي نُوَاسٍ، وَبَشَّارٍ، وَجَمِيلٍ، إِلَّا أَنَّ إِثْبَاتَهُ فِي غَيْرِ هٰذَا الْمَنْزِلِ قَلِيلٌ، وَهٰذَا النَّوْعُ أَوْلَى فِي أُسْلُوبِ الْحِكَايَةِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَشَفَ عَنْ قُدْرَةِ الشَّاعِرِ وَسُرْعَةِ بَدِيهَتِهِ إِلَّا أَنَّ سُرْعَةَ تَحْسِيبِهِ فِي عِلْمِ الْبَدِيعِ قَلِيلٌ». وَمِنْهُ مَا قَالَ الْبَاخَرْزِيُّ: [الرَّجَزُ] قَدْ قُلْتُ فَحَرَّجْتِنِي فَمَا الْعَمَلُ ** صَدَّتْ وَنَأَتْ وَثَنَتْ وَفَعَلَتْ.
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.