من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
تَجَاهُلُ الْعَارِفِ
المعنى
الْجَهْلُ نَقِيضُ الْعِلْمِ، وَتَجَاهَلَ: أَظْهَرَ الْجَهْلَ وَلَيْسَ بِهِ. أَشَارَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ إِلَى تَجَاهُلِ الْعَارِفِ دُونَ أَنْ يُعَرِّفَهُ، وَمِثَالُ ذٰلِكَ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى: [ الْوَافِرِ ]
وَمَا أَدْرِي وَلَسْتُ بِإِحْدِ إِدْرِي ** أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
وَقَدْ ذَكَرَهُ الْعَسْكَرِيُّ، فَجَعَلَ الشَّكَّ مُرْتَجِعًا إِلَى الْيَقِينِ وَسَمَّاهُ «تَجَاهُلَ الْعَارِفِ»، وَعَرَّفَهُ فَقَالَ: «هُوَ إِخْرَاجُ مَا يُعْرَفُ صِحَّتُهُ مَشْكُوكًا مَا يُشَكُّ فِيهِ لِيَزِيدَ بِذٰلِكَ تَأْكِيدًا».
وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ: [ الْوَافِرِ ]
كَتَبْتُ إِلَيْكَ وَالْأَحْشَاءُ تَهْفُو ** وَلِي بَلْوَى مَا يُبْدِي لَهَا قَرَارُ
وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْمُبَرِّدُ دُونَ أَنْ يُسَمِّيَهُ، وَكَذٰلِكَ ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَالْبَغْدَادِيُّ. وَقَدْ سَمَّى السَّكَّاكِيُّ تَجَاهُلَ الْعَارِفِ «سَوْقَ الْمَعْلُومِ مَسَاقَ غَيْرِهِ»، وَذَكَرَ بَعْضَ الْأَمْثِلَةِ السَّابِقَةِ دُونَ أَنْ يُعَرِّفَهُ، وَكَذٰلِكَ فَعَلَ الْأُزْرِيُّ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ»(1). وَقَدْ نَبَّهَ ابْنُ الأَثِيرِ الْحَلَبِيُّ عَلَى تَجَاهُلِ الْعَارِفِ، فَقَالَ: «وَهٰذَا الْبَابُ لَهُ اسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجَاهُلُ الْعَارِفِ، وَالآخَرُ: يُقَالُ لَهُ الإِعْتِنَاتُ». فَالأَوَّلُ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ نَوْعِهِ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيُطْلَقُ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ هٰذَا النَّوْعِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَدَبًا مَعَ الآيَاتِ الْكَرِيمَةِ، وَهٰذَا الأَخِيرُ سَمَّاهُ السَّكَّاكِيُّ. وَلُزُومِ مَا لَا يَلْزَمُ، وَهُوَ أَرْوَى وَأَظْرَفُ فَنٍّ مِنَ الإِعْنَاتِ.
أَمَّا تَعْرِيفُ الزَّمَخْشَرِيِّ فَهُوَ: «أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ تَعَلُّمًا مُوهِمًا أَنَّكَ لَا تَعْرِفُهُ وَإِنَّهُ مِمَّا خَالَجَكَ فِيهِ الشَّبَهُ، لِفَتْرَةٍ شَبِيهَةٍ بَيْنَ الْمَذْكُورَيْنِ» ، كَمَا عَرَّفَهُ الْمِصْرِيُّ بِقَوْلِهِ:
«وَالإِعْنَاتُ لُزُومُ مَا لَا يَلْزَمُ وَتَجَاهُلُ الْعَارِفِ شَيْءٌ آخَرُ»، وَأَضَافَ: «هُوَ مَسْؤُولٌ الْمُتَكَلِّمُ عَمَّا يَعْلَمُ حَقِيقَةً، فَيَتَجَاهَلُ مَنْ بِهِ لِيُخْرِجَ كَلَامَهُ مَخْرَجَ الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ، أَوْ لِيَدُلَّ عَلَى شِدَّةِ الدَّلَالَةِ فِي الْحُبِّ، أَوِ الْقَصْدِ لِلتَّحَبُّبِ، أَوِ التَّقْرِيرِ أَوِ التَّوْبِيخِ»، وَنَقَلَ كُلَّ ذٰلِكَ مِنَ الْجُحَلِيِّ وَالْقِيرَاطِيِّ.
وَقَدْ قَسَّمَهُ الْمِصْرِيُّ إِلَى قِسْمَيْنِ:
الأَوَّلُ مُوجَبٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ»(1) وَهٰذَا خَارِجٌ مَخْرَجَ التَّعَجُّبِ.
وَالثَّانِي مَنْفِيٌّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «مَا هٰذَا بَشَرًا إِنْ هٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ»(2).
وَعَرَّفَهُ الْعَلَوِيُّ الْمُظَفَّرُ، فَقَالَ: «وَرُبَّمَا تَجَاهَلَ الْعَارِفُ أَنْ يَعْرِفَهُ، أَوِ الشَّاعِرُ أَوِ الآثِرُ يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ يَعْرِفُهُ سُؤَالَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، لِيَعْلَمَ أَنَّ شِدَّةَ الشَّبَهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَدْ أَحْدَثَتْ عِنْدَهُ ذٰلِكَ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي أَعْمَالِ الْعَرَبِ وَخُطَبِهِمْ».
وَهٰذَا التَّعْرِيفُ قَرِيبٌ مِنْ تَعْرِيفِ جِرْمَانُوس فَرْحَانْ، وَهُوَ: «أَنْ يُسْأَلَ الْمُتَكَلِّمُ عَنْ شَيْءٍ يَعْرِفُهُ سُؤَالَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، لِيُعْلِمَ أَنَّ شِدَّةَ التَّشْبِيهِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُتَشَابِهِينَ أَحْدَثَتْ عِنْدَ النَّاسِ الشَّبَهَ بِالتَّشْبِيهِ، وَفَوَائِدُهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ مَمْدُوحٌ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ لَكَثْرَةِ مَحَبَّتِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ».
وَعَرَّفَهُ الْقَزْوِينِيُّ بِتَسْمِيَةِ السَّكَاكِيِّ «سَوْقُ الْمَعْلُومِ مَسَاقَ غَيْرِهِ لِنَكْتَةٍ»، وَقَدْ سَمَّاهُ الْعَلَوِيُّ «التَّجَاهُلَ»، وَقَالَ: «هُوَ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ تَعْلَمُهُ تَعَلُّمًا مُوهِمًا أَنَّكَ لَا تَعْرِفُهُ وَأَنَّهُ مِمَّا خَالَجَكَ فِيهِ الشَّبَهُ وَالرِّيَبَةُ، وَشُبِّهَتْ عَرَضَتْ بَيْنَ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُوَ مُقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الِاسْتِعَارَةِ يَبْلُغُ بِهِ الْكَلَامُ الذُّرْوَةَ الْعُلْيَا، وَيَبْلُغُ فِي الْفَصَاحَةِ الْمَحَلَّ الأَعْلَى». وَهٰذَا نَفْسُ تَعْرِيفِ الزَّمَخْشَرِيِّ.
كَمَا عَرَّفَهُ الْحَمَوِيُّ وَابْنُ مَصْعُومٍ الْمَدَنِيُّ كَتَعْرِيفِ السَّابِقَيْنِ. وَقَدْ تَفَاقَ اسْمُ «تَجَاهُلِ».
(1) سُورَةُ الْقَمَرِ، آيَةٌ رَقْمُ (24).
(2) سُورَةُ يُوسُفَ، آيَةٌ رَقْمُ (31). الْعَارِفِ، عِنْدَ الْبُلَغَاءِ دُونَ سَائِرِ التَّشْبِيهَاتِ. وَكَذٰلِكَ عَرَّفَهُ جِرْمَانُوسُ فَرْحَاتٌ بِقَوْلِهِ فِي كِتَابِهِ «بَلَاغَةُ الْعَرَبِ فِي عِلْمِ الأَدَبِ»: «إِنَّ حَقِيقَةَ هٰذَا النَّوْعِ هُوَ أَنْ يَسْأَلَ الْمُتَكَلِّمُ عَنْ شَيْءٍ يَعْرِفُهُ مَسْؤُولٌ مِمَّنْ لا يَعْرِفُهُ، لِيَعْلَمَ أَنَّ شِدَّةَ التَّشْبِيهِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُتَنَاسِبَيْنِ؛ لِشِدَّةِ عِنْدَهُ النَّاسِ الْمَشَبَّهِ بِهِ، وَنَفَاذِهِ الْمُبَالَغَةَ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ مَمْدُوحٌ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ؛ لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ». وَمِثْلُ ذٰلِكَ يَقُولُ ابْنُ خَلْدُونَ: [ الْوَافِرِ ]
أَأَهْمُ فِي النَّجَاحَةِ أَمْ شَرَابٍ ** دُرٌّ مَا عَمِلْنَ أَمْ حِجَابُ أُمِّ حِجَابٍ
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.