من المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني
التَّتْمِيمُ
المعنى
التَّتْمِيمُ مِنْ تَمَّ الشَّيْءُ ثُمَّ تَمَّ، وَتَمَامُ الشَّيْءِ وَتَتْمِيمُهُ: مَا تَمَّ بِهِ. التَّتْمِيمُ غَرَضٌ ابْنِ الْمُعْتَزِّ يَقُولُ: «اعْتِرَاضُ كَلاَمٍ فِي كَلاَمٍ لَمْ يَتِمَّ مَعْنَاهُ، ثُمَّ يَعُودُ الْمُتَكَلِّمُ فَيُتِمُّهُ»، وَمِثْلُهُ تَعْرِيفُ ابْنِ أَبِي الإِصْبَعِ المِصْرِيِّ، أَمَّا الحاتِمِيُّ فَقَدْ سَمَّاهُ فِي كِتَابِهِ «حِلْيَةِ الْمُحَاضَرَةِ» «التَّخْتِيمَ»، وَهٰذِهِ التَّسْمِيَةُ أَوْلَى مِمَّا تَقَدَّمَ، وَعُرِّفَ بِقَوْلِهِ: «أَنْ يَذْكُرَ الشَّاعِرُ مَعْنًى فَلاَ يُبَادِرُ شَيْئًا مِنْهُ وَيُكْمِلَ الاِسْتِقْصَاءَ مَعَهُ فِيمَا أَتَى بِهِ».
كَمَا عَرَّفَهُ ابْنُ حَجَّةَ الْحَمَوِيُّ بِقَوْلِهِ: «التَّتْمِيمُ عِبَارَةٌ عَنِ الإِيبَانِ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ بِكِلْمَةٍ إِذَا أُخْرِجَتْ مِنَ الْكَلَامِ نَقَصَ حُسْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٍ فِي الْمَعَانِي وَضَرْبٍ فِي الأَلْفَاظِ؛ فَالأَوَّلُ فِي الْمَعَانِي هُوَ تَمَتُّمُ الْمَعْنَى، وَالثَّانِي فِي الأَلْفَاظِ هُوَ تَمَتُّمُ الزِّنَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا تَمَتُّمُ الْمَعْنَى، وَيَجِبُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالِاحْتِيَاطِ». وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: [الْكَامِلِ]
تَسْقَى زِيَارَتُكَ غَيْرَ مُضْمَحْلِلَةٍ ** صَوْبَ الْغَمَامِ وَدِيمَةً تَهْمِي
نَقُولُ: «غَيْرَ مُضْمَحْلِلَةٍ» احْتِرَازٌ وَاحْتِيَاطٌ، وَيَجِبُ فِي الْمَقَاطِعِ وَالْحُشْوِ، وَأَكْثَرُ مَا يَجِيءُ فِي الْحُشْوِ». كَمَا عَرَّفَهُ جَامَاسُ الْخَرَاشِيُّ يَقُولُ: «هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ بِكَلِمَةٍ أَوْ جُمْلَةٍ فِي كَلاَمٍ تَامٍّ تَتِمُّهَا، أَوْ تُتِمُّ مَعْنًى آَخَرَ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَعْنَوِيٍّ وَلَفْظِيٍّ؛ فَالْمَعْنَوِيُّ هُوَ تَمَتُّمُ الْمَعْنَى أَوْ غَيْرِهِ»، وَمِثَالُهُ قَوْلُ كَثِيرٍ عَزَّةَ: [الطَّوِيلِ]
تَكَلَّمَ لَهُ الأَعْدَاءُ حَتَّى إِذَا أَسَاؤُوا ** بِسُرْمُدَاءَ طَوْعًا وَكَرْهًا تَتَابَعَا
قَوْلُهُ: «طَوْعًا وَكَرْهًا» هُوَ التَّتْمِيمُ. وَكَانَ الْجَاحِظُ قَدْ أَفْرَدَ لَهُ بَابًا مُسْتَقِلًّا بِالتَّتْمِيمِ، يَقُولُ: «وَبَابٌ آخَرُ يَذْكُرُونَ الْكلاَمَ لِوَزْنٍ وَلِمَعْنًى، وَيُفَضِّلُونَ بِهِ إِصَابَةَ الْمَقَادِيرِ وَيَفْضُلُونَ الْخُرُوجَ مِنَ التَّبْدِيلِ».
أَمَّا قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مِنْ أَنْوَاعِ نُعُوتِ الْمَعَانِي، فَعَرَّفَهُ وَقَالَ: «وَمِنْ أَنْوَاعِ نُعُوتِ التَّتْمِيمِ»؛ وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّاعِرُ الْمَعْنَى، فَلاَ يَبْلُغَ مِنَ الأَحْوَالِ الَّتِي تَتِمُّ بِهَا صِحَّتُهُ، وَتَكْمُلُ مَعَهَا جَوْدَتُهُ شَيْئًا إِلاَّ أَتَى بِهِ. وَذَكَرَ عِدَّةَ أَمْثِلَةٍ، وَمِنْهَا بَيْتُ طَرَفَةَ «تَسْقَى دِيَارَكِ...». كَمَا أَفْرَدَهُ أَبُو هِلاَلٍ الْعَسْكَرِيُّ بَابًا خَاصًّا سَمَّاهُ «التَّتْمِيمُ وَالتَّكْمِيلُ»، وَهُوَ: أَنْ تَنْوِيَ الْمَعْنَى حَقَّهُ مِنَ الْجَوْدَةِ، وَتُعْطِيهِ نَصِيبَهُ مِنَ الصِّحَّةِ، ثُمَّ لاَ تُبَادِرَ مَعْنًى يَكُونُ فِيهِ تَمَامُهُ إِلاَّ تَأْتِيَ، أَوْ لَفْظًا يَكُونُ فِيهِ تَوْكِيدُهُ إِلاَّ تَذْكُرَهُ». وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى». ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾(١)، فَقَوْلُهُ: ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ تَتْمِيمٌ، وَقَدْ نَبَّهَ ابْنُ رَشِيقٍ إِلَى أَنَّ التَّتْمِيمَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّاعِرُ مَعْنًى فَيُتِمَّهُ، فَلَا يَذْكُرُ الشَّاعِرُ مَعْنًى وَلَا يَبَادِرُ شَيْئًا مِمَّا بِهِ يَتِمُّ ذٰلِكَ الْمَعْنَى، بَلْ يُكْمِلُ لَهُ الْحُسْنَ وَالإِحْسَانَ وَيَبْقَى الْبَيْتُ نَاقِصَ الْكَلَامِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى مَا يُشْبِهُهُ مِنْ كَلِمَةٍ تُوَافِقُ مَا فِي الْبَيْتِ مِنْ تَطْبِيقٍ أَوْ تَحْسِينٍ، مِثَالُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾(٢)، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ تَتْمِيمٌ أَيْضًا، فَهٰذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ. وَقَدْ عَرَّفَ ابْنُ يَعِيشٍ التَّتْمِيمَ أَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَصَاحَةِ، وَنَقَلَهُ الصَّنَاعِيُّ، كَمَا نَقَلَ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ تَعْرِيفَ التِّبْرِيزِيِّ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي الأَصْبَعِ الْمِصْرِيَّ أَوْرَدَ لَهُ بَابًا خَاصًّا بِاسْمِ «التَّتْمِيمِ»، وَقَالَ: «وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ الْحَاحِظِيُّ التَّتْمِيمَ، وَالتَّتْمِيمُ ضَرْبَانِ: الأَوَّلُ فِي الْمَعَانِي، وَهُوَ تَتْمِيمُ الْمَعْنَى، وَثَانِيهِمَا لِلْمُبَالَغَةِ وَالاِحْتِيَاطِ، وَالثَّانِي فِي الأَلْفَاظِ، وَهُوَ الَّذِي يُرَادُ بِهِ إِقَامَةُ الْوَزْنِ، يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِطَرْحِ الْكَلِمَةِ اِنْتِقَالُ مَعْنًى لِسِوَاهَا، وَهُمَا نَوْعَانِ: كَلِمَةٌ لَا يُقْصَدُ مَعْنَاهَا إِلَّا إِقَامَةَ الْوَزْنِ فَقَطْ، وَأُخْرَى تُقَيِّدُ مَعَ الْوَزْنِ ضَرْبًا مِنَ الْمَحَاسِنِ، فَالأُولَى مِنَ الْمَعْرُوضِ، وَالثَّانِيَةُ مِنَ النُّعُوتِ».
(١) سُورَةُ النَّحْلِ، آيَةٌ رَقْمُ (٩٧).
(٢) سُورَةُ فُصِّلَتْ، آيَةٌ رَقْمُ (٣٠).
الكلمات المشتقّة (٠)
لا توجد كلمات مسجّلة لهذا الجذر.